Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذا: ظَرْفُ زَمانٍ، ويَغْلِبُ كَوْنُها شَرْطًا، وتَقَعُ لِلْمُفاجَأةِ ظَرْفَ زَمانٍ وِفاقًا لِلرِّياشِيِّ والزَّجّاجِ، لا ظَرْفَ مَكانٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، ولِظاهِرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ولا حَرْفًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. وإذا كانَتْ حَرْفًا فَهي لِما تُيُقِّنَ أوْ رُجِّحَ وُجُودُهُ، ويُجْزَمُ بِها في الشِّعْرِ، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. الفِعْلُ الثُّلاثِيُّ الَّذِي انْقَلَبَ عَيْنُ فِعْلِهِ ألِفًا في الماضِي، إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أخْلَصَ كَسْرَ أوَّلِهِ وسَكَنَتْ عَيْنُهُ ياءً في لُغَةِ قُرَيْشٍ ومُجاوِرِيهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ، وضُمَّ أوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِن قَيْسٍ وعَقِيلٍ ومَن جاوَرَهم وعامَّةِ بَنِي أسَدٍ. وبِهَذِهِ اللُّغَةُ قَرَأ الكِسائِيُّ وهُشامٌ في: قِيلَ، وغِيضَ، وحِيلَ، وسِيءَ، وسِيئَتْ، وجِيءَ، وسِيقَ. وافَقَهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ في: سِيءَ، وسِيئَتْ. زادَ ابْنُ ذَكْوانَ: حِيلَ، وساقَ. وبِاللُّغَةِ الأُولى قَرَأ باقِي القُرّاءِ، وفي ذَلِكَ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي إخْلاصُ ضَمِّ فاءِ الكَلِمَةِ وسُكُونِ عَيْنِهِ واوًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، وبَنِي دُبَيْرٍ. والكَلامُ عَلى تَوْجِيهِ هَذِهِ اللُّغاتِ وتَكْمِيلِ أحْكامِها مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. الفَسادُ: التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ. قالَ سُهَيْلٌ في الفَصِيحِ: فَسَدَ، ونَقِيضُهُ: الصَّلاحُ، وهو اعْتِدالُ الحالِ واسْتِواؤُهُ عَلى الحالَةِ الحَسَنَةِ. الأرْضُ مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى أُرْضٍ وأراضٍ، وبِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ نَصْبًا وجْرًا شُذُوذًا، فَتُفْتَحُ العَيْنُ، وبِالألِفِ والتّاءِ، قالُوا: أرِضاتٍ، والأراضِي جَمْعُ جَمْعٍ كَأواظِبِ. إنَّما: ما: صِلَةٌ لِإنَّ وتَكُفُّها عَنِ العَمَلِ، فَإنْ ولِيَتْها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كانَتْ مُهَيَّئَةً، وفي ألْفاظِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وبَعْضِ أهْلِ الأُصُولِ أنَّها لِلْحَصْرِ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن ما النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها إنَّ الَّتِي لِلْإثْباتِ فَأفادَتِ الحَصْرَ، قَوْلٌ رَكِيكٌ فاسِدٌ صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِالوَضْعِ، كَما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ مِن أخَواتِها الَّتِي كُفَّتْ بِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: لَعَلَّ زَيْدًا قائِمٌ، ولَعَلَّ ما زَيْدٌ قائِمٌ، فَكَذَلِكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، وإذا فُهِمَ حَصْرٌ، فَإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا أنَّ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي أوْرَدُوهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وإعْمالُ إنَّما قَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، والَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُنا أنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

