Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 191–200 of 286

191

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

And kill them wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al- Haram until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، ضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ”﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]“ وهَذا أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ، و”﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾“ عامٌّ في كُلِّ مَكانٍ حَلَّ أوْ حَرُمَ، ويَلْزَمُ مِنهُ عُمُومُ الأزْمانِ، في شَهْرِ الحَرامِ وفي غَيْرِهِ، وفي (المُنْتَخَبِ) أمَرَ في الآيَةِ الأوْلى بِالجِهادِ، بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ في التَّكْلِيفِ، فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ: إنَّهُ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا: لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم“ فالوَصْفُ باقٍ إذِ المَعْنى: واقْتُلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، فَلَيْسَ أمْرًا بِالجِهادِ سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ حِينَ قَتَلَهُ وافِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وذَلِكَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.

﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾، أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أخْرَجُوكم مِنهُ، يَعْنِي مَكَّةَ، وهو أمْرٌ بِالإخْراجِ أمْرُ تَمْكِينٍ، فَكَأنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أنْجَزَ ما وعَدَ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ مَعَهم، و”مِن حَيْثُ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾“، وقَدْ تُصَرَّفُ في ”حَيْثُ“ بِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها، كَمِن، والباءِ، وفي، وبِإضافَةِ لَدى إلَيْها. وضَمِيرُ النَّصْبِ في ”أخْرَجُوكم“ عائِدٌ عَلى المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ والإخْراجِ، وهو في الحَقِيقَةِ عائِدٌ عَلى بَعْضِهِمْ، جَعَلَ إخْراجَ بَعْضِهِمْ وهو أجَلُّهم قَدْرًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرُونَ، إخْراجًا لِكُلِّهِمْ.

﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾، في الفِتْنَةِ هُنا أقْوالٌ.

أحَدُها: الرُّجُوعُ إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِن أنْ يُقْتَلَ المُؤْمِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وكانُوا قَدْ عَذَّبُوا نَفَرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ. والكُفْرُ بِاللَّهِ يَقْتَضِي العَذابَ دائِمًا، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ قَتَلَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فاسْتَعْظَمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ. الثّانِي: الشِّرْكُ، أيْ: شِرْكُهم بِاللَّهِ أشَدُّ حُرْمَةً مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

الثّالِثُ: هَتْكُ حُرُماتِ اللَّهِ مِنهم أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.

الرّابِعُ: عَذابُ الآخِرَةِ لَهم أشَدُّ مِن قَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ في الحَرَمِ، ومِنهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، أيْ: عَذَّبُوهم.

الخامِسُ: الإخْراجُ مِنَ الوَطَنِ لِما فِيهِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ والأحْبابِ، وتَنْغِيصِ العَيْشِ دائِمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمَوْتٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أهْوَنُ مَوْقِعًا عَلى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِراقِ

السّادِسُ: أنْ يُرادَ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم، إنْ قَتَلُوكم فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ الثّالِثِ. السّابِعُ: تَعْذِيبُهُمُ المُسْلِمِينَ لِيَرْتَدُّوا، قالَهُ الكِسائِيُّ.

وأصْلُ …

Al-Baqara 2:191Listen in Qur'an →
192

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if they cease, then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، ضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ”﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]“ وهَذا أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ، و”﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾“ عامٌّ في كُلِّ مَكانٍ حَلَّ أوْ حَرُمَ، ويَلْزَمُ مِنهُ عُمُومُ الأزْمانِ، في شَهْرِ الحَرامِ وفي غَيْرِهِ، وفي (المُنْتَخَبِ) أمَرَ في الآيَةِ الأوْلى بِالجِهادِ، بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ في التَّكْلِيفِ، فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ: إنَّهُ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا: لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم“ فالوَصْفُ باقٍ إذِ المَعْنى: واقْتُلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، فَلَيْسَ أمْرًا بِالجِهادِ سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ حِينَ قَتَلَهُ وافِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وذَلِكَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.

﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾، أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أخْرَجُوكم مِنهُ، يَعْنِي مَكَّةَ، وهو أمْرٌ بِالإخْراجِ أمْرُ تَمْكِينٍ، فَكَأنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أنْجَزَ ما وعَدَ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ مَعَهم، و”مِن حَيْثُ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾“، وقَدْ تُصَرَّفُ في ”حَيْثُ“ بِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها، كَمِن، والباءِ، وفي، وبِإضافَةِ لَدى إلَيْها. وضَمِيرُ النَّصْبِ في ”أخْرَجُوكم“ عائِدٌ عَلى المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ والإخْراجِ، وهو في الحَقِيقَةِ عائِدٌ عَلى بَعْضِهِمْ، جَعَلَ إخْراجَ بَعْضِهِمْ وهو أجَلُّهم قَدْرًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرُونَ، إخْراجًا لِكُلِّهِمْ.

﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾، في الفِتْنَةِ هُنا أقْوالٌ.

أحَدُها: الرُّجُوعُ إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِن أنْ يُقْتَلَ المُؤْمِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وكانُوا قَدْ عَذَّبُوا نَفَرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ. والكُفْرُ بِاللَّهِ يَقْتَضِي العَذابَ دائِمًا، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ قَتَلَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فاسْتَعْظَمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ. الثّانِي: الشِّرْكُ، أيْ: شِرْكُهم بِاللَّهِ أشَدُّ حُرْمَةً مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

الثّالِثُ: هَتْكُ حُرُماتِ اللَّهِ مِنهم أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.

الرّابِعُ: عَذابُ الآخِرَةِ لَهم أشَدُّ مِن قَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ في الحَرَمِ، ومِنهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، أيْ: عَذَّبُوهم.

الخامِسُ: الإخْراجُ مِنَ الوَطَنِ لِما فِيهِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ والأحْبابِ، وتَنْغِيصِ العَيْشِ دائِمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمَوْتٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أهْوَنُ مَوْقِعًا عَلى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِراقِ

السّادِسُ: أنْ يُرادَ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم، إنْ قَتَلُوكم فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ الثّالِثِ. السّابِعُ: تَعْذِيبُهُمُ المُسْلِمِينَ لِيَرْتَدُّوا، قالَهُ الكِسائِيُّ.

وأصْلُ …

Al-Baqara 2:192Listen in Qur'an →
193

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] worship is [acknowledged to be] for Allah. But if they cease, then there is to be no aggression except against the oppressors.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى مَن قاتَلَهُ، وهم كُفّارُ مَكَّةَ، والفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ وما تابَعَهُ مِن أذى المُسْلِمِينَ، أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ، ولا يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةُ أهْلِ الكِتابِ في قَبُولِ الجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ. أعْنِي: أنَّ الفِتْنَةَ هُنا الشِّرْكُ وما تابَعَهُ مِنَ الأذى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ الكُفّارِ، أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ وقَتْلِهِمْ في كُلِّ مَكانٍ، فالآيَةُ عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وغَيْرِهِ، ويُخَصُّ مِنهم بِالجِزْيَةِ مَن دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها ناسِخَةٌ، لِقَوْلِهِ: ”﴿ولا تُقاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]“ . قالَ في (المُنْتَخَبِ): والصَّحِيحُ، أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هَذِهِ الصِّيغَةُ عامَّةٌ وما قَبْلَهُ خاصٌّ، وهو: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ تَخْصِيصُ العامِّ، سَواءٌ تَقَدَّمَ عَلى المُخَصَّصِ أمْ تَأخَّرَ عَنْهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الفِتْنَةُ هُنا، القِتالُ في الحَرَمِ، قالَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ مِنهُمُ القِتالُ، الَّذِي إذا بَدَءُوا بِهِ كانَ فِتْنَةً عَلى المُؤْمِنِينَ لِما يَخافُونَ مِن أنْواعِ المَضارِّ. و”حَتّى“ هُنا لِلْغايَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ، وإذا فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ بِالكُفْرِ، والكُفْرُ لا يَلْزَمُ زَوالُهُ بِالقِتالِ، فَكَيْفَ غَيّا الأمْرَ بِالقِتالِ بِزَوالِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى حُكْمِ الغالِبِ والواقِعِ، وذَلِكَ أنَّ مَن قُتِلَ فَقَدِ انْقَطَعَ كُفْرُهُ وزالَ، ومَن عاشَ خافَ مِنَ الثَّباتِ عَلى كُفْرِهِ، فَأسْلَمَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: وقاتِلُوهم قَصْدًا مِنكم إلى زَوالِ الكُفْرِ: لِأنَّ الواجِبَ في قِتالِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ القَصْدُ زَوالَ الكُفْرِ، ولِذَلِكَ إذا ظَنَّ أنَّهُ يُقْلِعُ عَنِ الكُفْرِ بِغَيْرِ القِتالِ وجَبَ عَلَيْهِ العُدُولُ عَنْهُ.

﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ الدِّينُ هُنا: الطّاعَةُ، أيْ: يَكُونَ الِانْقِيادُ خالِصًا لِلَّهِ، وقِيلَ: الدِّينُ هُنا السُّجُودُ والخُضُوعُ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَلا يُسْجَدُ لِغَيْرِهِ، وغَيّى هُنا الأمْرُ بِالقِتالِ بِشَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، والثّانِي: ثُبُوتُ الدِّينِ لِلَّهِ، وهو عَطْفُ مُثْبَتٍ عَلى مَنفِيٍّ، وهُما في مَعْنًى واحِدٍ ومُتَلازِمانِ: لِأنَّهُ إذا انْتَفى الشِّرْكُ بِاللَّهِ كانَ تَعالى هو المَعْبُودُ المُطاعُ، وعَلى تَفْسِيرِ أبِي مُسْلِمٍ في الفِتْنَةِ يَكُونُ قَدْ غَيّى بِأمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أحَدُهُما: انْتِفاءُ القِتالِ في الحَرَمِ، والثّانِي: خُلُوصُ الدِّينِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ وجاءَ في الأنْفالِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ولَمْ يَجِئْ هُنا ”كُلُّهُ“: لِأنَّ آيَةَ الأنْفالِ في الكُفّارِ عُمُومًا، وهُنا في مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَناسَبَ هُناكَ التَّعْمِيمُ، ولَمْ يُحْتَجْ هُنا إلَيْهِ. قِيلَ: وهَذا لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في ”وقاتِلُوهم“ عائِدًا عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وراجَعَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ في الخُرُوجِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فَعارَضَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَقالَ: ألَمْ يَقِلْ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فَأجابَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأنّا فَعَلْنا ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ …

Al-Baqara 2:193Listen in Qur'an →
194

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

[Fighting in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month, and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allah and know that Allah is with those who fear Him.

﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِقْسَمٌ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم: نَزَلَتْ في عُمْرَةِ القَضاءِ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم ذَلِكَ العامَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو ذُو القَعْدَةِ، فَقِيلَ لَهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ وكَراهَتِهِمُ القِتالَ، وذَلِكَ في ذِي القَعْدَةِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، أيْ: هَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، تَهْتِكُونَ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، كَما هَتَكُوا حُرْمَتَهُ عَلَيْكم. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الكُفّارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تُقاتِلُ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يُقاتِلُ فِيهِ، فَهَمُّوا بِالهُجُومِ عَلَيْهِ، وقَتْلِ مَن مَعَهُ حِينَ طَمِعُوا أنَّهُ لا يُقاتِلُ، فَنَزَلَتْ.

والشَّهْرُ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ، ولا يَصِحُّ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ: انْتِهاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ، كائِنٌ بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ: والألِفُ واللّامُ في الشَّهْرِ، في اللَّفْظِ هي لِلْعَهْدِ، فالشَّهْرُ الأوَّلُ هو ذُو القَعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ في عُمْرَةِ القَضاءِ، والشَّهْرُ الثّانِي هو مِن سَنَةِ سِتٍّ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ في الحُرُماتِ، أيْ: حُرْمَةُ الشَّهْرِ وحُرْمَةُ المُحْرِمِينَ حِينَ صَدَدْتُمْ بِحُرْمَةِ البَلَدِ، والشَّهْرِ، والقِتالِ حِينَ دَخَلْتُمْ. وهَذا التَّفْسِيرُ عَلى السَّبَبِ المَنقُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ، وأمّا عَلى السَّبَبِ المَنقُولِ عَنِ الحَسَنِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعُمُومِ في النَّفْسِ والمالِ والعِرْضِ، أيْ: وكُلُّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ تِلْكَ الحُرُماتُ السّابِقَةُ وغَيْرُها، وقِيلَ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِمّا قَبْلَها لَيْسَتْ في أمْرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، بَلْ هو ابْتِداءُ أمْرٍ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، أيْ: مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنهُ مِثْلَ ما اعْتَدى عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: ما كانَ مِن تَعِدٍّ في مالٍ أوْ جُرْحٍ لَمْ يُنْسَخْ، ولَهُ أنْ يَتَعَدّى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِمِثْلِ ما تَعَدّى عَلَيْهِ، ويُخْفِي ذَلِكَ إذا أمْكَنَهُ دُونَ الحاكِمِ ولا يَأْثَمُ بِذَلِكَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهي رِوايَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ، مِنهم مالِكٌ: القِصاصُ وقْفٌ عَلى الحُكّامِ فَلا يَسْتَوْفِيهِ إلّا هم. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿والحُرُماتُ﴾“ بِإسْكانِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، إذْ هو جَمْعُ حُرْمَةٍ، والضَّمُّ في الجَمْعِ اتِّباعٌ.

﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، هَذا مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها: أهِيَ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ ومَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما بِمَعْناها بِمَكَّةَ، والإسْلامُ لَمْ يَعِزَّ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَزَّ دِينُهُ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِرَفْعِ أُمُورِهِمْ إلى حُكّامِهِمْ، وأُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وهو مِنَ التَّدْرِيجِ في الأمْرِ بِالقِتالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَدُوا﴾ لَيْسَ أمْرًا عَلى التَّحَتُّمِ إذْ يَجُوزُ العَفْوُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اعْتِداءً عَلى سَبِيلِ …

Al-Baqara 2:194Listen in Qur'an →
195

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

And spend in the way of Allah and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allah loves the doers of good.

﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِقْسَمٌ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم: نَزَلَتْ في عُمْرَةِ القَضاءِ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم ذَلِكَ العامَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو ذُو القَعْدَةِ، فَقِيلَ لَهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ وكَراهَتِهِمُ القِتالَ، وذَلِكَ في ذِي القَعْدَةِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، أيْ: هَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، تَهْتِكُونَ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، كَما هَتَكُوا حُرْمَتَهُ عَلَيْكم. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الكُفّارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تُقاتِلُ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يُقاتِلُ فِيهِ، فَهَمُّوا بِالهُجُومِ عَلَيْهِ، وقَتْلِ مَن مَعَهُ حِينَ طَمِعُوا أنَّهُ لا يُقاتِلُ، فَنَزَلَتْ.

والشَّهْرُ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ، ولا يَصِحُّ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ: انْتِهاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ، كائِنٌ بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ: والألِفُ واللّامُ في الشَّهْرِ، في اللَّفْظِ هي لِلْعَهْدِ، فالشَّهْرُ الأوَّلُ هو ذُو القَعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ في عُمْرَةِ القَضاءِ، والشَّهْرُ الثّانِي هو مِن سَنَةِ سِتٍّ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ في الحُرُماتِ، أيْ: حُرْمَةُ الشَّهْرِ وحُرْمَةُ المُحْرِمِينَ حِينَ صَدَدْتُمْ بِحُرْمَةِ البَلَدِ، والشَّهْرِ، والقِتالِ حِينَ دَخَلْتُمْ. وهَذا التَّفْسِيرُ عَلى السَّبَبِ المَنقُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ، وأمّا عَلى السَّبَبِ المَنقُولِ عَنِ الحَسَنِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعُمُومِ في النَّفْسِ والمالِ والعِرْضِ، أيْ: وكُلُّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ تِلْكَ الحُرُماتُ السّابِقَةُ وغَيْرُها، وقِيلَ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِمّا قَبْلَها لَيْسَتْ في أمْرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، بَلْ هو ابْتِداءُ أمْرٍ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، أيْ: مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنهُ مِثْلَ ما اعْتَدى عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: ما كانَ مِن تَعِدٍّ في مالٍ أوْ جُرْحٍ لَمْ يُنْسَخْ، ولَهُ أنْ يَتَعَدّى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِمِثْلِ ما تَعَدّى عَلَيْهِ، ويُخْفِي ذَلِكَ إذا أمْكَنَهُ دُونَ الحاكِمِ ولا يَأْثَمُ بِذَلِكَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهي رِوايَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ، مِنهم مالِكٌ: القِصاصُ وقْفٌ عَلى الحُكّامِ فَلا يَسْتَوْفِيهِ إلّا هم. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿والحُرُماتُ﴾“ بِإسْكانِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، إذْ هو جَمْعُ حُرْمَةٍ، والضَّمُّ في الجَمْعِ اتِّباعٌ.

﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، هَذا مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها: أهِيَ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ ومَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما بِمَعْناها بِمَكَّةَ، والإسْلامُ لَمْ يَعِزَّ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَزَّ دِينُهُ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِرَفْعِ أُمُورِهِمْ إلى حُكّامِهِمْ، وأُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وهو مِنَ التَّدْرِيجِ في الأمْرِ بِالقِتالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَدُوا﴾ لَيْسَ أمْرًا عَلى التَّحَتُّمِ إذْ يَجُوزُ العَفْوُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اعْتِداءً عَلى سَبِيلِ …

Al-Baqara 2:195Listen in Qur'an →
196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And complete the Hajj and 'umrah for Allah. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity or sacrifice. And when you are secure, then whoever performs 'umrah [during the Hajj months] followed by Hajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during Hajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Haram. And fear Allah and know that Allah is severe in penalty.

﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، الإتْمامُ كَما تَقَدَّمَ ضِدُّ النَّقْصِ، والمَعْنى: افْعَلُوهُما كامِلَيْنِ ولا تَأْتُوا بِهِما ناقِصَيْنِ شَيْئًا مِن شُرُوطِهِما، وأفْعالِهِما الَّتِي تَتَوَقَّفُ وُجُودُ ماهِيَّتِهِما عَلَيْهِما، كَما قالَ غَيْلانُ:

؎تَمامُ الحَجِّ أنْ تَقِفَ المَطايا عَلى خَرْقاءَ واضِعَةِ اللِّثامِ

جَعَلَ وُقُوفَ المَطايا عَلى مَحْبُوبَتِهِ، وهي مَيٌّ، كَبَعْضِ مَناسِكِ الحَجِّ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِهِ. هَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ، وقَدْ فُسِّرَ ”الإتْمامُ“ بِغَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. قالَ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: إتْمامُهُما أنْ لا يَنْفَسِخَ، وأنْ تُتَمِّمَهُما إذا بَدَأْتَ بِهِما.

وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ، وطاوُسٌ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مُفْرَدَيْنِ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وفَعَلَهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: إتْمامُهُما أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما لا لِتِجارَةٍ ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ”لِلَّهِ“ . وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ وتَقْضِيَها في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وأنْ تُتِمَّ الحَجَّ دُونَ نَقْصٍ ولا جَبْرٍ بِدَمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إتْمامُهُما أنْ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ ولا تَقْرِنَ، والإفْرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ أفْضَلُ.

وقالَ قَوْمٌ: إتْمامُهُما أنْ تَقْرِنَ بَيْنَهُما، والقِرانُ عِنْدَ هَؤُلاءِ أفْضَلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ، وغَيْرُهم: إتْمامُها أنْ تَقْضِيَ مَناسِكَهُما كامِلَةً بِما كانَ فِيها مِن دِماءٍ، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ قَوْمٌ: أنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا. وقِيلَ: أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إتْمامُهُما أنْ لا تَسْتَحِلَّ فِيهِما ما لا يَجُوزُ، وكانُوا يُشْرِكُونَ في إحْرامِهِمْ، يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. فَقالَ: أتِمُّوهُما ولا تَخْلِطُوا بِهِما شَيْئًا.

وقالَ الماتُرِيدِيُّ: إنَّما قالَ ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: لِأنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَفْعَلُونَ الحَجَّ لِلَّهِ والعُمْرَةَ لِلصَّنَمِ، وقالَ المَرْوَزِيُّ: كانَ الكُفّارُ يَحُجُّونَ لِلْأصْنامِ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ: ”وأقِيمُوا الحَجَّ“، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”الحِجَّ“، بِالكَسْرِ هُنا، وفي آلِ عِمْرانَ، وبِالفَتْحِ في سائِرِ القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنُ إسْحاقَ: ”الحِجَّ“ بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ الخِلافِ في قَوْلِهِ: (حَجَّ البَيْتَ) في مَوْضِعِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ لِلَّهِ“، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: ”والعُمْرَةُ لِلَّهِ“، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَخْرُجُ العُمْرَةُ عَنِ الأمْرِ، ويَنْفَرِدُ بِهِ الحَجُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: ”وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ“، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى التَّفْسِيرِ: لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ.

”ولِلَّهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أتِمُّوا“، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ العامِلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كائِنِينَ لِلَّهِ، ولا خِلافَ في أنَّ الحَجَّ فَرْضٌ، وأنَّهُ أحَدُ الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، وفُرُوضُهُ: النِّيَّةُ، والإحْرامُ، …

Al-Baqara 2:196Listen in Qur'an →
197

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Hajj is [during] well-known months, so whoever has made Hajj obligatory upon himself therein [by entering the state of ihram], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during Hajj. And whatever good you do - Allah knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allah. And fear Me, O you of understanding.

﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .

الجِدالُ، فِعالٌ مَصْدَرُ جادَلَ، وهي المُخاصَمَةُ الشَّدِيدَةُ، مُشْتَقٌّ ذَلِكَ مِنَ الجَدالَةِ، وهي الأرْضُ. كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُقاوِمُ صاحِبَهُ حَتّى يَغْلِبَهُ، فَيَكُونُ كَمَن ضَرَبَ بِهِ الجَدالَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قَدْ أُنْزِلُ الآلَةَ بَعْدَ الآلَهْ وأُنْزِلُ العاجِزَ بِالجَدالَهْ

أيْ: بِالأرْضِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ ذَلِكَ مِنَ الجَدْلِ وهو الفَتْلُ، ومِنهُ قِيلَ: زِمامٌ مَجْدُولٌ، وقِيلَ: لَهُ جَدِيلٌ لِفَتْلِهِ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ: الأجْدَلُ لِشِدَّتِهِ واجْتِماعِ خَلْقِهِ، كَأنَّ بَعْضَهُ فُتِلَ في بَعْضٍ فَقَوِيَ.

﴿الزّادِ﴾ مَعْرُوفٌ، وهو ما يَسْتَصْحِبُهُ الإنْسانُ لِلسَّفَرِ مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ، ومَرْكُوبٍ، ومَلْبُوسٍ، إنِ احْتاجَ إلى ذَلِكَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم: تَزَوَّدَ، تَفَعَّلَ مِنَ الزّادِ.

