Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾: شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ بَعْضٍ مِن قَبائِحِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ و"إذا" ظَرْفُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ ويَلْزَمُها مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا؛ ولا تَدْخُلُ إلّا في الأمْرِ المُحَقَّقِ؛ أوِ المُرَجَّحِ وُقُوعُهُ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "قِيلَ"؛ ومَعْناها الإنْهاءُ والتَّبْلِيغُ؛ والقائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ جُمْلَةُ "لا تُفْسِدُوا"؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِها اللَّفْظُ؛ وقِيلَ: هو مُضْمَرٌ؛ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ؛ والفَسادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الحالَةِ اللّائِقَةِ بِهِ؛ والصَّلاحُ مُقابِلُهُ؛ والفَسادُ في الأرْضِ هَيْجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ المُسْتَتْبِعَةِ لِزَوالِ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ العِبادِ؛ واخْتِلالِ أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ؛ والمُرادُ بِما نُهُوا عَنْهُ: ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ مِن إفْشاءِ أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ؛ وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ؛ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ بِيَدِكَ؛ ولا تُلْقِ نَفْسَكَ في النّارِ؛ إذا أقْدَمَ عَلى ما تِلْكَ عاقِبَتُهُ؛ وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى "يَقُولُ"؛ فَإنْ جُعِلَتْ كَلِمَةُ "مَن" مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ ولا بَأْسَ بِتَخَلُّلِ البَيانِ؛ أوْ الِاسْتِئْنافِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِما بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَوْسِيطًا بِالأجْنَبِيِّ؛ وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ؛ والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن إذا نُهُوا مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ في الارْضِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ إراءَةً لِلنّاهِينَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صادِرٍ عَنْهُمْ؛ مَعَ أنَّ مَقْصُودَهُمُ الأصْلِيَّ إنْكارُ كَوْنِ ذَلِكَ إفْسادًا؛ وادِّعاءُ كَوْنِهِ إصْلاحًا مَحْضًا؛ كَما سَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾؛ أيْ: مَقْصُورُونَ عَلى الإصْلاحِ المَحْضِ؛ بِحَيْثُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شائِبَةُ الإفْسادِ والفَسادِ؛ مُشِيرِينَ بِكَلِمَةِ "إنَّما" إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ؛ وإمّا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ سِيقَ لِتَعْدِيدِ شَنائِعِهِمْ، وأمّا عَطْفُهُ عَلى "يَكْذِبُونَ" بِمَعْنى: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِكَذِبِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِمْ حِينَ نُهُوا عَنِ الإفْسادِ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ أنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّعْلِيلِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِأوْصافٍ ظاهِرَةِ العِلِّيَّةِ؛ مُسَلَّمَةِ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ؛ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ؛ لِشُهْرَةِ الِاتِّصافِ بِها عِنْدَ السّامِعِ؛ أوْ لِسَبْقِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾؛ فَإنَّ مَضْمُونَهُ عِبارَةٌ عَمّا حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ؛ أوْ لِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مِمّا يُوجِبُ حَتْمًا نِسْيانَ جانِبِ الآخِرَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها يَوْمُ الحِسابِ؛ وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبَرَ بِعِلِّيَّتِهِ قَصْدًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾؛ الآيَةِ.. وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾؛ الآيَةِ.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ؛ وما بَعْدَها مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ عَلَيْها؛ لَيْسَ مَضْمُونُ …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾؛ يُنادِي بِذَلِكَ نِداءً