نَحْنُ: ضَمِيرُ رَفْعٍ مُنْفَصِلٌ لِمُتَكَلِّمٍ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لِمُعْظَمِ نَفْسِهِ، وفي اعْتِلالِ بِنائِهِ عَلى الضَّمِّ أقْوالٌ تُذْكَرُ في النَّحْوِ. ألا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ زَعَمُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ أفادَ تَحْقِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولِكَوْنِها مِنَ المُنْصَبِّ في هَذِهِ لا تَكادُ تَقَعُ …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذا: ظَرْفُ زَمانٍ، ويَغْلِبُ كَوْنُها شَرْطًا، وتَقَعُ لِلْمُفاجَأةِ ظَرْفَ زَمانٍ وِفاقًا لِلرِّياشِيِّ والزَّجّاجِ، لا ظَرْفَ مَكانٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، ولِظاهِرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ولا حَرْفًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. وإذا كانَتْ حَرْفًا فَهي لِما تُيُقِّنَ أوْ رُجِّحَ وُجُودُهُ، ويُجْزَمُ بِها في الشِّعْرِ، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. الفِعْلُ الثُّلاثِيُّ الَّذِي انْقَلَبَ عَيْنُ فِعْلِهِ ألِفًا في الماضِي، إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أخْلَصَ كَسْرَ أوَّلِهِ وسَكَنَتْ عَيْنُهُ ياءً في لُغَةِ قُرَيْشٍ ومُجاوِرِيهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ، وضُمَّ أوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِن قَيْسٍ وعَقِيلٍ ومَن جاوَرَهم وعامَّةِ بَنِي أسَدٍ. وبِهَذِهِ اللُّغَةُ قَرَأ الكِسائِيُّ وهُشامٌ في: قِيلَ، وغِيضَ، وحِيلَ، وسِيءَ، وسِيئَتْ، وجِيءَ، وسِيقَ. وافَقَهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ في: سِيءَ، وسِيئَتْ. زادَ ابْنُ ذَكْوانَ: حِيلَ، وساقَ. وبِاللُّغَةِ الأُولى قَرَأ باقِي القُرّاءِ، وفي ذَلِكَ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي إخْلاصُ ضَمِّ فاءِ الكَلِمَةِ وسُكُونِ عَيْنِهِ واوًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، وبَنِي دُبَيْرٍ. والكَلامُ عَلى تَوْجِيهِ هَذِهِ اللُّغاتِ وتَكْمِيلِ أحْكامِها مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. الفَسادُ: التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ. قالَ سُهَيْلٌ في الفَصِيحِ: فَسَدَ، ونَقِيضُهُ: الصَّلاحُ، وهو اعْتِدالُ الحالِ واسْتِواؤُهُ عَلى الحالَةِ الحَسَنَةِ. الأرْضُ مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى أُرْضٍ وأراضٍ، وبِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ نَصْبًا وجْرًا شُذُوذًا، فَتُفْتَحُ العَيْنُ، وبِالألِفِ والتّاءِ، قالُوا: أرِضاتٍ، والأراضِي جَمْعُ جَمْعٍ كَأواظِبِ. إنَّما: ما: صِلَةٌ لِإنَّ وتَكُفُّها عَنِ العَمَلِ، فَإنْ ولِيَتْها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كانَتْ مُهَيَّئَةً، وفي ألْفاظِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وبَعْضِ أهْلِ الأُصُولِ أنَّها لِلْحَصْرِ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن ما النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها إنَّ الَّتِي لِلْإثْباتِ فَأفادَتِ الحَصْرَ، قَوْلٌ رَكِيكٌ فاسِدٌ صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِالوَضْعِ، كَما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ مِن أخَواتِها الَّتِي كُفَّتْ بِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: لَعَلَّ زَيْدًا قائِمٌ، ولَعَلَّ ما زَيْدٌ قائِمٌ، فَكَذَلِكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، وإذا فُهِمَ حَصْرٌ، فَإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا أنَّ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي أوْرَدُوهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وإعْمالُ إنَّما قَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، والَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُنا أنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

نَحْنُ: ضَمِيرُ رَفْعٍ مُنْفَصِلٌ لِمُتَكَلِّمٍ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لِمُعْظَمِ نَفْسِهِ، وفي اعْتِلالِ بِنائِهِ عَلى الضَّمِّ أقْوالٌ تُذْكَرُ في النَّحْوِ. ألا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ زَعَمُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ أفادَ تَحْقِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولِكَوْنِها مِنَ المُنْصَبِّ في هَذِهِ لا تَكادُ تَقَعُ …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذا: ظَرْفُ زَمانٍ، ويَغْلِبُ كَوْنُها شَرْطًا، وتَقَعُ لِلْمُفاجَأةِ ظَرْفَ زَمانٍ وِفاقًا لِلرِّياشِيِّ والزَّجّاجِ، لا ظَرْفَ مَكانٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، ولِظاهِرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ولا حَرْفًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. وإذا كانَتْ حَرْفًا فَهي لِما تُيُقِّنَ أوْ رُجِّحَ وُجُودُهُ، ويُجْزَمُ بِها في الشِّعْرِ، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. الفِعْلُ الثُّلاثِيُّ الَّذِي انْقَلَبَ عَيْنُ فِعْلِهِ ألِفًا في الماضِي، إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أخْلَصَ كَسْرَ أوَّلِهِ وسَكَنَتْ عَيْنُهُ ياءً في لُغَةِ قُرَيْشٍ ومُجاوِرِيهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ، وضُمَّ أوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِن قَيْسٍ وعَقِيلٍ ومَن جاوَرَهم وعامَّةِ بَنِي أسَدٍ. وبِهَذِهِ اللُّغَةُ قَرَأ الكِسائِيُّ وهُشامٌ في: قِيلَ، وغِيضَ، وحِيلَ، وسِيءَ، وسِيئَتْ، وجِيءَ، وسِيقَ. وافَقَهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ في: سِيءَ، وسِيئَتْ. زادَ ابْنُ ذَكْوانَ: حِيلَ، وساقَ. وبِاللُّغَةِ الأُولى قَرَأ باقِي القُرّاءِ، وفي ذَلِكَ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي إخْلاصُ ضَمِّ فاءِ الكَلِمَةِ وسُكُونِ عَيْنِهِ واوًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، وبَنِي دُبَيْرٍ. والكَلامُ عَلى تَوْجِيهِ هَذِهِ اللُّغاتِ وتَكْمِيلِ أحْكامِها مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. الفَسادُ: التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ. قالَ سُهَيْلٌ في الفَصِيحِ: فَسَدَ، ونَقِيضُهُ: الصَّلاحُ، وهو اعْتِدالُ الحالِ واسْتِواؤُهُ عَلى الحالَةِ الحَسَنَةِ. الأرْضُ مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى أُرْضٍ وأراضٍ، وبِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ نَصْبًا وجْرًا شُذُوذًا، فَتُفْتَحُ العَيْنُ، وبِالألِفِ والتّاءِ، قالُوا: أرِضاتٍ، والأراضِي جَمْعُ جَمْعٍ كَأواظِبِ. إنَّما: ما: صِلَةٌ لِإنَّ وتَكُفُّها عَنِ العَمَلِ، فَإنْ ولِيَتْها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كانَتْ مُهَيَّئَةً، وفي ألْفاظِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وبَعْضِ أهْلِ الأُصُولِ أنَّها لِلْحَصْرِ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن ما النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها إنَّ الَّتِي لِلْإثْباتِ فَأفادَتِ الحَصْرَ، قَوْلٌ رَكِيكٌ فاسِدٌ صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِالوَضْعِ، كَما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ مِن أخَواتِها الَّتِي كُفَّتْ بِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: لَعَلَّ زَيْدًا قائِمٌ، ولَعَلَّ ما زَيْدٌ قائِمٌ، فَكَذَلِكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، وإذا فُهِمَ حَصْرٌ، فَإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا أنَّ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي أوْرَدُوهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وإعْمالُ إنَّما قَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، والَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُنا أنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