الإفاضَةُ: الِانْخِراطُ والِانْدِفاعُ والخُرُوجُ مِنَ المَكانِ بِكَثْرَةٍ، شُبِّهَ بِفَيْضِ الماءِ والدَّمْعِ، فَأفاضَ مِنَ الفَيْضِ لا مِن فَوَضَ، وهو اخْتِلاطُ النّاسِ بِلا سايِسٍ يَسُوسُهم، وأفْعَلَ هَذا بِمَعْنى المُجَرَّدِ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ: لِأنَّهُ لا يُحْفَظُ أفَضْتُ زَيْدًا، بِهَذا المَعْنى الَّذِي شَرَحْناهُ، وإنْ كانَ يَجُوزُ في فاضَ الدَّمْعُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، فَتَقُولُ: أفاضَ الحُزْنُ، أيْ: جَعَلَهُ يَفِيضُ. وزَعَمَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصاحِبُ (المُنْتَخَبِ) أنَّ الهَمْزَةَ في ﴿أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] لِلتَّعْدِيَةِ، قالَ: وأصْلُهُ أفَضْتُمْ أنْفُسَكم، وشَرَحَهُ صاحِبُ (المُنْتَخَبِ) بِالِانْدِفاعِ في السَّيْرِ بِكَثْرَةٍ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَشْرَحَهُ بِلَفْظٍ مُتَعَدِّدٍ. قالَ مَعْناهُ: دَفَعَ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَ: لِأنَّ النّاسَ إذا انْصَرَفُوا مُزْدَحِمِينَ دَفَعَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: الإفاضَةُ الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وقِيلَ: السَّيْرُ السَّرِيعُ، وقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِكَثْرَةٍ، وقِيلَ: الدَّفْعُ بِكَثْرَةٍ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَيّاضٌ أيْ مُنْدَفِقٌ بِالعَطاءِ، وقِيلَ: الِانْصِرافُ، مِن قَوْلِهِمْ أفاضَ بِالقِداحِ، وعَلى القِداحِ، وهي سِهامُ المَيْسِرِ، وأفاضَ البَعِيرُ بِجِرانِهِ.

﴿عَرَفاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] عَلَمٌ عَلى الجَبَلِ الَّذِي يَقِفُونَ عَلَيْهِ في الحَجِّ، فَقِيلَ: لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ المَعْرِفَةِ، وذَلِكَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ. وفي تَعْيِينِ المَعْرِفَةِ أقاوِيلُ، فَقِيلَ: لِمَعْرِفَةِ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ …

Al-Baqara 2:197Listen in Qur'an →
198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

There is no blame upon you for seeking bounty from your Lord [during Hajj]. But when you depart from 'Arafat, remember Allah at al- Mash'ar al-Haram. And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ . سَبَبُ نُزُولِها أنَّ العَرَبَ تَحَرَّجَتْ لَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْ يَحْضُرُوا أسْواقَ الجاهِلِيَّةِ، كَعُكاظَ، وذِي المَجازِ، ومَجَنَّةَ، فَأباحَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: كانَ بَعْضُ العَرَبِ لا يَنْحَرُونَ مُذْ يُحْرِمُونَ، فَنَزَلَتْ في إباحَةِ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يُكْرى في الحَجِّ، وأنَّ حَجَّهُ تامٌّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ: ”فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“، والأوْلى جَعْلُ هَذا تَفْسِيرًا: لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ.

والجُناحُ مَعْناهُ: الدَّرْكُ، وهو أعَمُّ مِنَ الإثْمِ: لِأنَّهُ فِيما يَقْتَضِي العِقابَ، وفِيما يَقْتَضِي الزَّجْرَ والعِقابَ، وعَنى بِالفَضْلِ هُنا الأرْباحَ الَّتِي تَكُونُ سَبَبَ التِّجارَةِ، وكَذَلِكَ ما تَحْصُلُ عَنِ الأجْرِ بِالكِراءِ في الحَجِّ، وقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى جَوازِ التِّجارَةِ والِاكْتِسابِ - بِالكُلِّ - والإتِّجارِ إذا أتى بِالحَجِّ عَلى وجْهِهِ، إلّا ما نُقِلَ شاذًّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأنَّهُ سَألَهُ أعْرابِيٌّ أنا أُكْرِي إبِلِي، وأنا أُرِيدُ الحَجَّ أفَيَجْزِينِي ؟ قالَ: ”لا، ولا كَرامَةَ“ . وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكِتابِ والإجْماعِ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ الجِدالِ، والتِّجارَةُ قَدْ تُفْضِي إلى المُنازَعَةِ، ناسَبَ أنْ يُتَوَقَّفَ فِيها: لِأنَّ ما أفْضى إلى المَنهِيِّ عَنْهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، أوْ لِأنَّ التِّجارَةَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وقْتَ الحَجِّ، إذْ مَن يَشْتَغِلُ بِالعِبادَةِ يُناسِبُهُ أنْ لا يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِالأكْسابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا صارَ كَثِيرٌ مِنَ المُباحاتِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الحَجِّ، كانُوا بِصَدَدِ أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَهم، فَأباحَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأخْبَرَهم أنَّهُ لا دَرَكَ عَلَيْهِمْ فِيهِ في أيّامِ الحَجِّ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: في مَواسِمِ الحَجِّ. وحَمَلَ أبُو مُسْلِمٍ الآيَةَ عَلى أنَّهُ فِيما بَعْدَ الحَجِّ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فَقاسَ الحَجَّ عَلى الصَّلاةِ، وضَعُفَ قَوْلُهُ بِدُخُولِ الفاءِ في ”﴿فَإذا قَضَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]“، وهَذا فُصِّلَ بَعْدَ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما قَبْلَ الإفاضَةِ وقَعَ في زَمانِ الحَجِّ. ولِأنَّ مَحَلَّ شُبْهَةِ الِامْتِناعِ هو التِّجارَةُ في زَمانِ الحَجِّ، لا بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ حِلَّ التِّجارَةِ إذْ ذاكَ، فَحَمْلُهُ عَلى مَحَلِّ الشُّبْهَةِ أوْلى، ولِأنَّ قِياسَ الحَجِّ عَلى الصَّلاةِ قِياسٌ فاسِدٌ: لِاتِّصالِ أعْمالِ الصَّلاةِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وافْتِراقِ أعْمالِ الحَجِّ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، فَفي خِلالِها يَبْقى الحَجُّ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ: حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حاجًّا، لا يُقالُ: حُكْمُ الحَجِّ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ في تِلْكَ الأوْقاتِ، بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الطِّيبِ واللُّبْسِ ونَحْوِهِما: لِأنَّهُ قِياسٌ في مُقابَلَةِ النَّصِّ، فَهو ساقِطٌ ونُسِبَ إلَيْهِ. فإنَّ الفَضْلَ هُنا هو ما يَعْمَلُ الإنْسانُ مِمّا يَرْجُو بِهِ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ، مِن إعانَةِ ضَعِيفٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وإطْعامِ جائِعٍ، واعْتَرَضَهُ القاضِي بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ واجِبَةٌ …

