Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

(سُورَةُ البَقَرَةِ؛ مَدَنِيَّةٌ؛ وهي مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ آيَةً)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الـم﴾: الألْفاظُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُرُوفِ المُعْجَمِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُقَطَّعاتُ المَرْقُومَةُ في فَواتِحِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ أسْماءً لَها؛ لِانْدِراجِها تَحْتَ حَدِّ الِاسْمِ؛ ويَشْهَدُ بِهِ ما يَعْتَرِيها مِنَ التَّعْرِيفِ؛ والتَّنْكِيرِ؛ والجَمْعِ؛ والتَّصْغِيرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الِاسْمِ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أساطِينُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ؛ وما وقَعَ في عِباراتِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِيَّتِها مَحْمُولٌ عَلى المُسامَحَةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ؛ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ بَلْ "ألِفٌ" حَرْفٌ؛ و"لامٌ" حَرْفٌ؛ و"مِيمٌ" حَرْفٌ"؛» وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ؛ والدّارِمِيِّ: « "لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ و"ذَلِكَ الكِتابُ" حَرْفٌ؛ ولَكِنِ الألِفُ حَرْفٌ؛ واللّامُ حَرْفٌ؛ والمِيمُ حَرْفٌ؛ والذّالُ حَرْفٌ؛ والكافُ حَرْفٌ"؛» فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ إطْلاقَ الحَرْفِ عَلى ما يُقابِلُ الِاسْمَ والفِعْلَ عُرْفٌ جَدِيدٌ؛ اخْتَرَعَهُ أئِمَّةُ الصِّناعَةِ؛ وإنَّما الحَرْفُ عِنْدَ الأوائِلِ ما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الكَلِمُ؛ مِنَ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ؛ ورُبَّما يُطْلَقُ عَلى الكَلِمَةِ أيْضًا تَجَوُّزًا؛ فَأُرِيدَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ؛ وزِيادَةُ تَعْيِينِ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدِ الكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ بَلْ بِعَدَدِ حُرُوفِها المَكْتُوبَةِ في المَصاحِفِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ ذِكْرُ كِتابِ اللَّهِ؛ دُونَ كَلامِ اللَّهِ؛ أوِ القرآن؛ ولَيْسَ هَذا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ في شَيْءٍ؛ كَما قِيلَ؛ كَيْفَ لا والمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالحَرْفِيَّةِ واسْتِتْباعِ الحَسَنَةِ إنَّما هي المُسَمَّياتُ البَسِيطَةُ الواقِعَةُ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - سَواءٌ عُبِّرَ عَنْها بِأسْمائِها؛ أوْ بِأنْفُسِها كَما في قَوْلِكَ: السِّينُ مُهْمَلَةٌ؛ والشِّينُ مُعْجَمَةٌ مُثَلَّثَةٌ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصْدُقُ المَحْمُولُ [فِيها] إلّا عَلى ذاتِ المَوْضُوعِ - لا أسْماؤُها المُؤَلَّفَةُ؛ كَما إذا قُلْتَ: الألِفُ مُؤَلَّفٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ؟! فَكَما أنَّ الحَسَناتِ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ البَسِيطَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ كَذَلِكَ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "الـم"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ الثَّلاثَةِ المَكْتُوبَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ لا بِمُقابَلَةِ أسْمائِها المَلْفُوظَةِ والألِفاتِ المُوافِقَةِ في العَدَدِ؛ إذِ الحُكْمُ بِأنَّ كُلًّا مِنها حَرْفٌ واحِدٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ؛ فالعِبْرَةُ في ذَلِكَ بِالمُعَبَّرِ عَنْهُ؛ دُونَ المُعَبَّرِ بِهِ؛ ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أنَّ اسْتِتْباعَ الحَسَنَةِ مَنُوطٌ بِإفادَةِ المَعْنى المُرادِ بِالكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ فَكَما أنَّ سائِرَ الكَلِماتِ الشَّرِيفَةِ لا تُفِيدُ مَعانِيَها إلّا بِتَلَفُّظِ حُرُوفِها بِأنْفُسِها؛ كَذَلِكَ الفَواتِحُ المَكْتُوبَةُ لا تُفِيدُ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ بِها إلّا بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِأسْمائِها؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ تَلَفُّظًا بِالمُسَمَّياتِ كالقِسْمِ الأوَّلِ؛ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما؛ ألا يُرى إلى ما في الرِّوايَةِ …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

﴿ذَلِكَ﴾: "ذا" اسْمُ إشارَةٍ؛ واللّامُ عِمادٌ جِيءَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ؛ والكافُ لِلْخِطابِ؛ والمُشارُ إلَيْهِ هو المُسَمّى؛ فَإنَّهُ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ بِالحِسِّ البَصَرِيِّ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ؛ وكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ؛ إثْرَ تَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ؛ وما قِيلَ مِن أنَّهُ بِاعْتِبارِ التَّقَصِّي؛ أوْ بِاعْتِبارِ الوُصُولِ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ؛ في حُكْمِ المُتَباعِدِ؛ وإنْ كانَ مُصَحِّحًا لِإيرادِهِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن تَرْجِيحِهِ عَلى إيرادِ ما وُضِعَ لِلْإشارَةِ إلى القَرِيبِ؛ وتَذْكِيرُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى هي السُّورَةَ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو المُسَمّى بِالِاسْمِ المَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِهِ؛ لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِالسُّورَةِ؛ ولَئِنِ ادُّعِيَ اعْتِبارُ الحَيْثِيَّةِ الثّانِيَةِ في الأوَّلِ؛ بِناءً عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لِتَمْيِيزِ السُّوَرِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ فَذَلِكَ لِتَذْكِيرِ ما بَعْدَهُ؛ وهو - عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مُبْتَدَأٌ عَلى حِدَةٍ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُبْتَدَأٌ ثانٍ.

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿الكِتابُ﴾؛ إمّا خَبَرٌ لَهُ؛ أوْ صِفَةٌ؛ أمّا إذا كانَ خَبَرًا لَهُ فالجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن نَباهَةِ شَأْنِ المُسَمّى؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ واسْمُ الإشارَةِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ؛ و"الكِتابُ" إمّا مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً؛ كالخَلْقِ والتَّصْوِيرِ لِلْمَخْلُوقِ والمُصَوَّرِ؛ وإمّا "فِعالٌ" بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ كَـ "اللِّباسُ"؛ مِن "الكَتْبُ"؛ الَّذِي هو ضَمُّ الحُرُوفِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ؛ وأصْلُهُ الجَمْعُ؛ والضَّمُّ في الأُمُورِ البادِيَةِ لِلْحِسِّ البَصَرِيِّ؛ ومِنهُ "الكَتِيبَةُ" لِلْعَسْكَرِ؛ كَما أنَّ أصْلَ القِراءَةِ الجَمْعُ والضَّمُّ في الأشْياءِ الخافِيَةِ عَلَيْهِ؛ وإطْلاقُ "الكِتابُ" عَلى المَنظُومِ عِبارَةً لِما أنَّ مَآلَهُ الكِتابَةُ؛ والمُرادُ بِهِ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى هي السُّورَةَ - جَمِيعُ القرآن الكَرِيمِ؛ وإنْ لَمْ يَتِمَّ نُزُولُهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ؛ إمّا بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوْ بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ حَسْبَما ذُكِرَ في فاتِحَةِ الكِتابِ. واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي الكِتابُ؛ أيِ العُمْدَةُ القُصْوى مِنهُ؛ كَأنَّهُ في إحْرازِ الفَضْلِ كُلُّ الكِتابِ المَعْهُودِ الغَنِيِّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ؛ لِاشْتِهارِهِ بِهِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﷺ: « "الحَجُّ عَرَفَةُ"؛» وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى كُلَّ القرآن فالمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ؛ واللّامُ لِلْحَقِيقَةِ؛ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ؛ لِغايَةِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ؛ كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ خارِجٌ مِنهُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ كَما يُقالُ: هو الرَّجُلُ؛ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ؛ الجامِعُ لِما يَكُونُ في الرِّجالِ مِن مَراضِي الخِصالِ؛ وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:

؎ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾: إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ؛ ومَحَلُّهُ الجَرُّ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لَهُ إنْ فُسِّرَ التَّقْوى بِتَرْكِ المَعاصِي فَقَطْ؛ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ؛ ومُوَضِّحَةٌ إنْ فُسِّرَ بِما هو المُتَعارَفُ شَرْعًا؛ والمُتَبادَرُ عُرْفًا مِن فِعْلِ الطّاعاتِ؛ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مَعًا؛ لِأنَّها حِينَئِذٍ تَكُونُ تَفْصِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُ المَوْصُوفِ إجْمالًا؛ وذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما هو عِمادُ الأعْمالِ؛ وأساسُ الحَسَناتِ؛ مِنَ الإيمانِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ فَإنَّها أُمَّهاتُ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ؛ والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِسائِرِ القُرَبِ الدّاعِيَةِ إلى التَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي غالِبًا؛ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ؛ والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ"؟» أوْ مادِحَةٌ لِلْمَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى المُفَسَّرِ بِما مَرَّ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ. وتَخْصِيصُ ما ذُكِرَ مِنَ الخِصالِ الثَّلاثِ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها وأنافَتِها عَلى سائِرِ ما انْطَوى تَحْتَ اسْمِ التَّقْوى مِنَ الحَسَناتِ؛ أوِ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ؛ بِتَقْدِيرِ "أعْنِي"؛ أوِ الرَّفْعُ عَلَيْهِ؛ بِتَقْدِيرِ "هُمْ"؛ وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ فالوَقْفُ عَلى "المُتَّقِينَ"؛ حِينَئِذٍ وقْفٌ تامٌّ؛ لِأنَّهُ وقْفٌ عَلى مُسْتَقْبَلٍ؛ ما بَعْدَهُ أيْضًا مُسْتَقْبَلٌ؛ وأمّا عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ فَحَسَنٌ؛ لِاسْتِقْلالِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ غَيْرَ تامٍّ؛ لِتَعَلُّقِ ما بَعْدَهُ بِهِ؛ وتَبَعِيَّتُهُ لَهُ؛ أمّا عَلى تَقْدِيرِ الجَرِّ عَلى الوَصْفِيَّةِ فَظاهِرٌ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى المَدْحِ فَلِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مُدِحا؛ وإنْ خَرَجا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً؛ حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ؛ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا؛ لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةً؛ ألا يُرى كَيْفَ التَزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَإ في النَّصْبِ والرَّفْعِ رَوْمًا؛ لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلِّقاتِ ما قَبْلَهُ؛ وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا ذُكِرَتْ صِفاتٌ لِلْمَدْحِ وخُولِفَ في بَعْضِها الإعْرابُ فَقَدْ خُولِفَ لِلِافْتِنانِ؛ أيْ لِلتَّفَنُّنِ المُوجِبِ لِإيقاظِ السّامِعِ وتَحْرِيكِهِ إلى الجِدِّ في الإصْغاءِ؛ فَإنَّ تَغْيِيرَ الكَلامِ المَسُوقِ لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي؛ وصَرْفَهُ عَنْ سَنَنِهِ المَسْلُوكِ يُنْبِئُ عَنِ اهْتِمامٍ جَدِيدٍ بِشَأْنِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ ويَسْتَجْلِبُ مَزِيدَ رَغْبَةٍ فِيهِ مِنَ المُخاطَبِ؛ إنْ قِيلَ: لا رَيْبَ في أنَّ حالَ المَوْصُولِ عِنْدَ كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ - كَحالِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾؛ في أنَّهُ يَنْسَبِكُ بِهِ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِاتِّصافِ المُتَّقِينَ بِالصِّفاتِ الفاضِلَةِ - ضَرُورَةُ أنَّ كُلًّا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ؛ والمَوْصُولِ عِبارَةٌ عَنْ "المُتَّقِينَ"؛ وأنَّ كُلًّا مِنَ اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ وفُرُوعِهِ؛ وإحْرازِهِمْ لِلْهُدى والفَلاحِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ فَما السِّرُّ في أنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ في الصُّورَةِ الأُولى مِن تَوابِعِ …

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ - عَلى تَقْدِيرَيْ وصْلِهِ بِما قَبْلَهُ؛ وفَصْلِهِ عَنْهُ -؛ مُنْدَرِجٌ مَعَهُ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ - مِن حَيْثُ الصُّورَةُ والمَعْنى مَعًا؛ أوْ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقَطِ -؛ انْدِراجَ خاصَّيْنِ تَحْتَ عامٍّ؛ إذِ المُرادُ بِالأوَّلِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الشِّرْكِ والغَفْلَةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ؛ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ بِالغَيْبِ؛ وبِالآخِرِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالقرآن بَعْدَ الإيمان بالكُتُبِ المُنْزَلَةِ قَبْلُ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ أوْ عَلى "المُتَّقِينَ"؛ عَلى أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ خاصَّةً؛ ويَكُونَ تَخْصِيصُهم بِوَصْفِ الِاتِّقاءِ لِلْإيذانِ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ حالَتِهِمُ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ؛ لِما فِيها مِن كَمالِ القَباحَةِ؛ والمُبايَنَةِ لِلشَّرائِعِ كُلِّها؛ المُوجِبَةِ لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ بِخِلافِ الآخِرِينَ؛ فَإنَّهم غَيْرُ تارِكِينَ لِما كانُوا عَلَيْهِ بِالمَرَّةِ؛ بَلْ مُتَمَسِّكُونَ بِأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ كِلا المَوْصُولَيْنِ عِبارَةً عَنِ الكُلِّ مُنْدَرِجًا تَحْتَ "المُتَّقِينَ"؛ ولا يَكُونُ تَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ الذَّواتِ بَلْ لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَقَوْلِهِ:

؎ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصْـ ∗∗∗ صابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ

لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ؛ والإيمانِ بِما يَشْهَدُ بِثُبُوتِها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ؛ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ؛ ولا يُجْعَلَ أحَدُهُما تَتِمَّةً لِلْآخَرِ؛ وقَدْ شُفِعَ الأوَّلُ بِأداءِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ اللَّتَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ تِلْكَ الأُمُورِ المُؤْمَنِ بِها؛ تَكْمِلَةً لَهُ؛ فَإنَّ كَمالَ العِلْمِ العَمَلُ؛ وقُرِنَ الثّانِي بِالإيقانِ بِالآخِرَةِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُنْطَوِيًا تَحْتَ الأوَّلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ صِحَّتِهِ؛ وتَعْرِيضًا بِما في اعْتِقادِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِنَ الخَلَلِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الباءِ بِالإيمانِ؛ وقِسْ عَلَيْهِ الحالَ عِنْدَ تَعَلُّقِها بِالمَحْذُوفِ؛ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ الغَيْبِيِّ المَشْفُوعِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِبادَتَيْنِ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ والإيمان بالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الشّارِحَةِ لِتَفاصِيلِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها مَقْرُونًا بِما قُرِنَ - فَضِيلَةٌ باهِرَةٌ؛ مُسْتَدْعِيَةٌ لِما ذُكِرَ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ؛ وقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً؛ والإتْيانِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ؛ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ غَيْرُ السَّمْعِ. وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ؛ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ؛ فَلْيُتَأمَّلْ؛ وأنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ الثّانِي بَعْدَ انْدِراجِ الكُلِّ في الأوَّلِ فَرِيقٌ خاصٌّ مِنهُمْ؛ وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ؛ بِأنْ يُخَصُّوا بِالذِّكْرِ تَخْصِيصَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بِهِ؛ إثْرَ جَرَيانِ ذِكْرِ المَلائِكَةِ - …

