Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 161–170 of 286

161

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.

وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا …

Al-Baqara 2:161Listen in Qur'an →
162

خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.

وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا …

Al-Baqara 2:162Listen in Qur'an →
163

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، صِفْ وانْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ وهَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ في الكَعْبَةِ، وقِيلَ حَوْلَها، ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ. وظاهِرُ الخِطابِ أنَّهُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ المُتَصَوَّرُ مِنهُمُ العِبادَةُ، فَهو إعْلامٌ لَهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن قالَ: صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسِبْهُ، أوْ خِطابًا لِمَن يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ ونارٍ. وإلَهٌ: خَبَرٌ عَنْ إلَهِكم، وواحِدٌ: صِفَتُهُ، وهو الخَبَرُ في المَعْنى لِجَوازِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ إلَهٍ، ومَنعِ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، فَهو شَبِيهٌ بِالحالِ المُوَطِّئَةِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا. والواحِدُ المُرادُ بِهِ نَفْيُ النَّظِيرِ أوِ القَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَعَهُ في الأزَلِ شَيْءٌ، أوِ الَّذِي لا أبْعاضَ لَهُ ولا أجْزاءَ، أوِ المُتَوَحِّدُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. أقْوالٌ أرْبَعَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ. تَقُولُ: فُلانٌ واحِدٌ في عَصْرِهِ، أيْ لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ، ولَيْسَ المَعْنى هُنا بِواحِدٍ مَبْدَأ العَدَدِ.

(لا إلَهَ إلّا هو): تَوْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ. وهي جُمْلَةٌ جاءَتْ لِنَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الآلِهَةِ، ثُمَّ حَصَرَ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ - تَبارَكَ وتَعالى -، فَدَلَّتِ الآيَةُ الأُولى عَلى نِسْبَةِ الواحِدِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى، ودَلَّتِ الثّانِيَةُ عَلى حَصْرِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ النّاصِّ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ الأوْلى تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ الواحِدِيَّةُ ثَبَتَتْ لَهُ الإلَهِيَّةُ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ الِاسْمِ بَعْدَ ”لا“ في قَوْلِهِ: (لا رَيْبَ فِيهِ)، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وهو بَدَلٌ مِنَ اسْمِ ”لا“ عَلى المَوْضِعِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا. كَما جازَ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ ما العالِمُ إلّا هو؛ لِأنَّ ”لا“ لا تَعْمَلُ في المَعارِفِ، هَذا إذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ الخَبَرَ بَعْدَ ”لا“ الَّتِي يُبْنى الِاسْمُ مَعَها هو مَرْفُوعٌ بِها، وأمّا إذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ مَرْفُوعًا بِها، بَلْ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”لا“ مَعَ المَبْنِيِّ مَعَها، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ جَعْلُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً، والخَبَرِ مَعْرِفَةً، وهو عَكْسُ ما اسْتَقَرَّ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ. وتَقْرِيرُ البَدَلِ فِيهِ أيْضًا مُشْكِلٌ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن إلَهٍ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ تَكْرارِ العامِلِ، لا تَقُولُ: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا مِن ”إلَهٍ“ ولا مِن رَجُلٍ في قَوْلِكَ: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ، إنَّما هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ المَحْذُوفِ، فَإذا قُلْنا: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ، فالتَّقْدِيرُ: لا رَجُلٌ كائِنٌ أوْ مَوْجُودٌ إلّا زِيدَ. كَما تَقُولُ: ما أحَدٌ يَقُومُ إلّا زِيدٌ، فَزَيْدٌ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَقُومُ“ لا مِن ”أحَدٍ“، وعَلى هَذا يَتَمَشّى ما ورَدَ مِن هَذا البابِ، فَلَيْسَ بَدَلًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ لا، وإنَّما هو بَدَلٌ مَرْفُوعٌ مِن ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ، ذَلِكَ الضَّمِيرُ هو عائِدٌ عَلى اسْمِ لا. ولَوْلا تَصْرِيحُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ مِنَ اسْمِ لا، لَتَأوَّلْنا …