جَلِيًّا؟ فَإنَّهُ رَدٌّ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِدَعْواهُمُ المَحْكِيَّةِ؛ أبْلَغُ رَدٍّ؛ وأدَلُّهُ عَلى سَخَطٍ عَظِيمٍ؛ حَيْثُ سُلِكَ فِيهِ مَسْلَكُ الِاسْتِئْنافِ المُؤَدِّي إلى زِيادَةِ تَمَكُّنِ الحُكْمِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ: "ألا" المُنَبِّهَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها؛ فَإنَّ الهَمْزَةَ الإنْكارِيَّةَ الدّاخِلَةَ عَلى النَّفْيِ تُفِيدُ تَحْقِيقَ الإثْباتِ قَطْعًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ إلّا مُصَدَّرَةً بِما يَلْتَقِي بِهِ القَسَمُ؛ وأُخْتُها الَّتِي هي "أما" مِن طَلائِعِ القَسَمِ؛ وقِيلَ: هُما حَرْفانِ بَسِيطانِ مَوْضُوعانِ لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ؛ و"إنَّ" المُقَرِّرَةِ لِلنِّسْبَةِ؛ وعُرِّفَ الخَبَرُ؛ ووُسِّطَ ضَمِيرُ الفَصْلِ لِرَدِّ ما في قَصْرِ أنْفُسِهِمْ عَلى الإصْلاحِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ اسْتُدْرِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَهم مُفْسِدِينَ مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ؛ لَكِنْ لا حِسَّ لَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ؛ وهَكَذا الكَلامُ في الشَّرْطِيَّتَيْنِ الآتِيَتَيْنِ؛ وما بَعْدَهُما مِن رَدِّ مَضْمُونِهِما؛ ولَوْلا أنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ جِناياتِهِمْ؛ وتَعْدِيدُ خَبائِثِهِمْ؛ وهَنّاتِهِمْ؛ ثُمَّ إظْهارُ فَسادِها؛ وإبانَةُ بُطْلانِها لَمّا فُتِحَ هَذا البابُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ مِن قِبَلِ المُؤْمِنِينَ؛ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إثْرَ نَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ إتْمامًا لِلنُّصْحِ؛ وإكْمالًا لِلْإرْشادِ: ﴿آمِنُوا﴾؛ حُذِفَ المُؤْمَنُ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ أوْ أُرِيدَ: افْعَلُوا الإيمانَ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾؛ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: آمِنُوا إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ كافَّةٌ؛ كَما في "رُبَّما"؛ فَإنَّها تَكُفُّ الحَرْفَ عَنِ العَمَلِ؛ وتُصَحِّحُ دُخُولَها عَلى الجُمْلَةِ؛ وتَكُونُ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: حَقِّقُوا إيمانَكم كَما تَحَقَّقَ إيمانُهُمْ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ: الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ؛ العامِلُونَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ؛ فَإنَّ اسْمَ الجِنْسِ؛ كَما يُسْتَعْمَلُ في مُسَمّاهُ؛ يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ جامِعًا لِلْمَعانِي الخاصَّةِ بِهِ؛ المَقْصُودَةِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ يُسْلَبُ عَمّا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَيُقالُ: هو لَيْسَ بِإنْسانٍ؛ وقَدْ جَمَعَهُما مَن قالَ:

؎ ∗∗∗ إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ

أوْ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ؛ أوْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ جِلْدَتِهِمْ؛ كابْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ والمَعْنى: آمِنُوا إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ مُتَمَحِّضًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ؛ مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُقابِلِينَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ بِالإنْكارِ المُنْكِرِ؛ واصِفِينَ لِلْمَراجِيحِ الرِّزانِ بِضِدِّ أوْصافِهِمُ الحِسانِ: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾؛ مُشِيرِينَ بِاللّامِ إلى مَن أُشِيرَ إلَيْهِمْ في النّاسِ مِنَ الكامِلِينَ؛ أوِ المَعْهُودِينَ؛ أوْ إلى الجِنْسِ بِأسْرِهِ؛ وهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ؛ والسَّفَهُ: خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ؛ يُورِثُهُما قُصُورُ العَقْلِ؛ ويُقابِلُهُ الحِلْمُ والأناةُ؛ وإنَّما نَسَبُوهم إلَيْهِ مَعَ أنَّهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الرُّشْدِ والرَّزانَةِ والوَقارِ؛ لِكَمالِ انْهِماكِ أنْفُسِهِمْ في السَّفاهَةِ؛ وتَمادِيهِمْ في الغَوايَةِ؛ وكَوْنِهِمْ مِمَّنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا؛ فَمَن حَسِبَ الضَّلالَ هُدًى يُسَمِّي الهُدى لا مَحالَةَ ضَلالًا؛ أوْ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ؛ ومِنهم مَوالٍ كَصُهَيْبٍ؛ وبِلالٍ؛ أوْ لِلتَّجَلُّدِ؛ وعَدَمِ المُبالاةِ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالنّاسِ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ؛ وأمْثالَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ أنْ يَكُونَ صُدُورُ هَذا القَوْلِ عَنْهم - بِمَحْضَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ النّاصِحِينَ لَهم - جَوابًا عَنْ نَصِيحَتِهِمْ؛ وحَيْثُ كانَ فَحْواهُ تَسْفِيهَ أُولَئِكَ المَشاهِيرِ الأعْلامِ؛ والقَدَحَ في إيمانِهِمْ لَزِمَ كَوْنُهم مُجاهِرِينَ؛ مُنافِقِينَ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ؛ وعَنْ هَذا قالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عَلى وجْهِ المُؤْمِنِينَ؛ قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: إنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ هَذا القَوْلَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ عَنْهم. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إبْرازَ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِ المُتَحاوِرَيْنِ في الخَلاءِ في مَعْرِضِ ما جَرى بَيْنَهُما في مَقامِ المُحاوَرَةِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في الكَلامِ؛ فَضْلًا عَمّا هو في مَنصِبِ الإعْجازِ؛ فالحَقُّ الَّذِي لا …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾: بَيانٌ لِتَبايُنِ أحْوالِهِمْ؛ وتَناقُضِ أقْوالِهِمْ في أثْناءِ المُعامَلَةِ والمُخاطَبَةِ؛ حَسَبَ تَبايُنِ المُخاطَبِينَ؛ ومَساقِ ما صُدِّرَتْ بِهِ قِصَّتُهُمْ؛ لِتَحْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ؛ والتَّرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ هَهُنا لِمُتَعَلَّقِ الإيمانِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ التَّكْرِيرِ؛ رُوِيَ «أنَّ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؛ وأصْحابَهُ خَرَجُوا ذاتَ يَوْمٍ؛ فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِنَ الصَّحابَةِ؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ عَنْكُمْ؛ فَلَمّا دَنَوْا مِنهم أخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ؛ سَيِّدِ بَنِي تَمِيمٍ؛ وشَيْخِ الإسْلامِ؛ وثانِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغارِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ؛ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيٍّ؛ الفارُوقِ؛ القَوِيِّ في دِينِهِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وخَتَنِهِ؛ وسَيِّدِ بَنِي هاشِمٍ؛ ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: قالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ اتَّقِ اللَّهَ؛ ولا تُنافِقْ؛ فَإنَّ المُنافِقِينَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ لَهُ: مَهْلًا يا أبا الحَسَنِ؛ أفِيَّ تَقُولُ هَذا؟ واللَّهِ إنَّ إيمانَنا كَإيمانِكُمْ؛ وتَصْدِيقَنا كَتَصْدِيقِكُمْ؛ ثُمَّ افْتَرَقُوا؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: كَيْفَ رَأيْتُمُونِي فَعَلْتُ؟ فَإذا رَأيْتُمُوهم فافْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلْتُ؛ فَأثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا؛ وقالُوا: ما نَزالُ بِخَيْرٍ ما عِشْتَ فِينا؛ فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ.» واللِّقاءُ: المُصادَفَةُ؛ يُقالُ: لَقِيتُهُ؛ ولاقَيْتُهُ؛ أيْ: صادَفْتُهُ واسْتَقْبَلْتُهُ؛ وقُرِئَ: "إذا لاقَوْا".

