Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 201–210 of 286

201

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾: هي الصِّحَّةُ؛ والكَفافُ؛ والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ؛ ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: هي الثَّوابُ؛ والرَّحْمَةُ؛ ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾؛ بِالعَفْوِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ؛ وعَذابُ النّارِ امْرَأةُ السُّوءِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ؛ والعِبادَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ؛ و"قِنا عَذابَ النّارِ"؛ مَعْناهُ: احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ؛ والذُّنُوبِ المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ.

Al-Baqara 2:201Listen in Qur'an →
202

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Those will have a share of what they have earned, and Allah is swift in account.

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وقِيلَ: إلَيْهِما مَعًا؛ فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾؛ عَلى الأوَّلِ؛ لِلتَّفْخِيمِ؛ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ: لِكُلٍّ مِنهم نَوْعُ نَصِيبٍ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا؛ أوْ مِن أجْلِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾؛ أوْ: مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ؛ وتَسْمِيَةُ الدُّعاءِ "كَسْبًا" لِما أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ؛ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ؛ فاحْذَرُوا مِنَ الإخْلالِ بِطاعَةِ مَن هَذا شَأْنُ قدرته؛ أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ؛ ويُحاسِبَ النّاسَ؛ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ؛ واكْتِسابِ الحَسَناتِ.

Al-Baqara 2:202Listen in Qur'an →
203

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And remember Allah during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allah. And fear Allah and know that unto Him you will be gathered.

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: كَبِّرُوهُ في أعْقابِ الصَّلَواتِ؛ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ؛ ورَمْيِ الجِمارِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾؛ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ؛ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾؛ أيِ اسْتَعْجَلَ في النَّفْرِ؛ أوِ النَّفَرِ؛ فَإنَّ التَّفَعُّلَ؛ والِاسْتِفْعالَ؛ يَجِيئانِ لازِمَيْنِ؛ ومُتَعَدِّيَيْنِ؛ يُقالُ: "تَعَجَّلَ في الأمْرِ"؛ و"اسْتَعْجَلَ فِيهِ"؛ و"تَعَجَّلَهُ"؛ و"اسْتَعْجَلَهُ"؛ والأوَّلُ أوْفَقُ لِلتَّأخُّرِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ

﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أيْ: في تَمامِ يَوْمَيْنِ؛ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ وهو يَوْمُ القَرِّ؛ ويَوْمُ الرُّؤُوسِ؛ واليَوْمُ بَعْدَهُ؛ يَنْفِرُ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ؛ ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾؛ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ؛ قَبْلَ الزَّوالِ؛ أوْ بَعْدَهُ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: بَعْدَهُ فَقَطْ؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ؛ والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّعَجُّلِ؛ والتَّأخُّرِ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي؛ وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ؛ فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُتَعَجِّلِ؛ ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ؛ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾: خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ؛ ونَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ؛ والمُتَأخِّرِ؛ أوْ مِنَ الأحْكامِ؛ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ والمُنْتَفِعُ بِهِ؛ أوْ لِأجْلِهِ؛ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مَجامِعِ أُمُورِكُمْ؛ بِفِعْلِ الواجِباتِ؛ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ؛ لِيَعْبَأ بِكُمْ؛ وتُنْظَمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ والرُّخَصِ؛ أوْ: احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أيْ: لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكُمْ؛ بَعْدَ الإحْياءِ؛ والبَعْثِ؛ وأصْلُ الحَشْرِ: الجَمْعُ؛ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى؛ ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والجَزاءِ؛ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى.