نَحْنُ: ضَمِيرُ رَفْعٍ مُنْفَصِلٌ لِمُتَكَلِّمٍ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لِمُعْظَمِ نَفْسِهِ، وفي اعْتِلالِ بِنائِهِ عَلى الضَّمِّ أقْوالٌ تُذْكَرُ في النَّحْوِ. ألا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ زَعَمُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ أفادَ تَحْقِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولِكَوْنِها مِنَ المُنْصَبِّ في هَذِهِ لا تَكادُ تَقَعُ …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، اللِّقاءُ: اسْتِقْبالُ الشَّخْصِ قَرِيبًا مِنهُ، والفِعْلُ مِنهُ لَقِيَ يَلْقى، وقَدْ يُقالُ لاقى، وهو فاعِلٌ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وسُمِعَ لِلَقِيَ أرْبَعَةَ عَشَرَ مَصْدَرًا، قالُوا: لَقِيَ، لُقْيًا، ولُقْيَةً، ولَقاةً، ولِقاءً، ولُقاءً، ولَقًى، ولُقًى، ولُقْياءَ، ولِقْياءَ، ولُقِيًّا، ولُقْيانًا، ولِقْيانَةً، وتِلْقاءً. الخُلُوُّ: الِانْفِرادُ، خَلا بِهِ أيِ انْفَرَدَ، أوِ المُضِيُّ، ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . الشَّيْطانُ، فَيْعالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، فَنُونُهُ أصْلِيَّةٌ مِن شَطَنَ، أيْ بَعُدَ، واسْمُ الفاعِلِ شاطِنٌ، قالَ أُمَيَّةُ:

؎أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلْقى في السِّجْنِ والأكْبالِ

وقالَ رُؤْبَةُ:

؎وفِي أخادِيدِ السِّياطِ المُتَّنِ ∗∗∗ شافٍ لِبَغْيِ الكَلْبِ المُشَيْطَنِ

ووَزْنُهُ فَعْلانُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ونُونُهُ زائِدَةٌ مِن شاطَ يَشِيطُ إذا هَلَكَ، قالَ الشّاعِرَ:

؎قَدْ تَظْفَرُ العِيرُ في مَكْنُونِ قائِلَةٍ ∗∗∗ وقَدْ تَشْطُو عَلى أرْماحِنا البَطَلُ

والشَّيْطانُ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والدَّوابِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُنْثاهُ شَيْطانَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎هِيَ البازِلُ الكَوْماءُ لا شَيْءَ غَيْرُها ∗∗∗ وشَيْطانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنها جُنُونُها

وشَياطِينُ: جَمْعُ شَيْطانَ، نَحْوُ غَراثِينَ في جَمْعٍ غَرْثانَ، وحَكاهُ الفَرّاءُ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ نُونَهُ زائِدَةٌ تَكُونُ نَحْوَ: غَرْثانَ، مَعَ اسْمٍ مَعْناهُ الصُّحْبَةُ اللّائِقَةُ بِالمَذْكُورِ، وتَسْكِينُها قَبْلَ حَرَكَةٍ لُغَةُ رَبِيعَةَ وغَنْمٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وإذا سَكَنَتْ فالأصَحُّ أنَّها اسْمٌ، وإذا لَقِيَتْ ألِفَ اللّامِ أوْ ألِفَ الوَصْلِ فالفَتْحُ لُغَةُ عامَّةِ العَرَبِ، والكَسْرُ لُغَةُرَبِيعَةَ، وتَوْجِيهُ اللُّغَتَيْنِ في النَّحْوِ، ويُسْتَعْمَلُ ظَرْفَ مَكانٍ فَيَقَعُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ والأحْداثِ، وإذا أُفْرِدَ نُوِّنَ مَفْتُوحًا، وهي ثُلاثِيُّ الأصْلِ مِن بابِ المَقْصُورِ، إذْ ذاكَ لا مِن بابِ يَدٍ، خِلافًا لِيُونُسَ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ مَعًا حالٌ، نَحْوُ: جَمِيعًا، وهي أخَصُّ مِن جَمِيعٍ لِأنَّها تُشْرِكُ في الزَّمانِ نَصًّا، وجَمِيعُ تَحْتَمِلُهُ. وقَدْ سَألَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى أحْمَدَ بْنَ قادِمٍ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ: قامَ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدٌ مَعًا، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدٌ جَمِيعًا، قالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْكُضُ فِيها إلى اللَّيْلِ، وفَرَّقَ ابْنُ يَحْيى: بِأنَّ جَمِيعًا يَكُونُ القِيامُ في وقْتَيْنِ وفي وقْتٍ واحِدٍ، وأمّا إذا قُلْتَ: مَعًا، فَيَكُونُ في وقْتٍ واحِدٍ. الِاسْتِهْزاءُ: الِاسْتِخْفافُ والسُّخْرِيَةُ، وهو اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو فَعَلَ، تَقُولُ: هَزَأْتُ بِهِ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ اسْتَعْجَبَ: بِمَعْنى عَجِبَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها اسْتَفْعَلَ.