﴿وَإذا خَلَوْا﴾: مِن خَلَوْتُ إلى فُلانٍ؛ أيِ انْفَرَدْتُ مَعَهُ؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ؛ أوْ مِن "خَلا" بِمَعْنى مَضى؛ ومِنهُ: القُرُونُ الخالِيَةُ؛ وقَوْلُهُمْ: خَلاكَ ذَمٌّ؛ أيْ: جاوَزَكَ ومَضى عَنْكَ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ مِن "خَلَوْتُ بِهِ"؛ إذا سَخِرْتُ مِنهُ؛ عَلى أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ "إلى" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلى شَياطِينِهِمْ﴾؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإنْهاءِ؛ أيْ: وإذا أنْهَوْا إلَيْهِمُ السُّخْرِيَةَ.. إلَخْ.. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَقْيِيدَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِذَلِكَ الإنْهاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ؛ والمُرادُ بِـ "شَياطِينِهِمْ": المُماثِلُونَ مِنهم لِلشَّيْطانِ في التَّمَرُّدِ والعِنادِ؛ المُظْهِرُونَ لِكُفْرِهِمْ؛ وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ؛ أوْ كِبارُ المُنافِقِينَ؛ والقائِلُونَ؛ صِغارُهُمْ؛ وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَ الشَّيْطانِ تارَةً أصْلِيَّةً؛ فَوَزْنُهُ "فَيْعالٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شَطَنَ"؛ إذا بَعُدَ؛ فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ؛ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ؛ وأُخْرى زائِدَةً؛ فَوَزْنُهُ "فَعْلانٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شاطَ"؛ أيْ: هَلَكَ؛ أوْ بَطَلَ؛ ومِن أسْمائِهِ الباطِلُ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: هاجَ واحْتَرَقَ.

﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾؛ أيْ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ؛ لا نُفارِقُكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ وإنَّما خاطَبُوهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّ مُدَّعاهم عِنْدَهم تَحْقِيقُ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ؛ والتَّأْكِيدُ لِلْإنْباءِ عَنْ …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: أيْ يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ؛ سُمِّيَ جَزاؤُهُ بِاسْمِهِ؛ كَما سُمِّيَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً؛ إمّا لِلْمُشاكَلَةِ في اللَّفْظِ؛ أوِ المُقارَنَةِ في الوُجُودِ؛ أوْ يَرْجِعُ وبالُ الِاسْتِهْزاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَيَكُونُ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أوْ يُنْزِلُ بِهِمُ الحَقارَةَ؛ والهَوانَ الَّذِي هو لازِمُ الِاسْتِهْزاءِ؛ أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ؛ واسْتِدْراجِهِمْ بِالإمْهالِ؛ والزِّيادَةِ في النِّعْمَةِ عَلى التَّمادِي في الطُّغْيانِ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يُرْوى أنَّهُ يُفْتَحُ لَهم بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ؛ فَإذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾؛ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ بَلَغُوا في المُبالَغَةِ في اسْتِهْزاءِ المُؤْمِنِينَ إلى غايَةٍ؛ ظَهَرَتْ شَناعَتُهُ عِنْدَ السّامِعِينَ؛ وتَعاظَمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى اضْطَرَّهم إلى أنْ يَقُولُوا: ما مَصِيرُ أمْرِ هَؤُلاءِ؟ وما عاقِبَةُ حالِهِمْ؟ وفِيهِ أنَّهُ (تَعالى) هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهُمْ؛ ولا يُحْوِجُهم إلى المُعارَضَةِ بِالمِثْلِ؛ ويَسْتَهْزِئُ بِهِمْ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ؛ الَّذِي لَيْسَ اسْتِهْزاؤُهم عِنْدَهُ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ؛ حَيْثُ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَّكالِ؛ ويُحِلُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ ما لا يُوصَفُ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾؛ وما كانُوا خالِينَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مِن تَهَتُّكِ أسْتارٍ؛ وتَكَشُّفِ أسْرارٍ؛ ونُزُولٍ في شَأْنِهِمْ؛ واسْتِشْعارِ حَذَرٍ مِن ذَلِكَ؛ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .

﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: أيْ: يَزِيدُهم ويُقَوِّيهِمْ؛ مِن "مَدَّ الجَيْشَ"؛ و"أمَدَّهُ"؛ إذا زادَهُ وقَوّاهُ؛ ومِنهُ: مَدَدْتُ الدَّواةَ؛ والسِّراجَ؛ إذا أصْلَحَتُهُما بِالحِبْرِ؛ والزَّيْتِ؛ وإيثارُهُ عَلى "يَزِيدُهُمْ" لِلرَّمْزِ إلى أنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ؛ لِما أنَّهُ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الِاسْتِمْدادِ؛ وما يَجْرِي مُجْراهُ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ كَما في الأمْثِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقُرِئَ: "يُمِدُّهُمْ" مِن "الإمْدادُ"؛ وهو صَرِيحٌ في أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المَدِّ في العُمْرِ؛ عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ كَـ "الإمْلاءُ"؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ وحَذْفُ الجارِّ؛ وإيصالُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ - خِلافَ الأصْلِ - لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ.

﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمُدُّهُمْ"؛ والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في كُلِّ أمْرٍ؛ والمُرادُ إفْراطُهم في العُتُوِّ؛ وغُلُوُّهم في الكُفْرِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ كَـ "لِقْيانٌ"؛ لُغَةٍ في "لُقْيانٌ"؛ وفي إضافَتِهِ إلَيْهِمْ إيذانٌ بِاخْتِصاصِهِ بِهِمْ؛ وتَأْيِيدٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَرَتُّبِ المَدِّ عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.

﴿يَعْمَهُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أوِ المَجْرُورِ؛ لِكَوْنِ المُضافِ مَصْدَرًا؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ والعَمَهُ في البَصِيرَةِ كالعَمى في البَصَرِ؛ وهو …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المُمَيِّزَةِ لَهم عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ بِحَيْثُ صارُوا كَأنَّهم حُضّارٌ؛ مُشاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ وسُوءِ الحالِ؛ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾؛ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها؛ وبَيانٌ لِكَمالِ جَهالَتِهِمْ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ بِإظْهارِ غايَةِ سَماجَتِها؛ وتَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ؛ فَضْلًا عَنِ العُقَلاءِ. والضَّلالَةُ: الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ؛ والهُدى: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ؛ وقَدِ اسْتُعِيرَ الأوَّلُ لِلْعُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ؛ والثّانِي لِلِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ. والِاشْتِراءُ: اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ أخْذُها بِهِ؛ لا بَذْلُهُ لِتَحْصِيلِها؛ كَما قِيلَ؛ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ؛ فَإنَّ المُعْتَبَرَ في عَقْدِ الشِّراءِ ومَفْهُومِهِ هو الجَلْبُ؛ دُونَ السَّلْبِ؛ الَّذِي هو المُعْتَبَرُ في عَقْدِ البَيْعِ؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ - عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما أوْ مَعْنًى -؛ لا لِلْإعْراضِ عَمّا في يَدِهِ مُحَصِّلًا بِهِ غَيْرَهُ؛ كَما قِيلَ؛ وإنِ اسْتَلْزَمَهُ؛ لِما مَرَّ سِرُّهُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ:

أخَذْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا ... وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدُّرْدُرا

وَبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا جَيْدَرا ... كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا

فاشْتِراءُ الضَّلالَةِ بِالهُدى مُسْتَعارٌ لِأخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيها؛ والإعْراضِ عَنْهُ؛ ولَمّا اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما يُجْرى مُجْرى الثَّمَنِ حاصِلًا لِلْكَفَرَةِ قَبْلَ العَقْدِ؛ وما يُجْرى مُجْرى المَبِيعِ غَيْرَ حاصِلٍ لَهم إذْ ذاكَ؛ حَسْبَما هو في البَيْتِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الهُدى؛ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الضَّلالَةِ؛ اسْتَدْعى الحالُ تَحْقِيقَ ما جَرى مُجْرى العِوَضَيْنِ؛ فَنَقُولُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ -: لَيْسَ المُرادُ بِما تُعَلِّقَ بِهِ الِاشْتِراءُ هَهُنا جِنْسَ الضَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ حاصِلَةً لَهم مِن قَبْلُ؛ بَلْ هو فَرْدُها الكامِلُ الخاصُّ بِهَؤُلاءِ؛ عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ؛ وهو عَمَهُهُمُ المَقْرُونُ بِالمَدِّ في الطُّغْيانِ؛ المُتَرَتِّبُ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ لَهم عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ؛ والخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وكَذا لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى؛ بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ؛ بِتَعاضُدِ الأسْبابِ؛ وتَأْخُذُ المُقَدِّماتُ المُسْتَتْبِعَةُ لَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى؛ بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى؛ ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّمَكُّنِ كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ؛ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وبِما سَمِعُوهُ مِن نَصائِحِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ؛ والأمْرِ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ؛ وقَدْ نَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ؛ وأخَذُوا بَدَلَها الضَّلالَةَ الهائِلَةَ الَّتِي هي العَمَهُ في تِيهِ الطُّغْيانِ؛ وحَمْلُ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