Al-Baqara 2:198Listen in Qur'an →
199

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، صَحَّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، رَجَعُوا إلى عَرَفاتٍ، وفي (الجامِعِ) لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن عَلى دِينِها، وهُمُ الحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ نَحْنُ قَطِينُ اللَّهِ، وكانَ مَن سِواهم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ . قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَرَجْتُ في طَلَبِ بَعِيرٍ بِعَرَفَةَ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا بِعَرَفَةَ مَعَ النّاسِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، فَقُلْتُ: واللَّهِ إنَّ هَذا مِنَ الحُمْسِ، فَما شَأْنُهُ واقِفًا هاهُنا مَعَ النّاسِ ؟» وكانَ وُقُوفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إلْهامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقًا إلى ما هو شَرْعُ اللَّهِ ومُرادُهُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ ابْتَدَعَتْ أشْياءَ لا يَأْقِطُونَ الأقِطَ، ولا يَسْلَئُونَ السَّمْنَ وهم مُحْرِمُونَ، ولا يَدْخُلُونَ بَيْتًا مِن شَعَرٍ، ولا يَسْتَظِلُّونَ إلّا في بُيُوتِ الأدَمِ، ولا يَأْكُلُونَ حَتّى يَخْرُجُوا إلى الحِلِّ وهم حَرُمٌ، ولا يَطُوفُ القادِمُ إلى البَيْتِ إلّا في ثِيابِ الحُمْسِ، ومَن لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ طافَ عُرْيانًا، فَإنْ طافَ بِثِيابِهِ ألْقاها فَلا يَأْخُذُها أبَدًا، لا هو ولا غَيْرُهُ، وتُسَمِّي العَرَبُ تِلْكَ الثِّيابَ اللَّقِيَّ، وسَمَحُوا لِلْمَرْأةِ أنْ تَطُوفَ وعَلَيْها دِرْعُها، وكانَتْ قَبْلُ تَطُوفُ عُرْيانَةً وعَلى فَرْجِها نِسْعَةٌ، حَتّى قالَتِ امْرَأةٌ مِنهم:

؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، وأنْزَلَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، أباحَ لَهم ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، ومِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ واللِّباسِ، فَعَلى هَذا الَّذِي نُقِلَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ، فَيَكُونُ المُخاطَبُونَ بِالإفاضَةِ هُنا قُرَيْشًا وحُلَفاءَها، ومَن دانَ بِدِينِها، وهُمُ الحُمْسُ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِها. والإفاضَةُ المَأْمُورُ بِها هي مِن عَرَفاتٍ، إلّا أنَّ ”ثُمَّ“ عَلى هَذا، تَخْرُجُ عَنْ أصْلِ مَوْضُوعِها العَرَبِيِّ مِن أنَّها تَقْتَضِي التَّراخِيَ في زَمانِ الفِعْلِ السّابِقِ، وقَدْ قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾، الإفاضَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ، وأُمِرُوا بِالذِّكْرِ إذا أفاضُوا، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ بِـ ”ثُمَّ“ الَّتِي تَقْتَضِي التَّراخِيَ لالافِي الزَّمانِ ؟ وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِوُجُوهٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّرْتِيبِ الَّذِي في الذِّكْرِ، لا مِنَ التَّرْتِيبِ في الزَّمانِ الواقِعِ فِيهِ الأفْعالُ، وحَسَّنَ هَذا أنَّ الإفاضَةَ السّابِقَةَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِها، إنَّما كانَ المَأْمُورُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ إذا فُعِلَتْ، والأمْرُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ فِعْلِها لا يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِها، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: إذا ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ ؟ فَلا يَكُونُ زَيْدٌ مَأْمُورًا بِالضَّرْبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ لْتَكُنْ تِلْكَ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ كَما تَفْعَلُهُ الحُمْسُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ”ثُمَّ“ هُنا بِمَعْنى الواوِ، لا تَدُلُّ عَلى …

