Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، إذا أُمِرُوا بِاتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوهُ مِنَ اتِّباعِ الباطِلِ الَّذِي نَشَئُوا عَلَيْهِ ووَجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما يُقالُ لَهم، وصَمُّوا عَنْ سَماعِ الحَقِّ، وخَرِسُوا عَنِ النُّطْقِ بِهِ، وعَمُوا عَنْ إبْصارِ النُّورِ السّاطِعِ النَّبَوِيِّ. ذَكَرَ هَذا التَّشْبِيهَ العَجِيبَ في هَذِهِ الآيَةِ مُنَبِّهًا عَلى حالَةِ الكافِرِ في تَقْلِيدِهِ أباهُ ومُحَقِّرًا نَفْسَهُ، إذْ صارَ هو في رُتْبَةِ البَهِيمَةِ، أوْ في رُتْبَةِ داعِيها، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَيَأْتِي في هَذا التَّشْبِيهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ لا بُدَّ في فَهْمِ مَعْناها مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: المَثَلُ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ. ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالمَنعُوقِ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ بِالنّاعِقِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدّاعِي والكافِرِ بِالنّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ. فَعَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ، قِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وعَقْلِهِمْ، كَمَثَلِ الرُّعاةِ يُكَلِّمُونَ البَهْمَ، والبَهْمُ لا تَعْقِلُ شَيْئًا. وقِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم، كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرَ أنَّهُ في عَناءٍ ونِداءٍ، وكَذَلِكَ الكافِرُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ الآلِهَةَ وعِبادَتِهِ الأوْثانَ إلّا العَناءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذا القَوْلُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا. انْتَهى كَلامُهُ. ولَحَظَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ تَمامَ التَّشْبِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَكَما أنَّ المَنعُوقَ بِهِ لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً، فَكَذَلِكَ مَدْعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنَمِ، والصَّنَمُ لا يَسْمَعُ، فَضَعُفَ عِنْدَهُ هَذا القَوْلُ. ونَحْنُ نَقُولُ: التَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَدْعُوِّ، فَشُبِّهَ الكافِرُ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِالنّاعِقِ بِالبَهِيمَةِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَنعُوقِ بِهِ. وقِيلَ في هَذا القَوْلِ، أعْنِي قَوْلَ مَن قالَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم وأصْنامَهم أنَّ النّاعِقَ هُنا لَيْسَ المُرادُ بِهِ النّاعِقَ بِالبَهائِمِ مِنَ الضَّأْنِ أوْ غَيْرِها، وإنَّما المُرادُ بِهِ الصّائِحُ في جَوْفِ الجِبالِ، فَيُجِيبُهُ مِنها صَوْتٌ يُقالُ لَهُ الصَّدا، يُجِيبُهُ ولا يَنْفَعُهُ. فالمَعْنى: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ النّاعِقُ إلّا دُعاءَهُ ونِداءَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ يَكُونُ الفاعِلُ بِيَسْمَعُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما، وهو المَنعُوقُ بِهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الَّذِي يَنْعِقُ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما الرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ شُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِغَيْرِهِ. واخْتَلَفَ ما يَتَعَلَّقانِ بِهِ، فالحَرْفُ الأوَّلُ باءٌ …

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾: لَمّا أباحَ تَعالى لِعِبادِهِ أكْلَ ما في الأرْضِ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وكانَتْ وُجُوهُ الحَلالِ كَثِيرَةً، بَيَّنَ لَهم ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، لِكَوْنِهِ أقَلَّ. فَلَمّا بَيَّنَ ما حَرَّمَ، بَقِيَ ما سِوى ذَلِكَ عَلى التَّحْلِيلِ حَتّى يَرِدَ مَنعٌ آخَرُ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَمّا يَلْبَسُ المُحْرِمُ فَقالَ: «لا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولا السَّراوِيلَ»، فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ المُباحِ إلى ذِكْرِ المَحْظُورِ، لِكَثْرَةِ المُباحِ وقِلَّةِ المَحْظُورِ، وهَذا مِنِ الإيجازِ البَلِيغِ. و”الَّذِينَ آمَنُوا“: جَمْعُ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أهْلُ المَدِينَةِ، فاللَّفْظُ عامٌّ والمُرادُ خاصٌّ. وقِيلَ: هَذا الخِطابُ مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] . ولَمّا كانَ لَفْظُ النّاسِ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ مَيَّزَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا النِّداءِ، تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِمْ. وظاهِرُ ”كُلُوا“: الأمْرُ بِالأكْلِ المَعْهُودِ. وقِيلَ: المُرادُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ونَبَّهَ بِالأكْلِ عَلى وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، إذْ كانَ الأكْلُ أعْظَمَها، إذْ بِهِ تَقُومُ البِنْيَيِّنَةُ. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ إلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ تَعالى ما خَصَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِالمَأْكُولاتِ، بَلْ بِسائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن أكْلٍ وشُرْبٍ ولُبْسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ. قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المُسْتَلَذُّ المُسْتَطابُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُ حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَصارَ هَذا الأمْرُ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ في أنَّ مُتَعَلِّقَةَ المُسْتَلَذَّ الحَلالَ. ”ما رَزَقْناكم“: فِيهِ إسْنادُ الرِّزْقِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ، لِما في الرِّزْقِ مِنَ الِامْتِنانِ والإحْسانِ. وإذا فَسَّرَ الطَّيِّباتِ بِالحَلالِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّ ما رَزَقَهُ اللَّهُ يَنْقَسِمُ إلى حَلالٍ وإلى حَرامٍ، بِخِلافِ ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ، مِن أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرِّزْقِ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. ومَن مَنَعَ أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ حَرامًا قالَ: المُرادُ كُلُوا مِن مُسْتَلَذِّ ما رَزَقْناكم، وهو الحَلالُ، أمَرَ بِذَلِكَ وأباحَهُ تَعالى دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ أنَّ التَّنَوُّعَ في المَطاعِمِ والتَّفَنُّنَ في إطابَتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ المُسْتَلَذِّ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.

﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾: هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى اسْمِ الغائِبِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ الظّاهِرَ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي مِنها وصْفُ الإنْعامِ والزِّرْقِ والشُّكْرِ، لَيْسَ عَلى هَذا الإذْنُ الخاصُّ، بَلْ يَشْكُرُ عَلى سائِرِ الإنْعاماتِ والإامْتِناناتِ الَّتِي مِنها هَذا الِامْتِنانُ الخاصُّ. وجاءَ هُنا تَعْدِيَةُ الشُّكْرِ بِاللّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.

(وتَضَمَّنَتْ) هَذِهِ الآيَةُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: (كُلُوا)، قالُوا: وهو عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ واجِبٌ، ومَعَ الضَّيْفِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، وإذا خَلا عَنِ العَوارِضِ كانَ مُباحًا، وكَذا هو في الآيَةِ. والثّانِي: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، وهو أمْرٌ ولَيْسَ بِإباحَةٍ. قِيلَ: ولا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ، أوْ بِاللِّسانِ، أوْ …

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”حَرَّمَ“ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وما بَعْدَهُ نُصِبَ، فَتَكُونُ ما مُهَيِّئَةً في إنَّما. هَيَّأتْ إنَّ لِوِلايَتِها الجُمْلَةَ الفِعْلِيَّةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِ ”المَيْتَةِ“ وما بَعْدَها، فَتَكُونُ ما مَوْصُولَةً اسْمَ إنَّ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، أيْ إنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ المَيْتَةَ، وما بَعْدَها خَبَرُ إنَّ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”حُرِّمَ“ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَتْ ما وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً اسْمَ إنَّ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في حَرَّمَ. والمَيْتَةُ خَبَرُ إنَّ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مُهَيِّئَةً و”المَيْتَةُ“ مَرْفُوعٌ بِحَرَّمَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: ”إنَّما حَرُمَ“، بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَةً جَعَلَهُ لازِمًا، و”المَيْتَةُ“ وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ. ويُحْتَمَلُ ما الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّهْيِئَةِ والوَصْلِ، و”المَيْتَةُ“ فاعِلُ يَحْرُمُ، إنْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، وخَبَرُ إنَّ، إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: المَيِّتَةُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهو أصْلٌ لِلتَّخْفِيفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّخْفِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، وهُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما الشّاعِرُ في قَوْلِهِ:

؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

قِيلَ: وحَكى أبُو مُعاذٍ عَنِ النَّحْوِيِّينَ الأوَّلِينَ، أنَّ المَيْتَ بِالتَّخْفِيفِ: الَّذِي فارَقَتْهُ الرُّوحُ، والمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ: الَّذِي لَمْ يَمُتْ، بَلْ عايَنَ أسْبابَ المَوْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوْتِ. (ولَمّا أمَرَ تَعالى): بِأكْلِ الحَلالِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فَصَّلَ هُنا أنْواعَ الحَرامِ، وأسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى المَيْتَةِ. والظّاهِرُ أنَّ المَحْذُوفَ هو الأكْلُ؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ لا يَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ، ولِأنَّ السّابِقَ المُباحَ هو الأكْلُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] . فالمَمْنُوعُ هُنا هو الأكْلُ، وهَكَذا حَذْفُ المُضافِ يُقَدَّرُ بِما يُناسِبُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، المَحْذُوفُ: وطْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وطْءُ أُمَّهاتِكم، ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ وطْءُ ما وراءَ ذَلِكم. فَسائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفاعاتِ مُحَرَّمٌ مِن هَذِهِ الأعْيانِ المَذْكُورَةِ، إمّا بِالقِياسِ عَلى الأكْلِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِالقِياسِ، وإمّا بِدَلِيلِ سَمْعِيٍّ عِنْدَ مَن لا يَقُولُ بِهِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ ما مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى المَيْتَةِ، وما نَسَّقَ عَلَيْها وعَلَّقَهُ بِعَيْنِها، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَأْكِيدِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ وتَناوُلِ سائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَلا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي جَوازَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فاسْتَنْبَطَ هَذا القَوْلُ تَحْرِيمَ سائِرِ الِانْتِفاعاتِ مِنَ اللَّفْظِ. والأظْهَرُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَخَصُّصِ المُضافِ المَحْذُوفِ بِأنَّهُ الأكْلُ. وظاهِرُ لَفْظِ المَيْتَةِ يَتَناوَلُ العُمُومَ، ولا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ. قالَ قَوْمٌ: خُصَّ هَذا العُمُومُ بِقَوْلِهِ تَعالى: …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهم. فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، غَيَّرُوا صِفَتَهُ وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، حَتّى لا يَتَّبِعُوهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُلُوكَ سَألُوا عُلَماءَهم قَبْلَ المَبْعَثِ: ما الَّذِي تَجِدُونَ في التَّوْراةِ ؟ فَقالُوا: نَجِدُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا، مِن بَعْدِ المَسِيحِ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، بِتَحْرِيمِ الرِّبا والخَمْرِ والمَلاهِي وسَفْكِ الدِّماءِ. فَلَمّا بُعِثَ، قالَتِ المُلُوكُ لِلْيَهُودِ: هَذا الَّذِي تَجِدُونَهُ في كِتابِكم ؟ فَقالُوا - طَمَعًا في أمْوالِ المُلُوكِ -: لَيْسَ هَذا بِذَلِكَ النَّبِيِّ. فَأعْطاهُمُ المُلُوكُ الأمْوالَ، فَأُنْزِلَتْ إكْذابًا لَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ كاتِمِ حَقٍّ لِأخْذِ غَرَضٍ أوْ إقامَةِ غَرَضٍ مِن مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ ومُشْرِكٍ ومُعَطِّلٍ. وإنْ صَحَّ سَبَبُ نُزُولٍ، فَهي عامَّةٌ والحُكْمُ لِلْعُمُومِ. وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، فَيَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ، لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

”ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ“: ظاهِرُهُ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلُ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مَلَكًا بِهِ، أيْ بِالكِتابِ عَلى رَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْنى ”أنْزَلَ اللَّهُ“ أيْ أظْهَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أيْ أُظْهِرُ. فَكَوْنُ المَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أظْهَرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ الإظْهارُ في مُقابَلَةِ الكِتْمانِ. وفي المُرادِ بِالكِتابِ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ، فَيَكُونُ الكاتِمُونَ أحْبارَ اليَهُودِ، كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيَّرُوها، وكَتَمُوا آياتٍ في التَّوْراةِ، كَآيَةِ الرَّجْمِ وشِبْهِ ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووَحَّدَ اللَّفْظَ عَلى المَكْتُوبِ، ويَكُونُ الكاتِمُونَ اليَهُودَ والنَّصارى. وصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في الكِتابَيْنِ، ونَعَتَهُ فِيهِما وسَمّاهُ فَقالَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . والطّائِفَتانِ أنْكَرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ شَهِدَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِذَلِكَ، والنُّصُوصُ مَوْجُودَةٌ فِيهِما الآنَ في مَواضِعَ مِنها في التَّوْراةِ في الفَصْلِ التّاسِعِ، وفي الفَصْلِ العاشِرِ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ، وفي الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ. ومِنها في الإنْجِيلِ مَواضِعُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، قَدْ ذَكَرَ جَمِيعَها مَن تَعَرَّضَ لِلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: الكِتابُ المَكْتُوبُ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وكُلُّ كاتِمٍ لِحَقٍّ وساتِرٍ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ.

﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لَمّا تَعَوَّضُوا عَنِ الكَتْمِ شَيْئًا مِن سُحْتِ الدُّنْيا، أشْبَهَ ذَلِكَ البَيْعَ والشِّراءَ؛ لِانْطِوائِهِما عَلى عِوَضٍ ومُعَوَّضٍ عَنْهُ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اشْتِراءٌ. و”بِهِ“: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكِتْمانِ أوِ الكِتابِ، أوْ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ما أقْوالُ ثَلاثَةٌ، أظْهَرُها الآخِرُ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِكَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا …

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهم. فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، غَيَّرُوا صِفَتَهُ وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، حَتّى لا يَتَّبِعُوهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُلُوكَ سَألُوا عُلَماءَهم قَبْلَ المَبْعَثِ: ما الَّذِي تَجِدُونَ في التَّوْراةِ ؟ فَقالُوا: نَجِدُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا، مِن بَعْدِ المَسِيحِ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، بِتَحْرِيمِ الرِّبا والخَمْرِ والمَلاهِي وسَفْكِ الدِّماءِ. فَلَمّا بُعِثَ، قالَتِ المُلُوكُ لِلْيَهُودِ: هَذا الَّذِي تَجِدُونَهُ في كِتابِكم ؟ فَقالُوا - طَمَعًا في أمْوالِ المُلُوكِ -: لَيْسَ هَذا بِذَلِكَ النَّبِيِّ. فَأعْطاهُمُ المُلُوكُ الأمْوالَ، فَأُنْزِلَتْ إكْذابًا لَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ كاتِمِ حَقٍّ لِأخْذِ غَرَضٍ أوْ إقامَةِ غَرَضٍ مِن مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ ومُشْرِكٍ ومُعَطِّلٍ. وإنْ صَحَّ سَبَبُ نُزُولٍ، فَهي عامَّةٌ والحُكْمُ لِلْعُمُومِ. وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، فَيَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ، لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

”ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ“: ظاهِرُهُ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلُ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مَلَكًا بِهِ، أيْ بِالكِتابِ عَلى رَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْنى ”أنْزَلَ اللَّهُ“ أيْ أظْهَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أيْ أُظْهِرُ. فَكَوْنُ المَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أظْهَرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ الإظْهارُ في مُقابَلَةِ الكِتْمانِ. وفي المُرادِ بِالكِتابِ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ، فَيَكُونُ الكاتِمُونَ أحْبارَ اليَهُودِ، كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيَّرُوها، وكَتَمُوا آياتٍ في التَّوْراةِ، كَآيَةِ الرَّجْمِ وشِبْهِ ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووَحَّدَ اللَّفْظَ عَلى المَكْتُوبِ، ويَكُونُ الكاتِمُونَ اليَهُودَ والنَّصارى. وصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في الكِتابَيْنِ، ونَعَتَهُ فِيهِما وسَمّاهُ فَقالَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . والطّائِفَتانِ أنْكَرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ شَهِدَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِذَلِكَ، والنُّصُوصُ مَوْجُودَةٌ فِيهِما الآنَ في مَواضِعَ مِنها في التَّوْراةِ في الفَصْلِ التّاسِعِ، وفي الفَصْلِ العاشِرِ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ، وفي الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ. ومِنها في الإنْجِيلِ مَواضِعُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، قَدْ ذَكَرَ جَمِيعَها مَن تَعَرَّضَ لِلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: الكِتابُ المَكْتُوبُ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وكُلُّ كاتِمٍ لِحَقٍّ وساتِرٍ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ.

﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لَمّا تَعَوَّضُوا عَنِ الكَتْمِ شَيْئًا مِن سُحْتِ الدُّنْيا، أشْبَهَ ذَلِكَ البَيْعَ والشِّراءَ؛ لِانْطِوائِهِما عَلى عِوَضٍ ومُعَوَّضٍ عَنْهُ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اشْتِراءٌ. و”بِهِ“: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكِتْمانِ أوِ الكِتابِ، أوْ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ما أقْوالُ ثَلاثَةٌ، أظْهَرُها الآخِرُ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِكَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا …

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهم. فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، غَيَّرُوا صِفَتَهُ وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، حَتّى لا يَتَّبِعُوهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُلُوكَ سَألُوا عُلَماءَهم قَبْلَ المَبْعَثِ: ما الَّذِي تَجِدُونَ في التَّوْراةِ ؟ فَقالُوا: نَجِدُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا، مِن بَعْدِ المَسِيحِ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، بِتَحْرِيمِ الرِّبا والخَمْرِ والمَلاهِي وسَفْكِ الدِّماءِ. فَلَمّا بُعِثَ، قالَتِ المُلُوكُ لِلْيَهُودِ: هَذا الَّذِي تَجِدُونَهُ في كِتابِكم ؟ فَقالُوا - طَمَعًا في أمْوالِ المُلُوكِ -: لَيْسَ هَذا بِذَلِكَ النَّبِيِّ. فَأعْطاهُمُ المُلُوكُ الأمْوالَ، فَأُنْزِلَتْ إكْذابًا لَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ كاتِمِ حَقٍّ لِأخْذِ غَرَضٍ أوْ إقامَةِ غَرَضٍ مِن مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ ومُشْرِكٍ ومُعَطِّلٍ. وإنْ صَحَّ سَبَبُ نُزُولٍ، فَهي عامَّةٌ والحُكْمُ لِلْعُمُومِ. وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، فَيَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ، لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

”ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ“: ظاهِرُهُ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلُ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مَلَكًا بِهِ، أيْ بِالكِتابِ عَلى رَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْنى ”أنْزَلَ اللَّهُ“ أيْ أظْهَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أيْ أُظْهِرُ. فَكَوْنُ المَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أظْهَرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ الإظْهارُ في مُقابَلَةِ الكِتْمانِ. وفي المُرادِ بِالكِتابِ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ، فَيَكُونُ الكاتِمُونَ أحْبارَ اليَهُودِ، كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيَّرُوها، وكَتَمُوا آياتٍ في التَّوْراةِ، كَآيَةِ الرَّجْمِ وشِبْهِ ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووَحَّدَ اللَّفْظَ عَلى المَكْتُوبِ، ويَكُونُ الكاتِمُونَ اليَهُودَ والنَّصارى. وصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في الكِتابَيْنِ، ونَعَتَهُ فِيهِما وسَمّاهُ فَقالَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . والطّائِفَتانِ أنْكَرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ شَهِدَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِذَلِكَ، والنُّصُوصُ مَوْجُودَةٌ فِيهِما الآنَ في مَواضِعَ مِنها في التَّوْراةِ في الفَصْلِ التّاسِعِ، وفي الفَصْلِ العاشِرِ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ، وفي الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ. ومِنها في الإنْجِيلِ مَواضِعُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، قَدْ ذَكَرَ جَمِيعَها مَن تَعَرَّضَ لِلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: الكِتابُ المَكْتُوبُ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وكُلُّ كاتِمٍ لِحَقٍّ وساتِرٍ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ.

﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لَمّا تَعَوَّضُوا عَنِ الكَتْمِ شَيْئًا مِن سُحْتِ الدُّنْيا، أشْبَهَ ذَلِكَ البَيْعَ والشِّراءَ؛ لِانْطِوائِهِما عَلى عِوَضٍ ومُعَوَّضٍ عَنْهُ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اشْتِراءٌ. و”بِهِ“: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكِتْمانِ أوِ الكِتابِ، أوْ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ما أقْوالُ ثَلاثَةٌ، أظْهَرُها الآخِرُ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِكَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا …

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢] .

قِبَلُ: ظَرْفُ مَكانٍ، تَقُولُ: زِيدَ قِبَلَكَ. وشَرْحُ المَعْنى: أنَّهُ في المَكانِ الَّذِي هو مُقابِلُكَ فِيهِ. وقَدْ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيَكُونُ بِمَعْنى العِنْدِيَّةِ المَعْنَوِيَّةِ. تَقُولُ لِي: قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ. الرِّقابُ: جَمْعُ رَقَبَةٍ، والرَّقَبَةُ: مُؤَخَّرُ العُنُقِ، واشْتِقاقُها مِنَ المُراقَبَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَكانَها مِنَ البَدَنِ مَكانُ الرَّقِيبِ المُشْرِفِ عَلى القَوْمِ. ولِهَذا المَعْنى يُقالُ: أعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ، ولا يُقالُ: أعْتَقَ اللَّهُ عُنُقَهُ؛ لِأنَّها لَمّا سُمِّيَتْ رَقَبَةً، كانَتْ كَأنَّها تُراقِبُ العَذابَ. ومِن هَذا يُقالُ لِلَّتِي لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ: رَقُوبٌ، لِأجْلِ مُراعاتِها مَوْتَ ولَدِها. قالَ في المُنْتَخَبِ: وفِعالٌ جَمْعٌ يَطَّرِدُ لِفَعْلَةٍ، سَواءٌ كانَتِ اسْمًا نَحْوَ: رَقَبَةٍ ورِقابٍ، أوْ صِفَةً نَحْوَ: حَسَنَةٍ وحِسانٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالرَّقَبَةِ عَنِ الشَّخْصِ بِجُمْلَتِهِ. البَأْساءُ: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ البُؤْسِ، إلّا أنَّهُ مُؤَنَّثٌ ولَيْسَ بِصِفَةٍ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ. والبُؤْسُ والبَأْساءُ: الفَقْرُ، يُقالُ مِنهُ: بَئِسَ الرَّجُلُ، إذا افْتَقَرَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ولَمْ يَكُ في بُؤْسٍ إذا باتَ لَيْلَةً يُناغِي غَزالًا ساجِيَ الطَّرْفِ أكْحَلا

