Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 161–170 of 286

161

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ بَقاءِ اللَّعْنِ فِيما وراءَ الِاسْتِثْناءِ؛ وتَأْكِيدِ دَوامِهِ؛ واسْتِمْرارِهِ عَلى غَيْرِ التّائِبِينَ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ الكَلامُ؛ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ في الصِّلَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ والإصْلاحِ؛ والتَّبْيِينِ؛ مَبْنِيٌّ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَكَما أنَّ وُجُودَ تِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ؛ المُوجِبِ لِعَدَمِ الكُفْرِ؛ كَذَلِكَ وُجُودُ الكُفْرِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِها جَمِيعًا؛ أيْ أنَّ ذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى الكُفْرِ؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْكِتْمانِ؛ وعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ ﴿وَماتُوا وهم كُفّارٌ﴾؛ لا يَرْعَوُونَ عَنْ حالَتِهِمُ الأُولى؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: الكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِمْ؛ ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾؛ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِلَعْنَتِهِمْ؛ وهَذا بَيانٌ لِدَوامِها الثُّبُوتِيِّ؛ بَعْدَ بَيانِ دَوامِها التَّجَدُّدِيِّ؛ وقِيلَ: الأوَّلُ لَعْنَتُهم أحْياءً؛ وهَذا لَعْنَتُهم أمْواتًا؛ وقُرِئَ: "والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ"؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ "اللَّهِ"؛ لِأنَّهُ فاعِلٌ في المَعْنى؛ كَقَوْلِكَ: "أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ؛ وعُمَرُ"؛ تُرِيدُ: "مِن أنْ ضَرَبَ زَيْدٌ؛ وعُمَرُ"؛ وكَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؛ والمَلائِكَةُ.. إلَخْ.. وقِيلَ: هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: ويَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ.

Al-Baqara 2:161Listen in Qur'an →
162

خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أيْ: في اللَّعْنَةِ؛ أوْ في النّارِ؛ عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِها؛ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾؛ إمّا مُسْتَأْنِفٌ لِبَيانِ كَثْرَةِ عَذابِهِمْ؛ مِن حَيْثُ الكَيْفُ؛ إثْرَ بَيانِ كَثْرَتِهِ مِن حَيْثُ الكَمُّ؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "خالِدِينَ"؛ عَلى وجْهِ التَّداخُلِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "عَلَيْهِمْ"؛ عَلى طَرِيقَةِ التَّرادُفِ؛ ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ جارٍ فِيهِ ما جَرى فِيهِ؛ وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ النَّفْيِ؛ واسْتِمْرارِهِ؛ أيْ: لا يُمْهَلُونَ؛ ولا يُؤَجَّلُونَ؛ أوْ: لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا؛ أوْ: لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.

Al-Baqara 2:162Listen in Qur'an →
163

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

﴿وَإلَهُكُمْ﴾: خِطابٌ عامٌّ لِكافَّةِ النّاسِ؛ أيْ: المُسْتَحِقُّ مِنكم لِلْعِبادَةِ؛ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: فَرْدٌ في الإلَهِيَّةِ؛ لا صِحَّةَ لِتَسْمِيَةِ غَيْرِهِ "إلَهًا" أصْلًا؛ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾: خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ؛ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِلْخَبَرِ؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مُقَرِّرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ ومُزِيحٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا؛ لَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: خَبَرانِ آخَرانِ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ وهو تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) حَيْثُ كانَ مُولِيًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ أُصُولِها؛ وفُرُوعِها؛ جَلِيلِها؛ ودَقِيقِها؛ وكانَ ما سِواهُ؛ كائِنًا ما كانَ؛ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ في وُجُودِهِ؛ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن كَمالاتِهِ؛ تَحَقَّقَتْ وحْدانِيَّتُهُ بِلا رَيْبٍ؛ وانْحَصَرَ اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ فِيهِ (تَعالى) قَطْعًا؛ قِيلَ: كانَ لِلْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ المُكَرَّمَةِ ثُلْثُمائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا؛ فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ تَعَجَّبُوا؛ أوْ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ نَعْرِفْ بِها صِدْقَكَ؛ فَنَزَلَتْ.