Al-Baqara 2:203Listen in Qur'an →
204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allah to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ؛ سِيقَ لِبَيانِ تَحَزُّبِ النّاسِ في شَأْنِ التَّقْوى إلى حِزْبَيْنِ؛ وتَعْيِينِ مَآلِ كُلٍّ مِنهُما؛ و"مَن" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ وإعْرابُهُ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن يَرُوقُكَ كَلامُهُ؛ ويَعْظُمُ مَوْقِعُهُ في نَفْسِكَ؛ لِما تُشاهِدُ فِيهِ مِن مُلاءَمَةِ الفَحْوى؛ ولُطْفِ الأداءِ. والتَّعَجُّبِ: حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّعُورِ؛ بِسَبَبِ ما يَتَعَجَّبُ مِنهُ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "قَوْلُهُ"؛ أيْ: ما يَقُولُهُ في حَقِّ الحَياةِ الدُّنْيا؛ ومَعْناها؛ فَإنَّها الَّذِي يُرِيدُهُ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الإيمانِ؛ ومَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ؛ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ أوْ بِـ "يُعْجِبُكَ"؛ أيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الدُّنْيا بِحَلاوَتِهِ؛ وَفَصاحَتِهِ؛ لا في الآخِرَةِ؛ لِما أنَّهُ يَظْهَرُ هُناكَ كَذِبُهُ؛ وقُبْحُهُ؛ وقِيلَ: لِما يُرْهِقُهُ مِنَ الحَبْسَةِ واللُّكْنَةِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ حِينَئِذٍ في سُوءِ حالِهِ؛ فَإنَّ مَآلَهُ بَيانُ حُسْنِ كَلامِهِ في الدُّنْيا؛ وقُبْحِهِ في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: مَعْنى "فِي الحَياةِ الدُّنْيا": "مُدَّةَ الحَياةِ الدُّنْيا"؛ أيْ: لا يَصْدُرُ مِنهُ فِيها إلّا القَوْلُ الحَسَنُ؛ ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ ادِّعائِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: "اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِي مُوافِقٌ لِما في لِسانِي"؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يُعْجِبُكَ"؛ وقُرِئَ: "وَيَشْهَدُ اللَّهُ"؛ فالمُرادُ بِما في قَلْبِهِ: ما فِيهِ حَقِيقَةً؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ"؛ عَلى أنَّ كَلِمَةَ "عَلى" لِكَوْنِ المَشْهُودِ بِهِ مُضِرًّا لَهُ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ وقُرِئَ: "وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ"؛ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾؛ أيْ: شَدِيدُ العَداوَةِ والخُصُومَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ عَلى أنَّ "الخِصامِ"؛ مَصْدَرٌ؛ وإضافَةُ "ألَدُّ" إلَيْهِ بِمَعْنى "فِي"؛ كَقَوْلِهِمْ: "ثَبْتُ العُذْرِ"؛ أوْ "أشَدُّ الخُصُومِ لَهم خُصُومَةً"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ "خَصْمٌ"؛ كَـ "صَعْبٌ"؛ و"صِعابٌ"؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ؛ وكانَ حَسَنَ المَنظَرِ؛ حُلْوَ المَنطِقِ؛ يُوالِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ ويَدَّعِي الإسْلامَ؛ والمَحَبَّةَ؛ وقِيلَ: في المُنافِقِينَ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "قَوْلُهُ"؛ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يُشْهِدُ"؛ وعُطِفَ عَلى ما قَبْلَها؛ عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَوَسِّطَتَيْنِ.

Al-Baqara 2:204Listen in Qur'an →
205

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allah does not like corruption.

﴿وَإذا تَوَلّى﴾؛ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ؛ وقِيلَ: إذا صارَ والِيًا؛ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾؛ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفٍ؛ حَيْثُ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهُمْ؛ وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ؛ أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ؛ والإتْلافِ؛ أوْ بِالظُّلْمِ؛ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ (تَعالى) بِشُؤْمِهِ القَطْرَ؛ فَيُهْلِكَ الحَرْثَ؛ والنَّسْلَ؛ وقُرِئَ: "وَيَهْلِكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ"؛ عَلى إسْنادِ الهَلاكِ إلَيْهِما؛ عَطْفًا عَلى "سَعى"؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإهْلاكِ؛ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِيهِ؛ ويُبْغِضُهُ؛ ويَغْضَبُ عَلى مَن يَتَعاطاهُ؛ وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

Al-Baqara 2:205Listen in Qur'an →
206

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

And when it is said to him, "Fear Allah," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

