Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

سُورَةُ البَقَرَةِ

﴿الم﴾ أسْماءٌ مَدْلُولُها حُرُوفُ المُعْجَمِ، ولِذَلِكَ نُطِقَ بِها نُطْقَ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهي مَوْقُوفَةُ الآخِرِ، لا يُقالُ إنَّها مُعْرَبَةٌ لِأنَّها لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها عامِلٌ فَتُعْرَبُ، ولا يُقالُ إنَّها مَبْنِيَّةٌ لِعَدَمِ سَبَبِ البِناءِ، لَكِنَّ أسْماءَ حُرُوفِ المُعْجَمِ قابِلَةٌ لِتَرْكِيبِ العَوامِلِ عَلَيْها فَتُعْرَبُ، تَقُولُ: هَذِهِ ألِفٌ حَسَنَةٌ، ونَظِيرُ سَرْدِ هَذِهِ الأسْماءِ مَوْقُوفَةً، أسْماءُ العَدَدِ، إذا عَدُّوا يَقُولُونَ: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِها، وسَنَذْكُرُ اخْتِلافَهم إنْ شاءَ اللَّهُ - تَعالى - .

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

﴿ذَلِكَ﴾ ذا: اسْمُ إشارَةٍ ثُنائِيُّ الوَضْعِ لَفْظًا، ثُلاثِيُّ الأصْلِ، لا أُحادِيُّ الوَضْعِ، وألِفُهُ لَيْسَتْ زائِدَةً، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ والسُّهَيْلِيِّ، بَلْ ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، ولامُهُ خِلافًا لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ في زَعْمِهِ أنَّها مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ مِن بابِ طَوَيْتُ وهو مَبْنِيٌّ. ويُقالُ فِيهِ: ذا وذائِهِ وهو يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، فَإذا دَخَلَتِ الكافُ فَقُلْتَ: ذاكَ دَلَّ عَلى التَّوَسُّطِ، فَإذا أدْخَلْتَ اللّامَ فَقُلْتَ: ذَلِكَ دَلَّ عَلى البُعْدِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ رُتْبَةُ المُشارِ إلَيْهِ عِنْدَهُ قُرْبٌ وبُعْدٌ، فَمَتى كانَ مُجَرَّدًا مِنَ اللّامِ والكافِ كانَ لِلْقُرْبِ، ومَتى كانَتا فِيهِ أوْ إحْداهُما كانَ لِلْبُعْدِ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ تُبَيِّنُ أحْوالَ المُخاطَبِ مِن إفْرادٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ وتَذْكِيرٍ وتَأْنِيثٍ كَما تُبَيِّنُها إذا كانَ ضَمِيرًا، وقالُوا: ألِكَ في مَعْنى ذَلِكَ ؟ ولِاسْمِ الإشارَةِ أحْكامٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ.

﴿الكِتابُ﴾ يُطْلَقُ بِإزاءِ مُعانِ العَقْدِ المَعْرُوفِ بَيْنَ العَبْدِ وسَيِّدِهِ عَلى مالٍ مُؤَجَّلٍ مُنَجَّمٍ لِلْعِتْقِ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وعَلى الفَرْضِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وعَلى الحُكْمِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ، كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ، وعَلى القَدْرِ:

؎يا ابْنَةَ عَمِّي كِتابُ اللَّهِ أخْرَجَنِي عَنْكم وهَلْ أمْنَعَنَّ اللَّهَ ما فَعَلا.

أيْ قَدَرُ اللَّهِ، وعَلى مَصْدَرِ كَتَبْتُ تَقُولُ: كَتَبْتُ كِتابًا وكُتُبًا، ومِنهُ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وعَلى المَكْتُوبِ كالحِسابِ بِمَعْنى المَحْسُوبِ، قالَ:

؎بَشَرْتُ عِيالِي إذْ رَأيْتُ صَحِيفَةً ∗∗∗ أتَتْكَ مِنَ الحَجّاجِ يُتْلى كِتابُها.

﴿لا﴾ نافِيَةٌ، والنَّفْيُ أحَدُ أقْسامِها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ.

﴿رَيْبَ﴾ الرَّيْبُ: الشَّكُّ بِتُهْمَةٍ، رابَ حَقَّقَ التُّهْمَةَ، قالَ:

؎لَيْسَ في الحَقِّ يا أُمَيَّةَ رَيْبُ ∗∗∗ إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُولُ الكَذُوبُ.

وحَقِيقَةُ الرَّيْبِ قَلَقُ النَّفْسِ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»، فَإنَّ الشَّكَّ رِيبَةٌ وإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، ومِنهُ: أنَّهُ مَرَّ بِظَنِّي خافِقٌ فَقالَ: لا يَرِبْهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ، ورَيْبُ الدَّهْرِ: صَرْفُهُ وخَطْبُهُ.

