إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.
وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا …