Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمَلِ، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِتَكْرارٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ورَدَ إثْرَ شَيْءٍ مُخالِفٍ لِما ورَدَتِ الجُمَلُ الأوْلى بِإثْرِهِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السِّياقُ، فَلا تَكْرارَ. بَيانُ ذَلِكَ أنَّ الأُولى ورَدَتْ إثْرَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ، فَتِلْكَ إشارَةٌ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ ورَدَتْ عَقِبَ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُشارُ إلَيْهِ هم. فَقَدِ اخْتَلَفَ المُخْبَرُ عَنْهُ والسِّياقُ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا كانَ الأنْبِياءُ عَلى فَضْلِهِمْ وتَقَدُّمِهِمْ، يُجازَوْنَ بِما كَسَبُوا، فَأنْتُمْ أحَقُّ بِذَلِكَ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، واسْتُبْعِدَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ مُصَرِّحٌ بِهِمْ، وإذا كانَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ، فالتَّكْرارُ حَسَنٌ لِاخْتِلافِ الأقْوالِ والسِّياقِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ ما كانَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ وصِيَّةً يُوصُونَ بِها واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ أوْصى بِمِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ بَنِيهِ، وأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بِذَلِكَ، وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ وصِيَّتِهِ اخْتِيارَ اللَّهِ لَهم هَذا الدِّينَ؛ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَ ما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهم، ويَحُضَّهم عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهم أنَّهم لا يَمُوتُونَ إلّا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِخَواتِيمِها. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ عَمّا يَعْبُدُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَأجابُوهُ بِما قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ مِن مُوافَقَتِهِ ومُوافَقَةِ آبائِهِ الأنْبِياءِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِانْقِيادِ لِأحْكامِهِ. وحِكْمَةُ هَذا السُّؤالِ أنَّهُ لَمّا وصّاهم بِالحَنِيفِيَّةِ، اسْتَفْسَرَهم عَمّا تُكِنُّ صُدُورُهم، وهَلْ يَقْبَلُونَ الوَصِيَّةَ ؟ فَأجابُوهُ بِقَبُولِها وبِمُوافَقَةِ ما أحَبَّهُ مِنهم، لِيَسْكُنَ بِذَلِكَ جَأْشُهُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَلَّفَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وصَدَرَ سُؤالُ يَعْقُوبَ بِتَقْرِيعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّهم ما كانُوا شَهِدُوا وصِيَّةَ يَعْقُوبَ، إذْ فاجَأهُ مُقَدِّماتُ المَوْتِ، فَدَعْواهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ عَلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِمْ باطِلَةٌ، إذْ لَمْ يَحْضُرُوا وقْتَ الوَصِيَّةِ، ولَمْ تُنْبِئْهم بِذَلِكَ تَوْراتُهم ولا إنْجِيلُهم، فَبَطَلَ قَوْلُهم؛ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لا عَنْ عِيانٍ ولا عَنْ نَقْلٍ، ولا ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَسْتَدَلُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ قَدْ مَضَتْ لِسَبِيلِها، وأنَّها رَهِينَةٌ بِما كَسَبَتْ، كَما أنَّكم مَرْهُونُونَ بِأعْمالِكم، وأنَّكم لا تُسْألُونَ عَنْهم. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِن دَعْوى الباطِلِ. والدُّعاءِ إلَيْهِ وزَعْمِهِمْ أنَّ الهِدايَةَ في اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأخَذَ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ المُبايَنَةِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والوَثَنِيَّةِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يُفْصِحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ وإلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فَإنَّ الإيمانَ بِذَلِكَ هو الدِّينُ الحَنِيفُ، وأنَّهم مُنْقادُونَ …

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]

