Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 151–160 of 286

151

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.

﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾: مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ؛ قُدِّمَ عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِما في صِفاتِهِ مِنَ الطُّولِ؛ والظَّرْفُ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَسُولًا"؛ مُبَيِّنَةً لِتَمامِ النِّعْمَةِ؛ أيْ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ إتْمامًا كائِنًا كَإتْمامِي لَها بِإرْسالِ رَسُولٍ كائِنٍ مِنكُمْ؛ فَإنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ؛ لا سِيَّما المُجانِسُ لَهُمْ؛ نِعْمَةٌ لا يُكافِئُها نِعْمَةٌ قَطُّ؛ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: "كَما ذُكِّرْتُمْ بِالإرْسالِ فاذْكُرُونِي.. إلَخْ.."؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ؛ بَعْدَ التَّوْحِيدِ فِيما قَبْلَهُ؛ افْتِنانٌ؛ وجَرَيانٌ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾: صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَسُولًا"؛ كاشِفَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ؛ ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "يَتْلُو"؛ أيْ: يَحْمِلُكم عَلى ما تَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾: صِفَةٌ أُخْرى؛ مُتَرَتِّبَةٌ في الوُجُودِ عَلى التِّلاوَةِ؛ وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هِيَ عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ؛ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها؛ بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ؛ عَلى حِيالِها؛ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ؛ فَلَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾؛ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنُ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً؛ كَما مَرَّ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ البَقَرَةِ؛ وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القرآن تارَةً بِـ "الآياتِ"؛ وأُخْرى بِـ "الكِتابِ والحِكْمَةِ"؛ رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ شُمُولُ الحِكْمَةِ لِما في تَضاعِيفِ الأحادِيثِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الشَّرائِعِ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: صَرِيحٌ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ المَوْصُولَ؛ مَعَ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الكِتابِ والحِكْمَةِ قَطْعًا؛ قَدْ عُطِفَ تَعْلِيمُهُ عَلى تَعْلِيمِهِما؛ وما ذَلِكَ إلّا لِتَفْصِيلِ فُنُونِ النِّعَمِ في مَقامٍ يَقْتَضِيهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾؛ عُقَيْبَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾؛ والمُرادُ بِعَدَمِ عِلْمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوهُ بِالفِكْرِ؛ والنَّظَرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن طُرُقِ العِلْمِ؛ لِانْحِصارِ الطَّرِيقِ في الوَحْيِ.

Al-Baqara 2:151Listen in Qur'an →
152

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

﴿فاذْكُرُونِي﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِهِ؛ أيْ: فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ؛ ﴿أذْكُرْكُمْ﴾؛ بِالثَّوابِ؛ وهو تَحْرِيضٌ عَلى الذِّكْرِ؛ مَعَ الإشْعارِ بِما يُوجِبُهُ؛ ﴿واشْكُرُوا لِي﴾؛ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ؛ ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾؛ بِجَحْدِها؛ وعِصْيانِ ما أمَرْتُكم بِهِ.

Al-Baqara 2:152Listen in Qur'an →
153

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allah is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وصَفَهم بِالإيمانِ إثْرَ تَعْدادِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ؛ تَنْشِيطًا لَهُمْ؛ وحَثًّا عَلى مُراعاةِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ؛ ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ في كُلِّ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ عَلى الأُمُورِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاداةُ الكَفَرَةِ؛ ومُقابَلَتُهُمُ المُؤَدِّيَةُ إلى مُقاتَلَتِهِمْ؛ ﴿والصَّلاةِ﴾؛ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ؛ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ؛ ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ خاصَّةً؛ لِما أنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّعْلِيلِ؛ وأمّا الصَّلاةُ؛ فَحَيْثُ كانَتْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أجَلَّ المَطالِبِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ"؛» لَمْ يَفْتَقِرِ الأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِها إلى التَّعْلِيلِ؛ ومَعْنى المَعِيَّةِ: الوِلايَةُ الدّائِمَةُ؛ المُسْتَتْبِعَةُ لِلنُّصْرَةِ؛ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ. ودُخُولُ "مَعَ" عَلى "الصّابِرِينَ"؛ لِما أنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ حَقِيقَةً؛ فَهم مَتْبُوعُونَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ.