﴿مَثَلُهُمْ﴾: زِيادَةُ كَشْفٍ لِحالِهِمْ؛ وتَصْوِيرٌ لَها غِبَّ تَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما يُؤَدِّي إلى الخَسارِ بِحَسَبِ المَآلِ بِصُورَةِ ما يُفْضِي إلى الخَسارِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ؛ تَهْوِيلًا لَها؛ وإبانَةً لِفَظاعَتِها؛ فَإنَّ التَّمْثِيلَ ألْطَفُ ذَرِيعَةٍ إلى تَسْخِيرِ الوَهْمِ لِلْعَقْلِ؛ واسْتِنْزالِهِ مِن مَقامِ الِاسْتِعْصاءِ عَلَيْهِ؛ وأقْوى وسِيلَةٍ إلى تَفْهِيمِ الجاهِلِ الغَبِيِّ؛ وقَمْعِ سُورَةِ الجامِحِ الأبِيِّ؛ كَيْفَ لا.. وهو رَفْعُ الحِجابِ عَنْ وُجُوهِ المَعْقُولاتِ الخَفِيَّةِ؛ وإبْرازٌ لَها في مَعْرِضِ المَحْسُوساتِ الجَلِيَّةِ؛ وإبْداءٌ لِلْمُنْكَرِ في صُورَةِ المَعْرُوفِ؛ وإظْهارٌ لِلْوَحْشِيِّ في هَيْئَةِ المَأْلُوفِ؟ و"المَثَلُ" في الأصْلِ بِمَعْنى "المِثْلُ"؛ و"النَّظِيرُ"؛ يُقالُ: "مِثْلٌ"؛ و"مَثَلٌ"؛ و"مَثِيلٌ؛ كَـ "شِبْهٌ"؛ و"شَبَهٌ"؛ و"شَبِيهٌ"؛ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَوْلِ السّائِرِ الَّذِي يُمَثِّلُ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ؛ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا قَوْلًا بَدِيعًا؛ فِيهِ غَرابَةٌ صَيَّرَتْهُ جَدِيرًا بِالتَّسْيِيرِ في البِلادِ؛ وخَلِيقًا بِالقَبُولِ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ؛ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ؛ أوْ صِفَةٍ؛ أوْ قِصَّةٍ لَها شَأْنٌ عَجِيبٌ؛ وخَطَرٌ غَرِيبٌ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُلاحَظَ بَيْنَها وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ تَشْبِيهٌ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾؛ أيِ الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ؛ وخَطَرٌ جَلِيلٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾؛ أيْ قِصَّتِها العَجِيبَةِ الشَّأْنِ.

﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾: أيْ "الَّذِينَ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾؛ خَلا أنَّهُ وُحِّدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْتَوْقَدَ نارًا﴾؛ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ؛ وإنَّما جازَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَوازِ وضْعِ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالوَصْفِ هي الجُمْلَةُ الواقِعَةُ صِلَةً لَهُ؛ دُونَ نَفْسِهِ؛ بَلْ إنَّما هو وصْلَةٌ لِوَصْفِ المَعارِفِ بِها؛ ولِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ لِاسْتِطالَتِهِ بِصِلَتِهِ؛ ولِذَلِكَ بُولِغَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ ياؤُهُ؛ ثُمَّ كَسْرَتُهُ؛ ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تامٍّ؛ بَلْ هو كَجُزْئِهِ؛ فَحَقُّهُ أنْ يُجْمَعَ؛ ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ؛ كَما هو شَأْنُ أخَواتِهِ؛ ولَيْسَ "الَّذِينَ" جَمْعَهُ المُصَحَّحَ؛ بَلِ النُّونُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ جاءَ بِالياءِ أبَدًا؛ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ؛ أوْ قُصِدَ بِهِ جِنْسُ المُسْتَوْقِدِ؛ أوِ الفَوْجُ؛ أوِ الفَرِيقُ المُسْتَوْقِدُ؛ والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ؛ مُضِيءٌ؛ حارٌّ؛ مُحْرِقٌ؛ واشْتِقاقُها مِن "نارَ؛ يَنُورُ"؛ إذا نَفَرَ؛ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا؛ واسْتِيقادُها: طَلَبُ وُقُودِها؛ أيْ سُطُوعِها؛ وارْتِفاعِ لَهَبِها؛ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ.

﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾: الإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾؛ وتَجِيءُ مُتَعَدِّيَةً؛ ولازِمَةً؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِها عَلى الِاسْتِيقادِ؛ أيْ: فَلَمّا أضاءَتِ النّارُ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ؛ أوْ: فَلَمّا أضاءَ ما حَوْلَهُ؛ والتَّأْنِيثُ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأماكِنِ والأشْياءِ؛ أوْ: أضاءَتِ النّارُ نَفْسَها فِيما حَوْلَهُ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظَرْفٌ لِإشْراقِ النّارِ المُنَزَلِ مَنزِلَتَها؛ لا لِنَفْسِها؛ أوْ "ما" مَزِيدَةٌ؛ وحَوْلَهُ ظَرْفٌ؛ …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: أخْبارٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ هو ضَمِيرُ المُنافِقِينَ؛ أوْ خَبَرٌ واحِدٌ؛ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ. والصَّمَمُ آفَةٌ مانِعَةٌ مِنَ السَّماعِ؛ وأصْلُهُ الصَّلابَةُ؛ واكْتِنازُ الأجْزاءِ؛ ومِنهُ: الحَجَرُ الأصَمُّ؛ والقَناةُ الصَّمّاءُ؛ وصِمامُ القارُورَةِ سِدادُها؛ سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ؛ لِما أنَّ سَبَبَهُ اكْتِنازُ باطِنِ الصِّماخِ؛ وانْسِدادُ مَنافِذِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَدْخُلُهُ هَواءٌ يَحْصُلُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ. والبَكَمُ: الخَرَسُ؛ والعَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ سَلامَةِ مَشاعِرِهِمُ المَعْدُودَةِ؛ لِما أنَّهم حَيْثُ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ الإصاخَةِ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ والذِّكْرِ الحَكِيمِ؛ وأبَوْا أنْ يَتَلَقَّوْها بِالقَبُولِ؛ ويُنْطِقُوا بِها ألْسِنَتَهُمْ؛ ولَمْ يَجْتَلُوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدَيْ رَسُولِ

اللَّهِ ﷺ؛ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى آياتِ التَّوْحِيدِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ بِعَيْنِ التَّدَبُّرِ؛ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُمُ احْتِمالُ الِارْعِواءِ عَنْهُ؛ صارُوا كَفاقِدِي تِلْكَ المَشاعِرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وهَذا عِنْدَ مُفْلِقِي سَحَرَةِ البَيانِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ البَلِيغِ المُؤَسَّسِ عَلى تَناسِي التَّشْبِيهِ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ ويَصْعَدُ حَتّى يَظُنَّ الجَهُولُ ∗∗∗ بِأنَّ لَهُ حاجَةً في السَّماءْ

لِما أنَّ المُقَدَّرَ في النَّظْمِ في حُكْمِ المَلْفُوظِ؛ لا مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الَّتِي يُطْوى فِيها ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَرِينَةٌ لِحَمْلٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: هم - بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ - لا يَعُودُونَ إلى الهُدى الَّذِي تَرَكُوهُ وضَيَّعُوهُ؛ أوْ عَنِ الضَّلالَةِ الَّتِي أخَذُوها؛ والآيَةُ نَتِيجَةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ تَهْوِيلٍ وتَفْظِيعٍ؛ فَإنَّ قُصارى أمْرِ التَّمْثِيلِ بَقاؤُهم في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَشْعَرَيِ السَّمْعِ والنُّطْقِ؛ ولِاخْتِلالِ مَشْعَرِ الإبْصارِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ؛ وما بَعْدَهُ لِلْمَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى كالضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ؛ بِأنَّ ما أصابَهم لَيْسَ مُجَرَّدَ انْطِفاءِ نارِهِمْ؛ وبَقائِهِمْ في ظُلُماتٍ كَثِيفَةٍ هائِلَةٍ؛ مَعَ بَقاءِ حاسَّةِ البَصَرِ بِحالِها؛ بَلِ اخْتَلَّتْ مَشاعِرُهم جَمِيعًا؛ واتَّصَفُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ؛ أوِ الحَقِيقَةِ؛ فَبَقُوا جامِدِينَ في مَكاناتِهِمْ لا يَرْجِعُونَ؛ ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ؛ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى ما ابْتَدَؤُوا مِنهُ. والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِمْ. وقُرِئَ: "صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا"؛ إمّا عَلى الذَّمِّ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هُمُ المُنافِقُونَ؛ أوِ المُسْتَوْقِدُونَ؛ وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَرَكَهُمْ"؛ أوِ المَرْفُوعِ في "لا يُبْصِرُونَ"؛ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "تَرَكَهُمْ"؛ فالضَّمِيرانِ لِلْمُسْتَوْقِدِينَ.

