Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الوَصِيَّةِ بِمَعْنى الإيصاءِ، أيْ: فَمَن بَدَّلَ الإيصاءَ عَنْ وجْهِهِ إنْ كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ، مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ بَعْدَ ما سَمِعَهُ سَماعَ تَحَقُّقٍ وتَثَبُّتٍ، وعَوْدُهُ عَلى الإيصاءِ أوْلى مِن عَوْدِهِ عَلى الوَصِيَّةِ: لِأنَّ تَأْنِيثَ الوَصِيَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ: لِأنَّ ذَلِكَ لا يُراعى في الضَّمائِرِ المُتَأخِّرَةِ عَنِ المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ، بَلْ يَسْتَوِي المُؤَنَّثُ الحَقِيقِيُّ والمَجازِيُّ في ذَلِكَ، تَقُولُ: هِنْدٌ خَرَجَتْ، والشَّمْسُ طَلَعَتْ، ولا يَجُوزُ طَلَعَ إلّا في الشِّعْرِ، والتَّذْكِيرُ عَلى مُراعاةِ المَعْنى وارِدٌ في لِسانِهِمْ، ومِنهُ:

؎كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ

ذَهَبَ إلى مَعْنى القَضِيبِ، كَأنَّهُ قالَ: كَقَضِيبِ البانَةِ، ومِنهُ في العَكْسِ: جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَمِعَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإيصاءِ كَما شَرَحْناهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

وقِيلَ: الهاءُ، في: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ عائِدَةٌ إلى الفَرْضِ والحُكْمِ، والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ الأمْرَ المُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومَن: الظّاهِرُ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾، وتَكُونُ: ”مَن“، عامَّةً في كُلِّ مُبَدِّلٍ: مَن رَضِيَ بِغَيْرِ الوَصِيَّةِ في كِتابَةٍ، أوْ قِسْمَةِ حُقُوقٍ، أوْ شاهِدٍ بِغَيْرِ شَهادَةٍ، أوْ يَكْتُمُها، أوْ غَيْرِهِما مِمَّنْ يَمْنَعُ حُصُولَ المالِ ووُصُولَهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ”مَن“ مُتَوَلِّي الإيصاءِ دُونَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، فَإنَّهُ هو الَّذِي بِيَدِهِ العَدْلُ والجَنَفُ والتَّبْدِيلُ والإمْضاءُ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ ”مَن“: هو المُوصِي، نُهِيَ عَنْ تَغْيِيرِ وصِيَّتِهِ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنِ الوَصِيَّةِ إلَيْها: لِأنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَها إلى الأجانِبِ، فَأُمِرُوا بِصَرْفِها إلى الأقْرَبِينَ. ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ عائِدًا عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى في الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإثْمَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ، وكَنّى بِالسَّماعِ عَنِ العِلْمِ: لِأنَّهُ طَرِيقُ حُصُولِهِ.

﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ . الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الإيصاءِ المُبَدَّلِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”بَدَّلَهُ“، أيْ: فَإنَّما إثْمُ التَّبْدِيلِ عَلى المُبَدِّلِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا، فَإنَّما وبالُهُ عَلَيْهِ خاصَّةً، فَإنْ قَصَّرَ الوَصِيُّ في شَيْءٍ مِمّا أوْصى بِهِ المَيِّتُ، لَمْ يَلْحَقِ المَيِّتَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وراعى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ اللَّفْظِ الأوَّلِ لَكانَ ”﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾“ أوْ فَإنَّما إثْمُهُ عَلَيْهِ عَلى الَّذِي يُبَدِّلُهُ، وأتى في جُمْلَةِ الجَوابِ بِالظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ لِيُشْعِرَ بِعِلْيَةِ - الإثْمِ الحاصِلِ - وهو التَّبْدِيلُ، وأتى بِصِلَةِ ”الَّذِينَ“ مُسْتَقْبَلَةً جَرْيًا عَلى الأصْلِ، إذْ هُوَ مُسْتَقْبَلٌ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى شَيْءٌ، فَهو يُجازِيهِمْ عَلى تَبْدِيلِهِمْ شَرَّ الجَزاءِ، وقِيلَ: سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ المُوصى، وقِيلَ: سَمِيعٌ لِوَصاياهُ، عَلِيمٌ بِنِيّاتِهِ. والظّاهِرُ …