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ المَدُّ: التَّطْوِيلُ، مَدَّ الشَّيْءَ: طَوَّلَهُ وبَسَطَهُ، ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وأصْلُ المَدِّ: الزِّيادَةُ، وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَ في شَيْءٍ فَكَثَّرَهُ فَقَدْ مَدَّهُ، قالَهُ اللِّحْيانِيُّ: وأمَدَّ بِمَعْنى مَدَّ، مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ: زادَهُ وألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ مِن جِنْسِهِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَدَّ زادَ مِنَ الجِنْسِ، وأمَدَّ: زادَ مِن غَيْرِ الجِنْسِ. وقالَ يُونُسُ: مَدَّ في الخَيْرِ وأمَدَّ في الشَّرِّ. انْتَهى قَوْلُهُ. ويُقالُ: مَدَّ النَّهْرُ وأمَدَّهُ نَهْرٌ آخَرٌ، ومادَّةُ الشَّيْءِ ما يَمُدُّهُ، الهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَدَدْتُ الدَّواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى، ويُقالُ: مَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا. وقالَ اللِّحْيانِيُّ: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] . الطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ المِقْدارِ المَعْلُومِ، يُقالُ طَغى الماءُ، وطَغَتِ النّارُ. العَمَهُ: التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ، وهو شَبِيهٌ بِالعَمى، إلّا أنَّ العَمى تُوصَفُ بِهِ العَيْنُ الَّتِي ذَهَبَ نُورُها، والرَّأْيُ الَّذِي غابَ عَنْهُ الصَّوابُ. يُقالُ: عَمَهَ، يَعْمَهُ، عَمَهًا، وعَمَهانًا فَهو: عَمِهٌ، وعامِهٌ. ويُقالُ: بَرِيَّةٌ عَمْهاءُ إذا لَمْ يَكُنْ بِها عِلْمٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَمَهُ أنْ يَرْكَبَ رَأْسَهُ ولا يُبْصِرُ ما يَأْتِي. وقِيلَ: العَمَهُ: العَمى عَنِ الرُّشْدِ.

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾، الِاشْتِراءُ والشِّراءُ بِمَعْنى: الِاسْتِبْدالِ بِالشَّيْءِ والِاعْتِياضِ مِنهُ، إلّا أنَّ الِاشْتِراءَ يُسْتَعْمَلُ في الِابْتِياعِ والبَيْعِ، وهو مِمّا جاءَ فِيهِ افْتَعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها افْتَعَلَ. الرِّبْحُ: هو ما يَحْصُلُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ. التِّجارَةُ: هي صِناعَةُ التّاجِرِ، وهو الَّذِي يَتَصَرَّفُ في المالِ لِطَلَبِ النُّمُوِّ والزِّيادَةِ. المُهْتَدِي: اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اهْتَدى وافْتَعَلَ فِيهِ لِلْمُطاوَعَةِ، هَدَيْتُهُ فاهْتَدى، نَحْوُ: سَوَّيْتُهُ فاسْتَوى، وغَمَمْتُهُ فاغْتَمَّ. والمُطاوَعَةُ أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها أفْعَلُ، ولا تَكُونُ افْتَعَلَ لِلْمُطاوَعَةِ مَبْنِيَّةً إلّا مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي، وقَدْ وهِمَ مَن زَعَمَ أنَّها تَكُونُ مِنَ اللّازِمِ، وأنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ فِيها، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎حَتّى إذا اشْتالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرْ كَشُعْلَةِ القابِسِ تَرْمِي بِالشَّرَرْ

لِأنَّ افْتَعَلَ في البَيْتِ بِمَعْنى، فَعَلَ. تَقُولُ: شالَ يَشُولُ، واشْتالَ يَشْتالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ولا تَتَعَقَّلُ المُطاوَعَةُ، إلّا بِأنْ يَكُونَ المُطاوِعُ مُتَعَدِّيًا.

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة: ١١] جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ اسْتِئْنافًا يَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا، وفي الثّانِي جُزْءُ كَلامٍ لِأنَّها مِن تَمامِ الصِّلَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى يَكْذِبُونَ، فَإذْ ذاكَ يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ، والمَعْطُوفُ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، وهي إذْ ذاكَ جُزْءٌ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقَّوْا بِهِ العَذابَ الألِيمَ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا تَكُونُ جُزْءًا مِنَ الكَلامِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي أجازاهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْ ما مِن قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] خَطَأٌ، وهو أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، وذَلِكَ أنَّ المَعْطُوفَ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، فَيَكْذِبُونَ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ عَلى ما، وقَوْلُهُ: وإذا قِيلَ لَهم إلى آخِرِ الآيَةِ لا ضَمِيرَ فِيهِ يَعُودُ عَلى ما، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِالَّذِي كانُوا.