القِبْلَةُ: الجِهَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ، وهي مِنَ المُقابَلَةِ. وقالَ قُطْرُبٌ: يَقُولُونَ في كَلامِهِمْ لَيْسَ لَهُ قِبْلَةٌ، أيْ جِهَةٌ يَأْوِي إلَيْها. وقالَ غَيْرُهُ: إذا تَقابَلَ رَجُلانِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما قِبْلَةُ الآخَرِ. وجاءَتِ القِبْلَةُ وإنْ أُرِيدَ بِها الجِهَةُ عَلى وزْنِ الهَيْئاتِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. الوَسَطُ: اسْمٌ لِما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وُصِفَ بِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى الخِيارِ مِنَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ، ولِكَوْنِهِ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾: الكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ: اسْمُ إشارَةٍ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا لِكَوْنِهِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ حالًا. والمَعْنى: وجَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا جَعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ لَيْسَ إلى مَلْفُوظٍ بِهِ مُتَقَدِّمٍ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ لَفْظُ يَهْدِي، وهو دالٌّ عَلى المَصْدَرِ، وهو الهُدى، وتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]: يَجْعَلُهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] . قابَلَ تَعالى الضَّلالَ بِالجَعْلِ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، إذْ ذَلِكَ الجَعْلُ هو الهِدايَةُ، فَكَذَلِكَ مَعْنى الهَدْيِ هُنا هو ذَلِكَ الجَعْلُ. وتَبَيَّنَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى آخِرِهِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِبْلَتَهم خَيْرًا مِن قِبْلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ وسَطًا. فَعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ اخْتَلَفَتِ الأقاوِيلُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِهِدايَتِهِ إيّاهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ أنْعَمْنا عَلَيْكم بِجَعْلِكم أُمَّةً وسَطًا، مِثْلَ ما سَبَقَ إنْعامُنا عَلَيْكم بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَهْدِي، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً خِيارًا مِثْلَ ما هَدَيْناكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِجَعْلِهِمْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الغَرِيبِ الَّذِي فِيهِ اخْتِصاصُكم بِالهِدايَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: (يَهْدِي مَن يَشاءُ)، فَلا تَقَعُ الهِدايَةُ إلّا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ، جَعَلْناكم خَيْرَ الأُمَمِ. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا الكَعْبَةَ وسَطَ الأرْضِ، كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، دُونَ الأنْبِياءِ، وفَوْقَ الأُمَمِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠] أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الِاصْطِفاءِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. ومَعْنى وسَطًا: عُدُولًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ تَظاهَرَتْ بِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ وإذا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَبَ المَصِيرُ في تَفْسِيرِ الوَسَطِ إلَيْهِ. وقِيلَ: خِيارًا، أوْ قِيلَ: مُتَوَسِّطِينَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفْرِطِ والمُقَصِّرِ، لَمْ يَتَّخِذُوا واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ إلَهًا، كَما فَعَلَتِ النَّصارى، ولا قَتَلُوهُ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ. واحْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ فَقالُوا: أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدالَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعَنْ خِيرَتِهِمْ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلى شَيْءٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حُجَّةً.

﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾: تَقَدَّمَ شَرْحُ الشَّهادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي شَهادَتِهِمْ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِن أنَّها في الآخِرَةِ، وهي شَهادَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ لِلْأنْبِياءِ عَلى …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾: تَقَدَّمَ حَدِيثُ البَراءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]: أيُّهُما نَزَلَ قَبْلُ ؟ ونَرى هُنا مُضارِعٌ بِمَعْنى الماضِي، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مِمّا يَصْرِفُ المُضارِعَ إلى الماضِي قَدْ، في بَعْضِ المَواضِعِ، ومِنهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]، ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ:

؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدُّثْرِ

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ نَرى: رُبَّما نَرى، ومَعْناهُ: كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، كَقَوْلِهِ:

؎لاقَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ

انْتَهى. وشَرْحُهُ هَذا عَلى التَّحْقِيقِ مُتَضادٌّ؛ لِأنَّهُ شَرَحَ قَدْ نَرى بِرُبَّما نَرى. ورُبَّ، عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما تَكُونُ لِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، أوْ لِتَقْلِيلِ نَظِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ومَعْناهُ كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، فَهو مُضادٌّ لِمَدْلُولِ رُبَّ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ. ثُمَّ هَذا المَعْنى الَّذِي ادَّعاهُ، وهو كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنى الكَثْرَةِ. هَذا التَّرْكِيبُ، أعْنِي تَرْكِيبَ قَدْ مَعَ المُضارِعِ المُرادِ مِنهُ الماضِي، ولا غَيْرَ المُضِيِّ، وإنَّما فُهِمَتِ الكَثْرَةُ مِن مُتَعَلِّقِ الرُّؤْيَةِ، وهو التَّقَلُّبُ؛ لِأنَّ مَن رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَرَّةً واحِدَةً، لا يُقالُ فِيهِ: قَلَّبَ بَصَرَهُ في السَّماءِ، وإنَّما يُقالُ: قَلَّبَ إذا رَدَّدَ. فالتَّكْثِيرُ، إنَّما فُهِمَ مِنَ التَّقَلُّبِ الَّذِي هو مُطاوِعُ التَّقْلِيبِ، نَحْوَ: قَطَّعْتُهُ فَتَقَطَّعَ، وكَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، وما طاوَعَ التَّكْثِيرَ فَفِيهِ التَّكْثِيرُ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُ ظاهِرِهِ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ. وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُّعاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ يَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، لِأنَّها مَفْخَرُهم ومَزارُهم ومَطافُهم، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ، فَكانَ يُراعِي نُزُولَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامُ النّاسِ قَبْلَهُ. فالأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ. والثّانِي: قَوْلُ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ، وهو لِيَتَألَّفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، فَأرادَ مُخالَفَتَهم. وقِيلَ: كَنّى بِالوَجْهِ عَنِ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَّغائِبِ. تَقُولُ: بَذَلَتْ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ. وقالَ:

؎رَجَعَتْ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ

وهُوَ مِنَ الكِنايَةِ بِالكُلِّ عَنِ الجُزْءِ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ بَصَرَ وجْهِكَ؛ لِأنَّ هَذا لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ، إنَّما يُقالُ: بَصَرُكَ وعَيْنُكَ وأنْفُكَ؛ لا يَكادُ يُقالُ: أنْفُ وجْهِكَ، ولا خَدُّ وجْهِكَ. في السَّماءِ: مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، وهو تَقَلُّبٌ، وهو يَتَعَدّى بِفي، فَهي …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَنْ مُتابَعَةِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ. أعْلَمَهُ أوَّلًا أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وهم يَكْتُمُونَهُ، ولا يُرَتِّبُونَ عَلى العِلْمِ بِهِ مُقْتَضاهُ. ثُمَّ سَلّاهُ عَنْ قَبُولِهِمُ الحَقَّ، بِأنَّهم قَدِ انْتَهَوْا في العِنادِ وإظْهارِ المُعاداةِ إلى رُتْبَةٍ، لَوْ جِئْتَهم فِيها بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ الَّتِي كُلُّ مُعْجِزَةٍ مِنها تَقْتَضِي قَبُولَ الحَقِّ، ما تَبِعُوكَ ولا سَلَكُوا طَرِيقَكَ. وإذا كانُوا لا يَتَّبِعُونَكَ مَعَ مَجِيئِكَ لَهم بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فَأحْرى أنْ لا يُتْبِعُوكَ إذا جِئْتَهم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ. والمَعْنى: بِكُلِّ آيَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوَجُّهَكَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ. واللّامُ في: ”ولَئِنْ“، هي الَّتِي تُؤْذِنُ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ. فَقَدِ اجْتَمَعَ القَسَمُ المُتَقَدِّمُ المَحْذُوفُ، والشَّرْطُ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فالجَوابُ لِلْقَسَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْهُ الفاءُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَنفِيٌّ بِما ماضِي الفِعْلِ مُسْتَقْبَلِ. المَعْنى: أيْ ما يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ قُيِّدَ في الجُمْلَةِ، والشَّرْطَ مُسْتَقْبَلٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ مُسْتَقْبَلًا، ضَرُورَةً لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَكُونُ شَرْطًا في الماضِي. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في المُثْبَتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]، التَّقْدِيرُ: لَيَظَلَّنَّ أوْقَعَ الماضِي المَقْرُونَ بِاللّامِ جَوابًا لِلْقِسْمِ المَحْذُوفِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ، فَهو ماضٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، مُسْتَقْبَلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ قُيِّدَ فِيهِ، كَما ذَكَرْنا. وجَوابُ الشَّرْطِ في الآيَتَيْنِ مَحْذُوفٌ، سَدَّ مَسَدَّهُ جَوابُ القِسْمِ، ولِذَلِكَ أتى فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ لَفْظًا، إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَقَدْ يَأْتِي مُضارِعًا. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ إنْ هُنا بِمَعْنى لَوْ، ولِذَلِكَ كانَتْ ما في الجَوابِ، فَجَعَلَ ما تَبِعُوا جَوابًا لِإنْ؛ لِأنَّ إنْ بِمَعْنى لَوْ، فَكَما أنَّ لَوْ تُجابُ بِما، كَذَلِكَ أُجِيبَتْ ”إنْ“ الَّتِي بِمَعْنى لَوْ، وإنْ كانَ إنْ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى لَوْ، لَمْ يَكُنْ جَوابُها مُصَّدَرًا بِما، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الفاءِ. تَقُولُ: إنْ تَزُرْنِي فَما أزُورُكَ، ولا يَجُوزُ: ما أزُورُكَ. وعَلى هَذا يَكُونُ جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ جَوابِ إنْ عَلَيْهِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ الفَرّاءُ هو بِناءٌ عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ القَسَمَ إذا تَقَدَّمَ عَلى الشَّرْطِ، جازَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ لِلشَّرْطِ دُونَ القَسَمِ. ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، بَلِ الجَوابُ يَكُونُ لِلْقَسَمِ بِشَرْطِهِ المَذْكُورِ في النَّحْوِ. واسْتِعْمالُ إنْ بِمَعْنى لَوْ قَلِيلٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ذَلِكَ، إذا ساغَ إقْرارُها عَلى أصْلِ وضْعِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ جَوابُ لَئِنْ كَجَوابِ لَوْ، وهي ضِدُّها في أنَّ لَوْ تَطْلُبُ المُضِيَّ والوُقُوعَ، وإنْ تَطْلُبُ الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا يَتَرَتَّبُ قَبْلَهُما القَسَمُ. فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّ أحَدَ الحَرْفَيْنِ يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ.