Al-Baqara 2:163Listen in Qur'an →
164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allah has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and the earth are signs for a people who use reason.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (وإلَهُكم) الآيَةَ، قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ ؟ فَنَزَلَ: (إنَّ في خَلْقِ) . ولَمّا تَقَدَّمَ وصْفُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ واخْتِصاصُهُ بِالإلَهِيَّةِ، اسْتَدَلَّ بِهَذا الخَلْقِ الغَرِيبِ والبِناءِ العَجِيبِ اسْتِدْلالًا بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، وبِالصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ، وعَرَّفَهم طَرِيقَ النَّظَرِ، وفِيمَ يَنْظُرُونَ. فَبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ العالَمِ العُلْوِيِّ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ . وخَلْقُها: إيجادُها واخْتِراعُها، أوْ خَلْقُها وتَرْكِيبُ أجْرامِها وائْتِلافُ أجْزائِها مِن قَوْلِهِمْ: خَلْقُ فُلانٍ حَسَنٌ: أيْ خِلْقَتُهُ وشَكْلُهُ. وقِيلَ: خَلْقٌ هُنا زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ إرادَةُ تَكْوِينِ الشَّيْءِ. والآياتُ في المَشاهِدِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لا في الإرادَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ زِيادَةَ الأسْماءِ لَمْ تَثْبُتْ في اللِّسانِ، ولِأنَّ الخَلْقَ لَيْسَ هو الإرادَةُ، بَلِ الخَلْقُ ناشِئٌ عَنِ الإرادَةِ. قالُوا: وجَمَعَ السَّماواتِ؛ لِأنَّها أجْناسٌ، كُلُّ سَماءٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ جِنْسِ الأُخْرى، ووَحَّدَ الأرْضَ؛ لِأنَّها كُلَّها مِن تُرابٍ. وبَدَأ بِذِكْرِ السَّماءِ لِشَرَفِها وعِظَمِ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأفْلاكِ والأمْلاكِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وآياتُها: ارْتِفاعُها مِن غَيْرِ عَمَدٍ تَحْتَها، ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، ثُمَّ ما فِيها مِنَ النَّيِّرِينَ، الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والكَواكِبِ الزّاهِرَةِ، شارِقَةٍ وغارِبَةٍ، نَيِّرَةٍ ومَمْحُوَّةٍ، وعِظَمِ أجْرامِها وارْتِفاعِها، حَتّى قالَ أرْبابُ الهَيْئَةِ: إنَّ الشَّمْسَ قَدْرُ الأرْضِ مِائَةٍ وأرْبَعٍ وسِتِّينَ مَرَّةً، وإنَّ أصْغَرَ نَجْمٍ في السَّماءِ قَدْرُ الأرْضِ سَبْعِ مَرّاتٍ، وإنَّ الأفْلاكَ عَظِيمَةُ الأجْرامِ، قَدْ ذَكَرَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ مَقادِيرَها، وإنَّها سَبْعَةُ أفْلاكٍ، يَجْمَعُها الفَلَكُ المُحِيطُ. وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ» . وصَحَّ أيْضًا. «أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، لا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ”» . وآيَةُ الأرْضِ: بَسْطُها، لا دِعامَةَ مِن تَحْتِها ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، وأنْهارُها ومِياهُها وجِبالُها ورَواسِيها وشَجَرُها وسَهْلُها ووَعْرُها ومَعادِنُها، واخْتِصاصُ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها بِما هُيِّئَ لَهُ، ومَنافِعُ نَباتِها ومَضارُّها. وذَكَرَ أرْبابُ الهَيْئَةِ أنَّ الأرْضَ نُقْطَةٌ في وسَطِ الدّائِرَةِ لَيْسَ لَها جِهَةٌ، وأنَّ البِحارَ مُحِيطَةٌ بِها، والهَواءَ مُحِيطٌ بِالماءِ، والنّارَ مُحِيطَةٌ بِالهَواءِ، والأفْلاكَ وراءَ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الباقِلّانِيُّ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ (بِالدَّقائِقِ) خِلافًا عَنِ النّاسِ المُتَقَدِّمِينَ: هَلِ الأرْضُ واقِفَةٌ أمْ مُتَحَرِّكَةٌ ؟ وفي كُلِّ قَوْلٍ مِن هَذَيْنِ مَذاهِبُ كَثِيرَةٌ في السَّبَبِ المُوجِبِ لِوُقُوفِها، أوْ لِتَحَرُّكِها. وكَذَلِكَ تَكَلَّمُوا عَلى جِرْمِ السَّماواتِ ولَوْنِها وعِظَمِها وأبْراجِها، وذَكَرَ مَذاهِبَ لِلْمُنَجِّمِينَ والمانَوِيَّةِ، وتَخالِيطَ كَثِيرَةً. والَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ هو شَيْءٌ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ …

Al-Baqara 2:164Listen in Qur'an →
165

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

And [yet], among the people are those who take other than Allah as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allah. But those who believe are stronger in love for Allah. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allah and that Allah is severe in punishment.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾: لَمّا قَرَّرَ تَعالى التَّوْحِيدَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يُوَفَّقْ، واتِّخاذُهُ الأنْدادَ مِن دُونِ اللَّهِ، لِيُظْهِرَ تَفاوُتَ ما بَيْنَ المَنهَجَيْنِ. والضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنُهُ الضِّدُّ، وأنَّهُ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الآياتِ، لَمْ يُشاهِدْ هَذا الضّالُّ شَيْئًا مِنها. ولَفْظُ النّاسُ عامٌّ، والأحْسَنُ حَمْلُهُ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ. فالأنْدادُ، بِاعْتِبارِ أهْلِ الكِتابِ هم رُؤَساؤُهم وأحْبارُهم، اتَّبَعُوا ما رَتَّبُوهُ لَهم مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وإنْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ. قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . والأنْدادُ، بِاعْتِبارِ عِبادَةِ الأوْثانِ هي الأصْنامُ، اتَّخَذُوها آلِهَةً وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ الخُصُوصُ. فَقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ. وقِيلَ: عُبّادُ الأوْثانِ، والأوْلى القَوْلُ الأوَّلُ. ورُجِّحَ كَوْنُهم أهْلَ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: يُحِبُّونَهم، فَأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ، وبِاسْتِبْعادِ مَحَبَّةِ الأصْنامِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، والتَّبَرُّؤُ لا يُناسِبُ إلّا العُقَلاءَ. و”مِن“: مُبْتَدَأٌ مَوْصُولٌ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وأفْرَدَ يَتَّخِذُ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن، و”مِن دُونِ اللَّهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّخِذُ“، و”دُونَ“ هُنا بِمَعْنى غَيْرِ، وأصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، وهي نادِرَةُ التَّصَرُّفِ إذْ ذاكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”مِن دُونِ“: لَفْظٌ يُعْطِي غَيْبَةَ ما يُضافُ إلَيْهِ دُونَ عَنِ القَضِيَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، وتَفْسِيرُ دُونَ بِسِوى، أوْ بِغَيْرِ، لا يَطَّرِدُ. انْتَهى. تَقُولُ: فَعَلْتُ هَذا مِن دُونِكَ، أيْ وأنْتَ غائِبٌ. وتَقُولُ: اتَّخَذْتُ مِنكَ صَدِيقًا، واتَّخَذْتُ مِن دُونِكَ صَدِيقًا. فالَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ اتَّخَذَ مِن شَخْصِ غَيْرِهِ صَدِيقًا. وتَقُولُ: قامَ القَوْمُ دُونَ زَيْدٍ. فالَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا: أنَّ المَعْنى أنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، فَدَلالَتُها دَلالَةُ ”غَيْرَ“ في هَذا. والَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ، هو ما ذَكَرْتُ لَكَ مِن كَوْنِها تَكُونُ ظَرْفَ مَكانٍ، وأنَّها قَلِيلَةُ التَّصَرُّفِ نادِرَتُهُ. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أيْضًا أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى رَدِيءٍ، تَقُولُ: هَذا ثَوْبٌ دُونَ أيْ رَدِيءٌ، فَإذا كانَتْ ظَرْفًا، دَلَّتْ عَلى انْحِطاطِ المَكانِ، فَتَقُولُ: قَعَدَ زَيْدٌ دُونَكَ، فالمَعْنى: قَعَدَ زَيْدٌ مَكانًا دُونَ مَكانِكَ، أيْ مُنْحَطًّا عَنْ مَكانِكَ. وكَذَلِكَ إذا أرَدْتَ بِدُونِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ تَقُولُ: زِيدٌ دُونَ عَمْرٍو في الشَّرَفِ، تُرِيدُ المَكانَةَ لا المَكانَ. (ووَجْهُ اسْتِعْمالِها بِمَعْنى ”غَيْرَ“ انْتِقالُها عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فِيهِ خَفاءٌ ونَحْنُ نُوَضِّحُهُ) فَنَقُولُ: إذا قُلْتَ: اتَّخَذْتُ مِن دُونِكَ صَدِيقًا، فَأصْلُهُ: اتَّخَذْتُ مِن جِهَةٍ ومَكانٍ دُونَ جِهَتِكَ ومَكانِكَ صَدِيقًا، فَهو ظَرْفٌ مَجازِيٌّ. وإذا كانَ المَكانُ المُتَّخَذُ مِنهُ الصَّدِيقُ مَكانُكَ وجِهَتُكَ مُنْحَطَّةٌ عَنْهُ وهي دُونُهُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ غَيْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ، ثُمَّ حَذَفْتَ المُضافَ وأقَمْتَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرًا، فَصارَتْ دَلالَتُهُ دَلالَةَ غَيْرٍ بِهَذا التَّرْتِيبِ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في أصْلِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ. وانْتَصَبَ ”أنْدادًا“ هُنا عَلى المَفْعُولِ بِـ يَتَّخِذُ، وهي هُنا …