Al-Baqara 2:153Listen in Qur'an →
154

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ

And do not say about those who are killed in the way of Allah, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

﴿وَلا تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "اسْتَعِينُوا.."؛ إلَخْ.. مَسُوقٌ لِبَيانِ أنْ لا غائِلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وأنَّ الشَّهادَةَ الَّتِي رُبَّما يُؤَدِّي إلَيْها الصَّبْرُ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ؛ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾؛ أيْ: هم أمْواتٌ؛ ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾؛ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ؛ ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بِحَياتِهِمْ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يُشْعَرُ بِهِ بِالمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ مِنَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وإنَّما هي أمْرٌ رُوحانِيٌّ؛ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ؛ بَلْ بِالوَحْيِ؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ؛ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ؛ كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا؛ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الألَمُ؛ والوَجَعُ. قُلْتُ: رَأيْتُ في المَنامِ؛ سَنَةَ تِسْعٍ وثَلاثِينَ وتِسْعِمائَةٍ؛ أنِّي أزُورُ قُبُورَ شُهَداءِ أُحُدٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم أجْمَعِينَ - وأنا أتْلُو هَذِهِ الآيَةَ؛ وما في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ"؛ وأُرَدِّدُهُما مُتَفَكِّرًا في أمْرِهِمْ؛ وفي نَفْسِي أنَّ حَياتَهم رُوحانِيَّةٌ؛ لا جُسْمانِيَّةٌ؛ فَبَيْنَما أنا عَلى ذَلِكَ إذْ رَأيْتُ شابًّا مِنهم قاعِدًا في قَبْرِهِ؛ تامَّ الجَسَدِ؛ كامِلَ الخِلْقَةِ؛ في أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الهَيْئَةِ والمَنظَرِ؛ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّباسِ؛ قَدْ بَدا مِنهُ ما فَوْقَ السُّرَّةِ؛ والباقِي في القَبْرِ؛ خَلا أنِّي أعْلَمُ يَقِينًا أنَّ ذَلِكَ أيْضًا كَما ظَهَرَ؛ وإنَّما لا يَظْهَرُ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً؛ فَنَظَرْتُ إلى وجْهِهِ؛ فَرَأيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيَّ مُبْتَسِمًا؛ كَأنَّهُ يُنَبِّهُنِي عَلى أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ رَأْيِي؛ فَسُبْحانَ مَن عَلَتْ كَلِمَتُهُ؛ وجَلَّتْ حِكْمَتُهُ؛ وقِيلَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ؛ وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ؛ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْواحَ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها؛ مُغايِرَةٌ لِما يُحَسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ؛ تَبْقى بَعْدَ المَوْتِ دَرّاكَةً؛ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -؛ وبِهِ نَطَقَتِ الآياتُ والسُّنَنُ؛ وعَلى هَذا فَتَخْصِيصُ الشُّهَداءِ بِذَلِكَ لِما يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ التَّحْرِيضِ عَلى مُباشَرَةِ مَبادِي الشَّهادَةِ؛ ولِاخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وعَلا.

Al-Baqara 2:154Listen in Qur'an →
155

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ

And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: لَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ أحْوالَكُمْ؛ أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؛ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؛ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ ما وقاهم عَنْهُ أكْثَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أصابَهم بِألْفِ مَرَّةٍ؛ وكَذا ما يُصِيبُ بِهِ مُعانِدِيهِمْ؛ وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ؛ ويَزْدادَ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ؛ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ؛ ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: عَطْفٌ عَلى "شَيْءٍ"؛ وقِيلَ: عَلى "الخَوْفِ"؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ؛ والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ؛ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ: الزَّكاةُ والصَّدَقاتُ؛ ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ؛ ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ"؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ (تَعالى) لِلْمَلائِكَةِ: "أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ - عَزَّ وجَلَّ -: "أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ (تَعالى): "ماذا قالَ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ؛ واسْتَرْجَعَ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا -: "ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ"؛» ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ. والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ"؛» ولَيْسَ الصَّبْرُ هو الِاسْتِرْجاعُ بِاللِّسانِ؛ بَلْ بِالقَلْبِ؛ بِأنْ يَتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ؛ وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ؛ ويَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِ؛ ويَرى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافَ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ؛ فَيُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويَسْتَسْلِمُ؛ والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ؛ .