وهَذا …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ.

(يَعْرِفُونَهُ): جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ …

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ.

(يَعْرِفُونَهُ): جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ …

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ.

(يَعْرِفُونَهُ): جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ …

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لِكُلٍّ وِجْهَةً يَتَوَلّاها، أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن أيْ مَكانٍ خَرَجَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] ظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ وهو مُقِيمٌ بِالمَدِينَةِ. فَبَيَّنَ بِهَذا الأمْرِ الثّانِي تَساوِي الحالَيْنِ إقامَةً وسَفَرًا في أنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، لِيُبَيِّنَ مُساواتِهِمْ في ذَلِكَ، أيْ في حالَةِ السَّفَرِ، والأُولى في حالَةِ الإقامَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ: ”ومِن حَيْثُ“ بِالفَتْحِ، فَتَحَ تَخْفِيفًا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في حَيْثُ في قَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] .

﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ اسْتِقْبالَ هَذِهِ القِبْلَةِ هو الحَقُّ، أيِ الثّابِتِ الَّذِي لا يَعْرِضُ لَهُ نَسْخٌ ولا تَبْدِيلٌ. وفي الأوَّلِ قالَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، حَيْثُ كانَ الكَلامُ مَعَ سُفَهائِهِمُ الَّذِينَ اعْتَرَضُوا في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ مِنها: أنَّ عُلَمائَهم يَعْلَمُونَ أنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخَتَمَ آخَرَ هَذِهِ الآيَةِ بِما خَتَمَ بِهِ آخِرَ تِلْكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ في امْتِثالِ هَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ الَّذِي هو التَّحْوِيلُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، وذَلِكَ هو مَحْضُ التَّعَبُّدِ. فالجِهاتُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلى البارِئِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ، فَكَوْنُهُ خَصَّ بِاسْتِقْبالِ هَذِهِ زَمانًا، ونَسَخَ ذَلِكَ بِاسْتِقْبالِ جِهَةٍ أُخْرى مُتَأبِّدَةٍ، لا يَظْهَرُ في ذَلِكَ في بادِي الرَّأْيِ إلّا أنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ. فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ إلّا امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْ أعْمالِكم، بَلْ هو المُطَّلِعُ عَلَيْها المُجازِي بِالثَّوابِ مَنِ امْتَثَلَ أمْرَهُ، وبِالعِقابِ مَن خالَفَهُ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] في المَكانَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: (وما اللَّهُ) في المَكانَيْنِ، فَحَيْثُ نَبَّهَ عَلى اسْتِدْلالِ حِكْمَتِهِ بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ، ذَكَرَ الرَّبَّ المُقْتَضِي لِلنِّعَمِ، لِنَنْظُرَ مِنها إلى المُنْعِمِ، ونَسْتَدِلَّ بِها عَلَيْهِ، ولَمّا انْتَهى إلى ذِكْرِ الوَعِيدِ، ذَكَرَ لَفْظَ اللَّهِ المُقْتَضِي لِلْعِبادَةِ الَّتِي مَن أخَلَّ بِها اسْتَحَقَّ ألِيمَ العَذابِ.