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الخَوْفَ هو الخَشْيَةُ هُنا، جَرْيًا عَلى أصْلِ اللُّغَةِ في الخَوْفِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بِتَوَقُّعِ الجَنَفِ أوِ الإثْمِ مِنَ المُوصِي. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مَن خَشِيَ أنْ يَجْنَفَ المُوصِي، ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أوْ يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فَوَعَظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ، فَصَلُحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الأذِيَّةِ رَحِيمٌ ) بِهِ. وقِيلَ: يُرادُ بِالخَوْفِ هُنا العِلْمُ، أيْ: فَمَن عَلِمَ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وقَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ:

؎أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها

والعُلْقَةُ بَيْنَ الخَوْفِ والعِلْمِ حَتّى أُطْلِقَ عَلى العِلْمِ الخَوْفُ، وأنَّ الإنْسانَ لا يَخافُ شَيْئًا حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ مِمّا يُخافُ مِنهُ، فَهو مِن بابِ التَّعْبِيرِ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، وقالَ في المُنْتَخَبِ: الخَوْفُ والخَشْيَةُ يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ عِبارَةٌ عَنْ حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِن ظَنٍّ مَخْصُوصٍ، وبَيْنَ الظَّنِّ والعِلْمِ مُشابَهَةٌ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلى الخَوْفِ بِمَعْنى العِلْمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ أيْ: عَلِمَ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِيَ حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِّقاقِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَلْحَقُهُ إثْمُ التَّبْدِيلِ المَذْكُورِ قَبْلُ، وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلُها، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَّبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى. وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ.

وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ بِما يَرْجِعُ بَعْضُهُ عَلى ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: هو أنْ يُوصِيَ لِلْأجانِبِ ويَتْرُكَ الأقارِبَ، فَيَرُدَّ إلى الأقارِبِ، قالَ: وهَذا هو الإصْلاحُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ بِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرٍ ماضٍ واقِعٍ، وأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ، فَإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ باقِيَةً أمَرَ المُوصِي بِإصْلاحِها، ورَدَّ مِنَ الجَنَفِ إلى النَّصَفِ، وإنْ كانَتْ ماضِيَةً أصْلَحَها المُوصى إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وقِيلَ: هو أنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ ابْنَتِهِ، يَقْصِدُ بِها نَفْعَ ابْنَتِهُ، وهَذا راجِعٌ إلى قَوْلِ طاوُسٍ المُتَقَدِّمِ. وإذا فَسَّرْنا الخَوْفَ بِالخَشْيَةِ، فالخَوْفُ إنَّما يَصِحُّ في أمْرٍ مُرْتَبِطٍ والوَصِيَّةُ قَدْ وقَعَتْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَعْلِيقُها بِالخَوْفِ ؟ والجَوابُ: أنَّ المُصْلِحَ إذا شاهَدَ المُوصِيَ يُوصِي، فَظَهَرَتْ مِنهُ أماراتُ …

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] .

الصِّيامُ والصَّوْمُ مَصْدَرانِ لِـ (صامَ)، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مُمْسِكٍ صائِمًا، ومِنهُ الصَّوْمُ في الكَلامِ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، أيْ: سُكُوتًا في الكَلامِ، وصامَتِ الرِّيحُ: أمْسَكَتْ عَنِ الهُبُوبِ، والدّابَّةُ: أمْسَكَتْ عَنِ الأكْلِ والجَرْيِ، وقالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ:

؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ، وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما

أيْ: مُمْسِكَةٌ عَنِ الجَرْيِ. وتُسَمّى الدّابَّةُ الَّتِي لا تَدُورُ: الصّائِمَةَ، قالَ الرّاجِزُ:

؎والبَكَراتُ شَرُّهُنَّ الصّائِمَهْ

وقالُوا: صامَ النَّهارُ: ثَبَتَ حَرُّهُ في وقْتِ الظَّهِيرَةِ واشْتَدَّ، وقالَ:

؎ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا

وقالَ:

؎حَتّى إذا صامَ النَّهارُ واعْتَدَلْ ∗∗∗ ومالَ لِلشَّمْسِ لُعابٌ فَنَزَلْ

ومَصامُ النُّجُومِ، إمْساكُها عَنِ السَيْرِ ومِنهُ:

؎كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها

فَهَذا مَدْلُولُ الصَّوْمِ مِنَ اللُّغَةِ. وأمّا الحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَهو: إمْساكٌ عَنْ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ ويُبَيَّنُ في الفِقْهِ.