﴿وَإذا قِيلَ لَهُ﴾؛ عَلى نَهْجِ العِظَةِ والنَّصِيحَةِ؛ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ واتْرُكْ ما تُباشِرُهُ مِنَ الفَسادِ؛ أوِ النِّفاقِ؛ واحْذَرْ سُوءَ مَغَبَّتِهِ؛ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾؛ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ؛ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ؛ عَلى الإثْمِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ؛ لَجاجًا؛ وعِنادًا؛ مِن قَوْلِكَ: "أخَذْتُهُ بِكَذا"؛ إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ؛ أوْ ألْزَمْتَهُ إيّاهُ؛ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ أيْ: كافِيهِ جَهَنَّمُ؛ وقِيلَ: "جَهَنَّمُ" فاعِلٌ لِـ "حَسْبُهُ"؛ سادٌّ مَسَدَّ خَبَرِهِ؛ وهو مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ وقَوِيَ لِاعْتِمادِهِ عَلى الفاءِ؛ الرّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِما قَبْلَها؛ وقِيلَ: "حَسْبُ": اسْمُ فِعْلٍ ماضٍ؛ أيْ: كَفَتْهُ جَهَنَّمُ؛ ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾: جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ وتَعَيُّنِهِ؛ و"المِهادُ": الفِراشُ؛ وقِيلَ: ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

Al-Baqara 2:206Listen in Qur'an →
207

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allah. And Allah is kind to [His] servants.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ كَما مَرَّ؛ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في الجِهادِ؛ ومَشاقِّ الطّاعاتِ؛ وتَعْرِيضِها لِلْمَهالِكِ؛ في الحُرُوبِ؛ أوْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ؛ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؛ وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ؛ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طالِبًا لِرِضاهُ؛ وهَذا كَمالُ التَّقْوى؛ وإيرادُهُ قَسِيمًا لِلْأوَّلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ يَأْنَفُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى؛ وهَذا يَأْمُرُ بِذَلِكَ؛ وإنْ أدّى إلى الهَلاكِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ الرُّومِيِّ؛ أخَذَهُ المُشْرِكُونَ؛ وعَذَّبُوهُ لِيَرْتَدَّ؛ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ؛ لا أنْفَعُكم إنْ كُنْتُ مَعَكُمْ؛ ولا أضُرُّكم إنْ كُنْتُ عَلَيْكُمْ؛ فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ؛ وخُذُوا مالِي؛ فَقَبِلُوا مِنهُ مالَهُ؛ فَأتى المَدِينَةَ. فَـ "يَشْرِي" حِينَئِذٍ بِمَعْنى: "يَشْتَرِي"؛ لِجَرَيانِ الحالِ عَلى صُورَةِ الشَّرْيِ؛ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾؛ ولِذَلِكَ يُكَلِّفُهُمُ التَّقْوى؛ ويُعَرِّضُهم لِلثَّوابِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

Al-Baqara 2:207Listen in Qur'an →
208

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

O you who have believed, enter into Islam completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾؛ أيْ: الِاسْتِسْلامِ؛ والطّاعَةِ؛ وقِيلَ: الإسْلامِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ وبِفَتْحِ اللّامِ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كافَّةً﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "ادْخُلُوا"؛ أوْ مِن "السِّلْمِ"؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ خَرَجْتُ بِها تَمْشِي نَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَجَّلِ

وَهِيَ في الأصْلِ: اسْمٌ لِجَماعَةٍ تَكُفُّ مُخالِفَها؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى "جَمِيعًا"؛ وتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ حَتّى يُحْتاجَ إلى جَعْلِ "السِّلْمِ" مُؤَنَّثًا؛ مِثْلَ "الحَرْبِ"؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾؛ وفي قَوْلِهِ:

؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ ∗∗∗ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وَإنَّما هي لِلنَّقْلِ؛ كَما في "عامَّةً" و"خاصَّةً"؛ و"قاطِبَةً"؛ والمَعْنى: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أوْ: ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِهِ؛ ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ؛ والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّهم كانُوا يُراعُونَ بَعْضَ أحْكامِ دِينِهِمُ القَدِيمِ؛ بَعْدَ إسْلامِهِمْ؛ أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ (تَعالى) كُلِّها؛ بِالإيمان بالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والكُتُبِ جَمِيعًا؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ؛ ووَصْفُهم بِالإيمانِ إمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ؛ وإمّا بِالنَّظَرِ إلى إيمانِهِمُ القَدِيمِ؛ أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ؛ وأحْكامِهِ كُلِّها؛ فَلا يُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها؛ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وإنَّما خُوطِبَ أهْلُ الكِتابِ بِعُنْوانِ الإيمانِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ إلّا بِما كُلِّفُوهُ الآنَ؛ إيذانًا بِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ لا يَتِمُّ بِدُونِهِ؛ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ بِالتَّفَرُّقِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ أوْ بِمُخالَفَةِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ ظاهِرُ العَداوَةِ؛ أوْ مُظْهِرٌ لَها؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ.

Al-Baqara 2:208Listen in Qur'an →
209

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

But if you deviate after clear proofs have come to you, then know that Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ﴾؛ الآياتُ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ والحُجَجُ القَطْعِيَّةُ؛ الدّالَّةُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ المُوجِبَةُ لِلدُّخُولِ فِيهِ؛ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكُمْ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ لا يَتْرُكُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن مُؤاخَذَةِ المُجْرِمِينَ؛ المُسْتَعْصِينَ عَلى أوامِرِهِ.

Al-Baqara 2:209Listen in Qur'an →
210

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

Do they await but that Allah should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allah [all] matters are returned.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ؛ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ؛ والمُخالَفَةِ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أمْرُهُ؛ وبَأْسُهُ؛ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِأمْرِهِ؛ وبَأْسِهِ؛ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم. وحِكايَةُ جِنايَتِهِمْ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الإنْصافِ عَلى طَرِيقَةِ المُباثَّةِ؛ وإيرادُ الِانْتِظارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم لِانْهِماكِهِمْ فِيما هم فِيهِ مِن مُوجِباتِ العُقُوبَةِ كَأنَّهم طالِبُونَ لَها؛ مُتَرَقِّبُونَ لِوُقُوعِها؛ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ كَـ "قُلَلٌ"؛ في جَمْعِ "قُلَّةٌ"؛ وهي ما أظَلَّكَ؛ وقُرِئَ: "فِي ظِلالٍ"؛ كَـ "قِلالٌ"؛ في جَمْعِ "قِلَّةٌ"؛ ﴿مِنَ الغَمامِ﴾؛ أيْ: السَّحابِ الأبْيَضِ؛ وإنَّما أتاهُمُ العَذابُ فِيهِ لِما أنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَإذا أتى مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ؛ وأقْطَعَ لِلْمَطامِعِ؛ فَإنَّ إتْيانَ الشَّرِّ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ صَعْبٌ؛ فَكَيْفَ بِإتْيانِهِ مِن حَيْثُ يُرْجى مِنهُ الخَيْرُ؟

﴿والمَلائِكَةُ﴾: عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ أيْ: ويَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ؛ فَإنَّهم وسائِطُ في إتْيانِ أمْرِهِ (تَعالى)؛ بَلْ هُمُ الآتُونَ بِبَأْسِهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ الآتِيَ أوَّلًا مِن جِنْسِ ما يُلابِسُ الغَمامَ؛ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عادَةً؛ وأمّا المَلائِكَةُ - وإنْ كانَ إتْيانُهم مُقارِنًا لِما ذُكِرَ مِنَ الغَمامِ - لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاعْتِيادِ؛ وقُرِئَ بِالجَرِّ؛ عَطْفًا عَلى "ظُلَلٍ"؛ أوْ "الغَمامِ"؛ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: أُتِمَّ أمْرُ إهْلاكِهِمْ؛ وفُرِغَ مِنهُ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يَأْتِيَهُمْ" داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ؛ وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ؛ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها؛ وقُرِئَ "وَقَضاءُ الأمْرِ"؛ عَطْفًا عَلى "المَلائِكَةُ"؛ ﴿وَإلى اللَّهِ﴾؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ بِالتَّأْنِيثِ؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ؛ وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ مِن "الرُّجُوعُ".

Al-Baqara 2:210Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.