والبَأْسُ: شِدَّةُ القِتالِ، ومِنهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويُقالُ: بَؤُسَ الرَّجُلُ، أيْ شَجُعَ. الضَّرّاءُ: مِنَ الضُّرِّ، فَقِيلَ: لَيْسَ بِصِفَةٍ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ. وفي الحَدِيثِ: «وأعُوذُ بِكَ مِن ضُرٍّ أوْ مَضَرَّةٍ» . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الضَّرّاءُ، بِالفَتْحِ: ضِدَّ النَّفْعِ، والضُّرُّ، بِالضَّمِّ الزَّمانَةُ. ”القِصاصُ“: مَصْدَرُ قاصَّ يُقاصُّ مُقاصَّةً وقِصاصًا؛ نَحْوُ: قاتَلَ يُقاتِلُ مُقاتَلَةً وقِتالًا. والقِصاصُ: مُقابَلَةُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، ومِنهُ: قَتْلُ مَن قَتَلَ بِالمَقْتُولِ، وأصْلُهُ مِن قَصَصْتُ الأثَرَ: أيُ اتَّبَعْتُهُ؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ بِدَمِ المَقْتُولِ، ومِنهُ قَصُّ الشَّعْرِ: اتِّباعُ أثَرِهِ. الحُرُّ: مَعْرُوفٌ، تَقُولُ: حَرَّ الغُلامُ …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾: رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ والشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ أعِزَّةٍ أقْوِياءَ لا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهم إلّا سَيِّدًا، ولا بِالمَرْأةِ إلّا رَجُلًا. وقالَ السُّدِّيُّ، وأبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ أحَدُهُما مُسْلِمٌ، والآخَرُ كافِرٌ مُعاهِدٌ، كانَ بَيْنَهُما عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتالٌ، فَقُتِلَ مِن كِلا الفَرِيقَيْنِ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ ونِساءٍ وعَبِيدٍ، فَنَزَلَتْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الرَّجُلِ قِصاصًا بِدِيَةِ الرَّجُلِ، ودِيَةَ المَرْأةِ قِصاصًا بِدِيَةِ المَرْأةِ، ودِيَةَ العَبْدِ قِصاصًا بِدِيَةِ العَبْدِ، ثُمَّ أصْلَحَ بَيْنَهُما.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ اقْتَتَلُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وكانَ بَيْنَهُما قَتْلى وجِراحاتٌ لَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هُما الأوْسُ والخَزْرَجُ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الأُخْرى في الكَثْرَةِ والشَّرَفِ، وكانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَهم بِغَيْرِ مُهُورٍ، وأقْسَمُوا لَيَقْتُلُنَّ بِالعَبْدِ الحُرَّ، وجَعَلُوا جِراحاتِهِمْ ضِعْفَيْ جِراحاتِ أُولَئِكَ، وكَذَلِكَ كانُوا يُعامِلُونَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَرَفَعُوا أمْرَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم بِالمُساواةِ فَرَضُوا، وفي ذَلِكَ قالَ قائِلُهم:

؎هُمُ قَتَلُوا فِيكم مَظِنَّةَ واحِدٍ ثَمانِيَةً ثُمَّ اسْتَمَرُّوا فَأرْبَعُوا

ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ غَنِيٍّ قَتَلَ شاسَ بْنَ زُهَيْرٍ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ أبُوهُ زُهَيْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ فَقالُوا لَهُ، وقالَ لَهُ بَعْضُ مَن يَذُبُّ عَنْهم: سَلْ في قَتْلِ شاسٍ، فَقالَ: إحْدى ثَلاثٍ لا يُرْضِينِي غَيْرُهُنَّ، فَقالُوا: ما هُنَّ ؟ فَقالَ: تُحْيُونَ شاسًا، أوْ تَمْلَئُونَ دارِي مِن نُجُومِ السَّماءِ، أوْ تَدْفَعُونَ لِي غَنِيًّا بِأسْرِها فَأقْتُلُها، ثُمَّ لا أرى أنِّي أخَذْتُ عِوَضًا.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَلَّلَ ما حَلَّلَ قَبْلُ، وحَرَّمَ ما حَرَّمَ، ثُمَّ أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن أخَذَ مالًا مِن غَيْرِ وجْهِهِ، وأنَّهُ ما يَأْكُلُ في بَطْنِهِ إلّا النّارَ، واقْتَضى ذَلِكَ انْتِظامَ جَمِيعِ المُحَرَّماتِ مِنَ الأمْوالِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَنِ اتَّصَفَ بِالبِرِّ، وأثْنى عَلَيْهِمْ بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ الَّتِي انْطَوَوْا عَلَيْها، أخَذَ يَذْكُرُ تَحْرِيمَ الدِّماءِ، ويَسْتَدْعِي حِفْظَها وصَوْنَها، فَنَبَّهَ بِمَشْرُوعِيَّةِ القِصاصِ عَلى تَحْرِيمِها، ونَبَّهَ عَلى جَوازِ أخْذِ مالٍ بِسَبَبِها، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِن غَيْرِ وجْهِهِ، وكانَ تَقْدِيمُ تَبْيِينِ ما أحَلَّ اللَّهُ وما حَرَّمَ مِنَ المَأْكُولِ عَلى تَبْيِينِ مَشْرُوعِيَّةِ القِصاصِ لِعُمُومِ البَلْوى بِالمَأْكُولِ: لِأنَّ بِهِ قِوامَ البِنْيَةِ وحِفْظَ صُورَةِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ مُتْلِفِ تِلْكَ الصُّورَةِ: لِأنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا يَنْدُرُ مِنهُ وُقُوعُ القَتْلِ، فَهو بِالنِّسْبَةِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ بَعِيدٌ مِنهُ وُقُوعُ ذَلِكَ، وكانَ ذِكْرُ تَقْدِيمِ ما تَعُمُّ بِهِ البَلْوى أعَمُّ، ونَبَّهَ أيْضًا عَلى أنَّهُ، وإنَّ عَرَضَ مِثْلُ هَذا الأمْرِ الفَظِيعِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِالبِرِّ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ البِرِّ، ولا عَنِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، الحَياةُ الَّتِي في القِصاصِ هي أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَكانَ ذَلِكَ حَياةٌ لَهُ ولِلَّذِي امْتَنَعَ مِن قَتَلَهُ. فَمَشْرُوعِيَّةُ القِصاصِ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ، وإبْقاءُ القاتِلِ، والعَفْوُ عَنْهُ مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ بِهِ، فَتُقَدَّمُ المَصْلَحَةُ العامَّةُ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، أوِ المَعْنى: ولَكم في شَرْعِ القِصاصِ حَياةٌ، وكانَتِ العَرَبُ إذا قَتَلَ الرَّجُلُ حَمِيَ قَبِيلُةٌ أنْ تَقْتَصَّ مِنهُ، فَيَقْتَتِلُونَ، ويُفْضِي ذَلِكَ إلى قَتْلِ عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَلَمّا شُرِعَ القِصاصُ رَضُوا بِهِ وسَلَّمُوا القاتِلَ لِلْقَوْدِ، وصالَحُوا عَلى الدِّيَةِ وتَرَكُوا القِتالَ، فَكانَ لَهم في ذَلِكَ حَياةٌ، وكَمْ قَتَلَ مُهَلْهِلٌ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ حَتّى كادَ يُفْنِي بَكْرَ بْنَ وائِلٍ. وقِيلَ: حَياةٌ لِغَيْرِ القاتِلِ: لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُهُ خِلافَ ما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ. وقِيلَ: حَياةٌ لِلْقاتِلِ. وقِيلَ: حَياةٌ لِارْتِداعِ مَن يَهُمُّ بِهِ في الآخِرَةِ، إذِ اسْتُوفِيَ مِنهُ القِصاصُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يُقْتَصُّ مِنهُ، وإنْ لَمْ يُقْتَصَّ اقْتُصَّ مِنهُ في الآخِرَةِ. فَلا تَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الحَياةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمَنِ اقْتُصَّ مِنهُ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ: ”ولَكم في القَصَصِ“، أيْ: فِيما قَصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ والقِصاصِ، وقِيلَ: القَصَصُ القُرْآنُ، أيْ: لَكم في القُرْآنِ حَياةُ القُلُوبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقِصاصِ، أيْ: أنَّهُ إذا قُصَّ أثَرُ القاتِلِ قَصَصًا قُتِلَ كَما قَتَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ فَصِيحٌ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، وهو أنَّ القِصاصَ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ مَكانًا وظَرْفًا لِلْحَياةِ، ومِن إصابَةِ مَحَزِّ البَلاغَةِ بِتَعْرِيفِ القِصاصِ، وتَنْكِيرِ الحَياةِ: لِأنَّ المَعْنى: ولَكم في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ الَّذِي هو القِصاصُ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ، لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالِاقْتِصاصِ مِنَ القاتِلِ، انْتَهى كَلامُهُ.

وقالَتِ العَرَبُ فِيما يَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى: القَتْلُ أوْقى لِلْقَتْلِ، وقالُوا: أنْفى لِلْقَتْلِ، وقالُوا: أكَفُّ لِلْقَتْلِ. وذَكَرَ العُلَماءُ تَفاوُتَ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِنَ البَلاغَةِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ العَرَبِ يَقْتَضِي كَوْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ، وهو مُحالٌ. الثّانِي: تَكْرِيرُ لَفْظِ القَتْلِ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ. الثّالِثُ: الِاقْتِصارُ عَلى أنَّ القَتْلَ هو أنْفى لِلْقَتْلِ. الرّابِعُ: أنَّ القَتْلَ ظُلْمًا هو قَتْلٌ، ولا يَكُونُ نافِيًا لِلْقَتْلِ. وقَدِ انْدَرَجَ في قَوْلِهِمُ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، والآيَةُ المُكَرَّمَةُ بِخِلافِ ذَلِكَ. أمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ: فَفِيهِ أنَّ نَوْعًا مِنَ القَتْلِ وهو القِصاصُ سَبَبٌ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَياةِ، لا لِمُطْلَقِ الحَياةِ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولَكم في شَرْعِ القِصاصِ، اتَّضَحَ كَوْنُ شَرْعِ القِصاصِ سَبَبًا لِلْحَياةِ. وأمّا في الوَجْهِ الثّانِي: فَظاهِرٌ لِعُذُوبَةِ الألْفاظِ وحُسْنِ التَّرْكِيبِ، وعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ الحَذْفِ: لِأنَّ في كَلامِ …