الطّاقَةُ، والطَّوْقُ: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ، ويُقالُ: طاقَ وأطاقَ كَذا، أيِ: اسْتَطاعَهُ وقَدَرَ عَلَيْهِ، قالَ أبُو ذِئْبٍ:

؎فَقُلْتُ لَهُ احْمِلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها ∗∗∗ مُطَبَّعَةٌ مَن يَأْتِها لا يَضِيرُها

الشَّهْرُ مَصْدَرُ شَهَرَ الشَّيْءَ يَشْهَرُهُ: أظْهَرَهُ ومِنهُ الشُّهْرَةُ، وبِهِ سُمِّيَ الشَّهْرُ، وهو: المُدَّةُ الزَّمانِيَّةُ الَّتِي يَكُونُ مَبْدَأُ الهِلالِ فِيها خافِيًا إلى أنْ يَسْتَسِرَّ، ثُمَّ يَطْلُعُ خافِيًا. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ في حاجَةِ النّاسِ إلَيْهِ في المُعامَلاتِ وغَيْرِها مِن أُمُورِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: الشَّهْرُ الهِلالُ. قالَ: …

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ إنْ كانَ ما فُرِضَ صَوْمُهُ هُنا هو رَمَضانُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ أيّامًا مَعْدُوداتٍ عُنِيَ بِهِ رَمَضانُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، ووَصَفَها بِقَوْلِهِ - مَعْدُوداتٍ - تَسْهِيلًا عَلى المُكَلَّفِ بِأنَّ هَذِهِ الأيّامَ يَحْصُرُها العَدُّ لَيْسَتْ بِالكَثِيرَةِ الَّتِي تَفُوتُ العَدَّ، ولِهَذا وقَعَ الِاسْتِعْمالُ بِالمَعْدُودِ كِنايَةً عَلى القَلائِلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] . وإنْ كانَ ما فُرِضَ صَوْمُهُ هو ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وقِيلَ: هَذِهِ الثَّلاثَةُ ويَوْمُ عاشُوراءَ، كَما كانَ ذَلِكَ مَفْرُوضًا عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ عَنى بِها هَذِهِ الأيّامَ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: هي الأيّامُ البِيضُ، وقِيلَ: هي الثّانِي عَشَرَ، والثّالِثَ عَشَرَ، والرّابِعَ عَشَرَ، وقِيلَ: الثّالِثَ عَشَرَ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ: «إنَّ البِيضَ هي الثّالِثَ عَشَرَ ويَوْمانِ بَعْدَهُ» فَإنْ صَحَّ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. ورَوى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ واجِبًا، وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ، فَصامُوا كَذَلِكَ في سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما نُسِخَ بَعْدَ الهِجْرَةِ أمْرُ القِبْلَةِ والصَّوْمُ، ويُقالُ: نَزَلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وأيّامٍ، وقِيلَ: كانَ صَوْمُ تِلْكَ الأيّامِ تَطَوُّعًا، ثُمَّ فُرِضَ، ثُمَّ نُسِخَ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيُّ في (رِيِّ الظَّمْآنِ): احْتَجَّ مَن قالَ أنَّها غَيْرُ رَمَضانَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «صَوْمُ رَمَضانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ»، فَدَلَّ عَلى أنَّ صَوْمًا آخَرَ كانَ قَبْلَهُ، ولِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المَرِيضَ والمُسافِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَهُما في الآيَةِ الآتِيَةِ بَعْدَهُ، فَإنْ كانَ هَذا الصَّوْمُ هو صَوْمَ رَمَضانَ لَكانَ هَذا تَكْرِيرًا: ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فِدْيَةٌ) يَدُلُّ عَلى التَّخْيِيرِ، وصَوْمُ رَمَضانَ واجِبٌ عَلى التَّعْيِينِ، فَكانَ غَيْرَهُ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأيّامِ شَهْرُ رَمَضانَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] يَحْتَمِلُ يَوْمًا ويَوْمَيْنِ وأكْثَرَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وإذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى رَمَضانَ فَلا وجْهَ لِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإثْباتِ النَّسْخِ: وأمّا الخَبَرُ فَيُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَسْخِ كُلِّ صَوْمٍ وجَبَ في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ، أوْ يَكُونَ ناسِخًا لِصِيامٍ وجَبَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِنَ التَّكْرارِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِبَيانِ إفْطارِ المُسافِرِ والمَرِيضِ في رَمَضانَ في الحُكْمِ، بِخِلافِ التَّخْيِيرِ في المُقِيمِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما القَضاءُ، فَلَمّا نُسِخَ عَنِ المُقِيمِ الصَّحِيحِ وأُلْزِمَ الصَّوْمَ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ نَظُنَّ أنَّ حُكْمَ الصَّوْمِ، لَمّا انْتَقَلَ إلى التَّخْيِيرِ عَنِ التَّضْيِيقِ، يَعُمُّ الكُلَّ حَتّى يَكُونَ المَرِيضُ والمُسافِرُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ المُقِيمِ مِن حَيْثُ تَغَيُّرُ الحُكْمِ في الصَّوْمِ، لِذا بَيَّنَ أنَّ حالَ المَرِيضِ والمُسافِرِ في رُخْصَةِ الإفْطارِ ووُجُوبِ القَضاءِ …