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾: ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها كُرِّرَتْ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها في الآيَةِ الَّتِي تَلِيها فَقَطْ، لا أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْآيَةِ الأُولى، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأُولى في الإقامَةِ، والثّانِيَةَ في السَّفَرِ، وأمّا الثّالِثَةُ فَهي في السَّفَرِ، فَهي تَأْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ. وحِكْمَةُ هَذا التَّأْكِيدِ تَثْبِيتُ هَذا الحُكْمِ، وتَقْرِيرُ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأنَّ النَّسْخَ هو مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ والشُّبْهَةِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لِلطَّعْنِ في تَبْدِيلِ قِبْلَةٍ بِقِبْلَةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ صَعْبًا عَلَيْهِمْ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ أمْرَ النَّسْخِ وثَبَّتَ. وكانَ التَّأْكِيدُ عَلى ما قَرَّرْناهُ بِتَكْرِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأكْثَرُ المَعْهُودُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو أنْ تُعادَ الجُمْلَةُ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ المَهْدَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ لِأنَّهُ لا يَحْفَظُ القُرْآنَ كُلُّ أحَدٍ، فَكانَ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ ما لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ. وهَذا المَعْنى في التَّكْرِيرِ يُرْوى عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ، ولِهَذا المَعْنى رُفِعَ التَّكْرِيرُ في القِصَصِ. وقِيلَ: لَمّا كانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ أوَّلَ الوَقائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيها في شَرْعِنا، كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآياتِ مُخَصَّصاتٍ تُخْرِجُها بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ. فَقِيلَ: الأُولى مِن قَوْلِهِ: (فَوَلِّ وجْهَكَ)، نَسْخٌ لِلْقِبْلَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ لِاسْتِواءِ الحُكْمِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّالِثَةُ لِلدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمانِ. وقِيلَ: الأُولى في المَسْجِدِ الحَرامِ، والثّانِيَةُ خارِجُ المَسْجِدِ، والثّالِثَةُ خارِجُ البَلَدِ. وقِيلَ: الخُرُوجُ الأوَّلُ إلى مَكانٍ تُرى فِيهِ الكَعْبَةُ، والثّانِي إلى مَكانٍ لا تُرى فِيهِ، فَسَوّى بَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقِيلَ: الخُرُوجُ الأوَّلُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ السَّبَبِ، وهو: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والثّانِي مُتَّصِلٌ بِانْتِفاءِ الحُجَّةِ، وهو: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقِيلَ: الأوَّلُ لِجَمِيعِ الأحْوالِ، والثّانِي لِجَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّالِثُ لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ وهو في البَلَدِ، والثّالِثُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فَسَوّى بَيْنِ هَذِهِ الأحْوالِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ لِلْأقْرَبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ لِلْأبْعَدِ. وقِيلَ: التَّخْصِيصُ حَصَلَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ بِأمْرٍ، فالأوَّلُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ، حَتّى أنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والثّانِي فِيهِ شَهادَةُ اللَّهِ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، والثّالِثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾، فَقَطَعَ بِذَلِكَ قَوْلَ المُعانِدِينَ. وقِيلَ: الأوَّلُ مَقْرُونٌ بِإكْرامِهِ تَعالى إيّاهم بِالقِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُحِبُّونَها، وهي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، أيْ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةِ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها، فَتَوَجَّهُوا أنْتُمْ إلى أشْرَفِ الجِهاتِ …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.