﴿فِيهِ﴾ في لِلْوِعاءِ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وزِيدَ لِلْمُصاحَبَةِ ولِلتَّعْلِيلِ ولِلْمُقايَسَةِ ولِمُوافَقَةِ عَلى والباءِ مِثْلُ ذَلِكَ زَيْدٌ في المَسْجِدِ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، أيْ يُكَثِّرُكم بِهِ. الهاءُ المُتَّصِلَةُ بِفي مِن فِيهِ ضَمِيرٌ غائِبٌ مُذَكَّرٌ مُفْرَدٌ، وقَدْ يُوصَلُ بِياءٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحُكْمُ هَذِهِ الهاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَرَكَةِ والإسْكانِ والِاخْتِلاسِ والإشْباعِ في كُتُبِ النَّحْوِ.

﴿هُدًى﴾ الهُدى: مَصْدَرُ هَدى، وتَقَدَّمَ مَعْنى الهِدايَةِ، والهُدى مُذَكَّرٌ وبَنُو أسَدٍ يُؤَنِّثُونَهُ، يَقُولُونَ: هَذِهِ هَدًى حَسَنَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ في كِتابِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهُدى لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: هو مُذَكَّرٌ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ الإيمانُ: التَّصْدِيقُ، ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، وأصْلُهُ مِنَ الأمْنِ أوِ الأمانَةِ، ومَعْناهُما الطُّمَأْنِينَةُ، أمَّنَهُ: صَدَّقَهُ، وأمِنَ بِهِ: وثِقَ بِهِ، والهَمْزَةُ في أمِنَ لِلصَّيْرُورَةِ كَأعْشَبَ، أوْ لِمُطاوَعَةِ فِعْلٍ كَأكَبَّ، وضُمِّنَ مَعْنى الِاعْتِرافِ أوِ الوُثُوقِ فَعُدِّيَ بِالباءِ، وهو يَتَعَدّى بِالباءِ واللّامِ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ [يونس: ٨٣]، والتَّعْدِيَةُ بِاللّامِ في ضِمْنِها تَعَدٍّ بِالباءِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ التَّعْدِيَتَيْنِ. الغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ يَغِيبُ إذا تَوارى، وسُمِّي المُطَمْئِنُ مِنَ الأرْضِ غَيْبًا لِذَلِكَ، أوْ فَعِيلٌ مِن غابَ فَأصْلُهُ غَيَّبَ، وخُفِّفَ نَحْوَ لَيِّنٍ في لِينٍ، والفارِسِيُّ لا يَرى ذَلِكَ قِياسًا في ذَواتِ الياءِ، فَلا يُجِيزُ في لِينٍ التَّخْفِيفَ ويُجِيزُهُ في ذَواتِ الواوِ، ونَحْوَ: سَيِّدٍ ومَيِّتٍ، وغَيْرُهُ قاسَهُ فِيهِما. وابْنُ مالِكٍ وافَقَ أبا عَلِيٍّ في ذَواتِ الياءِ، وخالَفَ الفارِسِيُّ في ذَواتِ الواوِ، فَزَعَمَ أنَّهُ مَحْفُوظٌ لا مَقِيسٌ، وتَقْرِيرُ هَذا في عِلْمِ التَّصْرِيفِ.

﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ والإقامَةُ: التَّقْوِيمُ، أقامَ العَوْدَ قَوَّمَهُ، أوِ الإدامَةُ، أقامَتِ الغَزالَةُ سُوقَ الضِّرابِ، أيْ أدامَتْها مِن قامَتِ السُّوقُ، أوِ التَّشَمُّرُ والنُّهُوضُ مِن قامَ بِالأمْرِ، والهَمْزَةُ في أقامَ لِلتَّعْدِيَةِ. الصَّلاةُ: فَعَلَةٌ، وأصْلُهُ الواوُ لِاشْتِقاقِهِ مِنَ الصَّلى، وهو عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالظَّهْرِ يَفْتَرِقُ مِن عِنْدِ عَجْبِ الذَّنَبِ، ويَمْتَدُّ مِنهُ عِرْقانِ، في كُلِّ ورِكٍ عِرْقٌ، يُقالُ لَهُما الصَّلَوانِ، فَإذا رَكَعَ المُصَلِّي انْحَنى صَلاهُ وتَحَرَّكَ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَصْلِيًّا، ومِنهُ أُخِذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخَيْلِ لِأنَّهُ يَأْتِي مَعَ صِلْوَيِ السّابِقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فاشْتُقَّتِ الصَّلاةُ مِنهُ إمّا لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةَ الإيمانِ فَشُبِّهَتْ بِالمُصَلّى مِنَ الخَيْلِ، وإمّا لِأنَّ الرّاكِعَ والسّاجِدَ يَنْثَنِي صَلَواهُ، والصَّلاةُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَنْتَظِمُ مِن أقْوالٍ وهَيْئاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وصَلّى فَعَلَ الصَّلاةَ، وأمّا صَلّى دَعا فَمَجازٌ وعِلاقَتُهُ تَشْبِيهُ الدّاعِي في التَّخَشُّعِ والرَّغْبَةِ بِفاعِلِ الصَّلاةِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصَّلاةَ مِمّا أُخِذَ مِن صَلّى بِمَعْنى دَعا، كَما قالَ:

؎عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا.