Al-Baqara 2:199Listen in Qur'an →
200

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ

And when you have completed your rites, remember Allah like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، قالُوا: بَيَّنَ تَعالى حالَ الذّاكِرِينَ لَهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وحالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وعِلْمَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المَناسِكِ، وأنَّهم يَنْقَسِمُونَ في السُّؤالِ إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا يَدْعُو إلّا بِها، ومِنهم مَن يَدْعُو بِصَلاحِ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ هَذا مِنَ الِالتِفاتِ. ولَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَكانَ فَمِنكم مَن يَقُولُ: ومِنكم. وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهم ما وجَّهُوا بِهَذا الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَسْلُكَهُ عاقِلٌ، وهو الِاقْتِصارُ عَلى الدُّنْيا، فَأُبْرِزُوا في صُورَةِ أنَّهم غَيْرُ المُخاطَبِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ بِأنْ جُعِلُوا في صُورَةِ الغائِبِينَ، وهَذا مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ ضُرُوبِ البَيانِ، وهو تَقْسِيمٌ بَدِيعٌ يَحْصُرُهُ المُقَسِّمُ إلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، لا عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةَ مِن أنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثالِثًا لَمْ يَذْكُرْ لَهم تَعالى، قالُوا: وهُمُ الرّاضُونَ بِقَضائِهِ، المُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِهِ، السّاكِتُونَ عَنْ كُلِّ دُعاءٍ، وافْتِشاءٍ، ومَفْعُولُ ”آتِنا“ الثّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ، أوْ مَطْلُوبَنا، أوْ ما أشْبَهَ. هَذا وجَعْلُ ”في“ زائِدَةً، وتَكُونُ الدُّنْيا المَفْعُولَ الثّانِيَ قَوْلٌ ساقِطٌ، وكَذَلِكَ جَعْلُ ”في“ بِمَعْنى: مِن، حَتّى يَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وحَذْفُ مَفْعُولَيْ آتى وأحَدِهِما جائِزٌ اخْتِصارًا واقْتِصارًا: لِأنَّ هَذا بابُ أعْطى، وذَلِكَ جائِزٌ فِيهِ.

﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ هُنا مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: الإخْبارُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ لِاقْتِصارِهِ عَلى الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إخْبارًا عَنِ الدّاعِي بِأنَّهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن طَلَبِ نَصِيبٍ، فَيَكُونُ هَذا كالتَّوْكِيدِ لِاقْتِصارِهِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ مَن، لَكانَ: رَبِّ آتِنِي. ورُوعِيَ الجَمْعُ هُنا لِكَثْرَةِ مَن يَرْغَبُ في الِاقْتِصارِ عَلى مَطالِبِ الدُّنْيا ونَيْلِها، ولَوْ أفْرَدَ لَتُوُهِّمَ أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ مُطْلَقَةٌ، والمَعْنى: أنَّهم سَألُوا اللَّهَ في الدُّنْيا الحالَةَ الحَسَنَةَ، وقَدْ مَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِأنَّها المَرْأةُ الصّالِحَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ. أوِ العافِيَةُ في الصِّحَّةِ وكَفافُ المالِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوِ العِلْمُ، أوِ العِبادَةُ، قالَهُ الحَسَنُ. أوِ المالُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ الرِّزْقُ الواسِعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ النِّعْمَةُ في الدُّنْيا، قالَهُ: ابْنُ قُتَيْبَةَ. أوِ القَناعَةُ بِالرِّزْقِ، أوِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أوِ الأوْلادُ الأبْرارُ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، أوْ حَلاوَةُ الطّاعَةِ، أوِ اتِّباعُ السُّنَّةِ، أوْ ثَناءُ الخَلْقِ، أوِ الصِّحَّةُ والأمْنُ والكَفاءَةُ والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، أوِ الفَهْمُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. أوْ صُحْبَةُ الصّالِحِينَ، قالَهُ جَعْفَرٌ. وعَنِ الصُّوفِيَّةِ في ذَلِكَ مُثُلٌ كَثِيرَةٌ.

﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، مَثَّلُوا حَسَنَةَ الآخِرَةِ بِأنَّها الجَنَّةُ، أوِ العَفْوُ والمَغْفِرَةُ …

Al-Baqara 2:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.