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ حُكِيَتْ خِصالُهُمُ الحَمِيدَةُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِها؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿عَلى هُدًى﴾؛ خَبَرُهُ؛ وما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ المَفْهُومِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِكَمالِ تَفْخِيمِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ هُدًى؛ هُدًى لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ؛ ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ وإيرادُ كَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ بِناءً عَلى تَمْثِيلِ حالِهِمْ في مُلابَسَتِهِمْ بِالهُدى بِحالِ مَن يَعْتَلِي الشَّيْءَ ويَسْتَوْلِي عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يُرِيدُ؛ أوْ عَلى اسْتِعارَتِها لِتَمَسُّكِهِمْ بِالهُدى؛ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُتَفَرِّعَةً عَلى تَشْبِيهِهِ بِاعْتِلاءِ الرّاكِبِ واسْتِوائِهِ عَلى مَرْكُوبِهِ؛ أوْ عَلى جَعْلِها قَرِينَةً لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ بَيْنَ الهُدى والمَرْكُوبِ؛ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ؛ وكَمالِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ مُبَيِّنَةً لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ؛ إثْرَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ؛ مُؤَكِّدَةً لَها؛ أيْ: عَلى هُدًى كائِنٍ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ هِدايَتِهِ (تَعالى)؛ وفُنُونِ تَوْفِيقِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِغايَةِ تَفْخِيمِ المَوْصُوفِ؛ والمُضافِ إلَيْهِمْ؛ وتَشْرِيفِهِما؛ ولِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ وتَقْرِيرِهِ بِبَيانِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ؛ وقَدْ أُدْغِمَتِ النُّونُ في الرّاءِ؛ بِغُنَّةٍ أوْ بِغَيْرِ غُنَّةٍ؛ والجُمْلَةُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولَيْنِ مَوْصُولَيْنِ بِـ "المُتَّقِينَ" - مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ لَهُ وتَحْقِيقٍ؛ كَيْفَ لا.. وكَوْنُ الكِتابِ هُدًى لَهم فَنٌّ مِن فُنُونِ ما مُنِحُوهُ واسْتَقَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الهُدى؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ؛ لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الفَوْزِ والفَلاحِ؟ وقِيلَ: هي واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ سُؤالٍ؛ رُبَّما يَنْشَأُ مِمّا سَبَقَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِلْمَنعُوتِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ اخْتُصُّوا بِهِدايَةِ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؟ وهَلْ هم أحِقّاءُ بِتِلْكَ الأثَرَةِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُمْ؛ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ؛ مالِكُونَ لِزِمامِ أصْلِ الهُدى؛ الجامِعِ لِفُنُونِهِ؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْفَوْزِ والفَلاحِ؛ فَأيُّ رَيْبٍ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هو فَرْعٌ مِن فُرُوعِهِ؟ ولَقَدْ جارَ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ مَن قالَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ: إنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا؛ وبِالفَلاحِ آجِلًا. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَفْصُولَيْنِ عَنْهُ فَهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو المَوْصُولُ الأوَّلُ؛ والثّانِي مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِن تَخْصِيصِ ما ذُكِرَ بِالمُتَّقِينَ قَبْلَ بَيانِ مَبادِي اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُ المُتَّقِينَ مَخْصُوصِينَ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِشَرْحِ ما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُهم …

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ سِيقَ لِشَرْحِ أحْوالِ الكَفَرَةِ الغُواةِ المَرَدَةِ العُتاةِ؛ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ أضْدادِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِنُعُوتِ الكَمالِ؛ الفائِزِينَ بِمَباغِيهِمْ في الحالِ والمَآلِ؛ وإنَّما تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَهُما؛ ولَمْ يُسَلَكْ بِهِ مَسْلَكَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي في الأُسْلُوبِ؛ والتَّبايُنِ في الغَرَضِ؛ فَإنَّ الأُولى مَسُوقَةٌ لِبَيانِ رِفْعَةِ شَأْنِ الكِتابِ في بابِ الهِدايَةِ والإرْشادِ؛ وأمّا التَّعَرُّضُ لِأحْوالِ المُهْتَدِينَ بِهِ فَإنَّما هو بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ؛ سَواءٌ جُعِلَ المَوْصُولُ مَوْصُولًا بِما قَبْلَهُ؛ أوْ مَفْصُولًا عَنْهُ؛ فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ؛ فَهو مِن مُسْتَتْبِعاتِهِ لا مَحالَةَ؛ وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِبَيانِ أحْوالِ الكَفَرَةِ أصالَةً؛ وتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَوايَةِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يُجْدِيهِمُ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ؛ ولا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ العِظَةُ والتَّذْكِيرُ؛ فَهم ناكِبُونَ في تِيهِ الغَيِّ والفَسادِ عَنْ مِنهاجِ العُقُولِ؛ وراكِبُونَ في مَسْلَكِ المُكابَرَةِ والعِنادِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ؛ وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ؛ ولَمْ يُؤَسَّسِ الكَلامُ عَلى بَيانِ أنَّ الكِتابَ هادٍ لِلْأوَّلِينَ؛ وغَيْرُ مُجْدٍ لِلْآخِرِينَ؛ لِأنَّ العُنْوانَ الأخِيرَ لَيْسَ مِمّا يُورِثُهُ كَمالًا حَتّى يُتَعَرَّضَ لَهُ في أثْناءِ تَعْدادِ كَمالاتِهِ؛ و"إنَّ" مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُشابِهُ الفِعْلَ في عَدَدِ الحُرُوفِ؛ والبِناءِ عَلى الفَتْحِ؛ ولُزُومِ الأسْماءِ؛ ودُخُولِ نُونِ الوِقايَةِ عَلَيْها؛ كَـ "إنَّنِي"؛ و"لَعَلَّنِي"؛ ونَظائِرِهِما؛ وإعْطاءِ مَعانِيهِ؛ والمُتَعَدِّي - خاصَّةً في الدُّخُولِ عَلى اسْمَيْنِ -؛ ولِذَلِكَ أُعْمِلَتْ عَمَلَهُ الفَرْعِيَّ؛ وهو نَصْبُ الأوَّلِ؛ ورَفْعُ الثّانِي؛ إيذانًا بِكَوْنِهِ فَرْعًا في العَمَلِ؛ دَخِيلًا فِيهِ؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا عَمَلَ لَها في الخَبَرِ؛ بَلْ هو باقٍ عَلى حالِهِ بِقَضِيَّةِ الِاسْتِصْحابِ؛ وأُجِيبَ بِأنَّ ارْتِفاعَ الخَبَرِ مَشْرُوطٌ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ العَوامِلِ؛ وإلّا لَما انْتَصَبَ خَبَرُ "كانَ"؛ وقَدْ زالَ بِدُخُولِها؛ فَتَعَيَّنَ إعْمالُ الحَرْفِ؛ وأثَرُها تَأْكِيدُ النِّسْبَةِ؛ وتَحْقِيقُها؛ ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ؛ ويُصَدَّرُ بِها الأجْوِبَةُ؛ ويُؤْتى بِها في مَواقِعِ الشَّكِّ والإنْكارِ؛ لِدَفْعِهِ ورَدِّهِ؛ قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُكَ: "عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ"؛ إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ"؛ جَوابُ سائِلٍ عَنْ قِيامِهِ شاكٍّ فِيهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ"؛ جَوابُ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ. وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ إمّا لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ؛ كَأبِي لَهَبٍ؛ وأبِي جَهْلٍ؛ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ وأضْرابِهِمْ؛ وأحْبارِ اليَهُودِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وقَدْ خُصَّ مِنهُ غَيْرُ المُصِرِّينَ؛ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ إلَخْ.. والكُفْرُ في اللُّغَةِ سَتْرُ النِّعْمَةِ؛ وأصْلُهُ "الكَفْرُ" بِالفَتْحِ؛ أيِ السَّتْرُ؛ ومِنهُ قِيلَ لِلزّارِعِ؛ واللَّيْلِ: "كافِرٌ"؛ قالَ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ ∗∗∗ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها

وَمِنهُ المُتَكَفِّرُ بِسِلاحِهِ؛ وهو الشّاكِي الَّذِي غَطّى السِّلاحُ بَدَنَهُ؛ وفي الشَّرِيعَةِ: إنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ …

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ؛ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ؛ أوْ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ والمُرادُ بِالقَلْبِ مَحَلُّ القُوَّةِ العاقِلَةِ مِنَ الفُؤادِ؛ والخَتْمُ عَلى الشَّيْءِ الِاسْتِيثاقُ مِنهُ؛ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ؛ صِيانَةً لَهُ؛ أوْ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ؛ كَما في البَيْتِ الفارِغِ؛ والكِيسِ المَمْلُوءِ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ صِيانَةَ ما في قُلُوبِهِمْ؛ بَلْ إحْداثَ حالَةٍ تَجْعَلُها - بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الغَيِّ؛ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ؛ وإعْراضِهِمْ عَنْ مِنهاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيها الإنْذارُ؛ ولا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ أصْلًا - إمّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ بِأنْ يُشَبِّهَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الخاتَمِ؛ عَلى نَحْوِ أبْوابِ المَنازِلِ الخالِيَةِ المَبْنِيَّةِ لِلسُّكْنى؛ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ؛ بِجامِعٍ عَقْلِيٍّ؛ هو الِاشْتِمالُ عَلى مَنعِ القابِلِ عَمّا مِن شَأْنِهِ وحَقِّهِ أنْ يَقْبَلَهُ؛ ويُسْتَعارَ لَهُ الخَتْمُ؛ ثُمَّ يُشْتَقَّ مِنهُ صِيغَةُ الماضِي؛ وإمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُشَبِّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن قُلُوبِهِمْ؛ وقَدْ فُعِلَ بِها ما فُعِلَ مِن إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ المانِعَةِ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْها ما خُلِقَتْ هي لِأجْلِهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ النّافِعَةِ؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَرَّةِ؛ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن مُحالٍ؛ مُعَدَّةٍ لِحُلُولِ ما يَحُلُّها حُلُولًا مُسْتَتْبِعًا لِمَصالِحَ مُهِمَّةٍ؛ وقَدْ مَنَعَ مِن ذَلِكَ بِالخَتْمِ عَلَيْها؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما أُعِدَّتْ لِأجْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ ثُمَّ يُسْتَعارَ لَها ما يَدُلُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ فَيَكُونَ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مُرَكَّبًا مِن أُمُورٍ عِدَّةٍ؛ قَدِ اقْتُصِرَ مِن جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما عَلَيْهِ يَدُورُ الأمْرُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ وانْتِزاعِها؛ وهو الخَتْمُ؛ والباقِي مَنَوِيٌّ؛ مُرادٌ قَصْدًا بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها يَتَحَقَّقُ التَّرْكِيبُ؛ وتِلْكَ الألْفاظُ - وإنْ كانَ لَها مُدْخَلٌ في تَحْقِيقِ وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو أمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِنها؛ وهو امْتِناعُ الِانْتِفاعِ بِما أُعِدَّ لَهُ بِسَبَبٍ مانِعٍ قَوِيٍّ - لَكِنْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها عَلى الِانْفِرادِ تَجَوُّزٌ؛ بِاعْتِبارِ هَذا المَجازِ؛ بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى حالِها مِن كَوْنِها حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ أوْ كِنايَةً؛ وإنَّما التَّجَوُّزُ في المَجْمُوعِ؛ وحَيْثُ كانَ مَعْنى المَجْمُوعِ مَجْمُوعَ مَعانِي تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي لَيْسَ فِيها التَّجَوُّزُ المَعْهُودُ؛ ولَمْ تَكُنِ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنها مَدْلُولًا وضْعِيًّا لَها؛ لِيَكُونَ ما دَلَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ فَيَنْدَرِجَ تَحْتَ الِاسْتِعارَةِ؛ الَّتِي هي قِسْمٌ مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَلِمَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ ذَهَبَ قُدَماءُ المُحَقِّقِينَ؛ كالشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ؛ وأضْرابِهِ إلى جَعْلِ التَّمْثِيلِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ؛ ومَن رامَ تَقْلِيلَ الأقْسامِ عَدَّ تِلْكَ الهَيْئَةَ المُشَبَّهَ بِها مِن قَبِيلِ المَدْلُولاتِ الوَضْعِيَّةِ؛ وجَعَلَ الكَلامَ المُفِيدَ لَها؛ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِها مِن هَيْئَةٍ أُخْرى مُنْتَزَعَةٍ مِن أُمُورٍ أُخَرَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ …

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ بَعْضَ مَن حُكِيَتْ أحْوالُهُمُ السّالِفَةُ لَيْسُوا بِمُقْتَصِرِينَ عَلى ما ذُكِرَ مِن مَحْضِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ؛ بَلْ يَضُمُّونَ إلَيْهِ فُنُونًا أُخَرَ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ؛ وتَعْدِيدٌ لِجِناياتِهِمُ الشَّنِيعَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِأحْوالٍ هائِلَةٍ؛ عاجِلَةٍ وآجِلَةٍ؛ وأصْلُ "ناسٌ"؛ "أُناسٌ"؛ كَما يَشْهَدُ لَهُ "إنْسانٌ"؛ و"أناسِيُّ"؛ و"إنْسٌ"؛ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا؛ كَما قِيلَ: "لُوقَةٌ"؛ في "ألْوِقَةٌ"؛ وعَوَّضَ عَنْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُجْمَعُ بَيْنَهُما؛ وأمّا ما في قَوْلِهِ:

؎ إنَّ المَنايا يَطَّلِعْـ ∗∗∗ ـنَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينا

فَشاذٌّ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِظُهُورِهِمْ؛ وتَعَلُّقِ الأُناسِ بِهِمْ؛ كَما سُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أصْلَهُ "النَّوَسُ"؛ وهو الحَرَكَةُ؛ انْقَلَبَتْ واوُهُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها؛ وبَعْضُهم إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن "نَسِيَ"؛ نُقِلَتْ لامُهُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ؛ فَصارَ "نَيَسًا"؛ ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِنِسْيانِهِمْ؛ ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسانًا لِأنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ؛ واللّامُ فِيهِ إمّا لِلْعَهْدِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ المَقْصُورِ عَلى المُصِرِّينَ؛ حَسْبَما ذُكِرَ في المَوْصُولِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنهُمْ؛ أوْ مِن أُولَئِكَ؛ والعُدُولُ إلى "النّاسِ" لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِمْ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّبْعِيضُ؛ ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ؛ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أوْ نَعْتٌ لِمُبْتَدَإٍ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: وجَمْعٌ مِنّا؛ إلَخْ.. و"مَن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن يَقُولُ﴾؛ مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ ومَحَلُّها الرَّفْعُ؛ عَلى الخَبَرِيَّةِ؛ والمَعْنى: وبَعْضُ النّاسِ؛ أوْ: وبَعْضٌ مِنَ النّاسِ الَّذِي يَقُولُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾؛ الآيَةُ.. أوْ: فَرِيقٌ يَقُولُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾؛ إلَخْ.. عَلى أنْ يَكُونَ مَناطُ الإفادَةِ؛ والمَقْصُودُ بِالأصالَةِ اتِّصافَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ أوِ الصِّفَةِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ جَمِيعًا؛ لا كَوْنَهم ذَواتَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ وأمّا جَعْلُ الظَّرْفِ خَبَرًا - كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ - فَيَأْباهُ جَزالَةُ المَعْنى؛ لِأنَّ كَوْنَهم مِنَ النّاسِ ظاهِرٌ؛ فالإخْبارُ بِهِ عارٍ عَنِ الفائِدَةِ؛ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ مَبْناهُ تُوهِمُ كَوْنَ المُرادِ بِـ "النّاسِ"؛ الجِنْسَ مُطْلَقًا؛ وكَذا مَدارُ الجَوابِ عَنْهُ بِأنَّ الفائِدَةَ هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ تُنافِي الإنْسانِيَّةَ؛ فَحَقُّ مَن يَتَّصِفُ بِها ألّا يُعْلَمَ كَوْنُهُ مِنَ النّاسِ؛ فَيُخْبَرَ بِهِ؛ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ "النّاسِ" عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودِينَ؛ أوْ عَنِ الجِنْسِ المَقْصُورِ عَلى المُصِرِّينَ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ؛ بَلْ لِأنَّ خَبَرِيَّةَ الظَّرْفِ تَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ اتِّصافُ هَؤُلاءِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ المُفَصَّلَةِ في ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً عُنْوانًا

لِلْمَوْضُوعِ؛ مَفْرُوغًا عَنْهُ؛ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ؛ ويَكُونُ مَناطُ الإفادَةِ كَوْنَهم مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ ولا رَيْبَ لِأحَدٍ في أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أجْزَلِ المَعانِي وأكْمَلِها؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في "يَقُولُ"؛ بِاعْتِبارِ …

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾: بَيانٌ لِـ "يَقُولُ"؛ وتَوْضِيحٌ لِما هو غَرَضُهم مِمّا يَقُولُونَ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يَقُولُونَ ذَلِكَ وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ؟ فَقِيلَ: يُخادِعُونَ اللَّهَ؛ إلَخْ.. أيْ: يَخْدَعُونَ؛ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في الكَيْفِيَّةِ؛ فَإنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ بُولِغَ فِيهِ قَطْعًا؛ أوْ في الكِمِّيَّةِ؛ كَما في المُمارَسَةِ والمُزاوَلَةِ؛ فَإنَّهم كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الخَدْعِ؛ والخَدْعُ: أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ؛ لِيُوقِعَهُ فِيهِ؛ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛ أوْ يُوهِمَهُ المُساعَدَةَ عَلى ما يُرِيدُ هو بِهِ لِيَغْتَرَّ بِذَلِكَ فَيَنْجُوَ مِنهُ بِسُهُولَةٍ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ضَبٌّ خادِعٌ؛ وخُدَعٌ؛ وهو الَّذِي إذا أمَرَّ الحارِشُ يَدَهُ عَلى بابِ جُحْرِهِ يُوهِمُهُ الإقْبالَ عَلَيْهِ؛ فَيَخْرُجُ مِن بابِهِ الآخَرِ؛ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ؛ فَإنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ بِما صَنَعُوا أنْ يَطَّلِعُوا عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ فَيُذِيعُوها إلى المُنابِذِينَ؛ وأنْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يُصِيبُ سائِرَ

الكَفَرَةِ؛ وأيًّا ما كانَ فَنِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - إمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ لِإفادَةِ كَمالِ شَناعَةِ جِنايَتِهِمْ؛ أيْ يُعامَلُونَ مُعامَلَةَ الخادِعِينَ؛ وإمّا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ (تَعالى) ما حَقُّهُ أنْ يُنْسَبَ إلى الرَّسُولِ ﷺ إبانَةً لِمَكانَتِهِ عِنْدَهُ (تَعالى)؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾؛ مَعَ إفادَةِ كَمالِ الشَّناعَةِ؛ كَما مَرَّ؛ وإمّا لِمُجَرَّدِ التَّوْطِئَةِ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ؛ مِن نِسْبَتِهِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا؛ والإيذانِ بِقُوَّةِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ تَعالى؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾؛ وإبْقاءُ صِيغَةِ المُخادَعَةِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ بِناءً عَلى زَعْمِهِمِ الفاسِدِ؛ وتَرْجَمَةً عَنِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم يَخْدَعُونَ اللَّهَ؛ واللَّهُ يَخْدَعُهُمْ؛ أوْ عَلى جَعْلِها اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً؛ أوْ تَمْثِيلًا لِما أنَّ صُورَةَ صُنْعِهِمْ مَعَ اللَّهِ (تَعالى)؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وصُنْعِهِ (تَعالى) مَعَهم بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ؛ وهم عِنْدَهُ أخْبَثُ الكَفَرَةِ؛ وأهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ؛ اسْتِدْراجًا لَهُمْ؛ وامْتِثالُ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى) في ذَلِكَ مُجازاةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ صُورَةَ صَنِيعِ المُتَخادِعِينَ؛ كَما قِيلَ؛ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المُنافِقِينَ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَخْدَعُهم بِمُقابَلَةِ خَدْعِهِمْ لَهُ؛ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ التَّصَدِّي لِلْخَدْعِ؛ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ إيرادُ حالِهِمْ خاصَّةً؛ وتَصْوِيرُها بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّورَةِ المُسْتَهْجَنَةِ؛ وبَيانِ غائِلَتِها؛ آيِلَةً إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾؛ فالتَّعَرُّضُ لِحالِ الجانِبِ الآخَرِ …