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ لِعَدَمِ العائِدِ. وأمّا وجْهُها الآخَرُ، وهو أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَعَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ يَكُونُ هَذا الإعْرابُ أيْضًا خَطَأً، إذْ عِنْدَهُ أنَّ ما المَصْدَرِيَّةَ اسْمٌ يَعُودُ عَلَيْها مِن صِلَتِها ضَمِيرٌ، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عارِيَةٌ مِنهُ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، فَهَذا الإعْرابُ شائِعٌ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ إعْرابَ هَذا سِوى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يَكْذِبُونَ، أوْ عَلى يَقُولُ، وزَعَما أنَّ الأوَّلَ وجْهٌ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ، وهو أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، كَما قَرَّرْناهُ، إذْ هَذِهِ الجُمْلَةُ والجُمْلَتانِ بَعْدَها هي مِن تَفاصِيلِ الكَذِبِ ونَتائِجِ التَّكْذِيبِ. ألا تَرى قَوْلَهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وقَوْلَهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾: المَثَلُ في أصْلِ كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى المِثْلِ والمَثِيلِ، كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، وهو النَّظِيرُ، ويُجْمَعُ المَثَلُ والمِثْلُ عَلى أمْثالٍ. قالَ اليَزِيدِيُّ: الأمْثالُ: الأشْباهُ، وأصْلُ المَثَلِ الوَصْفُ، هَذا مِثْلُ كَذا، أيْ وصْفُهُ مُساوٍ لِوَصْفِ الآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. والمَثَلُ: القَوْلُ السّائِرُ الَّذِي فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. وقِيلَ: المَثَلُ، ذِكْرُ وصْفٍ ظاهِرٍ مَحْسُوسٍ وغَيْرِ مَحْسُوسٍ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وصْفٍ مُشابِهٍ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الخَفاءِ لِيَصِيرَ في الذِّهْنِ مُساوِيًا لِلْأوَّلِ في الظُّهُورِ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ المَثَلِ أنَّهُ يُؤَثِّرُ في القُلُوبِ ما لا يُؤَثِّرُهُ وصْفُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن ضَرْبِ المَثَلِ تَشْبِيهُ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائِبِ بِالشّاهِدِ، فَيَتَأكَّدُ الوُقُوفُ عَلى ماهِيَّتِهِ ويَصِيرُ الحِسُّ مُطابِقًا لِلْعَقْلِ.

والَّذِي: اسْمٌ مَوْصُولٌ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ مُبْهَمٌ يَجْرِي مَجْرى مَن في وُقُوعِهِ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ. وقالَ الأخْفَشُ: هو مُفْرَدٌ، ويَكُونُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ، وقالَ صاحِبُ التَّسْهِيلِ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرَ الَّذِينَ، قالَ: ويُغْنِي عَنْهُ الَّذِي في غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَثِيرًا وفِيهِ لِلضَّرُورَةِ قَلِيلًا، وأصْحابُنا يَقُولُونَ: يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ النُّونُ مِنَ الَّذِينَ فَيَبْقى الَّذِي، وإذا كانَ الَّذِي لِمُفْرَدٍ فَسُمِعَ تَشْدِيدُ الياءِ فِيهِ مَكْسُورَةً أوْ مَضْمُومَةً، وحَذْفُ الياءِ وإبْقاءُ الذّالِ مَكْسُورَةً أوْ ساكِنَةً، وأكْثَرُ أصْحابِنا عَلى أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ في الَّذِي. والِاسْتِيقادُ: بِمَعْنى الإيقادِ واسْتِدْعاءِ ذَلِكَ، ووَقُودُ النّارِ ارْتِفاعُ لَهِيبِها. والنّارُ: جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ حارٌّ مُحْرِقٌ. لَمّا: حَرْفُ نَفْيٍ يَعْمَلُ الجَزْمَ وبِمَعْنى إلّا، وظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ عِنْدَ الفارِسِيِّ، والجَوابُ عامِلٌ فِيها إذِ الجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وحَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو الصَّحِيحُ لِتَقَدُّمِها عَلى ما نُفِيَ بِما، ولِمَجِيءِ جَوابِها مُصَدَّرًا بِإذا الفُجائِيَّةِ. الإضاءَةُ: الإشْراقُ، وهو فَرْطُ الإنارَةِ. وحَوْلَهُ: ظَرْفُ مَكانٍ لا يَتَصَرَّفُ، ويُقالُ: حَوالٍ بِمَعْناهُ، ويُثَنَّيانِ ويَجْمَعُ أحْوالٌ، وكُلُّها لا تَتَصَرَّفُ وتَلْزَمُ الإضافَةَ. الذَّهابُ: الِانْطِلاقُ. النُّورُ: الضَّوْءُ مِن كُلِّ نَيِّرٍ ونَقِيضُهُ الظُّلْمَةُ، ويُقالُ نارَ يَنُورُ إذا نَفَرَ، وجارِيَةٌ نَوارٌ: أيْ نَفُورٌ، ومِنهُ اسْمُ امْرَأةِ الفَرَزْدَقَ، وسَمِّيَ نُورًا لِأنَّ فِيهِ اضْطِرابًا وحَرَكَةً. التَّرْكُ: التَّخْلِيَةُ، اتْرُكْ هَذا أيْ خَلِّهِ ودَعْهُ، وفي تَضْمِينِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ وتَعْدِيَتُهُ إلى اثْنَيْنِ خِلافٌ، الأصَحُّ جَوازُ ذَلِكَ. الظُّلْمَةُ: عَدَمُ النُّورِ، وقِيلَ: هو عَرَضٌ يُنافِي النُّورَ، وهو الأصَحُّ لِتَعَلُّقِ الجَعْلِ بِمَعْنى الخَلْقِ بِهِ، والأعْدامُ لا تُوصَفُ بِالخَلْقِ، وقَدْ رَدَّهُ بَعْضُهم لِمَعْنى الظُّلْمِ، وهو المَنعُ، قالَ: لِأنَّ الظُّلْمَةَ تَسُدُّ البَصَرَ وتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ. الإبْصارُ: الرُّؤْيَةُ.

