Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ؛ والِاتِّكالِ عَلى أعْمالِهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ السّابِقُ لَهُمْ؛ وهَذا لَنا؛ تَحْذِيرًا عَنْ الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ الأُولى: الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وبِالثّانِيَةِ: أسْلافُ اليَهُودِ.

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾: أيْ: الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهُمْ؛ واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ؛ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ؛ والنَّظَرِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "ثَوْبٌ سَفِيهٌ"؛ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ؛ وقِيلَ: السَّفِيهُ: البَهّاتُ؛ الكَذّابُ؛ المُتَعَمِّدُ خِلافَ ما يَعْلَمُ؛ وقِيلَ: الظَّلُومُ؛ الجَهُولُ؛ والمُرادُ بِالسُّفَهاءِ هُمُ اليَهُودُ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ قالُوهُ إنْكارًا لِلنَّسْخِ؛ وكَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ؛ حَيْثُ كانُوا يَأْنَسُونَ بِمُوافَقَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهم في القِبْلَةِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾؛ وإنَّما قالُوهُ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِهْزاءِ؛ والطَّعْنِ؛ لا لِاعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ القِبْلَةِ الأُولى؛ وبُطْلانَ الثّانِيَةِ؛ إذْ لَيْسَ

كُلُّهم مِنَ اليَهُودِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ؛ ولَمْ يَقُولُوهُ كَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ إلى مَكَّةَ؛ بَلْ طَعْنًا في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ؛ ثُمَّ رَجَعَ؛ ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا؛ وقِيلَ: هُمُ القادِحُونَ في التَّحْوِيلِ مِنهم جَمِيعًا؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ؛ بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في فُنُونِ الفَسادِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمْ طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم لَما كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ مَزِيدُ فائِدَةٍ؛ وتَخْصِيصُ سُفَهائِهِمْ بِالذِّكْرِ لا يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الباقِينَ لِلتَّحْوِيلِ؛ وارْتِضاءَهم إيّاهُ؛ بَلْ عَدَمَ التَّفَوُّهِ بِالقَدْحِ مُطْلَقًا؛ أوْ بِالعِبارَةِ المَحْكِيَّةِ؛ ﴿ما ولاهُمْ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾؛ القِبْلَةُ: "فِعْلَةٌ" مِن "المُقابَلَةُ"؛ كَـ "الوِجْهَةُ"؛ مِن "المُواجَهَةُ"؛ وهي الحالُ الَّتِي يُقابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْها؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ لِلْحالَةِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الجُلُوسُ؛ يُقالُ: "لا قِبْلَةَ لَهُ؛ ولا دِبْرَةَ"؛ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أمْرِهِ؛ غَلَبَتْ عَلى الجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ في الصَّلاةِ؛ والمُرادُ بِها هَهُنا بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ؛ ووَصْفُها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ ومُراعاتِها؛ واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها؛ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ؛ فَإنَّ الِاخْتِصاصَ بِالشَّيْءِ؛ والِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ مِمّا يُنافِي الِانْصِرافَ عَنْهُ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِالقائِلِينَ اليَهُودُ فَمَدارُ الإنْكارِ كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها؛ وزَعْمُهم أنَّهُ خَطَأٌ؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ فَمَدارُهُ مُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ والقَدْحِ في أحْكامِهِ؛ وإظْهارِ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ والِانْصِرافِ عَنْها؛ واقِعٌ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ؛ لا لِكَراهَتِهِمْ الِانْصِرافَ عَنْها؛ أوِ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ. وتَعْلِيقُ الإنْكارِ بِما يُوَلِّيهِمْ عَنْها لا بِما يُوَجِّهُهم إلى غَيْرِها؛ مَعَ تَلازُمِهِما في الوُجُودِ؛ لِما أنَّ تَرْكَ الدِّينِ القَدِيمِ أبْعَدُ عِنْدَ العُقُولِ؛ وإنْكارَ سَبَبِهِ أدْخَلُ؛ لا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُنْكِرِينَ هُمُ اليَهُودُ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُنْكَرَ عِنْدَهم هو التَّحْوِيلُ عَنْ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾: تَوْجِيهٌ لِلْخِطابِ إلى المُؤْمِنِينَ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُخْتَصَّيْنِ بِالرَّسُولِ ﷺ لِتَأْيِيدِ ما في مَضْمُونِ الكَلامِ مِنَ التَّشْرِيفِ؛ و"ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "جَعَلْناكُمْ"؛ لا إلى جَعْلٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ؛ كَما قِيلَ؛ وتَوْحِيدُ الكافِ؛ مَعَ القَصْدِ إلى المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المُرادَ مُجَرَّدُ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ؛ والمُنْقَضِي؛ دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ؛ وكَمالِ تَمَيُّزِهِ؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعَلْناكم أمَّةً وسَطًا؛ جَعْلًا كائِنًا؛ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ؛ فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً؛ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ؛ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلَ البَدِيعَ جَعَلْناكُمْ؛ ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾؛ لا جَعْلًا آخَرَ أدْنى مِنهُ؛ والوَسَطُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِما يَسْتَوِي نِسْبَةُ الجَوانِبِ إلَيْهِ؛ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ البَشَرِيَّةِ؛ لَكِنْ لا لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ؛ والإعْوازُ؛ والأوْساطُ مَحْمِيَّةٌ مَحُوطَةٌ؛ كَما قِيلَ؛ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ أوْسٍ الطّائِيِّ:

؎ كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاكْتَنَفَتْ ∗∗∗ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا

فَإنَّ تِلْكَ العَلاقَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاعْتِبارِ في هَذا المَقامِ؛ إذْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَها؛ وبَيْنَ أهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ؛ الَّتِي جُعِلَتْ غايَةً لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ؛ بَلْ لِكَوْنِ تِلْكَ الخِصالِ أوْساطًا لِلْخِصالِ الذَّمِيمَةِ المُكْتَنِفَةِ بِها؛ مِن طَرَفَيِ الإفْراطِ؛ والتَّفْرِيطِ؛ كالعِفَّةِ الَّتِي طَرَفاها الفُجُورُ؛ والخُمُودُ؛ وكالشَّجاعَةِ الَّتِي طَرَفاها الظُّهُورُ؛ والجُبْنُ؛ وكالحِكْمَةِ الَّتِي طَرَفاها الجَرْبَزَةُ؛ والبَلادَةُ؛ وكالعَدالَةِ الَّتِي هي كَيْفِيَّةٌ مُتَشابِهَةٌ؛ حاصِلَةٌ مِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ الأوْساطِ المَحْفُوفَةِ بِأطْرافِها؛ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها مُبالَغَةً؛ كَأنَّهُ نَفْسُها؛ وسُوِّيَ فِيهِ بَيْنَ المُفْرَدِ؛ والجَمْعِ؛ والمُذَكَّرِ؛ والمُؤَنَّثِ؛ رِعايَةً لِجانِبِ الأصْلِ؛ كَدَأْبِ سائِرِ الأسْماءِ الَّتِي يُوصَفُ بِها؛ وقَدْ رُوعِيَتْ هَهُنا نُكْتَةٌ رائِقَةٌ؛ هي أنَّ الجَعْلَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ مِن هِدايَتِهِ (تَعالى) إلى الحَقِّ؛ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ الَّذِي هو الطَّرِيقُ السَّوِيُّ؛ الواقِعُ في وسَطِ الطُّرُقِ الجائِرَةِ عَنِ القَصْدِ؛ إلى الجَوانِبِ؛ فَإنّا إذا فَرَضْنا خُطُوطًا كَثِيرَةً؛ واصِلَةً بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ؛ فالخَطُّ المُسْتَقِيمُ إنَّما هو الخَطُّ الواقِعُ في وسَطِ تِلْكَ الخُطُوطِ المُنْحَنِيَةِ؛ ومِن ضَرُورَةِ كَوْنِهِ وسَطًا بَيْنَ الطُّرُقِ الجائِرَةِ كَوْنُ الأُمَّةِ المَهْدِيَّةِ إلَيْهِ أمَّةً وسَطًا بَيْنَ الأُمَمِ السّالِكَةِ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ الزّائِغَةِ؛ أيْ: مُتَّصِفَةً بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ؛ خِيارًا؛ وعُدُولًا؛ مُزَكَّيْنَ بِالعِلْمِ؛ والعَمَلِ؛ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾؛ بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أوْضَحَ السُّبُلَ؛ وأرْسَلَ الرُّسُلَ؛ فَبَلَّغُوا؛ ونَصَحُوا؛ …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾: أيْ: تَرَدُّدَهُ؛ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَتِها؛ تَطَلُّعًا لِلْوَحْيِ؛ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقَعُ في رَوْعِهِ؛ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها قِبْلَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ؛ لِأنَّها مَفْخَرَتُهُمْ؛ ومَزارُهُمْ؛ ومَطافُهُمْ؛ ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ؛ فَكانَ يُراعِي نُزُولَ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ؛ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ وهي في الحَقِيقَةِ داخِلَةٌ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ؛ أيْ: فَواللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ؛ أيْ: لَنُعْطِيَنَّكَها؛ ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنَ اسْتِقْبالِها؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلَّيْتُهُ كَذا"؛ أيْ: صَيَّرْتُهُ والِيًا لَهُ؛ أوْ: لَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها؛ أوْ لَنُحَوِّلَنَّكَ؛ عَلى أنَّ نَصْبَ "قِبْلَةً"؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ أيْ: إلى قِبْلَةٍ؛ وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ﴿تَرْضاها﴾؛ تُحِبُّها؛ وتَشْتاقُ إلَيْها؛ لَمَقاصِدَ دِينِيَّةٍ؛ وافَقَتْ مَشِيئَتَهُ (تَعالى)؛ وحِكْمَتَهُ؛ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾: الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ؛ عَلى الوَعْدِ الكَرِيمِ؛ وتَخْصِيصُ التَّوْلِيَةِ بِالوَجْهِ لِما أنَّهُ مَدارُ التَّوَجُّهِ؛ ومِعْيارُهُ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ كُلُّ البَدَنِ؛ أيْ: فاصْرِفْهُ؛ ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أيْ: نَحْوَهُ؛ وهو نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ مِن "وَلِّ"؛ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أوْ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ لَهُ؛ وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِما انْفَصَلَ مِنَ الشَّيْءِ؛ و"دارٌ شَطُورٌ"؛ إذا كانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنِ الدُّورِ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِجانِبِهِ؛ وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ؛ كَـ "القُطْرُ"؛ والحَرامُ: المُحَرَّمُ؛ أيْ: مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ؛ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظَّلَمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ؛ وفي ذِكْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ دُونَ الكَعْبَةِ؛ إيذانٌ بِكِفايَةِ مُراعاةِ الجِهَةِ؛ لِأنَّ في مُراعاةِ العَيْنِ مِنَ البَعِيدِ حَرَجًا عَظِيمًا؛ بِخِلافِ القَرِيبِ؛ رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ؛ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا؛ ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ؛ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ؛ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ؛ قُبَيْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ؛ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ؛ وقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ؛ فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ؛ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ؛ وحُوِّلَ الرِّجالُ مَكانَ النِّساءِ؛ والنِّساءُ مَكانَ الرِّجالِ؛ فَسُمِّيَ المَسْجِدُ "مَسْجِدَ القِبْلَتَيْنِ"؛» ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾؛ خُصَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالخِطابِ؛ تَعْظِيمًا لِجَنابِهِ؛ وإيذانًا بِإسْعافِ مَرامِهِ؛ ثُمَّ عُمِّمَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ مَعَ التَّعَرُّضِ لِاخْتِلافِ أماكِنِهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ؛ وتَصْرِيحًا بِعُمُومِهِ لِكافَّةِ العِبادِ؛ مِن كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ؛ وحَثًّا لِلْأُمَّةِ عَلى المُتابَعَةِ؛ و"حَيْثُما": شَرْطِيَّةٌ؛ و"كُنْتُمْ": في مَحَلِّ الجَزْمِ بِها؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَوَلُّوا﴾؛ جَوابُها؛ وتَكُونُ هي مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِـ "كُنْتُمْ"؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .

﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ مِن فَرِيقَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾؛ أيْ: التَّحْوِيلَ؛ أوْ: التَّوَجُّهَ؛ المَفْهُومَ مِنَ …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ مِنَ العِنادِ؛ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُرْغِمُهم مِنهُ مِنَ الكِتابِ النّاطِقِ بِحَقِّيَّةِ ما كابَرُوا في قَبُولِهِ؛ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أيْ: حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ؛ دالَّةٍ عَلى حَقِيقَةِ التَّحْوِيلِ؛ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾: جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُضْمَرِ؛ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ؛ والمَعْنى أنَّهم ما تَرَكُوا قِبْلَتَكَ لِشُبْهَةٍ تُزِيلُها الحُجَّةُ؛ وإنَّما خالَفُوكَ مُكابَرَةً؛ وعِنادًا؛ وتَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ بَعْدَ تَعْمِيمِهِ لِلْأُمَّةِ؛ لِما أنَّ المُحاجَّةَ؛ والإتْيانَ بِالآيَةِ؛ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ؛ لا عَلى جَوابِها؛ مَسُوقَةٌ لِقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ؛ حَيْثُ قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ ثَبَتَّ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ؛ تَغْرِيرًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وطَمَعًا في رُجُوعِهِ؛ وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها؛ واسْتِمْرارِهِ؛ وإفْرادُ قَبِلْتِهِمْ مَعَ تَعَدُّدِها؛ بِاعْتِبارِ اتِّحادِها في البُطْلانِ؛ ومُخالَفَةِ الحَقِّ؛ ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ مَدارَ النَّفْيِ هو التَّعَدُّدُ؛ وقُرِئَ: "بِتابِعِ قِبْلَتِهِمْ"؛ عَلى الإضافَةِ؛ ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾؛ فَإنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ؛ والنَّصارى مَطْلِعَ الشَّمْسِ؛ لا يُرْجى تَوافُقُهُمْ؛ كَما لا يُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ؛ لِتَصَلُّبِ كُلِّ فَرِيقٍ فِيما هو فِيهِ؛ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾؛ الزّائِغَةَ؛ المُتَخالِفَةَ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾؛ بِبُطْلانِها؛ وحَقِّيَّةِ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ الفَرَضِيَّةُ وارِدَةٌ عَلى مِنهاجِ التَّهْيِيجِ؛ والإلْهابِ؛ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ؛ أيْ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم فَرَضًا؛ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾؛ وفِيهِ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ؛ وتَحْذِيرٌ لَهم عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى؛ فَإنَّ مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ إذا نُهِيَ عَنْهُ؛ ورُتِّبَ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ ما رُتِّبَ مِنَ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ؛ فَما ظَنُّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ؟ و"إذَنْ" حَرْفُ جَوابٍ؛ وجَزاءٍ؛ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ"؛ وخَبَرِها؛ لِتَقْرِيرِ ما بَيْنَهُما مِنَ النِّسْبَةِ؛ إذْ كانَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ؛ أوْ تَتَأخَّرَ؛ فَلَمْ تَتَقَدَّمْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها لِتَقْرِيرِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّرْطِ؛ وجَوابِهِ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ جَوابُ القَسَمِ؛ ولَمْ تَتَأخَّرْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ؛ ولَقَدْ بُولِغَ في التَّأْكِيدِ مِن وُجُوهٍ؛ تَعْظِيمًا لِلْحَقِّ المَعْلُومِ؛ وتَحْرِيضًا عَلى اقْتِفائِهِ؛ وتَحْذِيرًا عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى؛ واسْتِعْظامًا لِصُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: أيْ: عُلَماؤُهُمْ؛ إذْ هُمُ العُمْدَةُ في إيتائِهِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ؛ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مَعْرِفَتَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ ذاتُهُ؛ ونَسَبُهُ الزّاهِرُ؛ بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْطُورًا في الكِتابِ؛ مَنعُوتًا فِيهِ بِالنُّعُوتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَ مَن وصَفْناهُ فِيهِ؛ وبِهَذا يَظْهَرُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وقِيلَ: هو إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ؛ لِلْإشْعارِ بِفَخامَةِ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ عِلْمٌ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ؛ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعِلْمِ؛ أوْ سَبَبِهِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ أوِ القرآن؛ أوِ التَّحْوِيلُ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾؛ أيْ: يَعْرِفُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأوْصافِهِ الشَّرِيفَةِ؛ المَكْتُوبَةِ في كِتابِهِمْ؛ ولا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ كَما لا يُشْتَبَهُ أبْناؤُهُمْ؛ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما يَعُمُّ البَناتِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْرَفُ عِنْدَهم مِنهُنَّ؛ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ أحَبَّ إلَيْهِمْ؛ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي؛ قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ فِيهِ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ؛ فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأْسَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾: هُمُ الَّذِينَ كابَرُوا وعانَدُوا الحَقَّ؛ والباقُونَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ؛ فَإنَّهم يُظْهِرُونَ الحَقَّ؛ ولا يَكْتُمُونَهُ؛ وأمّا الجَهَلَةُ مِنهم فَلَيْسَتْ لَهم مَعْرِفَةٌ بِالكِتابِ؛ ولا بِما في تَضاعِيفِهِ؛ فَما هم بِصَدَدِ الإظْهارِ؛ ولا بِصَدَدِ الكَتْمِ؛ وإنَّما كُفْرُهم عَلى وجْهِ التَّقْلِيدِ.