Al-Baqara 2:155Listen in Qur'an →
156

ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allah, and indeed to Him we will return."

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: لَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ أحْوالَكُمْ؛ أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؛ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؛ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ ما وقاهم عَنْهُ أكْثَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أصابَهم بِألْفِ مَرَّةٍ؛ وكَذا ما يُصِيبُ بِهِ مُعانِدِيهِمْ؛ وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ؛ ويَزْدادَ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ؛ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ؛ ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: عَطْفٌ عَلى "شَيْءٍ"؛ وقِيلَ: عَلى "الخَوْفِ"؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ؛ والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ؛ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ: الزَّكاةُ والصَّدَقاتُ؛ ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ؛ ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ"؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ (تَعالى) لِلْمَلائِكَةِ: "أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ - عَزَّ وجَلَّ -: "أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ (تَعالى): "ماذا قالَ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ؛ واسْتَرْجَعَ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا -: "ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ"؛» ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ. والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ"؛» ولَيْسَ الصَّبْرُ هو الِاسْتِرْجاعُ بِاللِّسانِ؛ بَلْ بِالقَلْبِ؛ بِأنْ يَتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ؛ وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ؛ ويَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِ؛ ويَرى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافَ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ؛ فَيُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويَسْتَسْلِمُ؛ والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ؛ .

Al-Baqara 2:156Listen in Qur'an →
157

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الصّابِرِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ؛ ومَعْنى البُعْدِ فِيهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ؛ ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾؛ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: المَغْفِرَةُ؛ والرَّأْفَةُ؛ وجَمْعُها لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَتِها؛ وتَنَوُّعِها؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾؛ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ والتَّنْوِينَ فِيهِما لِلتَّفْخِيمِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ فُنُونُ الرَّأْفَةِ؛ الفائِضَةِ مِن مالِكِ أُمُورِهِمْ؛ ومُبَلِّغِهِمْ إلى كَمالاتِهِمُ اللّائِقَةِ بِهِمْ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ؛ وأحْسَنَ عُقْباهُ؛ وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ"؛» ﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ إمّا بِالِاعْتِبارِ السّابِقِ؛ والتَّكْرِيرُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ وإمّا بِاعْتِبارِ حِيازَتِهِمْ لِما ذُكِرَ مِنَ الصَّلَواتِ؛ والرَّحْمَةِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ؛ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ بِالِاهْتِداءِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾؛ هو الِاهْتِداءُ لِلْحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ مُطْلَقًا؛ لا الِاهْتِداءُ لِما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ؛ والِاسْتِسْلامِ؛ خاصَّةً؛ لِما أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِما؛ فَلا بُدَّ لِتَأْخِيرِهِ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لَهُما مِن داعٍ يُوجِبُهُ؛ ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُولَئِكَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالِاهْتِداءِ لِكُلِّ حَقٍّ وصَوابٍ؛ ولِذَلِكَ اسْتَرْجَعُوا؛ واسْتَسْلَمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعَلى الثّانِي هو الِاهْتِداءُ؛ والفَوْزُ بِالمَطالِبِ؛ والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ بِمَباغِيهِمُ الدِّينِيَّةِ؛ والدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّ مَن نالَ رَأْفَةَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ورَحْمَتَهُ لَمْ يَفُتْهُ مَطْلَبٌ.

Al-Baqara 2:157Listen in Qur'an →
158

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

Indeed, as-Safa and al-Marwah are among the symbols of Allah. So whoever makes Hajj to the House or performs 'umrah - there is no blame upon him for walking between them. And whoever volunteers good - then indeed, Allah is appreciative and Knowing.

﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾: عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ المُعَظَّمَةِ؛ كالصَّمّانِ؛ والمُقَطَّمِ؛ ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾؛ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ؛ جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ وهي العَلامَةُ؛ ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾؛ الحَجُّ (فِي اللُّغَةِ: القَصْدُ. والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. غَلَبا في الشَّرِيعَةِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ؛ وزِيارَتِهِ؛ عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ؛ كَـ "البَيْتُ"؛ و"النَّجْمُ"؛ في الأعْيانِ؛ وحَيْثُ أُظْهِرَ البَيْتُ وجَبَ تَجْرِيدُهُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾؛ أيْ: في أنْ يَطُوفَ بِهِما؛ أصْلُهُ: "يَتَطَوَّفُ"؛ قُلِبَتِ التّاءُ طاءً؛ فَأُدْغِمَتِ الطّاءُ في الطّاءِ؛ وفي إيرادِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ إيذانٌ بِأنَّ مِن حَقِّ الطّائِفِ أنْ يَتَكَلَّفَ في الطَّوافِ؛ ويَبْذُلَ فِيهِ جُهْدَهُ؛ وهَذا الطَّوافُ واجِبٌ عِنْدَنا؛ وعَنْ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ - أنَّهُ رُكْنٌ؛ وإيرادُهُ بِعَدَمِ الجُناحِ؛ المُشْعِرِ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِما أنَّهُ كانَ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ عَلى الصَّفا صَنَمٌ؛ يُقالُ لَهُ: إسافُ؛ وعَلى المَرْوَةِ آخَرُ؛ اسْمُهُ: نائِلَةُ؛ وكانُوا إذا سَعَوْا بَيْنَهُما مَسَحُوا بِهِما؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ؛ وكَسَّرَ الأصْنامَ؛ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَهُما لِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هو تَطَوُّعٌ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما"؛ ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ أيْ: فَعَلَ طاعَةً؛ فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا؛ أوْ زادَ عَلى ما فُرِضَ عَلَيْهِ مِن حَجٍّ؛ أوْ عُمْرَةٍ؛ أوْ طَوافٍ؛ و"خَيْرًا" حِينَئِذٍ نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَطَوُّعًا خَيْرًا؛ أوْ عَلى حَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ؛ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى "فَعَلَ"؛ وقُرِئَ: "يَطَّوَّعْ"؛ وأصْلُهُ: "يَتَطَوَّعْ"؛ مِثْلَ "يَطَّوَّفَ"؛ وقُرِئَ: "وَمَن يَتَطَوَّعْ بِخَيْرٍ"؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ﴾؛ أيْ: مُجازٍ عَلى الطّاعَةِ؛ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ؛ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلى العِبادِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ؛ فَيَعْلَمُ مَقادِيرَ أعْمالِهِمْ؛ وكَيْفِيّاتِها؛ فَلا يُنْقِصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا؛ وهو عِلَّةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ؛ قائِمٌ مَقامَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا جازاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأثابَهُ؛ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.

Al-Baqara 2:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allah and cursed by those who curse,