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾: تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ؛ لِيَعُمَّ البَيانُ مِنها كُلَّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ؛ ويُوَفّى حَقُّها مِنَ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ؛ فَإنَّ تَفَنُّنَهم في فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ؛ وتَنَقُّلَهم فِيها مِن حالٍ إلى حالِ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُضْرَبَ في شَأْنِهِ الأمْثالُ؛ ويُرْخى في حَلْبَتِهِ أعِنَّةُ المَقالِ؛ ويُمَدَّ لِشَرْحِهِ أطْنابُ الإطْنابِ؛ ويُعْقَدَ لِأجْلِهِ فُصُولٌ وأبْوابٌ؛ لِما أنَّ كُلَّ كَلامِ لَهُ حَظٌّ مِنَ البَلاغَةِ؛ وقِسْطٌ مِنَ الجَزالَةِ والبَراعَةِ؛ لا بُدَّ أنْ يُوَفّى فِيهِ حَقُّ كُلٍّ مِن مَقامَيِ الإطْنابِ والإيجازِ؛ فَما ظَنُّكَ بِما في ذُرْوَةِ الإعْجازِ مِنَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ ولَقَدْ نُعِيَ عَلَيْهِمْ في هَذا التَّمْثِيلِ تَفاصِيلُ جِناياتِهِمْ؛ وهو عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الضَّمائِرِ المُسْتَدْعِيَةِ لِذَلِكَ؛ أيْ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ. وكَلِمَةُ "أوْ" لِلْإيذانِ بِتَساوِي القِصَّتَيْنِ في الِاسْتِقْلالِ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ؛ وبِصِحَّةِ التَّمْثِيلِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما؛ وبِهِما مَعًا. و"الصَّيِّبُ": "فَيْعِلٌ"؛ مِن "الصَّوْبُ"؛ وهو النُّزُولُ الَّذِي لَهُ وقْعٌ وتَأْثِيرٌ؛ يُطْلَقُ عَلى المَطَرِ؛ وعَلى السَّحابِ؛ قالَ الشَّمّاخُ:

؎ عَفا آيَهُ نَسْجُ الجَنُوبِ مَعَ الصَّبا ∗∗∗ وأسْحَمُ دانٍ صادِقُ الوَعْدِ صَيِّبُ

وَلَعَلَّ الأوَّلَ هو المُرادُ هَهُنا؛ لِاسْتِلْزامِهِ الثّانِي؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنهُ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ كالنّارِ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ؛ وأُمِدَّ بِهِ ما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ مِن جِهَةِ مادَّتِهِ الأُولى؛ الَّتِي هي الصّادُ المُسْتَعْلِيَةُ؛ والياءُ المُشَدَّدَةُ؛ والباءُ الشَّدِيدَةُ؛ ومادَّتِهِ الثّانِيَةِ؛ أعْنِي "الصَّوْبُ"؛ المُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِانْسِكابِ؛ ومِن جِهَةِ بِنائِهِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ؛ وقُرِئَ: "أوْ كَصائِبٍ".

﴿مِنَ السَّماءِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَيِّبٍ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ هَذِهِ المِظَلَّةُ؛ وهي في الأصْلِ كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَوْجٌ مَكْفُوفٌ؛ أيْ مَمْنُوعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ السَّيَلانِ؛ وتَعْرِيفُها لِلْإيذانِ بِأنَّ انْبِعاثَ الصَّيِّبِ لَيْسَ مِن أُفُقٍ واحِدٍ؛ فَإنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِن آفاقِها - أيْ كُلَّ ما يُحِيطُ بِهِ كُلُّ أُفُقٍ مِنها - سَماءٌ عَلى حِدَةٍ؛ قالَ:

؎ ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ

كَما أنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِن طِباقِها سَماءٌ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾؛ والمَعْنى أنَّهُ صَيِّبٌ عامٌّ؛ نازِلٌ مِن غَمامٍ مُطْبِقٍ؛ آخِذٍ بِالآفاقِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ السَّحابُ؛ واللّامُ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ.

﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾: أيْ: أنْواعٌ مِنها؛ وهِيَ: ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ وانْتِساجِهِ بِتَتابُعِ القَطْرِ؛ وظُلْمَةُ إظْلالِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الغَمامِ الأسْحَمِ المُطْبِقِ الآخِذِ بِالآفاقِ؛ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ وجَعَلَهُ مَحَلًّا لَها مَعَ أنَّ بَعْضَها لِغَيْرِهِ؛ كَظُلْمَتَيِ الغَمامِ؛ واللَّيْلِ؛ لِما أنَّهُما جُعِلَتا مِن تَوابِعِ ظُلْمَتِهِ؛ مُبالَغَةً في شِدَّتِهِ؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ؛ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ بِحَيْثُ تَغْمُرُ ظُلْمَتُهُ ظُلُماتِ اللَّيْلِ والغَمامِ؛ وهو السِّرُّ في عَدَمِ جَعْلِ الظُّلُماتِ هو الأصْلَ المُسْتَتْبِعَ لِلْبَواقِي؛ مَعَ ظُهُورِ ظَرْفِيَّتِها لِلْكُلِّ؛ إذْ لَوْ قِيلَ: "أوْ كَظُلُماتٍ فِيها صَيِّبٌ"؛ إلَخْ.. لَما أفادَ أنَّ لِلصَّيِّبِ ظُلْمَةً خاصَّةً بِهِ؛ …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿يَكادُ البَرْقُ﴾: اسْتِئْنافٌ آخَرُ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقِيلَ: يَكادُ ذَلِكَ ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾؛ أيْ يَخْتَلِسُها ويَسْتَلُّها بِسُرْعَةٍ؛ و"كادَ" مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ وُضِعَتْ لِمُقارَبَةِ الخَبَرِ مِنَ الوُجُودِ؛ لِتَآخُذِ أسْبابِهِ؛ وتَعاضُدِ مَبادِيهِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِفَقْدِ شَرْطٍ؛ أوْ لِعُرُوضِ مانِعٍ؛ ولا يَكُونُ خَبَرُها إلّا مُضارِعًا؛ عارِيًا عَنْ كَلِمَةِ "أنْ"؛ وشَذَّ مَجِيئُهُ اسْمًا صَرِيحًا؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيِبا

وَكَذا مَجِيئُهُ مَعَ "أنْ"؛ حَمْلًا لَها عَلى "عَسى"؛ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:

؎ ∗∗∗ قَدْ كادَ مِن طُولِ البِلى أنْ يُمْحَصا

كَما تُحْمَلُ هِيَ عَلَيْها بِالحَذْفِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَنَةِ في أصْلِ المُقارَبَةِ؛ ولَيْسَ فِيها شائِبَةُ الإنْشائِيَّةِ؛ كَما في "عَسى"؛ وقُرِئَ: "يَخْطِفُ"؛ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ و"يَخْتَطِفُ"؛ و"يَخَطَّفُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ؛ بِنَقْلِ فَتْحَةِ التّاءِ إلى الخاءِ؛ وإدْغامِها في الطّاءِ؛ و"يِخِطَّفُ"؛ بِكَسْرِهِما؛ عَلى إتْباعِ الياءِ والخاءِ؛ و"يَخَطَّفُ"؛ مِن صِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ و"يَتَخَطَّفُ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ .

﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾: "كُلَّ": ظَرْفٌ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ زَمانِ إضاءَةٍ؛ وقِيلَ: "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ مَعْناها: الوَقْتُ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ وقْتٍ أضاءَ لَهم فِيهِ؛ والعامِلُ في "كُلَّما" جَوابُها؛ وهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في أثْناءِ ذَلِكَ الهَوْلِ؟ أيَفْعَلُونَ بِأبْصارِهِمْ ما فَعَلُوا بِآذانِهِمْ؛ أمْ لا؟ فَقِيلَ: كُلَّما نَوَّرَ البَرْقُ لَهم مَمْشًى ومَسْلَكًا - عَلى أنَّ "أضاءَ" مُتَعَدٍّ؛ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ -؛ أوْ كُلَّما لَمَعَ لَهم - عَلى أنَّهُ لازِمٌ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "كُلَّما ضاءَ" -؛ ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾؛ أيْ في ذَلِكَ المَسْلَكِ؛ أوْ في مَطْرَحِ نُورِهِ؛ خُطُواتٍ يَسِيرَةً؛ مَعَ خَوْفِ أنْ يُخْطَفَ أبْصارُهُمْ؛ وإيثارُ المَشْيِ عَلى ما فَوْقَهُ مِنَ السَّعْيِ والعَدْوِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لَهُما؛ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ خُفِيَ البَرْقُ؛ واسْتَتَرَ؛ والمُظْلِمُ وإنْ كانَ غَيْرَهُ لَكِنْ لَمّا كانَ الإظْلامُ دائِرًا عَلى اسْتِتارِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا؛ تَحْقِيقًا لِما أُرِيدَ مِنَ المُبالَغَةِ في مُوجِباتِ تَخَبُّطِهِمْ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ مَنقُولًا مِن "ظَلَمَ اللَّيْلُ"؛ ومِنهُ ما جاءَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:

؎ هُما أظْلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أجْلَيا ∗∗∗ ظَلامَيْهِما عَنْ وجْهِ أمْرَدَ أشْيَبَ

وَيُعَضِّدُهُ قِراءَةُ "أُظْلِمَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿قامُوا﴾؛ أيْ وقَفُوا في أماكِنِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ؛ مُتَحَيِّرِينَ؛ مُتَرَصِّدِينَ لِخَفْقَةٍ أُخْرى؛ عَسى يَتَسَنّى لَهُمُ الوُصُولُ إلى المَقْصِدِ؛ أوْ الِالتِجاءُ إلى مَلْجَإٍ يَعْصِمُهُمْ؛ وإيرادُ "كُلَّما" مَعَ الإضاءَةِ؛ و"إذا" مَعَ الظَّلامِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ؛ مُتَرَقِّبُونَ لِما يُصَحِّحُهُ؛ فَكُلَّما وجَدُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها؛ ولا كَذَلِكَ الوُقُوفُ؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّحَيُّرِ؛ وتَطايُرِ اللُّبِّ ما لا يُوصَفُ.

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾: كَلِمَةُ "لَوْ" لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ ماضٍ؛ هو الجَزاءُ؛ بِحُصُولِ أمْرٍ مَفْرُوضٍ فِيهِ؛ هو الشَّرْطُ؛ لِما …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.