وقالَ:

؎لَها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها ∗∗∗ وإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْها وزَمْزَما.

قالَ: فَلَمّا كانَتِ الصَّلاةُ في الشَّرْعِ دُعاءً، وانْضافَ إلَيْهِ هَيْئاتٌ وقِراءَةٌ، سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِاسْمِ الدُّعاءِ، والقَوْلُ إنَّها مِنَ الدُّعاءِ أحْسَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَنا، وذَكَرْنا العَلاقَةَ بَيْنَ الدّاعِي وفاعِلِ الصَّلاةِ. ومِن حَرْفُ جَرٍّ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ أصْلَها مِنا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ بَعْضِ قُضاعَةَ:

؎بَذَلْنا مارِنَ الخَطِّيِّ فِيهِمْ ∗∗∗ وكُلَّ مُهَنَّدٍ ذَكَرٍ حُسامِ

؎مِنا أنْ ذَرَّ قَرْنُ الشَمْسِ حَتّى ∗∗∗ أغاثَ شَرِيدَهم فَنَنُ الظَّلامِ

وتَأوَّلَ ابْنُ جِنِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى فِعَلٍ مِن مَنى يُمْنى أيْ قَدَرَ. واغْتَرَّ بَعْضُهم بِهَذا البَيْتِ فَقالَ: وقَدْ يُقالُ مِنا. وقَدْ تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ ولِلتَّبْعِيضِ، وزائِدَةً وزِيدَ لِبَيانِ الجِنْسِ، ولِلتَّعْلِيلِ، ولِلْبَدَلِ، ولِلْمُجاوَزَةِ والِاسْتِعْلاءِ، ولِانْتِهاءِ الغايَةِ، …

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ الَّذِينَ ذَكَرُوا في إعْرابِهِ الخَفْضَ عَلى النَّعْتِ لِلْمُتَّقِينَ، أوِ البَدَلَ والنَّصْبَ عَلى المَدْحِ عَلى القَطْعِ، أوْ بِإضْمارِ أعْنِي عَلى التَّفْسِيرِ، قالُوا: أوْ عَلى مَوْضِعِ المُتَّقِينَ، تَخَيَّلُوا أنَّ لَهُ مَوْضِعًا وأنَّهُ نُصِبَ، واغْتَرُّوا بِالمَصْدَرِ فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ عُدِّيَ بِاللّامِ، والمَصْدَرُ هُنا نابَ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَعْمَلُ، وإنْ عَمِلَ اسْمُ الفاعِلِ، وأنَّهُ بَقِيَ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ فَلا يَعْمَلُ؛ لِأنَّهُ هُنا لا يَنْحَلُّ بِحَرْفِ مَصْدَرٍ وفِعْلٍ، ولا هو بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ بَلْ لِلْمُتَّقِينَ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ هُدًى، أيْ هُدًى كائِنٌ لِلْمُتَّقِينَ، والرَّفْعُ عَلى القَطْعِ أيْ هُمُ الَّذِينَ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمَةُ، وأُولَئِكَ المُتَأخِّرَةُ، والواوُ مُقْحَمَةٌ، وهَذا الأخِيرُ إعْرابٌ مُنْكَرٌ لا يَلِيقُ مِثْلُهُ بِالقُرْآنِ، والمُخْتارُ في الإعْرابِ الجَرُّ عَلى النَّعْتِ، والقَطْعُ إمّا لِلنَّصْبِ وإمّا لِلرَّفْعِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ جاءَتْ لِلْمَدْحِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُؤْمِنُونَ، بِالهَمْزَةِ ساكِنَةً بَعْدَ الياءِ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ، وحَذَفَ هَمْزَةَ أفْعَلَ حَيْثُ وقَّعَ ذَلِكَ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وإذا أُدْرِجَ بِتَرْكِ الهَمْزِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ رَزِينٌ بِتَحْرِيكِ الهَمْزَةِ مِثْلَ: يُؤَخِّرُكم، ووَجْهُ قِراءَتِهِ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِسُكُونِها، وأقَرَّ هَمْزَةَ أفْعَلَ لِتَحَرُّكِها وتَقَدُّمِها واعْتِلالِها في الماضِي والأمْرِ، والياءُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى الِاسْمِ، كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، أوْ لِلْحالِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ، فَيَتَعَيَّنُ في هَذا الوَجْهِ المَصْدَرُ، وأمّا إذا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ فَعَلى مَعْنى الغائِبِ أُطْلِقَ المَصْدَرُ وأُرِيدَ بِهِ اسْمَ الفاعِلِ، قالُوا: وعَلى مَعْنى الغَيْبِ أُطْلِقَ المَصْدَرُ وأُرِيدَ بِهِ اسْمَ المَفْعُولِ، نَحْوُ: هَذا خَلْقٌ لِلَّهِ، ودِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الغَيْبَ مَصْدَرُ غابَ اللّازِمِ، أوْ عَلى التَّخْفِيفِ مِن غَيَّبَ كَلَيَّنَ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مَصْدَرًا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ التَّخْفِيفَ، وأجازَ ذَلِكَ في الغَيْبِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا يُصارُ إلى ذَلِكَ حَتّى يُسْمَعَ مُنْقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ. والغَيْبُ هُنا القُرْآنُ، قالَهُ عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ، أوْ ما لَمْ يَنْزِلْ مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، أوْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ عِلْمُ الوَحْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ وافِدٍ، أوْ أمْرُ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ ما غابَ مِن عُلُومِ القُرْآنِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هانِئٍ، أوِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ ما غابَ عَنِ الحَواسِّ مِمّا يُعْلَمُ بِالدَّلالَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، أوِ القَضاءُ والقَدَرُ، أوْ مَعْنى بِالغَيْبِ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى أوْلِيائِهِ مِنَ الآياتِ والكَراماتِ، أوِ المَهْدِيُّ المُنْتَظَرُ، قالَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن تَفْسِيرِ الإيمانِ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ وهو: اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ وكُتُبُهُ ورُسُلُهُ واليَوْمُ الآخِرُ والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، وإيّاهُ نَخْتارُ لِأنَّهُ شَرَحَ حالَ المُتَّقِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ. والإيمانُ المَطْلُوبُ شَرْعًا هو ذاكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا تَضَمَّنَ الِاعْتِقادَ القَلْبِيَّ، وهو الإيمانُ بِالغَيْبِ، والفِعْلُ البَدَنِيُّ، وهو الصَّلاةُ وإخْراجُ المالِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي عُمُدُ أفْعالِ المُتَّقِي، فَناسَبَ أنْ يُشْرَحَ الغَيْبُ بِما ذَكَرْنا، وما فُسِّرَ بِهِ الإقامَةُ قَبْلُ يَصْلُحُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقالُوا: وقَدْ يُعَبَّرُ بِالإقامَةِ عَنِ الأداءِ، وهو فِعْلُها في الوَقْتِ المَحْدُودِ لَها، قالُوا: لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، كَما عُبِّرَ عَنْهُ بِالقُنُوتِ، والقُنُوتُ القِيامُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. قالُوا: سَبَّحَ إذا صَلّى لِوُجُودِ التَّسْبِيحِ فِيها، …