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: المَرَضُ عِبارَةٌ عَمّا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ فَيُخْرِجُهُ عَنْ الِاعْتِدالِ اللّائِقِ بِهِ؛ ويُوجِبُ الخَلَلَ في أفاعِيلِهِ؛ ويُؤَدِّي إلى المَوْتِ؛ اسْتُعِيرَ هَهُنا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَهْلِ؛ وسُوءِ العَقِيدَةِ؛ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ الرُّوحانِيِّ؛ والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ نَوْعًا مُبْهَمًا غَيْرَ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ الأمْراضِ؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ مِنَ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ؛ أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم لا يُؤْمِنُونَ؟ فَقِيلَ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ.

﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾؛ بِأنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ (تَعالى) بِأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ فِيها التَّذْكِيرُ والإنْذارُ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلَيْهِ؛ وبِهِ اتَّضَحَ كَوْنُهم مِنَ الكَفَرَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ مَعَ زِيادَةِ بَيانِ السَّبَبِ؛ وقِيلَ: زادَهم كُفْرًا بِزِيادَةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا كُلَّما ازْدادَ التَّكالِيفُ بِنُزُولِ الوَحْيِ يَزْدادُونَ كُفْرًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرَضُ مُسْتَعارًا لِما تَداخَلَ قُلُوبَهم مِنَ الضَّعْفِ والجُبْنِ والخَوَرِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعِزَّةِ المُسْلِمِينَ؛ فَزِيادَتُهُ (تَعالى) إيّاهم مَرَضًا ما فَعَلَ بِهِمْ مِن إلْقاءِ الرَّوْعِ وقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ إعْزازِ الدِّينِ بِإمْدادِ النَّبِيِّ ﷺ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ؛ وتَأْيِيدِهِ بِفُنُونِ النَّصْرِ والتَّمْكِينِ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ إلَخْ.. حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ إلَخْ.. كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُخادِعُونَ ويُداهِنُونَ؟ ولِمَ لا يُجاهِرُونَ بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ؟ فَقِيلَ: في قُلُوبِهِمْ ضَعْفٌ مُضاعَفٌ؛ هَذِهِ حالُهم في الدُّنْيا؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ في الآخِرَةِ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ مُؤْلِمٌ؛ يُقالُ: "ألَمٌ"؛ و"هُوَ ألِيمٌ"؛ كَـ "وَجَعٌ"؛ و"هُوَ وجِيعٌ"؛ وُصِفَ بِهِ العَذابُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

عَلى طَرِيقَةِ "جَدَّ جِدُّهُ"؛ فَإنَّ الألَمَ والوَجَعَ حَقِيقَةٌ لِلْمُؤْلَمِ والمَضْرُوبِ؛ كَما أنَّ الجِدَّ لِلْجادِّ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "المُؤْلِمُ"؛ كَـ "السَّمِيعُ"؛ بِمَعْنى "المُسْمِعُ"؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِثَبْتٍ؛ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أوْ لِلْمُقابَلَةِ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ داخِلَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلى "يَكْذِبُونَ"؛ وكَلِمَةُ "كانُوا" مُقْحَمَةٌ لِإفادَةِ دَوامِ كَذِبِهِمْ وتَجَدُّدِهِ؛ أيْ بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ؛ أوْ بِمُقابَلَةِ كَذِبِهِمُ المُتَجَدِّدِ المُسْتَمِرِّ؛ الَّذِي هو قَوْلُهُمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهُ إخْبارٌ بِإحْداثِهِمُ الإيمانَ فِيما مَضى؛ لا إنْشاءٌ لِلْإيمانِ؛ ولَوْ سُلِّمَ فَهو مُتَضَمِّنٌ لِلْإخْبارِ؛ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ بِمَعْنى الإذْعانِ والقَبُولِ قَطْعًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الظّاهِرِ؛ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ لِـ "كانَ" النّاقِصَةِ مَصْدَرٌ؛ كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ بِبَذْلٍ وحِلْمٍ سادَ في قَوْمِهِ الفَتى ∗∗∗ وكَوْنُكَ …

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.