Al-Baqara 2:165Listen in Qur'an →
166

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: لَمّا ذَكَرَ مُتَّخِذِي الأنْدادِ ذَكَرَ أنَّ عِبادَتَهم لَهم وإفْناءَ أعْمارِهِمْ في طاعَتِهِمْ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهم سَبَبُ نَجاتِهِمْ، لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وأنَّهم حِينَ صارُوا أحْوَجَ إلَيْهِمْ، تَبَرَّءُوا مِنهم. و”إذْ“: بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَرَوْنَ العَذابَ“ . وقِيلَ: مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: ”شَدِيدُ العَذابِ“ . وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا، هم رُؤَساؤُهم وقادَتُهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ، أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُوَسْوِسُونَ ويُرُونَهُمُ الحَسَنَ قَبِيحًا والقَبِيحَ حَسَنًا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ أيْضًا والسُّدِّيُّ؛ أوْ عامٌّ في كُلِّ مَتْبُوعٍ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”اتُّبِعُوا“ الأوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ مُجاهِدٍ بِالعَكْسِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ بِالنَّدَمِ عَلى الكُفْرِ، أوْ بِالعَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، أوْ بِالقَوْلِ: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى مَن أضَلَّهم. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، الأخِيرُ أظْهَرُها، وهو أنْ يَكُونَ التَّبَرُّؤُ بِالقَوْلِ. قالَ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] . وتَبَرُّؤُ التّابِعِينَ هو انْفِصالُهم عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ والنَّدَمُ عَلى عِبادَتِهِمْ، إذْ لَمْ يُجْدِ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ورَأوُا العَذابَ، الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ، هي وما بَعْدَها، قَدْ عُطِفَتا عَلى تَبَرَّأ، فَهُما داخِلانِ في حَيِّزِ الظَّرْفِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ فِيهِما، والعامِلُ تَبَرَّأ، أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ بِهِمْ، لِأنَّها حالَةٌ يَزْدادُ فِيها الخَوْفُ والتَّنَصُّلُ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا في العَذابِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ في: ”ورَأوُا العَذابَ“، ولِلْعَطْفِ في: ”وتَقَطَّعَتْ“ عَلى تَبَرَّأ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.

﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: كِنايَةٌ عَنْ أنَّ لا مَنجى لَهم مِنَ العَذابِ، ولا مُخَلِّصَ، ولا تَعَلُّقَ بِشَيْءٍ يُخَلِّصُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الأسْبابِ أقْوالٌ: الوَصَلاتُ عَنْ قَتادَةَ، والأرْحامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، أوِ الأعْمالُ المُتْلَزَمَةُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، أوِ العُهُودُ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَوْقٍ، أوْ وصَلاتُ الكُفْرِ، أوْ مَنازِلُهم مِنَ الدُّنْيا في الجاهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ أسْبابُ النَّجاةِ، أوِ المَوَدّاتُ. والظّاهِرُ دُخُولُ الجَمِيعِ في الأسْبابِ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ. وفي هَذِهِ الجُمَلِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ نَوْعٌ يُسَمّى التَّرْصِيعَ، وهو أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسْجُوعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهو مُحَسِّنٌ الحَذْفَ لِضَمِيرِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ”اتَّبَعُوا“، إذْ لَوْ جاءَ اتَّبَعُوهم، لَفاتَ هَذا النَّوْعُ مِنَ …