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إنَّ: حَرْفُ تَوْكِيدٍ يَتَشَبَّثُ بِالجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، فَيُنْصِبُ المُسْنَدُ إلَيْهِ، ويَرْتَفِعُ المَسْنَدُ وُجُوبًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولَها ولِأخَواتِها بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. وتَأْتِي أيْضًا حَرْفَ جَوابٍ بِمَعْنى نَعَمْ خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ. الكُفْرُ: السَّتْرُ، ولِهَذا قِيلَ: كافِرٌ لِلْبَحْرِ، ومَغِيبُ الشَّمْسِ، والزّارِعِ، والدّافِنِ، واللَّيْلِ، والمُتَكَفِّرِ، والمُتَسَلِّحِ. فَبَيْنَها كُلِّها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وهو السَّتْرُ، سَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى اسْتِواءٍ مَصْدَرِ اسْتَوى، ووُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، فَتَحْمِلُ الضَّمِيرَ. قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٌ، والعَدَمُ قالُوا: أصْلُهُ العَدْلُ، قالَ زُهَيْرٌ:

؎يُسَوِّي بَيْنَها فِيها السِّواءُ

. ولِإجْرائِهِ مَجْرى المَصْدَرِ لا يُثَنّى، قالُوا: هُما سَواءٌ اسْتَغْنَوْا بِتَثْنِيَةِ سَيٍّ بِمَعْنى سُواءٍ، كَقِيٍّ بِمَعْنى قِواءٌ، وقالُوا: هُما سِيّانِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ تَثْنِيَتَهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالُوا: هَذانِ سَواآنِ، ولِذَلِكَ لا تُجْمَعُ أيْضًا، قالَ:

؎ولَيْلٍ يَقُولُ النّاسُ مِن ظُلُماتِهِ ∗∗∗ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها.

وهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، فَهو مِن بابِ طَوَيْتُ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ سَواءُ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، فَيَجُوزُ أنَّهُ أخَلَصَ الواوَ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وهو أنْ يَكُونَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ. وفي كِلا الوَجْهَيْنِ لا بُدَّ مِن دُخُولِ النَّقْصِ فِيما قَبْلَ الهَمْزَةِ المُلَيَّنَةِ مِنَ المَدِّ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ سَواءٌ لَيْسَ لامُهُ ياءً بَلْ واوًا، فَيَكُونُ مِن بابِ قَواءٍ. وعَنِ الخَلِيلِ: سُوءٍ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ السِّينِ مَعَ واوٍ بَعْدَها مَكانَ الألِفِ، مِثْلَ دائِرَةِ السَّوْءِ عَلى قِراءَةِ مَن ضَمَّ السِّينَ، وفي ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ مَعْنى المُساواةِ إلى مَعْنى القُبْحِ والسَّبِّ، ولا يَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَهُ تَعَلُّقُ إعْرابٍ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها بَلْ يَبْقى.

﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إخْبارٌ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْذارِكَ وعَدَمِ إنْذارِكَ، وأمّا سَواءٌ الواقِعُ في الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِمْ قامُوا سِواكَ بِمَعْنى قامُوا غَيْرَكَ، فَهو مُوافِقٌ لِهَذا في اللَّفْظِ، مُخالِفٌ في المَعْنى، فَهو مِن بابِ المُشْتَرَكِ، ولَهُ أحْكامٌ ذُكِرَتْ في بابِ الِاسْتِثْناءَ. الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، وزِيدَ ولِلِاسْتِفْهامِ الصِّرْفِ، وذَلِكَ مِمَّنْ يَجْهَلُ النِّسْبَةَ فَيَسْألُ عَنْها، وقَدْ يَصْحَبُ الهَمْزَةَ التَّقْرِيرُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ والتَّحْقِيقُ،

؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا

. والتَّسْوِيَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾، والتَّوْبِيخُ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، والإنْكارُ أزَيْدَنِيهِ لِمَن قالَ جاءَ زَيْدٌ، وتَعاقُبُ حَرْفِ القَسَمِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. الإنْذارُ: الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ في مُدَّةٍ تَسَعُ التَّحَفُّظَ مِنَ المُخَوَّفِ، وإنْ لَمْ تَسْعَ سُمِّي إعْلامًا وإشْعارًا وإخْبارًا، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [النبإ: ٤٠]، ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: نَذَرَ القَوْمُ إذا عَلِمُوا بِالعَدُوِّ. وأمْ حَرْفُ عَطْفٍ، فَإذا عادَلَ الهَمْزَةَ وجاءَ بَعْدَهُ مُفْرَدٌ أوْ جُمْلَةٌ في مَعْنى المُفْرَدِ سُمِّيَتْ أمْ مُتَّصِلَةً، وإذا …

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إنَّ: حَرْفُ تَوْكِيدٍ يَتَشَبَّثُ بِالجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، فَيُنْصِبُ المُسْنَدُ إلَيْهِ، ويَرْتَفِعُ المَسْنَدُ وُجُوبًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولَها ولِأخَواتِها بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. وتَأْتِي أيْضًا حَرْفَ جَوابٍ بِمَعْنى نَعَمْ خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ. الكُفْرُ: السَّتْرُ، ولِهَذا قِيلَ: كافِرٌ لِلْبَحْرِ، ومَغِيبُ الشَّمْسِ، والزّارِعِ، والدّافِنِ، واللَّيْلِ، والمُتَكَفِّرِ، والمُتَسَلِّحِ. فَبَيْنَها كُلِّها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وهو السَّتْرُ، سَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى اسْتِواءٍ مَصْدَرِ اسْتَوى، ووُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، فَتَحْمِلُ الضَّمِيرَ. قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٌ، والعَدَمُ قالُوا: أصْلُهُ العَدْلُ، قالَ زُهَيْرٌ:

؎يُسَوِّي بَيْنَها فِيها السِّواءُ

. ولِإجْرائِهِ مَجْرى المَصْدَرِ لا يُثَنّى، قالُوا: هُما سَواءٌ اسْتَغْنَوْا بِتَثْنِيَةِ سَيٍّ بِمَعْنى سُواءٍ، كَقِيٍّ بِمَعْنى قِواءٌ، وقالُوا: هُما سِيّانِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ تَثْنِيَتَهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالُوا: هَذانِ سَواآنِ، ولِذَلِكَ لا تُجْمَعُ أيْضًا، قالَ:

؎ولَيْلٍ يَقُولُ النّاسُ مِن ظُلُماتِهِ ∗∗∗ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها.

وهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، فَهو مِن بابِ طَوَيْتُ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ سَواءُ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، فَيَجُوزُ أنَّهُ أخَلَصَ الواوَ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وهو أنْ يَكُونَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ. وفي كِلا الوَجْهَيْنِ لا بُدَّ مِن دُخُولِ النَّقْصِ فِيما قَبْلَ الهَمْزَةِ المُلَيَّنَةِ مِنَ المَدِّ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ سَواءٌ لَيْسَ لامُهُ ياءً بَلْ واوًا، فَيَكُونُ مِن بابِ قَواءٍ. وعَنِ الخَلِيلِ: سُوءٍ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ السِّينِ مَعَ واوٍ بَعْدَها مَكانَ الألِفِ، مِثْلَ دائِرَةِ السَّوْءِ عَلى قِراءَةِ مَن ضَمَّ السِّينَ، وفي ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ مَعْنى المُساواةِ إلى مَعْنى القُبْحِ والسَّبِّ، ولا يَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَهُ تَعَلُّقُ إعْرابٍ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها بَلْ يَبْقى.

﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إخْبارٌ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْذارِكَ وعَدَمِ إنْذارِكَ، وأمّا سَواءٌ الواقِعُ في الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِمْ قامُوا سِواكَ بِمَعْنى قامُوا غَيْرَكَ، فَهو مُوافِقٌ لِهَذا في اللَّفْظِ، مُخالِفٌ في المَعْنى، فَهو مِن بابِ المُشْتَرَكِ، ولَهُ أحْكامٌ ذُكِرَتْ في بابِ الِاسْتِثْناءَ. الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، وزِيدَ ولِلِاسْتِفْهامِ الصِّرْفِ، وذَلِكَ مِمَّنْ يَجْهَلُ النِّسْبَةَ فَيَسْألُ عَنْها، وقَدْ يَصْحَبُ الهَمْزَةَ التَّقْرِيرُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ والتَّحْقِيقُ،

؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا

. والتَّسْوِيَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾، والتَّوْبِيخُ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، والإنْكارُ أزَيْدَنِيهِ لِمَن قالَ جاءَ زَيْدٌ، وتَعاقُبُ حَرْفِ القَسَمِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. الإنْذارُ: الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ في مُدَّةٍ تَسَعُ التَّحَفُّظَ مِنَ المُخَوَّفِ، وإنْ لَمْ تَسْعَ سُمِّي إعْلامًا وإشْعارًا وإخْبارًا، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [النبإ: ٤٠]، ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: نَذَرَ القَوْمُ إذا عَلِمُوا بِالعَدُوِّ. وأمْ حَرْفُ عَطْفٍ، فَإذا عادَلَ الهَمْزَةَ وجاءَ بَعْدَهُ مُفْرَدٌ أوْ جُمْلَةٌ في مَعْنى المُفْرَدِ سُمِّيَتْ أمْ مُتَّصِلَةً، وإذا …

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ النّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومُرادِفُهُ: أناسِيُّ، جَمْعُ إنْسانٍ أوْ إنْسِيٍّ. قَدْ قالَتِ العَرَبُ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ، حَكاهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وهو مَجازٌ إذْ أصْلُهُ في بَنِي آدَمَ، ومادَّتُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - والفَرّاءِ: هَمْزَةٌ ونُونٌ وسِينٌ، وحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ شُذُوذًا، وأصْلُهُ أُناسٌ ونُطِقَ بِهَذا الأصْلِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فَمادَّتُهُ ومادَّةُ الإنْسِ واحِدَةٌ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى أنَّ مادَّتَهُ نُونٌ وواوٌ وسِينٌ، ووَزْنُهُ فَعَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوَسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ نَوَسًا إذا تَحَرَّكَ، والنَّوَسُ: تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، ومِنهُ نَوَسَ القِرْطُ في الأُذُنِ وذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَرَكَتِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِن نَسِيَ، وأصْلُهُ نَسِيَ ثُمَّ قُلِبَ فَصارَ نَيِسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. مَن: مَوْصُولَةٌ، وشَرْطِيَّةٌ، واسْتِفْهامِيَّةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتَقَعُ عَلى ذِي العِلْمِ، وتَقَعُ أيْضًا عَلى غَيْرِ ذِي العِلْمِ إذا عُومِلَ مُعامَلَةَ العالِمِ، أوِ اخْتَلَطَ بِهِ فِيما وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ فِيما فُصِلَ بِها، ولا تَقَعُ عَلى آحادِ ما لا يَعْقِلُ مُطْلَقًا خِلافًا لِزاعِمِ ذَلِكَ. وأكْثَرُ لِسانِ العَرَبِ أنَّها لا تَكُونُ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا في مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، كَقَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎رَبِّ مَن أنْضَجْتَ غَيْظًا صَدْرَهُ لَوْ تَمَنّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ

ويَقِلُّ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعٍ لا يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرَنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا

وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ مِن نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا يَقَعُ فِيهِ إلّا النَّكِرَةَ، وزَعَمَ هو وأبُو الحَسَنِ الهُنائِيُّ أنَّها تَكُونُ زائِدَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: لا تُزادُ. وتَقَعُ مِن عَلى العاقِلِ المَعْدُومِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودٌ، تَتَوَهَّمُهُ، مَوْجُودًا خِلافًا لِبِشْرٍ المَرِيسِيِّ، وِفاقًا لِلْفَرّاءِ، وصَحَّحَهُ أصْحابُنا. فَأمّا قَوْلُ العَرَبِ: أصْبَحْتَ كَمَن لَمْ يُخْلَقْ. فَتُرِيدُ: كَمَن قَدْ ماتَ، وأكْثَرُ المُعْرِبِينَ لِلْقُرْآنِ مَتى صَلَحَ عِنْدَهم تَقْدِيرُ ما أوْ مَن بِشَيْءٍ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وإثْباتُ كَوْنِ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ قاطِعٌ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٌ لَكَ لِإمْكانِ الزِّيادَةِ، فَإنِ اطَّرَدَ ذَلِكَ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ مِن كَلامِ العَرَبِ، كَأنْ سَرَّنِي ما مُعْجِبٌ لَكَ وأحْبَبْتُ ما مُعْجِبًا لَكَ، كانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِما دَعى النَّحْوِيُّونَ مِن ذَلِكَ، ولَوْ سُمِعَ لَأمْكَنَتِ الزِّيادَةُ أيْضًا لِأنَّهم زادُوا ما بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ والفِعْلِ ومَنصُوبِهِ. والزِّيادَةُ أمْرٌ ثابِتٌ لِما، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ فِيها فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ذَلِكَ ولا يُثْبَتُ لَها مَعْنًى إلّا بِدَلِيلٍ قاطِعٍ. وأمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَقَعُ في هَذا الكِتابِ مِن …

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ النّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومُرادِفُهُ: أناسِيُّ، جَمْعُ إنْسانٍ أوْ إنْسِيٍّ. قَدْ قالَتِ العَرَبُ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ، حَكاهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وهو مَجازٌ إذْ أصْلُهُ في بَنِي آدَمَ، ومادَّتُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - والفَرّاءِ: هَمْزَةٌ ونُونٌ وسِينٌ، وحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ شُذُوذًا، وأصْلُهُ أُناسٌ ونُطِقَ بِهَذا الأصْلِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فَمادَّتُهُ ومادَّةُ الإنْسِ واحِدَةٌ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى أنَّ مادَّتَهُ نُونٌ وواوٌ وسِينٌ، ووَزْنُهُ فَعَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوَسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ نَوَسًا إذا تَحَرَّكَ، والنَّوَسُ: تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، ومِنهُ نَوَسَ القِرْطُ في الأُذُنِ وذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَرَكَتِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِن نَسِيَ، وأصْلُهُ نَسِيَ ثُمَّ قُلِبَ فَصارَ نَيِسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. مَن: مَوْصُولَةٌ، وشَرْطِيَّةٌ، واسْتِفْهامِيَّةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتَقَعُ عَلى ذِي العِلْمِ، وتَقَعُ أيْضًا عَلى غَيْرِ ذِي العِلْمِ إذا عُومِلَ مُعامَلَةَ العالِمِ، أوِ اخْتَلَطَ بِهِ فِيما وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ فِيما فُصِلَ بِها، ولا تَقَعُ عَلى آحادِ ما لا يَعْقِلُ مُطْلَقًا خِلافًا لِزاعِمِ ذَلِكَ. وأكْثَرُ لِسانِ العَرَبِ أنَّها لا تَكُونُ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا في مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، كَقَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎رَبِّ مَن أنْضَجْتَ غَيْظًا صَدْرَهُ لَوْ تَمَنّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ

ويَقِلُّ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعٍ لا يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرَنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا

وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ مِن نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا يَقَعُ فِيهِ إلّا النَّكِرَةَ، وزَعَمَ هو وأبُو الحَسَنِ الهُنائِيُّ أنَّها تَكُونُ زائِدَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: لا تُزادُ. وتَقَعُ مِن عَلى العاقِلِ المَعْدُومِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودٌ، تَتَوَهَّمُهُ، مَوْجُودًا خِلافًا لِبِشْرٍ المَرِيسِيِّ، وِفاقًا لِلْفَرّاءِ، وصَحَّحَهُ أصْحابُنا. فَأمّا قَوْلُ العَرَبِ: أصْبَحْتَ كَمَن لَمْ يُخْلَقْ. فَتُرِيدُ: كَمَن قَدْ ماتَ، وأكْثَرُ المُعْرِبِينَ لِلْقُرْآنِ مَتى صَلَحَ عِنْدَهم تَقْدِيرُ ما أوْ مَن بِشَيْءٍ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وإثْباتُ كَوْنِ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ قاطِعٌ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٌ لَكَ لِإمْكانِ الزِّيادَةِ، فَإنِ اطَّرَدَ ذَلِكَ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ مِن كَلامِ العَرَبِ، كَأنْ سَرَّنِي ما مُعْجِبٌ لَكَ وأحْبَبْتُ ما مُعْجِبًا لَكَ، كانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِما دَعى النَّحْوِيُّونَ مِن ذَلِكَ، ولَوْ سُمِعَ لَأمْكَنَتِ الزِّيادَةُ أيْضًا لِأنَّهم زادُوا ما بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ والفِعْلِ ومَنصُوبِهِ. والزِّيادَةُ أمْرٌ ثابِتٌ لِما، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ فِيها فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ذَلِكَ ولا يُثْبَتُ لَها مَعْنًى إلّا بِدَلِيلٍ قاطِعٍ. وأمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَقَعُ في هَذا الكِتابِ مِن …