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ. مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القَتْلَ في القِصاصِ والدِّيَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى الوَصِيَّةِ، وبَيانِ أنَّهُ مِمّا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ حَتّى يَتَنَبَّهَ كُلُّ أحَدٍ فَيُوصِي مُفاجَأةَ المَوْتِ، فَيَمُوتَ عَلى غَيْرِ وصِيَّةٍ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّ - كُتِبَ - أصْلُهُ: العَطْفُ عَلى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨]، و(كُتِبَ عَلَيْكُمُ)، وأنَّ الواوَ حُذِفَتْ لِلطُّولِ، بَلْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ظاهِرَةُ الِارْتِباطِ بِما قَبْلَها: لِأنَّ مَن أشْرَفَ عَلى أنْ يُقْتَصَّ مِنهُ فَهو بَعْضُ مَن حَضَرَهُ المَوْتُ، ومَعْنى حُضُورِ المَوْتِ أيْ: حُضُورُ مُقَدِّماتِهِ وأسْبابِهِ مِنَ العِلَلِ والأمْراضِ والأعْراضِ المَخُوفَةِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ عَلى أسْبابِ المَوْتِ مَوْتًا عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ. وقالَ تَعالى: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وقالَ عَنْتَرَةُ:

؎وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِ

(وقالَ جَرِيرٌ):

؎أنا المَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِهارِبٍ مِنِّي نَجاءُ

(وقالَ غَيْرُهُ):

؎وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعُذْرِ والتَمِسُوا ∗∗∗ قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ

والخِطابُ في - عَلَيْكم - لِلْمُؤْمِنِينَ مُقَيَّدًا بِالإمْكانِ عَلى تَقْدِيرِ التَّجَوُّزِ في حُضُورِ المَوْتِ، ولَوْ جَرى نَظْمُ الكَلامِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، لَكانَ إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ، لَكِنَّهُ رُوعِيَتْ دَلالَةُ العُمُومِ في - عَلَيْكم - مِن حَيْثُ المَعْنى، إذَ المَعْنى: كُتِبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنكم، ثُمَّ أُظْهِرَ ذَلِكَ المُضْمَرُ، إذْ كانَ يَكُونُ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ، فَقِيلَ: إذا حَضَرَ أحَدَكم، ونَظِيرُ مُراعاةِ المَعْنى في العُمُومِ، قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولَسْتُ بِسائِلٍ جاراتِ بَيْتِي ∗∗∗ أغُيّابٌ رِجالُكِ أمْ شُهُودُ ؟

فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في رِجالِكِ: لِأنَّهُ راعى مَعْنى العُمُومِ، إذِ المَعْنى ولَسْتُ بِسائِلٍ كُلَّ جارَةٍ مِن جاراتِ بَيْتِي، فَجاءَ قَوْلُهُ: أغُيّابٌ رِجالُكِ، عَلى مُراعاةِ هَذا المَعْنى، وهَذا شَيْءٌ غَرِيبٌ مُسْتَطْرَفٌ مِن عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْتِ هُنا حَقِيقَتُهُ لا مُقَدِّماتُهُ، فَيَكُونُ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الأوْصِياءِ والوَرَثَةِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم إذا ماتَ أحَدُكم إنْفاذُ الوَصِيَّةِ والعَمَلُ بِها، فَلا تَكُونُ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، بَلْ يُسْتَدَلُّ عَلى وُجُوبِها بِدَلِيلٍ آخَرَ.

﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ يَعْنِي: مالًا في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الخَيْرِ، وبِهِ قالَ: الزُّهْرِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، وغَيْرُهُما، قالُوا: تَجِبُ فِيما قَلَّ وفِيما كَثُرَ. وقالَ أبانُ: مِائَتا دِرْهَمِ فِضَّةً. وقالَ النَّخَعِيُّ: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةٍ: وقالَ عَلِيٌّ وقَتادَةُ: ألْفُ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، وقالَ الجَصّاصُ: أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. هَذا قَوْلُ مَن قَدَّرَ الخَيْرَ بِالمالِ. وأمّا مَن قَدَّرَهُ بِمُطْلَقِ الكَثْرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ حالِ الرَّجُلِ، وكَثْرَةِ عِيالِهِ، …

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.