Al-Baqara 2:166Listen in Qur'an →
167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allah show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: لَمّا ذَكَرَ مُتَّخِذِي الأنْدادِ ذَكَرَ أنَّ عِبادَتَهم لَهم وإفْناءَ أعْمارِهِمْ في طاعَتِهِمْ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهم سَبَبُ نَجاتِهِمْ، لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وأنَّهم حِينَ صارُوا أحْوَجَ إلَيْهِمْ، تَبَرَّءُوا مِنهم. و”إذْ“: بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَرَوْنَ العَذابَ“ . وقِيلَ: مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: ”شَدِيدُ العَذابِ“ . وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا، هم رُؤَساؤُهم وقادَتُهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ، أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُوَسْوِسُونَ ويُرُونَهُمُ الحَسَنَ قَبِيحًا والقَبِيحَ حَسَنًا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ أيْضًا والسُّدِّيُّ؛ أوْ عامٌّ في كُلِّ مَتْبُوعٍ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”اتُّبِعُوا“ الأوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ مُجاهِدٍ بِالعَكْسِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ بِالنَّدَمِ عَلى الكُفْرِ، أوْ بِالعَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، أوْ بِالقَوْلِ: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى مَن أضَلَّهم. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، الأخِيرُ أظْهَرُها، وهو أنْ يَكُونَ التَّبَرُّؤُ بِالقَوْلِ. قالَ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] . وتَبَرُّؤُ التّابِعِينَ هو انْفِصالُهم عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ والنَّدَمُ عَلى عِبادَتِهِمْ، إذْ لَمْ يُجْدِ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ورَأوُا العَذابَ، الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ، هي وما بَعْدَها، قَدْ عُطِفَتا عَلى تَبَرَّأ، فَهُما داخِلانِ في حَيِّزِ الظَّرْفِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ فِيهِما، والعامِلُ تَبَرَّأ، أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ بِهِمْ، لِأنَّها حالَةٌ يَزْدادُ فِيها الخَوْفُ والتَّنَصُّلُ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا في العَذابِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ في: ”ورَأوُا العَذابَ“، ولِلْعَطْفِ في: ”وتَقَطَّعَتْ“ عَلى تَبَرَّأ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.

﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: كِنايَةٌ عَنْ أنَّ لا مَنجى لَهم مِنَ العَذابِ، ولا مُخَلِّصَ، ولا تَعَلُّقَ بِشَيْءٍ يُخَلِّصُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الأسْبابِ أقْوالٌ: الوَصَلاتُ عَنْ قَتادَةَ، والأرْحامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، أوِ الأعْمالُ المُتْلَزَمَةُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، أوِ العُهُودُ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَوْقٍ، أوْ وصَلاتُ الكُفْرِ، أوْ مَنازِلُهم مِنَ الدُّنْيا في الجاهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ أسْبابُ النَّجاةِ، أوِ المَوَدّاتُ. والظّاهِرُ دُخُولُ الجَمِيعِ في الأسْبابِ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ. وفي هَذِهِ الجُمَلِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ نَوْعٌ يُسَمّى التَّرْصِيعَ، وهو أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسْجُوعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهو مُحَسِّنٌ الحَذْفَ لِضَمِيرِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ”اتَّبَعُوا“، إذْ لَوْ جاءَ اتَّبَعُوهم، لَفاتَ هَذا النَّوْعُ مِنَ …

Al-Baqara 2:167Listen in Qur'an →
168

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] .