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

﴿في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ المَرَضُ: مَصْدَرُ مَرِضَ، ويُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى الضَّعْفِ والفُتُورِ، ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ يُمْرِضُ الحَدِيثَ أيْ يُفْسِدُهُ ويُضْعِفُهُ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: المَرَضُ في القَلْبِ: الفُتُورُ عَنِ الحَقِّ، وفي البَدَنِ: فُتُورُ الأعْضاءِ، وفي العَيْنِ: فُتُورُ النَّظَرِ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظُّلْمَةُ، قالَ:

؎فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَما يُحِسُّ بِها نَجْمٌ ولا قَمَرُ

وقِيلَ: المَرَضُ: الفَسادُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَرَضُ والألَمُ والوَجَعُ نَظائِرُ. الزِّيادَةُ: فِعْلُها يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ مِن بابِ أعْطى وكَسى، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لازِمًا نَحْوَ: زادَ المالُ. ألِيمٌ: فَعِيلٌ مِنَ الألَمِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ وأصْلُهُ ألَمٌ. كانَ: فِعْلٌ يَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، فَيَدُلُّ عَلى زَمانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَقَطْ، أوْ عَلَيْهِ وعَلى الصَّيْرُورَةِ، وتُسَمّى ناقِصَةً وتَكْتَفِي بِمَرْفُوعٍ فَتارَةً تَكُونُ فِعْلًا لازِمًا وتارَةً مُتَعَدِّيًا، بِمَعْنى كَفَلَ أوْ غَزَلَ: كُنْتُ الصَّبِيَّ كَفَلْتُ، وكُنْتُ الصُّوفَ غَزَلْتُهُ، وهَذا مِن غَرِيبِ اللُّغاتِ، وقَدْ تُزادُ ولا فاعِلَ لَها إذْ ذاكَ خِلافًا لِأبِي سَعِيدٍ، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في النَّحْوِ. التَّكْذِيبُ: مَصْدَرُ كَذَّبَ، والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلرَّمْيِ بِهِ كَقَوْلِكَ: شَجَّعْتُهُ وجَبَّنْتُهُ، أيْ رَمَيْتُهُ بِالشَّجاعَةِ والجُبْنِ، وهي أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها فَعَّلَ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَةَ: الرَّمْيُ، والتَّعْدِيَةُ، والتَّكْثِيرُ، والجَعْلُ عَلى صِفَةٍ، والتَّسْمِيَةُ، والدُّعاءُ لِلشَّيْءِ أوْ عَلَيْهِ، والقِيامُ عَلى الشَّيْءِ، والإزالَةُ، والتَّوَجُّهُ، واخْتِصارُ الحِكايَةِ، ومُوافَقَةُ تَفَعَّلَ وفَعَّلَ، والإغْناءُ عَنْهُما، مِثْلُ ذَلِكَ: جَبَّنْتُهُ، وفَرَّحْتُهُ، وكَثَّرْتُهُ، وفَطَّرْتُهُ، وفَسَّقْتُهُ، وسَقَّيْتُهُ، وعَقَّرْتُهُ، ومَرَّضْتُهُ، وقَذَّيْتُ عَيْنَهُ، وشَوَّقَ، وأمَّنَ، قالَ: آمِينَ، ووَلّى: مُوافِقُ تَوَلّى، وقَدَّرَ: مُوافِقُ قَدَرَ، وحَمَّرَ: تَكَلَّمَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وعَرَّدَ في القِتالِ. وأمّا الكَذِبُ فَسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ، لِما ذُكِرَ مِنَ الكِتابِ هُدًى لَهم، وهُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ جَمَعُوا أوْصافَ الإيمانِ مِن خُلُوصِ الِاعْتِمادِ وأوْصافِ الإسْلامِ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ولَمّا ذَكَرَ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الهُدى وفي الآخِرَةِ مِنَ الفَلاحِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِمُقابِلِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ خُتِمَ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ، وخُتِمَ لَهم بِما يَئُولُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ في النِّيرانِ. وبَقِيَ قِسْمٌ ثالِثٌ أظْهَرُوا الإسْلامَ مُقالًا وأبْطَنُوا الكُفْرَ اعْتِقادًا وهُمُ المُنافِقُونَ، أخَذَ يَذْكُرُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ. ومِن في قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ فَيُبَيِّنُ جِنْسَهُ. والألِفُ واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ الكُفّارِ السّابِقِ ذِكْرُهم مَن يَقُولُ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهم غَيْرُ مَخْتُومٍ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ بَعْضَ أُولَئِكَ والمُنافِقِينَ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلى قُلُوبِهِمْ ؟ وأجابَ بِأنَّ الكُفْرَ …

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.