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ”شَهْرُ“، وقَرَأهُ بِالنَّصْبِ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وهارُونُ الأعْوَرُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبُو عُمارَةَ، عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ. وإعْرابُ ”شَهْرُ“ يَتَبَيَّنُ عَلى المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فَإنْ كانَ المُرادُ بِها غَيْرُ أيّامِ رَمَضانَ فَيَكُونُ رَفْعُ ”شَهْرُ“ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، ويَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقْدِمَةً لِفَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ بِذِكْرِ فَضِيلَتِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا الشَّهْرَ هو الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، هو الَّذِي يُفْرَضُ عَلَيْكم صَوْمُهُ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِي أُنْزِلَ، صِفَةً، إمّا لِلشَّهْرِ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا، وإمّا لِرَمَضانَ فَيَكُونُ مَجْرُورًا. وخَبَرُ المُبْتَدَأِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، وتَكُونُ الفاءُ في - فَمَن - زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ، ولا تَكُونُ هي الدّاخِلَةَ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ إذا كانَ مِنها لِلشَّرْطِ: لِأنَّ ”شَهْرُ رَمَضانَ“ لا يُشْبِهُ الشَّرْطَ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً، بَلْ دَخَلَتْ هُنا كَما دَخَلَتْ في خَبَرِ الَّذِي، ومِثْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، وهَذا الَّذِي قالُوهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّ الَّذِي صِفَةٌ لِعَلَمٍ، أوْ لِمُضافٍ لِعَلَمٍ، فَلَيْسَ يُتَخَيَّلُ فِيهِ شَيْءٌ ما مِنَ العُمُومِ، ولِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي هو ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ لَفْظًا ومَعْنًى، فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ [الجمعة: ٨]: لِأنَّ المَوْتَ هُنا لَيْسَ مُعَيَّنًا، بَلْ فِيهِ عُمُومٌ. وصِلَةُ الَّذِي مُسْتَقْبَلَةٌ، وهي - تَفِرُّونَ - وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ هي الخَبَرُ، يَكُونُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ، أيْ: فَمَن شَهِدَهُ مِنكم فَلْيَصُمْهُ، فَأقامَ لَفْظَ المُبْتَدَأِ مَقامَ الضَّمِيرِ، وحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ كَما في قَوْلِهِ:

؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ

وذَلِكَ لِتَفْخِيمِهِ وتَعْظِيمِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيّامُ رَمَضانَ، فَجَوَّزُوا في إعْرابِ ”شَهْرُ“ وجْهَيْنِ. (أحَدُهُما): أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو شَهْرُ رَمَضانَ، أيِ: المَكْتُوبُ شَهْرُ رَمَضانَ، قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدَّرَهُ الفَرّاءُ: ”ذَلِكم شَهْرُ“ وهو قَرِيبٌ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ”الصِّيامُ“ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم شَهْرُ رَمَضانَ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وفِيهِ بُعْدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والثّانِي: أنَّهُ لا يَكُونُ إذْ ذاكَ إلّا مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لا وهو عَكْسُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ: لِأنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ في الغالِبِ يَكُونُ بِالمَصادِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقَوْلِ الأعْشى:

؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتَهُ ∗∗∗ تَقَضّى لُباناتٍ ويَسْأمُ سائِمُ

وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ بِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ هَذا التَّرْكِيبُ: كُتِبَ عَلَيْكم شَهْرُ رَمَضانَ صِيامُهُ، لَكانَ البَدَلُ إذْ ذاكَ صَحِيحًا وعُكِسَ، ويُمْكِنُ تَوْجِيهُ قَوْلِ الكِسائِيِّ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَيَكُونَ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ فِيما قالَ الحَسَنُ: «أنَّ قَوْمًا، قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟» وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالَ قَوْمٌ: في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو ؟ فَنَزَلَ ﴿وإذا سَألَكَ﴾ . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] طَلَبَ تَكْبِيرِهِ وشُكْرِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ذِكْرِ مَن ذَكَرَهُ وشُكْرِ مَن شَكَرَهُ، يَسْمَعُ نِداءَهُ ويُجِيبُ دُعاءَهُ أوْ رَغَباتَهُ، تَنْبِيهًا عَلى أنْ يَكُونَ ولا بُدَّ مَسْبُوقًا بِالثَّناءِ الجَمِيلِ. والكافُ في: سَألَكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في اللَّفْظِ لَكِنْ في قَوْلِهِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ أيْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”أُنْزِلَ عَلَيْكَ فِيهِ القُرْآنُ، فَجاءَ هَذا الخِطابُ مُناسِبًا لِهَذا المَحْذُوفِ“ . و”عِبادِي“، ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ: إمّا اليَهُودُ وإمّا المُؤْمِنُونَ عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، وأمّا عِبادِي، و”عَنِّي“، فالضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ: لِأنَّهُ سَبَقَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ، فَهو خُرُوجٌ مِن غائِبٍ إلى مُتَكَلِّمٍ، و”عَنِّي“ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا عَنْ ذاتِهِ: لِأنَّ الجَوابَ وقَعَ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾“، والقُرْبُ المَنسُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قُرْبًا بِالمَكانِ، وإنَّما القُرْبُ هُنا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِدُعائِهِ، مُسْرِعًا في إنْجاحِ طَلَبَةِ مَن سَألَهُ، فَمَثَّلَ حالَةَ تَسْهِيلِهِ ذَلِكَ بِحالَةِ مَن قَرُبَ مَكانُهُ مِمَّنْ يَدْعُوهُ، فَإنَّهُ لِقُرْبِ المَسافَةِ يُجِيبُ دُعاءَهُ، ونَظِيرُ هَذا القُرْبِ هُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «هو بَيْنَكم وبَيْنَ أعْناقِ رَواحِلِكم» . والفاءُ في قَوْلِهِ ”﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾“ جَوابُ ”إذا“، وثَمَّ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ: لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ القُرْبُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ الإخْبارُ عَنِ القُرْبِ.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ أُجِيبُ: إمّا صِفَةٌ لِـ ”قَرِيبٌ“، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ورُوعِيَ الضَّمِيرُ في ”فَإنِّي“ فَلِذَلِكَ جاءَ أُجِيبُ، ولَمْ يُراعَ الخَبَرُ فَيَجِيءُ ”يُجِيبُ“ عَلى طَرِيقَةِ الإسْنادِ لِلْغائِبِ طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ: أشْهَرُهُما مُراعاةُ السّابِقِ مِن تَكَلُّمٍ أوْ خِطابٍ كَهَذا، وكَقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] . وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً

والطَّرِيقُ الثّانِي: مُراعاةُ الخَبَرِ كَقَوْلِكَ: أنا رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ امْرُؤٌ يُرِيدُ الخَيْرَ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مُتَّسِعٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها في كِتابِنا المُسَمّى بِـ (مَنهَجِ السّالِكِ) . والعامِلُ في إذا قَوْلُهُ ”أُجِيبُ“ ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ لَمّا نَزَلَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾، وقالَ المُشْرِكُونَ: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَلى قَوْلِكَ سَبْعُ سَمَواتٍ في غِلَظٍ، سُمْكُ كُلِّ سَماءٍ …