الحَلالُ: مُقابِلُ الحَرامِ ومُقابِلُ المُحَرَّمِ. يُقالُ شَيْءٌ حَلالٌ: أيْ سائِغٌ الِانْتِفاعُ بِهِ، وشَيْءٌ حَرامٌ: مَمْنُوعٌ مِنهُ، ورَجُلٌ حَلالٌ: أيْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ. قِيلَ: وسُمِّيَ حَلّالًا؛ لِانْحِلالِ عَقْدِ المَنعِ مِنهُ، والفِعْلُ مِنهُ حَتّى يَحِلَّ، بِكَسْرِ الحاءِ في المُضارِعِ، عَلى قِياسِ الفِعْلِ المُضاعَفِ اللّازِمِ. ويُقالُ: هَذا حَلٌّ، أيْ حَلالٌ، ويُقالُ: حَلَّ بَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وحَلَّ بِالمَكانِ: نَزَلَ بِهِ، ومُضارِعُهُ جاءَ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِها، وحَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: حانَ وقْتَ أدائِهِ. الخُطْوَةُ، بِضَمِّ الخاءِ: ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِي مِنَ الأرْضِ، والخَطْوَةُ، بِفَتْحِها: المَرَّةُ مِنَ المَصْدَرِ. يُقالُ: خَطا يَخْطُ خَطْوًا: مَشى. ويُقالُ: هو واسِعُ الخَطْوِ. فالخُطْوَةُ بِالضَّمِّ، عِبارَةٌ عَنِ المَسافَةِ الَّتِي يَخْطُو فِيها، كالغُرْفَةِ والقَبْضَةِ، وهُما عِبارَتانِ عَنِ الشَّيْءِ المَعْرُوفِ والمَقْبُوضِ، وفي جَمْعِها بِالألِفِ والياءِ لُغًى ثَلاثٌ: إسْكانُ الطّاءِ كَحالِها في المُفْرَدِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وناسٍ مِن قِيسٍ، وضَمَّةُ الطّاءِ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الخاءِ، وفَتْحُ الطّاءِ. ويُجْمَعُ تَكْسِيرًا عَلى خُطًى، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في فِعْلَةٍ الِاسْمِ. الفَحْشاءُ: مَصْدَرٌ كالبَأْساءِ، وهو فَعْلاءٌ مِنَ الفُحْشِ، وهو قُبْحُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ

ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي. ألْفى: وجَدَ، وفي تَعَدِّيها إلى مَفْعُولَيْنِ خِلافٌ، ومَن مَنَعَ جَعْلَ الثّانِي حالًا، والأصَحُّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِمَجِيئِهِ مَعْرِفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى زِيادَةِ الألِفِ واللّامِ عَلى خِلافِ الأصْلِ. النَّعِيقُ: دُعاءُ الرّاعِي وتَصْوِيتُهُ بِالغَنَمِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فانْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالا

ويُقالُ: نَعَقَ المُؤَذِّنُ، ويُقالُ: نَعَقَ …

Al-Baqara 2:168Listen in Qur'an →
169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He only orders you to evil and immorality and to say about Allah what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ عَدُوٌّ، أخَذَ يَذْكُرُ ثَمَرَةَ العَداوَةِ وما نَشَأ عَنْها، وهو أمْرُهُ بِما ذَكَرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وفي الخِلافِ فِيها: أتُفِيدُ الحَصْرَ أمْ لا ؟ وأمْرُ الشَّيْطانِ، إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يُتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ. فَإذا أُطِيعَ، نَفَذَ أمْرُهُ بِالسُّوءِ، أيْ بِما يَسُوءُ في العُقْبى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّوءُ ما لا حَدَّ لَهُ. والفَحْشاءُ، قالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدّا مِنَ الحُدُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ. وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ. وقِيلَ: ما قَبُحَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا. وقالَ طاوُسٌ: ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ. وقالَ عَطاءٌ: هي البُخْلُ.

﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، قالَ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِ، وجَعَلُوهُ شَرْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُضافُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ. انْتَهى. قِيلَ: وظاهِرُ هَذا تَحْرِيمُ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِما لا يَعْلَمُهُ القائِلُ مِن دِينِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرَّأْيُ والأقْيِسَةُ والشَّبَهِيَّةُ والِاسْتِحْسانُ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ مَن قَلَّدَ الجاهِلَ واتَّبَعَ حُكْمَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كانَ الشَّيْطانُ آمِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ؟ قُلْتُ: شَبَّهَ تَزْيِينِهِ وبَعْثَهُ عَلى الشَّرِّ بِأمْرِ الآمِرِ، كَما تَقُولُ: أمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذا، وتَحُثُّهُ رَمَزَ إلى أنَّكم فِيهِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ لِطاعَتِكم لَهُ وقَبُولِكم وساوِسَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] لَمّا كانَ الإنْسانُ يُطْعِمُها ويُعْطِيها ما اشْتَهَتْ. انْتَهى كَلامُهُ.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: الضَّمِيرُ في لَهم عائِدٌ عَلى كَفّارِ العَرَبِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ وصْفَهم، وهو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، ولِذَلِكَ قالُوا لِأبِي طالِبٍ، حِينَ احْتُضِرَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ ذَكَّرُوهُ بِدِينِ أبِيهِ ومَذْهَبِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهم أشَدُّ النّاسِ اتِّباعًا لِأسْلافِهِمْ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى ”مَن“، مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهو بَعِيدٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهَذا هو الظّاهِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وحِكْمَتُهُ أنَّهم أُبْرِزُوا في صُورَةِ الغائِبِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن فِعْلِهِ، حَيْثُ دُعِيَ إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الهُدى والنُّورُ. فَأجابَ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ أبِيهِ، وكَأنَّهُ يُقالُ: هَلْ رَأيْتُمْ أسْخَفَ رَأْيًا وأعْمى بَصِيرَةً مِمَّنْ دُعِيَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ وأضْرَبَ عَنْهُ ؟ وأثْبَتَ أنَّهُ يَتَّبِعَ ما وُجَدَ عَلَيْهِ أباهُ ؟ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى ذَمِّ …

Al-Baqara 2:169Listen in Qur'an →
170

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ عَدُوٌّ، أخَذَ يَذْكُرُ ثَمَرَةَ العَداوَةِ وما نَشَأ عَنْها، وهو أمْرُهُ بِما ذَكَرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وفي الخِلافِ فِيها: أتُفِيدُ الحَصْرَ أمْ لا ؟ وأمْرُ الشَّيْطانِ، إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يُتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ. فَإذا أُطِيعَ، نَفَذَ أمْرُهُ بِالسُّوءِ، أيْ بِما يَسُوءُ في العُقْبى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّوءُ ما لا حَدَّ لَهُ. والفَحْشاءُ، قالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدّا مِنَ الحُدُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ. وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ. وقِيلَ: ما قَبُحَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا. وقالَ طاوُسٌ: ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ. وقالَ عَطاءٌ: هي البُخْلُ.

﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، قالَ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِ، وجَعَلُوهُ شَرْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُضافُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ. انْتَهى. قِيلَ: وظاهِرُ هَذا تَحْرِيمُ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِما لا يَعْلَمُهُ القائِلُ مِن دِينِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرَّأْيُ والأقْيِسَةُ والشَّبَهِيَّةُ والِاسْتِحْسانُ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ مَن قَلَّدَ الجاهِلَ واتَّبَعَ حُكْمَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كانَ الشَّيْطانُ آمِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ؟ قُلْتُ: شَبَّهَ تَزْيِينِهِ وبَعْثَهُ عَلى الشَّرِّ بِأمْرِ الآمِرِ، كَما تَقُولُ: أمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذا، وتَحُثُّهُ رَمَزَ إلى أنَّكم فِيهِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ لِطاعَتِكم لَهُ وقَبُولِكم وساوِسَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] لَمّا كانَ الإنْسانُ يُطْعِمُها ويُعْطِيها ما اشْتَهَتْ. انْتَهى كَلامُهُ.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: الضَّمِيرُ في لَهم عائِدٌ عَلى كَفّارِ العَرَبِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ وصْفَهم، وهو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، ولِذَلِكَ قالُوا لِأبِي طالِبٍ، حِينَ احْتُضِرَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ ذَكَّرُوهُ بِدِينِ أبِيهِ ومَذْهَبِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهم أشَدُّ النّاسِ اتِّباعًا لِأسْلافِهِمْ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى ”مَن“، مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهو بَعِيدٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهَذا هو الظّاهِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وحِكْمَتُهُ أنَّهم أُبْرِزُوا في صُورَةِ الغائِبِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن فِعْلِهِ، حَيْثُ دُعِيَ إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الهُدى والنُّورُ. فَأجابَ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ أبِيهِ، وكَأنَّهُ يُقالُ: هَلْ رَأيْتُمْ أسْخَفَ رَأْيًا وأعْمى بَصِيرَةً مِمَّنْ دُعِيَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ وأضْرَبَ عَنْهُ ؟ وأثْبَتَ أنَّهُ يَتَّبِعَ ما وُجَدَ عَلَيْهِ أباهُ ؟ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى ذَمِّ …

Al-Baqara 2:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.