Al-Baqara 2:163Listen in Qur'an →
164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allah has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and the earth are signs for a people who use reason.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ: في إبْداعِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِما مِنَ التَّعاجِيبِ؛ العِبَرُ؛ وبَدائِعُ صَنائِعَ؛ يَعْجِزُ عَنْ فَهْمِها عُقُولُ البَشَرِ؛ وجَمْعُ "السَّمَواتِ" لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّها طَبَقاتٌ مُتَخالِفَةُ الحَقائِقِ؛ دُونَ الأرْضِ؛ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: اعْتِقابِهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾؛ أوْ: اخْتِلافِ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما؛ ازْدِيادًا؛ وانْتِقاصًا؛ عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَأْنِيثُهُ إمّا بِتَأْوِيلِ السَّفِينَةِ؛ أوْ بِأنَّهُ جَمْعٌ؛ فَإنَّ ضَمَّةَ الجَمْعِ مُغايِرَةٌ لِضَمَّةِ الواحِدِ في التَّقْدِيرِ؛ إذِ الأُولى كَما في "حُمْرٌ"؛ والثّانِيَةُ كَما في "قُفْلٌ"؛ وقُرِئَ: بِضَمِّ اللّامِ؛ ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ؛ مِمّا يُحَمَلُ فِيها مِن أنْواعِ المَنافِعِ؛ أوْ بِنَفْعِهِمْ؛ ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ﴾: عَطْفٌ عَلى "الفُلْكِ"؛ وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها؛ مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا؛ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْصِيلٍ؛ وقِيلَ: المَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالبَحْرِ؛ وأحْوالِهِ؛ وتَخْصِيصُ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ؛ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ؛ ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ؛ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ؛ في غالِبِ الأمْرِ؛ و"مِن" الأُولى: ابْتِدائِيَّةٌ؛ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ وأيًّا ما كانَ فَتَأْخِيرُها لِما مَرَّ مِرارًا؛ مِنَ التَّشْوِيقِ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ: الفَلَكُ؛ أوِ السَّحابُ؛ أوْ جِهَةُ العُلُوِّ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ بِأنْواعِ النَّباتِ؛ والأزْهارِ؛ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ؛ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها؛ كَما يُوزَنُ بِهِ إيرادُ المَوْتِ في مُقابَلَةِ الإحْياءِ؛ ﴿وَبَثَّ فِيها﴾؛ أيْ: فَرَّقَ؛ ونَشَرَ؛ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾؛ مِنَ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "أنْزَلَ"؛ داخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الصِّلَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى) ﴿فَأحْيا﴾؛ إلَخْ.. مُتَّصِلٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ كانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْزَلَ في الأرْضِ مِن ماءٍ؛ وبَثَّ فِيها.. إلَخْ.. أوْ عَلى "أحْيا"؛ بِحَذْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ العائِدِ إلى المَوْصُولِ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرائِطُ المَعْهُودَةُ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ وإنَّ لِسانِي شَهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ

أيْ: عَلْقَمٌ عَلَيْهِ؛ وقَوْلِهِ:

؎ لَعَلَّ الَّذِي أصْعَدْتَنِي أنْ يَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدُرِ الخَيْرَ قادِرُهْ