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ البَراءِ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كُلِّهِ، وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أمْسى حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلِّيَ العِشاءَ الآخِرَةَ أوْ يَرْقُدَ، فَإذا صَلّاها أوْ رَقَدَ ولَمْ يُفْطِرْ حَرُمَ عَلَيْهِ ما حَلَّ لَهُ قَبْلُ إلى القابِلَةِ، وأنَّ عُمَرَ، وكَعْبًا الأنْصارِيَّ، وجَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ واقَعُوا أهْلَهم بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ، وأنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأنْصارِيَّ نامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ، وأصْبَحَ صائِمًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في زَلَّةٍ بَدَرَتْ، فَجُعِلَ ذَلِكَ سَبَبَ رُخْصَةٍ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا مِن إحْكامِ العِنايَةِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِنَ الآياتِ أنَّها مِن تَمامِ الأحْوالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلصّائِمِ، ولَمّا كانَ افْتِتاحُ آياتِ الصَّوْمِ بِأنَّهُ: كُتِبَ عَلَيْنا كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، اقْتَضى عُمُومَ التَّشْبِيهِ في الكِتابَةِ، وفي العَدَدِ، وفي الشَّرائِطِ، وسائِرِ تَكالِيفِ الصَّوْمِ. وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ أُمِرُوا بِتَرْكِ الأكْلِ بِالحِلِّ، والشُّرْبِ والجِماعِ في صِيامِهِمْ بَعْدَ أنْ يَنامُوا، وقِيلَ: بَعْدَ العِشاءِ، وكانَ المُسْلِمُونَ كَذَلِكَ، فَلَمّا جَرى لِعُمَرَ وقَيْسٍ ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ، أباحَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ: لُطْفًا بِهِمْ. وناسَبَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ آيَةِ الصَّوْمِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهَذا مِنَ التَّيْسِيرِ.

وقَوْلُهُ ”أُحِلَّ“ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ حَرامًا قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ذَلِكَ في سَبَبِ النُّزُولِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَرامًا في جَمِيعِ اللَّيْلَةِ، ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ كانَ حَلالًا لَهم إلى وقْتِ النَّوْمِ أوْ إلى بَعْدِ العِشاءِ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أُحِلَّ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقُرِئَ ”أحَلَّ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونُصِبَ ”الرَّفَثَ“ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإضْمارِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ مَعْلُومٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ الَّذِي يُحِلُّ ويُحَرِّمُ هو اللَّهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وهو الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ: لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] و”لَكم“ مُتَعَلِّقٌ بِأحَلَّ، وهو التِفاتٌ: لِأنَّ قَبْلَهُ ضَمِيرُ غائِبٍ، وانْتِصابُ ”لَيْلَةَ“ عَلى الظَّرْفِ، ولا يُرادُ بِـ ”لَيْلَةَ“ الوَحْدَةُ بَلِ الجِنْسُ، قالُوا: والنّاصِبُ لِهَذا الظَّرْفِ ”أحَلَّ“ ولَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّ ”لَيْلَةَ“ لَيْسَ بِظَرْفٍ لِأحَلَّ، إنَّما هو مِن حَيْثُ المَعْنى ظَرْفٌ لِلرَّفَثِ، وإنْ كانَتْ صِناعَةُ النَّحْوِ تَأْبى أنْ تَكُونَ انْتِصابُ ”لَيْلَةَ“ بِالرَّفَثِ: لِأنَّ الرَّفَثَ مَصْدَرٌ وهو مَوْصُولٌ هُنا، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ، لَكِنْ يُقَدَّرُ لَهُ ناصِبٌ، وتَقْدِيرُهُ: الرَّفَثَ لَيْلَةَ الصِّيامِ، فَحُذِفَ، وجُعِلَ المَذْكُورُ مَبْنِيًّا لَهُ كَما قالُوا في قَوْلِهِ:

؎وبَعْضُ الحِلْمِ عِنْدَ الجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعانُ

إنَّ تَقْدِيرَهُ: إذْعانٌ لِلذِّلَّةِ إذْعانٌ، وكَما خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ، وفي عِدّانَ بْنِ أشْوَعَ الحَضْرَمِيِّ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أرْضٍ، وكانَ امْرُؤُ القَيْسِ المَطْلُوبَ، وعِدّانُ الطّالِبَ، فَأرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ، فَحَكَّمَ عِدّانَ في أرْضِهِ ولَمْ يُخاصِمْهُ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى بِالصِّيامِ، فَحَبَسَ نَفْسَهُ عَمّا تَعَوَّدَهُ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والمُباشَرَةِ بِالنَّهارِ، ثُمَّ حَبَسَ نَفْسَهُ بِالتَّقْيِيدِ في مَكانٍ تَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى صائِمًا لَهُ، مَمْنُوعًا مِنَ اللَّذَّةِ الكُبْرى بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، جَدِيرٌ أنْ لا يَكُونَ مَطْعَمُهُ ومَشْرَبُهُ إلّا مِنَ الحَلالِ الخالِصِ الَّذِي يُنَوِّرُ القَلْبَ، ويَزِيدُهُ بَصِيرَةً، ويُفْضِي بِهِ إلى الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أكْلِ الحَرامِ المُفْضِي بِهِ إلى عَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِ مِن صِيامِهِ واعْتِكافِهِ، وتَخَلَّلَ أيْضًا بَيْنَ آياتِ الصِّيامِ آيَةُ إجابَةِ سُؤالِ الدّاعِي، وسُؤالِ العِبادِ اللَّهَ تَعالى، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّ «مَن كانَ مَطْعَمُهُ حَرامًا، ومَلْبَسُهُ حَرامًا، ومَشْرَبُهُ حَرامًا، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أنّى يُسْتَجابُ لَهُ» . فَناسَبَ أيْضًا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ الحَرامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُناسَبَةُ: أنَّهُ لَمّا أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمَ، كَما أوْجَبَهُ عَلى مَن كانَ مِن قَبْلِهِمْ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَهم، فَأحَلَّ لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ والجِماعَ في لَيالِي الصَّوْمِ، أمَرَهم أنْ لا يُوافِقُوهم في أكْلِ الرِّشاءِ مِن مُلُوكِهِمْ وسَفَلَتِهِمْ وما يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الرِّبا، وما يَسْتَبِيحُونَهُ مِنَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِيهِمْ قَوْلًا وفِعْلًا، وصَوْمًا وفِطْرًا، وكَسْبًا، واعْتِقادًا، ولِذَلِكَ ورَدَ لَمّا نُدِبَ إلى السُّحُورِ: «خالِفُوا اليَهُودَ»، وكَذَلِكَ أمَرَهم في الحُيَّضِ مُخالَفَتَهم إذْ عَزَمَ الصَّحابَةُ عَلى اعْتِزالِ الحُيَّضِ، إذْ نَزَلَ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لِاعْتِزالِ اليَهُودِ، بِأنْ لا يُؤاكِلُوهُنَّ، ولا يَنامُوا مَعَهُنَّ في بَيْتٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ» . فَقالَتِ اليَهُودُ: ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ أنْ يَتْرُكَ مِن أمْرِنا شَيْئًا إلّا خالَفَنا فِيهِ.

والمَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿ولا تَأْكُلُوا﴾“ الأكْلُ المَعْرُوفُ: لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ. وذَكَرَهُ دُونَ سائِرِ وُجُوهِ الِاعْتِداءِ والِاسْتِيلاءِ: لِأنَّهُ أهَمُّ الحَوائِجِ، وبِهِ يَقَعُ إتْلافُ أكْثَرِ الأمْوالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأكْلُ هُنا مَجازًا عَبَّرَ بِهِ عَنِ الأخْذِ والِاسْتِيلاءِ، وهَذا الخِطابُ والنَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإضافَةُ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ. والمَعْنى: ولا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، فالضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ يَصِحُّ لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ تَحْتَهُ أنْ يَكُونَ مَنهِيًّا ومَنهِيًّا عَنْهُ، وآكِلًا ومَأْكُولًا مِنهُ، فَخَلَطَ الضَّمِيرَ لِهَذِهِ الصَّلاحِيَّةِ، وكَما يُحَرِّمُ أنْ يُؤْكَلَ يُحَرِّمُ أنْ يَأْكُلَ غَيْرَهُ، فَلَيْسَتِ الإضافَةُ إذْ ذاكَ …

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .

﴿الأهِلَّةِ﴾، جَمْعُ هِلالٍ، وهو مَقِيسٌ في فِعالٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ: عِنانٍ وأعِنَّةٍ، وشَذَّ فِيهِ فُعُلٌ قالُوا: عُنُنٌ في عِنانٍ، وحُجُجٌ في حِجاجٍ.

والهِلالُ، ذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ (شَجَرِ الدُّرِّ) في اللُّغَةِ: أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هِلالِ السَّماءِ، وحَدِيدَةٍ كالهِلالِ بِيَدِ الصّائِدِ يُعَرْقِبُ بِها الحِمارَ الوَحْشِيَّ، وذُؤابَةِ النَّعْلِ، وقِطْعَةٍ مِنَ الغُبارِ، وما أطاقَ مِنَ اللَّحْمِ بِظُفْرِ الأُصْبُعِ، وقِطْعَةٍ مِن رَحًى، وسَلْخِ الحَيَّةِ، ومُقاوَلَةِ الأجِيرِ عَلى الشُّهُورِ، والمُباراةِ في رِقَّةِ النَّسْجِ، والمُباراةِ في التَّهْلِيلِ. وجَمْعِ هَلَّةٍ وهي المُفْرِجَةُ، والثُّعْبانِ، وبَقِيَّةِ الماءِ في الحَوْضِ، انْتَهى ما ذَكَرَهُ مُلَخَّصًا. ويُسَمّى الَّذِي في السَّماءِ هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، وقِيلَ: لِثَلاثٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لِلَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِهِ ولَيْلَتَيْنِ مِن آخِرِهِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ يُسَمّى قَمَرًا. وقالَ الأصْمَعِيُّ: سُمِّيَ هِلالًا إلى أنْ يُحَجَّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَّقِيقِ، وقِيلَ: يُسَمّى بِذَلِكَ إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في سَبْعٍ. قالُوا: وسُمِّيَ هِلالًا لِارْتِفاعِ الأصْواتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، والإهْلالُ بِالحَجِّ، وهو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، أوْ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّهْلِيلِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. وقَدْ يُطْلَقُ الهِلالُ عَلى الشَّهْرِ، كَما يُطْلَقُ الشَّهْرُ عَلى الهِلالِ، ويُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ، واسْتَهَلَّ وأهْلَلْناهُ واسْتَهْلَلْناهُ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ شَمِرٌ: يُقالُ …

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .

﴿الأهِلَّةِ﴾، جَمْعُ هِلالٍ، وهو مَقِيسٌ في فِعالٍ المُضَعَّفِ، نَحْوَ: عِنانٍ وأعِنَّةٍ، وشَذَّ فِيهِ فُعُلٌ قالُوا: عُنُنٌ في عِنانٍ، وحُجُجٌ في حِجاجٍ.

والهِلالُ، ذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ (شَجَرِ الدُّرِّ) في اللُّغَةِ: أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هِلالِ السَّماءِ، وحَدِيدَةٍ كالهِلالِ بِيَدِ الصّائِدِ يُعَرْقِبُ بِها الحِمارَ الوَحْشِيَّ، وذُؤابَةِ النَّعْلِ، وقِطْعَةٍ مِنَ الغُبارِ، وما أطاقَ مِنَ اللَّحْمِ بِظُفْرِ الأُصْبُعِ، وقِطْعَةٍ مِن رَحًى، وسَلْخِ الحَيَّةِ، ومُقاوَلَةِ الأجِيرِ عَلى الشُّهُورِ، والمُباراةِ في رِقَّةِ النَّسْجِ، والمُباراةِ في التَّهْلِيلِ. وجَمْعِ هَلَّةٍ وهي المُفْرِجَةُ، والثُّعْبانِ، وبَقِيَّةِ الماءِ في الحَوْضِ، انْتَهى ما ذَكَرَهُ مُلَخَّصًا. ويُسَمّى الَّذِي في السَّماءِ هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، وقِيلَ: لِثَلاثٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لِلَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِهِ ولَيْلَتَيْنِ مِن آخِرِهِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ يُسَمّى قَمَرًا. وقالَ الأصْمَعِيُّ: سُمِّيَ هِلالًا إلى أنْ يُحَجَّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَّقِيقِ، وقِيلَ: يُسَمّى بِذَلِكَ إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في سَبْعٍ. قالُوا: وسُمِّيَ هِلالًا لِارْتِفاعِ الأصْواتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، والإهْلالُ بِالحَجِّ، وهو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، أوْ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّهْلِيلِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. وقَدْ يُطْلَقُ الهِلالُ عَلى الشَّهْرِ، كَما يُطْلَقُ الشَّهْرُ عَلى الهِلالِ، ويُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ، واسْتَهَلَّ وأهْلَلْناهُ واسْتَهْلَلْناهُ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ شَمِرٌ: يُقالُ …

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.