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا ما في التَّوْراةِ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ والحَسَنِ؛ والسُّدِّيِّ؛ والرَّبِيعِ؛ والأصَمِّ؛ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الدِّينِ؛ لِعُمُومِ الحُكْمِ لِلْكُلِّ؛ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ فَإنَّ عُمُومَ الحُكْمِ لا يَأْبى خُصُوصَ السَّبَبِ. والكَتْمُ؛ والكِتْمانَ: تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ قَصْدًا؛ مَعَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ وتَحَقُّقِ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ؛ وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ سَتْرِهِ؛ وإخْفائِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ بِإزالَتِهِ؛ ووَضْعِ شَيْءٍ آخَرَ في مَوْضِعِهِ؛ وهو الَّذِي فَعَلَهُ هَؤُلاءِ؛ ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾؛ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿والهُدى﴾؛ أيْ: والآياتِ الهادِيَةِ إلى كُنْهِ أمْرِهِ؛ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ؛ والإيمانِ بِهِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً؛ ولَمْ يَجْمَعْ؛ مُراعاةً لِلْأصْلِ؛ وهي المُرادَةُ بِالبَيِّناتِ أيْضًا؛ والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ﴾؛ إلَخْ.. وقِيلَ: المُرادُ بِالهُدى الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ؛ ويَأْباهُ الإنْزالُ والكَتْمُ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَكْتُمُونَ"؛ والمُرادُ بِالنّاسِ: الكُلُّ؛ لا الكاتِمُونَ فَقَطْ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "بَيَّنّاهُ"؛ وكَذا الظَّرْفُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ جارَّيْنِ بِفِعْلٍ واحِدٍ؛ عِنْدَ اخْتِلافِ المَعْنى؛ مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ؛ أوِ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: كائِنًا في الكِتابِ؛ وتَبْيِينُهُ لَهُمْ: تَلْخِيصُهُ؛ وإيضاحُهُ؛ بِحَيْثُ يَتَلَقّاهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ وهَذا عُنْوانٌ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ؛ و"هُدًى": مُؤَكِّدٌ لِقُبْحِ الكَتْمِ؛ أوْ تَفْهِيمُهُ لَهم بِواسِطَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ والمُرادُ بِكَتْمِهِ: إزالَتُهُ؛ ووَضْعُ غَيْرِهِ في مَوْضِعِهِ؛ فَإنَّهم مَحَوْا نْعَتْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ ما يُخالِفُهُ؛ كَما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾؛ إلَخْ..

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ ما وُصِفُوا بِهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِما حاقَ بِهِمْ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِتَرامِي أمْرِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَسادِ؛ ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يَطْرُدُهم ويُبْعِدُهم مِن رَحْمَتِهِ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإظْهارِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِلصِّفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ والإشْعارِ بِأنَّ مَبْدَأ صُدُورِ اللَّعْنِ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - صِفَةُ الجَلالِ؛ المُغايِرَةُ لِما هو مَبْدَأُ الإنْزالِ والتَّبْيِينِ مِن وصْفِ الجَمالِ والرَّحْمَةِ؛ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ؛ أيْ: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنِ؛ مِنَ المَلائِكَةِ؛ ومُؤْمِنِي الثَّقَلَيْنِ؛ والمُرادُ بَيانُ دَوامُ اللَّعْنِ؛ واسْتِمْرارُهُ؛ وعَلَيْهِ يَدُورُ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ في

Al-Baqara 2:159Listen in Qur'an →
160

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: عَنِ الكِتْمانِ؛ ﴿وَأصْلَحُوا﴾؛ أيْ: ما أفْسَدُوا؛ بِأنْ أزالُوا الكَلامَ المُحَرَّفَ؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ ما كانُوا أزالُوهُ عِنْدَ التَّحْرِيفِ؛ ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ لِلنّاسِ مَعانِيَهُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ الإصْلاحِ المَذْكُورِ؛ أوْ بَيَّنُوا لَهم ما وقَعَ مِنهم أوَّلًا؛ وآخِرًا؛ فَإنَّهُ أدْخَلُ في إرْشادِ النّاسِ إلى الحَقِّ؛ وصَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الضَّلالِ؛ الَّذِي كانُوا أوْقَعُوهم فِيهِ؛ أوْ بَيَّنُوا تَوْبَتَهم لِيَمْحُوا بِهِ سِمَةَ ما كانُوا فِيهِ؛ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ أضْرابُهُمْ؛ وَحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ المَقْرُونَةُ بِالإصْلاحِ؛ والتَّبْيِينِ؛ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ؛ مَبْنِيَّةً عَلَيْها؛ لَمْ يُصَرَّحْ بِالإيمانِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْحُكْمِ؛ والفاءُ لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ؛ ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِالقَبُولِ؛ وإفاضَةِ المَغْفِرَةِ؛ والرَّحْمَةِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أيْ: المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبِ؛ ونَشْرِ الرَّحْمَةِ؛ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلِافْتِنانِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ؛ والرَّمْزِ إلى ما مَرَّ مِنَ اخْتِلافِ المَبْدَإ في فِعْلَيْهِ (تَعالى)؛ السّابِقِ؛ واللّاحِقِ.

Al-Baqara 2:160Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.