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ جُمُوعُ كَثْرَةٍ عَلى وزْنِ فُعْلٍ، وهو قِياسٌ في جَمْعِ فَعْلاءَ وأفْعَلَ الوَصْفَيْنِ سَواءٌ تَقابَلا، نَحْوَ: أحْمَرَ وحَمْراءَ، أوِ انْفَرَدَ المانِعُ في الخِلْقَةِ، نَحْوَ: عَذَلَ ورَتَقَ. فَإنْ كانَ الوَصْفُ مُشْتَرَكًا لَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلا عَلى نِظامِ أحْمَرَ وحَمْراءَ، وذَلِكَ نَحْوُ: رَجُلٍ آلى وامْرَأةٍ عَجْزاءَ، لَمْ يَنْقَسْ فِيهِ فَعَلَ بَلْ يُحْفَظُ فِيهِ. والصَّمَمُ: داءٌ يَحْصُلُ في الأُذُنِ يَسُدُّ العُرُوقَ فَيَمْنَعُ مِنَ السَّمْعِ، وأصْلُهُ مِنَ الصَّلابَةِ، قالُوا: قَناةٌ صَمّاءُ، وقِيلَ: أصْلُهُ السَّدُّ، وصَمَمْتُ القارُورَةَ: سَدَدْتُها. والبَكَمُ: آفَةٌ تَحْصُلُ في اللِّسانِ تَمْنَعُ مِنَ الكَلامِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقِيلَ: الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَفْهَمُ الكَلامَ ولا يَهْتَدِي إلى الصَّوابِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ داءٌ في الفُؤادِ لا في اللِّسانِ. والعَمى: ظُلْمَةٌ في العَيْنِ تَمْنَعُ مِن إدْراكِ المُبْصَراتِ، والفِعْلُ مِنها عَلى فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، واسْمُ الفاعِلِ عَلى أفْعَلَ، وهو قِياسُ الآفاتِ والعاهاتِ. والرُّجُوعُ، إنْ لَمْ يَتَعَدَّ، فَهو بِمَعْنى: العَوْدِ، وإنْ تَعَدّى فَبِمَعْنى: الإعادَةِ. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُ: إنَّها تُضَمَّنُ مَعْنى صارَ فَتَصِيرُ مِن بابِ كانَ، تَرْفَعُ الِاسْمَ وتَنْصِبُ الخَبَرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ صِفَتِهِمْ عَقَّبَها بِذِكْرِ ضَرْبِ المَثَلِ زِيادَةً في الكَشْفِ وتَتْمِيمًا لِلْبَيانِ، ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمْثالَ واسْتِحْضارِ العُلَماءِ المُثُلَ والنَّظائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالخَفِيِّ في إبْرازِ خَبِيئاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ، حَتّى تُرِيَكَ المُتَخَيَّلَ في صُورَةِ المُحَقَّقِ والمُتَوَهَّمِ في مَعْرِضِ المُتَيَقَّنِ، والغائِبَ بِأنَّهُ مُشاهَدٌ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْخَصْمِ الألَدِّ وقَمْعٌ لِسُورَةِ الجامِحِ الآبِي، ولِأمْرٍ ما أكْثَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ المُبِينِ وفِي سائِرِ كُتُبِهِ أمْثالَهُ، وفَشَتْ في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ، فَقالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُوَرُ الأمْثالِ، انْتَهى كَلامُهُ.

ومَثَلُهم: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ كائِنٌ كَمَثَلٍ، كَما يُقَدَّرُ ذَلِكَ في سائِرِ حُرُوفِ الجَرِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الخَبَرُ الكافُ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى:

؎أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ

انْتَهى.

وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ وبَدَأ بِهِ غَيْرَ مُخْتارٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ اسْمًا في فَصِيحِ الكَلامِ، وتَقَدَّمَ أنّا لا نُجِيزُهُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهَ الَّذِي بَدَأْنا بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَجْهِ الَّذِي اخْتارَهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكافَ زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ: فَصُيِّرُوا مِثْلَ: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] . وحَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّ المَثَلَ والمِثْلَ بِمَعْنًى، صارَ المَعْنى عِنْدَهُ عَلى الزِّيادَةِ، إذِ المَعْنى تَشْبِيهُ المَثَلِ بِالمِثْلِ، لا بِمِثْلِ المِثْلِ، والمَثَلُ هُنا بِمَعْنى القِصَّةِ والشَّأْنِ، فَشَبَّهَ شَأْنَهم ووَصَفَهم بِوَصْفِ المُسْتَوْقِدِ نارًا، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الكافُ زائِدَةً. وفي جِهَةِ المُماثَلَةِ …

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ أوْ لَها خَمْسَةُ مَعانٍ: الشَّكُّ، والإبْهامُ، والتَّخْيِيرُ، والإباحَةُ، والتَّفْصِيلُ. وزادَ الكُوفِيُّونَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ وبِمَعْنى بَلْ، وكانَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ بْنُ الصّائِغِ يَقُولُ: أوْ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ولِذَلِكَ وقَعَتْ في الخَبَرِ المَشْكُوكِ فِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ، لا أنَّها وُضِعَتْ لِلشَّكِّ، فَقَدْ تَكُونُ في الخَبَرِ، ولا شَكَّ إذا أُبْهِمَتْ عَلى المُخاطَبِ. وأمّا الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ فَعَلى أصْلِها لِأنَّ المُخَيَّرَ إنَّما يُرِيدُ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ، وأمّا الَّتِي زَعَمُوا أنَّها لِلْإباحَةِ فَلَمْ تُؤْخَذِ الإباحَةُ مِن لَفْظِ (أوْ) ولا مِن مَعْناها، إنَّما أُخِذَتْ مِن صِيغَةِ الأمْرِ مَعَ قَرائِنِ الأحْوالِ، وإنَّما دَخَلَتْ لِغَلَبَةِ العادَةِ في أنَّ المُشْتَغِلَ بِالفِعْلِ الواحِدِ لا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ، ولَوْ جَمَعَ بَيْنَ المُباحَيْنِ لَمْ يَعْصِ، عِلْمًا بِأنَّ أوْ لَيْسَتْ مُعْتَمَدَةً هُنا. الصَّيِّبُ: المَطَرُ، يُقالُ: صابَ يَصُوبُ فَهو صَيِّبٌ إذا نَزَلَ والسَّحابُ أيْضًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎حَتّى عَفاها صَيِّبُ ودْقِهِ دانِي النَّواحِي مُسْبِلُ هاطِلُ

وقالَ الشَّمّاخُ:

؎وأشْحَمَ دانٍ صادِقَ الرَّعْدِ صَيِّبُ

ووَزْنُ صَيِّبٍ فَيْعِلٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهو مِنَ الأوْزانِ المُخْتَصَّةِ بِالمُعْتَلِّ العَيْنِ، إلّا ما شَذَّ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِمْ: صَيْقِلٌ بِكَسْرِ القافِ عَلَمٌ لِامْرَأةٍ، ولَيْسَ وزْنُهُ فَعِيلًا، خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وقَدْ نُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِلْكُوفِيِّينَ وهي مَسْألَةٌ يُتَكَلَّمُ عَلَيْها في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَخْفِيفِ مِثْلِ هَذا. السَّماءُ: كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ ونَحْوِهِ، والسَّماءُ المَعْرُوفَةُ ذاتُ البُرُوجِ، وأصْلُها الواوُ لِأنَّها مِنَ السُّمُوِّ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ المُفْرَدِ تاءُ تَأْنِيثٍ. قالُوا: سَماوَةٌ، وتَصِحُّ الواوُ إذْ ذاكَ لِأنَّها بُنِيَتْ عَلَيْها الكَلِمَةُ، قالَ العَجّاجُ:

؎طَيُّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا ∗∗∗ سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا

والسَّماءُ مُؤَنَّثٌ، وقَدْ يُذَكَّرُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ

والجِنْسُ الَّذِي مُيِّزَ واحِدُهُ بِتاءٍ، يُؤَنِّثُهُ الحِجازِيُّونَ، ويُذَكِّرُهُ التَّمِيمِيُّونَ وأهْلُ نَجْدٍ، وجَمْعُهم لَها عَلى سَماواتٍ، وعَلى أسْمِيَةٍ، وعَلى سَماءاتٍ. قالَ: فَوْقَ سَبْعِ سَمائِنا شاذٌّ لِأنَّهُ، أوَّلًا: اسْمُ جِنْسٍ فَقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وثانِيًا: فَجَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ لَيْسَ فِيهِ شَرْطُ ما يُجْمَعُ بِهِما قِياسًا، وجَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ لَيْسَ مِمّا يَنْقاسُ في المُؤَنَّثِ، وعَلى فَعائِلَ لا يَنْقاسُ في فِعالٍ.

الرَّعْدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وعِكْرِمَةُ: الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحابَ بِهَذا الصَّوْتِ، وقالَ بَعْضُهم: كُلَّما خالَفَتْ سَحابَةٌ صاحَ بِها، والرَّعْدُ اسْمُهُ. وقالَ عَلِيٌّ وعَطاءٌ وطاوُسٌ والخَلِيلُ: صَوْتُ مَلَكٍ يَزْجُرُ السَّحابَ. ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: أيْضًا صَوْتُ مَلِكٍ يَسْبَحُ، وقِيلَ: رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَكادُ: مُضارِعُ كادَ الَّتِي هي مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، ووَزْنُها فَعَلَ يَفْعَلُ، نَحْوَ خافَ يَخافُ، مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، وفِيها لُغَتانِ: فَعَلَ كَما ذَكَرْناهُ، وفَعُلَ، ولِذَلِكَ إذا اتَّصَلَ بِها ضَمِيرُ الرَّفْعِ لِمُتَكَلِّمٍ أوْ مُخاطَبٍ أوْ نُونِ إناثٍ ضَمُّوا الكافَ فَقالُوا: كُدْتُ، وكُدْتَ، وكُدْنَ، وسُمِعَ نَقْلُ كَسْرِ الواوِ إلى الكافِ، مَعَ ما إسْنادِهِ لِغَيْرِ ما ذُكِرَ، قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وكِيدَتْ ضِباعُ القُفِّ يَأْكُلْنَ جُثَّتِي وكِيدَ خَراشٌ عِنْدَ ذَلِكَ يُيْتِمُ

يُرِيدُ: وكادَتْ، وكادَ، ولَيْسَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ ما يُسْتَعْمَلُ مِنها مُضارِعًا إلّا: كادَ وأوْشَكَ. وهَذِهِ الأفْعالُ هي مِن بابِ كانَ، تَرْفَعُ الِاسْمَ وتَنْصِبُ الخَبَرَ، إلّا أنَّ خَبَرَها لا يَكُونُ إلّا مُضارِعًا، ولَها بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ، وهي نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ فِعْلًا ذَكَرَها أبُو إسْحاقَ البَهارِيُّ في كِتابِهِ (شَرْحُ جُمَلِ الزَّجّاجِيِّ) . وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَكادُ فِعْلٌ يَنْفِي المَعْنى مَعَ إيجابِهِ ويُوجِبُهُ مَعَ النَّفْيِ، وقَدْ أنْشَدُوا في ذَلِكَ شِعْرًا يُلْغِزُ فِيهِ بِها، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ هَذا المُفَسِّرُ هو مَذْهَبُ أبِي الفَتْحِ وغَيْرِهِ، والصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ في أنَّ نَفْيَها نَفْيٌ وإيجابُها إيجابٌ، والِاحْتِجاجُ لِلْمَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.

الخَطْفُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. كُلَّ: لِلْعُمُومِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لازِمٍ لِلْإضافَةِ، إلّا أنَّ ما أُضِيفَ إلَيْهِ يَجُوزُ حَذْفُهُ ويُعَوَّضُ مِنهُ التَّنْوِينُ، وقِيلَ: هو تَنْوِينُ الصَّرْفِ، وإذا كانَ المَحْذُوفُ مَعْرِفَةً بَقِيَتْ كُلٌّ عَلى تَعْرِيفِها بِالإضافَةِ، فَيَجِيءُ مِنها الحالُ، ولا تُعَرَّفُ بِاللّامِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ والفارِسِيُّ، ورُبَّما انْتَصَبَ حالًا، والأصْلُ فِيها أنْ تَتْبَعَ تَوْكِيدًا كَأجْمَعَ، وتُسْتَعْمَلُ مُبْتَدَأً، وكَوْنُها كَذَلِكَ أحْسَنُ مِن كَوْنِها مَفْعُولًا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَقْصُورٍ عَلى السَّماعِ ولا مُخْتَصًّا بِالشِّعْرِ خِلافًا لِزاعِمِهِ. وإذا أُضِيفَتْ كُلٌّ إلى نَكِرَةٍ أوْ مَعْرِفَةٍ بِلامِ الجِنْسِ حَسُنَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ اللَّفْظِيَّةَ، وإذا ابْتُدِئَ بِها مُضافَةً لَفْظًا إلى نَكِرَةٍ طابَقَتِ الأخْبارَ وغَيْرِها ما تُضافُ إلَيْهِ وإلى مَعْرِفَةٍ، فالأفْصَحُ إفْرادُ العائِدِ، أوْ مَعْنى لا لَفْظًا، فالأصْلُ، وقَدْ يُحَسَّنُ الإفْرادُ، وأحْكامُ كُلٌّ كَثِيرَةٌ. وقَدْ ذَكَرْنا أكْثَرَها في كِتابِنا الكَبِيرِ الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالتَّذْكِرَةِ، وسَرَدْنا مِنها جُمْلَةً لِيُنْتَفَعَ بِها، فَإنَّها تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ كَثِيرًا.

المَشْيُ: الحَرَكَةُ المَعْرُوفَةُ. لَوْ، عِبارَةُ سِيبَوَيْهِ، إنَّها حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وهو أحْسَنُ مِن قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ إنَّها حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ لِاطِّرادِ تَفْسِيرِ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كُلِّ مَكانٍ جاءَتْ فِيهِ لَوْ، وانْخِرامِ تَفْسِيرِهِمْ في نَحْوِ: لَوْ كانَ هَذا إنْسانًا لَكانَ حَيَوانًا، إذْ عَلى تَفْسِيرِ الإمامِ يَكُونُ المَعْنى ثُبُوتُ الحَيَوانِيَّةِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الإنْسانِيَّةِ، إذِ الأخَصُّ مُسْتَلْزِمٌ الأعَمَّ، وعَلى تَفْسِيرِهِمْ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ، إذْ يَكُونُ المَعْنى مُمْتَنِعُ الحَيَوانِيَّةِ …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.