عَلى مَعْنى: فَأحْيا بِالماءِ الأرْضَ؛ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ؛ فَإنَّهم يَنْمُونَ بِالخِصْبِ؛ ويَعِيشُونَ بِالحَيا؛ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾: عَطْفٌ عَلى "ما أنْزَلَ"؛ أيْ: تَقْلِيبِها مِن مَهَبٍّ إلى آخَرَ؛ أوْ مِن حالٍ إلى أُخْرى؛ وقُرِئَ عَلى الإفْرادِ؛ ﴿والسَّحابِ﴾: عَطْفٌ عَلى "تَصْرِيفِ"؛ أوْ "الرِّياحِ"؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واحِدُهُ "سَحابَةٌ"؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ؛ ﴿المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾: صِفَةٌ لِلسَّحابِ؛ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ؛ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَحابًا ثِقالا﴾؛ وتَسْخِيرُهُ: تَقْلِيبُهُ في الجَوِّ؛ بِواسِطَةِ …

Al-Baqara 2:164Listen in Qur'an →
165

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

And [yet], among the people are those who take other than Allah as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allah. But those who believe are stronger in love for Allah. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allah and that Allah is severe in punishment.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ﴾: بَيانٌ لِكَمالِ رَكاكَةِ آراءِ المُشْرِكِينَ؛ إثْرَ تَقْرِيرِ وحْدانِيَّتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَحْرِيرِ الآياتِ الباهِرَةِ؛ المُلْجِئَةِ لِلْعُقَلاءِ إلى الِاعْتِرافِ بِها؛ الفائِضَةِ بِاسْتِحالَةِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ في صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَضْلًا عَنِ المُشارَكَةِ في صِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ والكَلامُ في إعْرابِهِ كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلَخْ.. و"مِن دُونِ اللَّهِ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَّخِذُ"؛ أيْ: مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ذَلِكَ الإلَهِ الواحِدِ؛ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ؛ وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ (تَعالى) بِالذّاتِ؛ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ ﴿أنْدادًا﴾؛ أيْ: أمْثالًا؛ وهم رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم فِيما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ لا سِيَّما في الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن وصْفِهِمْ بِالتَّبَرِّي مِنَ المُتَّبِعِينَ؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ؛ وإرْجاعُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إلَيْها؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾؛ مَبْنِيٌّ عَلى آرائِهِمُ الباطِلَةِ في شَأْنِها مِن وصْفِهِمْ بِما لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العُقَلاءُ؛ والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ؛ مِن "الحَبُّ"؛ اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ؛ ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ "الحُبُّ"؛ لِأنَّهُ أصابَها؛ ورَسَخَ فِيها؛ والفِعْلُ مِنها "حَبَّ"؛ عَلى حَدِّ "مَدَّ"؛ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ عَلى "أحَبَّ؛ حُبًّا؛ ومَحَبَّةً"؛ فَهو "مُحِبٌّ"؛ وذاكَ "مَحْبُوبٌ"؛ و"مُحَبٌّ" قَلِيلٌ؛ و"حابٌّ"؛ أقَلُّ مِنهُ؛ ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ في أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ؛ فَمَعْنى "يُحِبُّونَهُمْ": يُطِيعُونَهُمْ؛ ويُعَظِّمُونَهُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ إمّا صِفَةً لِـ "أنْدادًا"؛ أوْ حالًا مِن فاعِلِ "يَتَّخِذُ"؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مِن"؛ كَما أنَّ إفْرادَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ؛ أيْ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ السّابِقِ؛ ومِن قَضِيَّةِ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ كَوْنُهُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ والظّاهِرُ اتِّحادُ فاعِلِهِما؛ فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ (تَعالى) أيْضًا؛ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ؛ فالمَعْنى: يُحِبُّونَهم حُبًّا كائِنًا كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ (تَعالى)؛ أيْ: يُسَوُّونَ بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَهم في الطّاعَةِ؛ والتَّعْظِيمِ؛ وقِيلَ: فاعِلُ الحُبِّ المَذْكُورِ هم المُؤْمِنُونَ؛ فالمَعْنى: حُبًّا كائِنًا كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لَهُ (تَعالى)؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما في أصْلِ الحُبِّ؛ لا في وصْفِهِ كَمًّا أوْ كَيْفًا؛ لِما سَيَأْتِي مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: كَما يُحَبُّ اللَّهُ (تَعالى)؛ ويُعَظَّمُ؛ وإنَّما اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُشابَهَةَ بَيْنَ مَحَبِّيَتِهِمْ لِأنْدادِهِمْ؛ وبَيْنَ مَحْبُوبِيَّتِهِ (تَعالى)؛ فالمَصِيرُ حِينَئِذٍ ما أسْلَفْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وتَفْخِيمِ المُضافِ؛ وإبانَةِ كَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ جِيءَ بِها تَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُها …

Al-Baqara 2:165Listen in Qur'an →
166

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ يَرَوْنَ"؛ أيْ: إذْ تَبَرَّأ الرُّؤَساءُ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ مِنَ الأتْباعِ؛ بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ في الدُّنْيا؛ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ؛ وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ؛ كَقَوْلِ إبْلِيسَ: إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ؛ وقُرِئَ بِالعَكْسِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾؛ حالِيَّةٌ؛ و"قَدْ" مُضْمَرَةٌ؛ وقِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ والضَّمِيرُ في "رَأوْا" لِلْمَوْصُوفِينَ جَمِيعًا؛ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾؛ والوُصُلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ؛ مِنَ التَّبَعِيَّةِ؛ والمَتْبُوعِيَّةِ؛ والِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الزّائِغَةِ؛ والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ؛ وأصْلُ "السَّبَبُ": الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ؛ ونَحْوُهُ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ وتَوْسِيطُ الحالِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ التَّبَرِّي؛ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُها عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.

Al-Baqara 2:166Listen in Qur'an →
167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allah show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ؛ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾؛ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا؛ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾؛ هُناكَ؛ ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾؛ اليَوْمَ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ لا إلى شَيْءٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ مَعَ كَمالِ تَمَيُّزِهِ عَمّا عَداهُ؛ وانْتِظامِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ. والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ الإراءَ الفَظِيعَ؛ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: نَداماتٍ شَدِيدَةً؛ فَإنَّ الحَسْرَةَ شِدَّةُ النَّدَمِ؛ والكَمَدِ؛ وهي تَألُّمُ القَلْبِ؛ وانْحِسارُهُ عَمّا يُؤْلِمُهُ؛ واشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمْ: "بَعِيرٌ حَسِيرٌ"؛ أيْ: مُنْقَطِعُ القُوَّةِ؛ وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ "يُرِي"؛ إنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وإلّا فَهي حالٌ؛ والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهم تَنْقَلِبُ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَرَوْنَ إلّا حَسَراتٍ مَكانَ أعْمالِهِمْ؛ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ والأصْلُ: "وَما يَخْرُجُونَ"؛ والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ نَفْيِ الخُرُوجِ؛ والضَّمِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ هُمُ يَفْرُشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ∗∗∗ وأجْرَدَ سَبّاقٍ يَبُذُّ المَغالِيا

Al-Baqara 2:167Listen in Qur'an →
168

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: بَعْضِ ما فِيها مِن أصْنافِ المَأْكُولاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَرَّمْتُمُوهُ؛ افْتِراءً عَلى اللَّهِ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الحَرْثِ؛ والبَحائِرِ؛ والسَّوائِبِ؛ والوَصائِلِ؛ والحامِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَلالا﴾: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "كُلُوا"؛ عَلى أنَّ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿طَيِّبًا﴾؛ فَإنَّهُ صِفَةٌ لَهُ؛ ووَصْفُ الأكْلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتادٍ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ؛ والمَلابِسِ؛ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: لا تَقْتَدُوا بِها في اتِّباعِ الهَوى؛ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الخِطابَ لِلْكَفَرَةِ؛ كَيْفَ لا.. وتَحْرِيمُ الحَلالِ عَلى نَفْسِهِ تَزَهُّدًا لَيْسَ مِن بابِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ تَقَوُّلًا؛ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ ما في سُورَةِ "المائِدَةِ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ الآيَةِ.. وقُرِئَ: "خُطْواتِ"؛ بِسُكُونِ الطّاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ "خُطْوَةٌ"؛ وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي؛ وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ؛ جُعِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الطّاءِ؛ كَأنَّها عَلى الواوِ؛ وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّها جَمْعُ "خَطْوَةٌ" وهي المَرَّةُ مِن "الخَطْوُ"؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ؛ وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوِلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ "وَلِيًّا"؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ .

Al-Baqara 2:168Listen in Qur'an →
169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He only orders you to evil and immorality and to say about Allah what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ؛ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ؛ وإفْسادِهِ؛ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ؛ والسُّوءُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ "ساءَهُ؛ يَسُوؤُهُ؛ سُوءًا؛ ومَساءَةً"؛ إذا أحْزَنَهُ؛ يُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي؛ سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ؛ أوْ أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها؛ والفَحْشاءُ أقْبَحُ أنْواعِها؛ وأعْظَمُها مَساءَةً؛ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى الفَحْشاءِ؛ أيْ: وبِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا؛ وذاكَ؛ ومَعْنى "ما لا تَعْلَمُونَ": ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِهِ؛ وتَعْلِيقُ أمْرِهِ بِتَقَوُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ لا بِتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ أنَّ حالَهم ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الأوَّلِ؛ مَعَ كَوْنِهِ في القُبْحِ والشَّناعَةِ دُونَ الثّانِي؛ تَحْذِيرٌ عَنِ الثّانِي؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ ألّا يَقُولَ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ الِاحْتِمالِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنُّهُ؛ فَمُسْتَنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شَرْعِيٍّ؛ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ؛ والظَّنُّ في طَرِيقِهِ.

Al-Baqara 2:169Listen in Qur'an →
170

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ؛ تَسْجِيلًا بِكَمالِ ضَلالِهِمْ؛ وإيذانًا بِإيجابِ تَعْدادِ ما ذُكِرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ لِصَرْفِ الخِطابِ عَنْهُمْ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى العُقَلاءِ؛ وتَفْصِيلِ مَساوِي أحْوالِهِمْ لَهُمْ؛ عَلى نَهْجِ المُباثَّةِ؛ أيْ: إذا قِيلَ لَهم - عَلى وجْهِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ -: اتَّبِعُوا كِتابَ اللَّهِ؛ الَّذِي أنْزَلَهُ؛ ﴿قالُوا﴾: لا نَتَّبِعُهُ؛ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ؛ إمّا عَلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "آباءَنا"؛ و"ألْفَيْنا" مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ. نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ؛ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القرآن؛ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ؛ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ؛ فَجَنَحُوا لِلتَّقْلِيدِ؛ والمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ اتِّخاذِ الأنْدادِ؛ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وإمّا باقٍ عَلى عُمُومِهِ؛ وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ؛ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: "بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛ لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا؛ وأعْلَمَ"؛ فَعَلى هَذا يَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) التَّوْراةَ؛ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ؛ وإظْهارًا لِبُطْلانِ آرائِهِمْ؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِقْباحِهِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ؛ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كالَّتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾؛ وكَلِمَةُ "لَوْ" في أمْثالِ هَذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الزَّمانِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ؛ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً؛ بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ بِالذّاتِ؛ أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ؛ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ؛ ثُبُوتُهُ؛ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوَّلِيَّةِ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ؛ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ؛ وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ في الخَبَرِ المُوجَبِ؛ والمَنفِيِّ؛ والأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ جَوادٌ؛ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا؛ وبَخِيلٌ؛ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا"؛ وقَوْلِكَ: "أحْسِنْ إلَيْهِ؛ ولَوْ أساءَ إلَيْكَ؛ ولا تُهِنْهُ؛ ولَوْ أهانَكَ"؛ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ؛ وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ؛ ناشِئٍ مِن وُرُودِ الإنْكارِ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ الأصْلَ في الكُلِّ واحِدٌ؛ إلّا أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها؛ وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو نَفْسُ …

Al-Baqara 2:170Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.