Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 201–210 of 286

201

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، قالُوا: بَيَّنَ تَعالى حالَ الذّاكِرِينَ لَهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وحالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وعِلْمَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المَناسِكِ، وأنَّهم يَنْقَسِمُونَ في السُّؤالِ إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا يَدْعُو إلّا بِها، ومِنهم مَن يَدْعُو بِصَلاحِ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ هَذا مِنَ الِالتِفاتِ. ولَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَكانَ فَمِنكم مَن يَقُولُ: ومِنكم. وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهم ما وجَّهُوا بِهَذا الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَسْلُكَهُ عاقِلٌ، وهو الِاقْتِصارُ عَلى الدُّنْيا، فَأُبْرِزُوا في صُورَةِ أنَّهم غَيْرُ المُخاطَبِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ بِأنْ جُعِلُوا في صُورَةِ الغائِبِينَ، وهَذا مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ ضُرُوبِ البَيانِ، وهو تَقْسِيمٌ بَدِيعٌ يَحْصُرُهُ المُقَسِّمُ إلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، لا عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةَ مِن أنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثالِثًا لَمْ يَذْكُرْ لَهم تَعالى، قالُوا: وهُمُ الرّاضُونَ بِقَضائِهِ، المُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِهِ، السّاكِتُونَ عَنْ كُلِّ دُعاءٍ، وافْتِشاءٍ، ومَفْعُولُ ”آتِنا“ الثّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ، أوْ مَطْلُوبَنا، أوْ ما أشْبَهَ. هَذا وجَعْلُ ”في“ زائِدَةً، وتَكُونُ الدُّنْيا المَفْعُولَ الثّانِيَ قَوْلٌ ساقِطٌ، وكَذَلِكَ جَعْلُ ”في“ بِمَعْنى: مِن، حَتّى يَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وحَذْفُ مَفْعُولَيْ آتى وأحَدِهِما جائِزٌ اخْتِصارًا واقْتِصارًا: لِأنَّ هَذا بابُ أعْطى، وذَلِكَ جائِزٌ فِيهِ.

﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ هُنا مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: الإخْبارُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ لِاقْتِصارِهِ عَلى الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إخْبارًا عَنِ الدّاعِي بِأنَّهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن طَلَبِ نَصِيبٍ، فَيَكُونُ هَذا كالتَّوْكِيدِ لِاقْتِصارِهِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ مَن، لَكانَ: رَبِّ آتِنِي. ورُوعِيَ الجَمْعُ هُنا لِكَثْرَةِ مَن يَرْغَبُ في الِاقْتِصارِ عَلى مَطالِبِ الدُّنْيا ونَيْلِها، ولَوْ أفْرَدَ لَتُوُهِّمَ أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ مُطْلَقَةٌ، والمَعْنى: أنَّهم سَألُوا اللَّهَ في الدُّنْيا الحالَةَ الحَسَنَةَ، وقَدْ مَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِأنَّها المَرْأةُ الصّالِحَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ. أوِ العافِيَةُ في الصِّحَّةِ وكَفافُ المالِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوِ العِلْمُ، أوِ العِبادَةُ، قالَهُ الحَسَنُ. أوِ المالُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ الرِّزْقُ الواسِعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ النِّعْمَةُ في الدُّنْيا، قالَهُ: ابْنُ قُتَيْبَةَ. أوِ القَناعَةُ بِالرِّزْقِ، أوِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أوِ الأوْلادُ الأبْرارُ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، أوْ حَلاوَةُ الطّاعَةِ، أوِ اتِّباعُ السُّنَّةِ، أوْ ثَناءُ الخَلْقِ، أوِ الصِّحَّةُ والأمْنُ والكَفاءَةُ والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، أوِ الفَهْمُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. أوْ صُحْبَةُ الصّالِحِينَ، قالَهُ جَعْفَرٌ. وعَنِ الصُّوفِيَّةِ في ذَلِكَ مُثُلٌ كَثِيرَةٌ.

﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، مَثَّلُوا حَسَنَةَ الآخِرَةِ بِأنَّها الجَنَّةُ، أوِ العَفْوُ والمَغْفِرَةُ …

Al-Baqara 2:201Listen in Qur'an →
202

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Those will have a share of what they have earned, and Allah is swift in account.

﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، قالُوا: بَيَّنَ تَعالى حالَ الذّاكِرِينَ لَهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وحالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وعِلْمَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المَناسِكِ، وأنَّهم يَنْقَسِمُونَ في السُّؤالِ إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا يَدْعُو إلّا بِها، ومِنهم مَن يَدْعُو بِصَلاحِ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ هَذا مِنَ الِالتِفاتِ. ولَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَكانَ فَمِنكم مَن يَقُولُ: ومِنكم. وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهم ما وجَّهُوا بِهَذا الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَسْلُكَهُ عاقِلٌ، وهو الِاقْتِصارُ عَلى الدُّنْيا، فَأُبْرِزُوا في صُورَةِ أنَّهم غَيْرُ المُخاطَبِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ بِأنْ جُعِلُوا في صُورَةِ الغائِبِينَ، وهَذا مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ ضُرُوبِ البَيانِ، وهو تَقْسِيمٌ بَدِيعٌ يَحْصُرُهُ المُقَسِّمُ إلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، لا عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةَ مِن أنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثالِثًا لَمْ يَذْكُرْ لَهم تَعالى، قالُوا: وهُمُ الرّاضُونَ بِقَضائِهِ، المُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِهِ، السّاكِتُونَ عَنْ كُلِّ دُعاءٍ، وافْتِشاءٍ، ومَفْعُولُ ”آتِنا“ الثّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ، أوْ مَطْلُوبَنا، أوْ ما أشْبَهَ. هَذا وجَعْلُ ”في“ زائِدَةً، وتَكُونُ الدُّنْيا المَفْعُولَ الثّانِيَ قَوْلٌ ساقِطٌ، وكَذَلِكَ جَعْلُ ”في“ بِمَعْنى: مِن، حَتّى يَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وحَذْفُ مَفْعُولَيْ آتى وأحَدِهِما جائِزٌ اخْتِصارًا واقْتِصارًا: لِأنَّ هَذا بابُ أعْطى، وذَلِكَ جائِزٌ فِيهِ.

﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ هُنا مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: الإخْبارُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ لِاقْتِصارِهِ عَلى الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إخْبارًا عَنِ الدّاعِي بِأنَّهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن طَلَبِ نَصِيبٍ، فَيَكُونُ هَذا كالتَّوْكِيدِ لِاقْتِصارِهِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ مَن، لَكانَ: رَبِّ آتِنِي. ورُوعِيَ الجَمْعُ هُنا لِكَثْرَةِ مَن يَرْغَبُ في الِاقْتِصارِ عَلى مَطالِبِ الدُّنْيا ونَيْلِها، ولَوْ أفْرَدَ لَتُوُهِّمَ أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ مُطْلَقَةٌ، والمَعْنى: أنَّهم سَألُوا اللَّهَ في الدُّنْيا الحالَةَ الحَسَنَةَ، وقَدْ مَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِأنَّها المَرْأةُ الصّالِحَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ. أوِ العافِيَةُ في الصِّحَّةِ وكَفافُ المالِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوِ العِلْمُ، أوِ العِبادَةُ، قالَهُ الحَسَنُ. أوِ المالُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ الرِّزْقُ الواسِعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ النِّعْمَةُ في الدُّنْيا، قالَهُ: ابْنُ قُتَيْبَةَ. أوِ القَناعَةُ بِالرِّزْقِ، أوِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أوِ الأوْلادُ الأبْرارُ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، أوْ حَلاوَةُ الطّاعَةِ، أوِ اتِّباعُ السُّنَّةِ، أوْ ثَناءُ الخَلْقِ، أوِ الصِّحَّةُ والأمْنُ والكَفاءَةُ والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، أوِ الفَهْمُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. أوْ صُحْبَةُ الصّالِحِينَ، قالَهُ جَعْفَرٌ. وعَنِ الصُّوفِيَّةِ في ذَلِكَ مُثُلٌ كَثِيرَةٌ.

﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، مَثَّلُوا حَسَنَةَ الآخِرَةِ بِأنَّها الجَنَّةُ، أوِ العَفْوُ والمَغْفِرَةُ …

Al-Baqara 2:202Listen in Qur'an →
203

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And remember Allah during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allah. And fear Allah and know that unto Him you will be gathered.

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [البقرة: ٢١١] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] . العَجَلَةُ: الإسْراعُ في شَيْءٍ والمُبادَرَةُ، وتَعَجَّلَ تَفَعَّلَ مِنهُ، وهو إمّا بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي يَجِيءُ لَها تَفَعَّلَ فَيَكُونُ بِمَعْنى اسْتَعْجَلَ، كَقَوْلِهِمْ: تَكَبَّرَ واسْتَكْبَرَ، وتَيَقَّنَ واسْتَيْقَنَ، وتَقَضّى واسْتَقْضى، وتَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ، يَأْتِي لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، تَقُولُ: تَعَجَّلْتُ في الشَّيْءِ وتَعَجَّلْتُهُ، واسْتَعْجَلْتُ في الشَّيْءِ واسْتَعْجَلْتُ زَيْدًا، وإمّا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ فَيَكُونُ بِمَعْنى: عَجِلَ، كَقَوْلِهِمْ: تَلَبَّثَ بِمَعْنى لَبِثَ، وتَعَجَّبَ وعَجِبَ، وتَبَرَّأ وبَرِئَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها تَفَعَّلَ.

الحَشْرُ: جَمْعُ القَوْمِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، والمَحْشَرُ مُجْتَمَعُهم، يُقالُ مِنهُ: حَشَرَ يَحْشُرُ، وحَشَراتُ الأرْضِ دَوابُّها الصِّغارُ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَشْرُ: ضَمُّ المُفْتَرِقِ وسَوْقُهُ، وهو بِمَعْنى الجَمْعِ الَّذِي قُلْناهُ. الإعْجابُ: إفْعالٌ مِنَ العَجَبِ، وأصْلُهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وهو الِاسْتِحْسانُ لِلشَّيْءِ والمَيْلُ إلَيْهِ والتَّعْظِيمُ، تَقُولُ أعْجَبَنِي زَيْدٌ. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعَدِّي، وقالَ الرّاغِبُ: العَجَبُ حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ ولَيْسَ هو شَيْئًا لَهُ في ذاتِهِ حالَةٌ، بَلْ هو بِحَسَبِ الإضافاتِ إلى مَن يَعْرِفُ السَّبَبَ، ومَن لا يَعْرِفُهُ. وحَقِيقَةُ أعْجَبَنِي كَذا، أيْ: ظَهَرَ لِي ظُهُورًا لَمْ أعْرِفْ سَبَبَهُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ يُقالُ عَجِبْتُ مِن كَذا في الإنْكارِ، كَما قالَ زِيادٌ الأعْجَمُ:

؎عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهُ مِن عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أضْرِبُهْ

اللَّدَدُ: شِدَّةُ الخُصُومَةِ، يُقالُ: لَدِدْتَ تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادَةً، ورَجُلٌ ألَدُّ وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ورِجالٌ ونِساءٌ لُدٌّ، ورَجُلٌ التَدَدَ ويَلْتَدِدُ أيْضًا شَدِيدُ الخُصُومَةِ، وإذا غَلَبَ خَصْمَهُ قِيلَ: لَدَّهُ يَلَدُّهُ، مُتَعَدِّيًا، وقالَ …

Al-Baqara 2:203Listen in Qur'an →
204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allah to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، الظّاهِرُ أنَّ ”تَعَجَّلَ“ هُنا لازِمٌ لِمُقابَلَتِهِ بِلازِمٍ في قَوْلِهِ: (مَن تَأخَّرَ)، فَيَكُونُ مُطاوِعًا لِعَجِلَ، فَتَعَجَّلَ، نَحْوَ كَسَرَهُ فَتَكَسَّرَ، ومُتَعَلَّقُ التَّعَجُّلِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: بِالنَّفْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعَجَّلَ مُتَعَدِّيًا ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفْرَ، ومَعْنى: في يَوْمَيْنِ مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ. وقالُوا: المُرادُ أنَّهُ يَنْفِرُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، وسَبَقَ كَلامُنا عَلى تَعْلِيقِ ”في يَوْمَيْنِ“ بِلَفْظِ ”تَعَجَّلَ“، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”فَمَن تَعَجَّلَ“ العُمُومُ، فَسَواءٌ في ذَلِكَ الآفاقِيِّ والمَكِّيُّ، لِكُلٍّ مِنهُما أنْ يَنْفِرَ في اليَوْمِ الثّانِي، وبِهَذا قالَ عَطاءٌ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهو يُشْبِهُ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ، وبِهِ نَقُولُ، انْتَهى كَلامُهُ. فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: ولَمْ يُبَحِ التَّعْجِيلُ إلّا لِمَن بَعُدَ قُطْرُهُ لا لِلْمَكِّيِّ ولا لِلْقَرِيبِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ فَلْيَنْفِرْ في النَّفْرِ الأوَّلِ، إلّا آلَ خُزَيْمَةَ، فَإنَّهم لا يَنْفِرُونَ إلّا في النَّفْرِ الآخِرِ، وجَعَلَ أحْمَدُ، وإسْحاقُ قَوْلَ عُمَرَ: إلّا آلَ خُزَيْمَةَ، أيْ أنَّهم أهْلَ حَرَمٍ، وكانَ أحْمَدُ يَقُولُ: لِمَن نَفَرَ النَّفْرَ الأوَّلَ أنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”في يَوْمَيْنِ“ أنَّ التَّعَجُّلَ لا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، بَلْ في شَيْءٍ مِنَ النَّهارِ، يَنْفِرُ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَعْنِي مِنَ اليَوْمِ الثّالِثِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عامِرٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ أنَّهم قالُوا: مَن أدْرَكَهُ العَصْرُ وهو بِمِنًى في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يَنْفِرْ حَتّى الغُدُوِّ، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ: لِأنَّهُ قالَ: ”في يَوْمَيْنِ“، وما بَقِيَ مِنَ اليَوْمَيْنِ شَيْءٌ فَسائِغٌ لَهُ النَّفْرُ فِيهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ويُمْكِنُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ اسْتِحْبابًا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”ومَن تَعَجَّلَ“ سُقُوطُ الرَّمْيِ عَنْهُ في اليَوْمِ الثّالِثِ، فَلا يَرْمِي جَمَراتِ اليَوْمِ الثّالِثِ في يَوْمِ نَفْرِهِ. وقالَ ابْنُ أبِي زَمَنِينٍ: يَرْمِيها في يَوْمِ النَّفْرِ الأوَّلِ حِينَ يُرِيدُ التَّعَجُّلَ. قالَ ابْنُ المَوّازِ: يَرْمِي المُتَعَجِّلُ في يَوْمَيْنِ إحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، فَيَصِيرُ جَمِيعُ رَمْيِهِ بِتِسْعٍ وأرْبَعِينَ حَصاةً، يَعْنِي: لِأنَّهُ قَدْ رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعٍ يَوْمَ النَّحْرِ. قالَ ابْنُ المَوّازِ: ويَسْقُطُ رَمْيُ اليَوْمِ الثّالِثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] إلى آخِرِهِ. مَشْرُوعِيَّةُ المَبِيتِ بِمِنًى أيّامَ التَّشْرِيقِ: لِأنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ إنَّما هو في النَّفْرِ مِن مِنًى، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ الحُجّاجِ أنْ يَبِيتَ إلّا بِها إلّا لِلرِّعاءِ، ومَن ولِيَ السِّقايَةَ مِن آلِ العَبّاسِ، فَمَن تَرَكَ المَبِيتَ مِن غَيْرِهِما لَيْلَةً مِن لَيالِي مِنًى، فَقالَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ دَمٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ: مَن تَرَكَ المَبِيتَ في الثَّلاثِ اللَّيالِي، فَإنْ تَرَكَ …

Al-Baqara 2:204Listen in Qur'an →
205

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allah does not like corruption.

﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾، حَقِيقَةُ التَّوَلِّي الِانْصِرافُ بِالبَدَنِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ فِيما يُرْجَعُ عَنْهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، ومَعْناهُ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَضِبَ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ الرِّضى الَّذِي كانَ قَبْلَهُ، وقالَ الحَسَنُ: انْصَرَفَ عَنِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، وقالَ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: انْصَرَفَ بِبَدَنِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الوِلايَةِ، أيْ: صارَ والِيًا. والسَّعْيُ حَقِيقَةً المَشْيُ بِالقَدَمَيْنِ بِسُرْعَةٍ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ هَنا أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْهُ، والمَعْنى: وإذا نَهَضَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ إلانَةِ القَوْلِ وحَلاوَةِ المَنطِقِ، فَسَعى بِقَدَمَيْهِ في الأرْضِ، فَقَطَعَ الطَّرِيقَ وأفْسَدَ فِيها، كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفٍ. وقِيلَ: السَّعْيُ هُنا العَمَلُ، وهو مَجازٌ سائِغٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، ومِنهُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي، ولَمْ أطْلُبْ، قَلِيلٌ مِنَ المالِ

؎ولَكِنَّما أسْعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ∗∗∗ وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمْثالِي

(وقالَ الأعْشى):

؎وسَعى لِكِنْدَةَ غَيْرَ سَعْيِ مُواكِلٍ ∗∗∗ قَيْسٌ فَصَدَّ عَدُوَّها وبَنى لَها

(وقالَ آخَرُ):

؎أسْعى عَلى حَيِّي بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعٍ

والمَعْنى: سَعى بِحِيَلِهِ وإدارَةِ الدَّوائِرِ عَلى الإسْلامِ، وإلى هَذا القَوْلِ نَحا مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وذُكِرَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ. قالَ قَوْمٌ مِنهم: مَعْناهُ سَعى فِيها بِالكُفْرِ، وقالَ قَوْمٌ بِالظُّلْمِ. وقَدْ يَقَعُ السَّعْيُ بِالقَوْلِ، يُقالُ: سَعى بَيْنَ فُلانٍ وفُلانٍ، نَقَلَ إلَيْهِما قَوْلًا يُوجِبُ الفُرْقَةَ، ومِنهُ:

؎ما قُلْتُ ما قالَ وُشاةٌ سَعَوْا ∗∗∗ سَعْيَ عَدُوٍّ بَيْنَنا يُرْجِفُ

”في الأرْضِ“، مَعْلُومٌ أنَّ السَّعْيَ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ، لَكِنْ أفادَ العُمُومَ بِمَعْنى في أيِّ مَكانٍ حَلَّ مِنها سَعى لِلْفَسادِ، ويَدُلُّ لَفْظُ في الأرْضِ، عَلى كَثْرَةِ سَعْيِهِ ونُقْلَتِهِ في نَواحِي الأرْضِ: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن عُمُومِ الأرْضِ تَكْرارُ السَّعْيِ وتَقَدَّمَ ما يُشْبِهُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] . وإذا كانَ المُرادُ الأخْنَسُ، فالأرْضُ أرْضُ المَدِينَةِ، فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ. لِيُفْسِدَ فِيها، هَذا عِلَّةُ سَعْيِهِ، والحامِلُ لَهُ عَلى السَّعْيِ في الأرْضِ، والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وهو مُعانَدَةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . والفَسادُ يَكُونُ بِأنْواعٍ مِنَ الجَوْرِ، والقَتْلِ، والنَّهْبِ، والسَّبْيِ، ويَكُونُ: بِالكُفْرِ. ”ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ“ عَطَفَ هَذِهِ العِلَّةَ عَلى العِلَّةِ قَبْلَها، وهو ”لِيُفْسِدَ فِيها“، وهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقَوْلِهِ:

؎أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا ولَبانُهُ

لِأنَّ الإفْسادَ شامِلٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ إهْلاكُ الحَرْثِ والنَّسْلِ، ولَكِنَّهُ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في عِمارَةِ الدُّنْيا، فَكانَ إفْسادُهُما غايَةُ الإفْسادِ. ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِالتَّخْرِيبِ، جَعَلَ هَذا مِن بابِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ. و”يُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ“ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَرْثِ في …

Al-Baqara 2:205Listen in Qur'an →
206

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

And when it is said to him, "Fear Allah," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾، تَحْتَمِلُ أيْضًا هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في الصِّلَةِ، تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَحْوِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١]، وما الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ هُنا، و”أخَذَتْهُ العِزَّةُ“ احْتَوَتْ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ، وصارَ كالمَأْخُوذِ لَها كَما يَأْخُذُ الشَّيْءَ بِاليَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ، أيْ: حَمَلَتْهُ العِزَّةُ الَّتِي فِيهِ، وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُنْهى عَنْهُ، وألْزَمَتْهُ ارْتِكابَهُ، وأنْ لا يُخَلِّيَ عَنْهُ ضَرَرًا ولَجاجًا، أوْ عَلى رَدِّ قَوْلِ الواعِظِ، انْتَهى كَلامُهُ. فالباءُ، عَلى كَلامِهِ لِلتَّعْدِيَةِ، كَأنَّ المَعْنى ألْزَمَتْهُ العِزَّةُ الإثْمَ، والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ بابُها الفِعْلِ اللّازِمِ، نَحْوَ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، أيْ: لَأذْهَبَ سَمْعَهم، ونَدَرَتِ التَّعْدِيَةُ بِالباءِ في المُتَعَدِّي، نَحْوَ: صَكِكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، أيْ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرِ، بِمَعْنى جَعَلْتُ أحَدَهُما يَصُكُّ الآخَرَ، ويَحْتَمِلُ الباءُ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: أخَذَتْهُ مَصْحُوبًا بِالإثْمِ، أوْ مَصْحُوبَةً بِالإثْمِ، فَيَكُونُ لِلْحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والمَعْنى: أنَّ إثْمَهُ السّابِقَ كانَ سَبَبًا لِأخْذِ العِزَّةِ لَهُ، حَتّى لا يَقْبَلَ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، فَتَكُونُ الباءُ هُنا كَمِن، في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ

وعَلى أنْ تَكُونَ ”الباءُ“ سَبَبِيَّةً فَسَّرَهُ الحَسَنُ، قالَ: أيْ مِن أجْلِ الإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ، يَعْنِي الكُفْرَ. وقَدْ فُسِّرَتِ العِزَّةُ بِالقُوَّةِ وبِالحَمِيَّةِ والمَنَعَةِ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى التَّتْمِيمَ، وهو إرْدافُ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ تَرْفَعُ عَنْهُ اللَّبْسَ، وتُقَرِّبُهُ لِلْفَهْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وذَلِكَ أنَّ العِزَّةَ مَحْمُودَةٌ ومَذْمُومَةٌ، فالمَحْمُودَةُ طاعَةُ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، فَلَمّا قالَ ”بِالإثْمِ“ اتَّضَحَ المَعْنى وتَمَّ، وتَبَيَّنَ أنَّها العِزَّةُ المَذْمُومَةُ المُؤَثَّمُ صاحِبُها.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَغْضَبَ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، أوْ تَقُولُ: أوَلِمِثْلِي يُقالُ هَذا ؟ وقِيلَ لِعُمَرَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا، وقِيلَ: سَجَدَ، وقالَ: هَذا مَقْدِرَتِي. وتَرَدَّدَ يَهُودِيٌّ إلى بابِ هارُونَ الرَّشِيدِ سَنَةً، فَلَمْ يَقْضِ لَهُ حاجَةً، فَتَحَيَّلَ حَتّى وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَ هارُونُ عَنْ دابَّتِهِ، وخَرَّ ساجِدًا، وقَضى حاجَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: تَذَكَّرْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ .

﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾، أيْ: كافِيهِ جَزاءً وإذْلالًا جَهَنَّمُ، وهي جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ …

Al-Baqara 2:206Listen in Qur'an →
207

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allah. And Allah is kind to [His] servants.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾، قِيلَ المُرادُ ”بِمَن“ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بَلْ هي في كُلِّ مَن باعَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعالى في جِهادٍ، أوْ صَبْرٍ عَلى دِينٍ، أوْ كَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ جائِرٍ، أوْ حَمِيَّةٍ لِلَّهِ، أوْ ذَبَّ عَنْ شَرْعِهِ، أوْ ما أشْبَهَ هَذا. وقِيلَ: هي في مُعَيَّنٍ، فَقِيلَ: في الزُّبَيْرِ والمِقْدادِ بَعَثَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ لِيَحُطّا خُبَيْبًا مِن خَشَبَتِهِ، وقِيلَ: في صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ خَرَجَ مُهاجِرًا فَلَحِقَتْهُ قُرَيْشٌ، فَنَثَلَ كِنانَتَهُ، وكانَ جَيِّدَ الرَّمْيِ شَدِيدَ البَأْسِ مَحْذُورَهُ، وقالُوا: لا نَتْرُكُكَ حَتّى تَدُلَّنا عَلى مالِكَ، فَدَلَّهم عَلى مَوْضِعِهِ، فَرَجَعُوا عَنْهُ، وقِيلَ: عُذِّبَ لِيَتْرُكَ دِينَهُ فافْتَدى مِن مالِهِ وخَرَجَ مُهاجِرًا، وقِيلَ: في عَلِيٍّ حِينَ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ لِقَضاءِ دُيُونِهِ ورَدِّ الوَدائِعِ وأمَرَهُ بِمَبِيتِهِ عَلى فِراشِهِ لَيْلَةَ خَرَجَ مُهاجِرًا ﷺ . وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في المُسْلِمِ يَلْقى الكافِرَ فَيَقُولُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلا يَقُولُ، فَيَقُولُ: واللَّهِ لَأشْرِيَنَّ، فَيُقاتِلُ حَتّى يُقْتَلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقِيلَ: في صُهَيْبٍ، وأبِي ذَرٍّ، وكانَ أبُو ذَرٍّ قَدْ أخَذَهُ أهْلُهُ فانْقَلَبَ، فَخَرَجَ مُهاجِرًا. وقِيلَ: في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ غَيْرَ هَذا، وقَصَصًا طَوِيلًا في أخْبارِ هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ قِيلَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وكانَ عامًّا في المُنافِقِ الَّذِي يُبْدِي خِلافَ ما أضْمَرَ، ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ قَسِيمَهُ عامًّا مَن يَبْذُلُ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أيِّ صَعْبٍ كانَ، فَكَذَلِكَ المُنافِقُ مُدارٍ عَنْ نَفْسِهِ بِالكَذِبِ والرِّياءِ، وحَلاوَةِ المَنطِقِ، وهَذا باذِلٌ نَفْسَهُ لِلَّهِ ولِمَرْضاتِهِ. وتَنْدَرِجُ تِلْكَ الأقاوِيلُ الَّتِي في الآيَتَيْنِ تَحْتَ عُمُومِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ويَكُونُ ذِكْرُ ما ذُكِرَ مِن تَعْيِينِ مَن عَيَّنَ إنَّما هو عَلى نَحْوٍ مِن ضَرْبِ المِثالَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ خاصًّا، والمُرادُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولَمّا طالَ الفَصْلُ هُنا بَيْنَ القِسْمِ الأوَّلِ والقِسْمِ الثّانِي، أتى في التَّقْسِيمِ الثّانِي بِإظْهارِ المُقَسَّمِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي﴾ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، فَإنَّهُ لَمّا قَرُبَ ذِكْرُ أحَدِ القِسْمَيْنِ مِنَ المُقَسَّمِ، أضْمَرَ في الثّانِي المُقَسَّمِ. ومَعْنى ”يَشْرِي“: يَبِيعُ، وهو سائِغٌ في اللِّسانِ. قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ﴾ [يوسف: ٢٠] قالَ الشّاعِرُ:

؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَّهْ

ويَشْرِي: عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ في اللَّهِ، ومِنهُ تُسَمّى الشُّراةُ، وكَأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ، وقالَ قَوْمٌ: شَرى، بِمَعْنى: اشْتَرى، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ في صُهَيْبٍ فَهَذا مَوْجُودٌ فِيهِ: حَيْثُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِمالِهِ ولَمْ يَبِعْها. وانْتِصابُ ”ابْتِغاءَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى بَيْعِ أنْفُسِهِمْ، إنَّما هو طَلَبُ رِضى اللَّهِ تَعالى، وهو مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُتَّحِدَ الفاعِلِ والوَقْتِ، وهَذِهِ الإضافَةُ، أعْنِي إضافَةَ …

Al-Baqara 2:207Listen in Qur'an →
208

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

O you who have believed, enter into Islam completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ، كانُوا يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ تَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ الضَّحّاكُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ في المُسْلِمِينَ يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. أوْ في المُنافِقِينَ، واحْتُجَّ لِهَذا بِوُرُودِها عُقَيْبَ صِفَةِ المُنافِقِينَ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ اخْتَلَفَتْ أقاوِيلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ السِّينِ في ”السِّلْمِ“، وكَذَلِكَ في الأنْفالِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وفي القِتالِ: ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] . واخْتُلِفَ في السَّلْمِ هُنا، فَقِيلَ: هو الإسْلامُ: لِأنَّ الإسْلامَ قَدْ يُسَمّى سِلْمًا، بِكَسْرِ السِّينِ، وقَدْ يُرْوى فِيهِ الفَتْحُ، كَما رُوِيَ في السَّلْمِ الَّذِي هو الصُّلْحُ الفَتْحُ والكَسْرُ، إلّا أنَّ الفَتْحَ في السَّلْمِ الَّذِي هو الإسْلامُ قَلِيلٌ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ السَّلْمُ هُنا هو الَّذِي بِمَعْنى الصُّلْحِ: لِأنَّ الإسْلامَ صُلْحٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لا قِتالَ بَيْنَ أهْلِهِ، وأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم ؟ فَإنْ كانَ الخِطابُ لِابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ، وأنْ لا يَبْقَوْا عَلى شَيْءٍ مِن شَرائِعِ أهْلِ الكِتابِ الَّتِي لا تُوافِقُ شَرائِعَ الإسْلامِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِما سَبَقَ مِن أنْبِيائِهِمُ ادْخُلُوا في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وهي لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن سَبَقَ لَهُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهُما دالّانِ عَلى صِدْقِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ادْخُلُوا في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ فالمَعْنى: يا مَن آمَنَ بِقَلْبِهِ وصَدَّقَ ادْخُلْ في شَرائِعِ الإسْلامِ، واجْمَعْ إلى الإيمانِ الإسْلامَ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإيمانَ والإسْلامَ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ حِينَ سَألَهُ عَنْ حَقِيقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، فالمَعْنى: يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ادْخُلْ في الإسْلامِ بِالقَلْبِ حَتّى يُطابِقَ القَوْلُ الِاعْتِقادَ.

والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُمِرُوا بِامْتِثالِ شَرائِعِ الإسْلامِ، أوْ بِالِانْقِيادِ والرِّضى وعَدَمِ الِاضْطِرارِ، أوْ بِتَرْكِ الِانْتِقامِ، وأُمِرُوا كُلُّهم بِالِائْتِلافِ وتَرْكِ الِاخْتِلافِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِقَوْلِهِ: (كافَّةً)، وانْتِصابُ (كافَّةً) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في ”ادْخُلُوا“، والمَعْنى ادْخُلُوا في السِّلْمِ جَمِيعًا، وهي حالٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى العُمُومِ، فَتُفِيدُ مَعْنى كُلٍّ، فَإذا قُلْتَ: قامَ النّاسُ كافَّةً، فالمَعْنى قامُوا كُلُّهم، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ ”السِّلْمِ“، أيْ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، أُمِرُوا بِأنْ لا يَدْخُلُوا في طاعَةٍ دُونَ طاعَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”كافَّةً“ حالًا مِن ”السِّلْمِ“: لِأنَّها تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِأنْ …

Al-Baqara 2:208Listen in Qur'an →
209

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

But if you deviate after clear proofs have come to you, then know that Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾، أيْ: عَصَيْتُمْ أوْ كَفَرْتُمْ، أوْ أخْطَأْتُمْ، أوْ ضَلَلْتُمْ، أقْوالٌ ثانِيها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا في السِّلْمِ، أيِ الإسْلامِ، فَإنْ زَلَلْتُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، وأصْلُ الزَّلَلِ لِلْقَدَمِ، يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، كَما قالَ:

؎ولا شامِتٍ إنْ نَعْلُ عَزَّةَ زَلَّتِ

ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ والِاعْتِقادِ، وهو الزَّلَقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَفْسِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] . وقَرَأ أبُو السِّماكِ: ”فَإنْ زَلِلْتُمْ“ بِكَسْرِ اللّامِ، وهُما لُغَتانِ، كَضَلَلْتُ وضَلِلْتُ. والبَيِّناتُ، حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، أوْ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢]، وجُمِعَ تَعْظِيمًا لَهُ: لِأنَّهُ وإنْ كانَ واحِدًا بِالشَّخْصِ، فَهو كَثِيرٌ بِالمَعْنى. أوِ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، وقالَ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهَذا يَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المُخاطَبَ أهْلُ الكِتابِ، أوِ الإسْلامُ، أوْ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُعْجِزاتِ، أقْوالٌ سِتَّةٌ. وفي (المُنْتَخَبِ) البَيِّناتُ: تَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ عُذْرَ المُكَلَّفِ لا يَزُولُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ البَيِّناتِ، لا حُصُولِ التَّبْيِينِ مِنَ التَّكْلِيفِ، انْتَهى كَلامُهُ. والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ لا يُخْبَرُ عَنْها بِالمَجِيءِ: لِأنَّها مَرْكُوزَةٌ في العُقُولِ، فَلا يُنْسَبُ إلَيْها المَجِيءُ إلّا مَجازًا، وفِيهِ بُعْدٌ.

* *

﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ، إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَهو أمْرٌ لَهم بِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وفي وصْفِهِ هُنا بِالعِزَّةِ الَّتِي هي تَتَضَمَّنُ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ اللَّتَيْنِ يَحْصُلُ بِهِما الِانْتِقامُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن خالَفَهُ وزَلَّ عَنْ مَنهَجِ الحَقِّ، وفي وصْفِهِ بِالحِكْمَةِ دَلالَةٌ عَلى إتْقانِ أفْعالِهِ، وأنَّ ما يُرَتِّبُهُ مِنَ الزَّواجِرِ لِمَن خالَفَ هو مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ورُوِيَ أنَّ قارِئًا قَرَأ، غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَسَمِعَهُ أعْرابِيٌّ فَأنْكَرَهُ، ولَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وقالَ: إنْ كانَ هَذا كَلامَ اللَّهِ فَلا يَقُولُ كَذا الحَكِيمُ، لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَّلَلِ: لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ نَحْوُ هَذا، وأنَّ الَّذِي كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ أقْرَأهُ: فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَأنْكَرَهُ حَتّى سَمِعَ: (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فَقالَ: هَكَذا يَنْبَغِي.

Al-Baqara 2:209Listen in Qur'an →
210

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

Do they await but that Allah should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allah [all] matters are returned.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . ”هَلْ“ هُنا لِلنَّفْيِ، المَعْنى: ما يَنْظُرُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وكَوْنُها بِمَعْنى النَّفْيِ - إذا جاءَ بَعْدَها ”إلّا -“ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وهَلْ أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ

و”يَنْظُرُونَ“ هُنا مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: نَظَرْتُ فُلانًا أنْتَظِرُهُ، وهو لا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِيَ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ

ومَفْعُولُ ”يَنْظُرُونَ“ هو ما بَعْدَ إلّا، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ. قِيلَ: ويَنْظُرُونَ هُنا لَيْسَتْ مِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو تَرَدُّدُ العَيْنِ في المَنظُورِ إلَيْهِ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ النَّظَرِ لَعُدِّيَ بِإلى، وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ، وإنَّما هو مِنَ الِانْتِظارِ، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّهُ يُقالُ هو مِنَ النَّظَرِ، وهو تَرَدُّدُ العَيْنِ. وهو مُعَدًّى بِإلى، لَكِنَّها مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ؟ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ إذا لَمْ يُلْبِسْ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، ولا لَبْسَ هُنا، فَحُذِفَتْ إلى، وقَوْلُهُ: وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ، قَدْ نُسِبَ النَّظَرُ إلى الذَّواتِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والضَّمِيرُ في ”يَنْظُرُونَ“ عائِدٌ عَلى الذّالِّينَ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ.

والإتْيانُ: حَقِيقَةٌ في الِانْتِقالِ مِن حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مِنَ المَكْتُومِ الَّذِي لا يُفَسَّرُ، ولَمْ يَزَلِ السَّلَفُ في هَذا وأمْثالِهِ يُؤْمِنُونَ، ويَكِلُونَ فَهْمَ مَعْناهُ إلى عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. والمُتَأخِّرُونَ تَأوَّلُوا الإتْيانَ وإسْنادَهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إتْيانٌ عَلى ما يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ انْتِقالٍ. الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنِ المُجازاةِ لَهم، والِانْتِقامِ، كَما قالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُ الإتْيانِ مَحْذُوفًا، أيْ: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: أمْرُ اللَّهِ بِمَعْنى ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ، لا الأمْرُ الَّذِي مُقابِلُهُ النَّهْيُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ . الخامِسُ: قُدْرَتُهُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ. السّادِسُ: أنَّ ”في ظُلَلٍ“ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، فَيَكُونُ ”في“ بِمَعْنى الباءِ، كَما قالَ:

؎خَبِيرُونَ في طَعْنِ الأباهِرِ والكُلى

أيْ: بِطَعْنِ: لِأنَّ خَبِيرًا لا يَتَعَدّى إلّا بِالباءِ، كَما قالَ:

؎خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ

قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. والأوْلى أنْ …

Al-Baqara 2:210Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.