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

﴿الحَقُّ﴾: بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ خَبَرُهُ؛ واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ والإشارَةِ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ أوْ إلى الحَقِّ الَّذِي يَكْتُمُونَهُ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ والمَعْنى أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ؛ لا غَيْرُهُ؛ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَقُّ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكَ﴾: إمّا حالٌ؛ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "يَعْلَمُونَ"؛ وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى؛ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾؛ أيْ: الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ؛ عالِمِينَ بِهِ؛ وقِيلَ: في أنَّهُ مِن رَبِّكَ؛ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ نَهْيَ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولَيْسَ بِقَصْدٍ؛ واخْتِيارٍ؛ بَلْ إمّا تَحْقِيقُ الأمْرِ؛ وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ ناظِرٌ؛ أوْ أمْرُ الأُمَّةِ بِاكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيحَةِ لِلشَّكِّ؛ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ.

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿وَلِكُلٍّ﴾ أيْ: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ؛ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ﴿وِجْهَةٌ﴾؛ أيْ: قِبْلَةٌ؛ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ؛ أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جانِبٌ مِن جَوانِبِ الكَعْبَةِ؛ ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾: أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مُوَلِّيها وجْهَهُ؛ أوْ: اللَّهُ مَوَلِّيها إيّاهُ؛ وقُرِئَ: "وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ"؛ بِالإضافَةِ؛ والمَعْنى: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها أهْلُها؛ واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ وجَبْرِ ضَعْفِ العامِلِ؛ وقُرِئَ: "مَوْلاها"؛ أيْ: مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ؛ قَدْ ولِيَها؛ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾؛ أيْ: تَسابَقُوا إلَيْها؛ بِنَزْعِ الجارِّ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ثَنائِي عَلَيْكم آلَ حَرْبٍ ومَن يَمِلْ ∗∗∗ سِواكم فَإنِّي مُهْتَدٍ غَيْرُ مائِلِ

وَهُوَ أبْلَغُ مِنَ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى إحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ؛ والمُرادُ بِـ "الخَيْراتِ": جَمِيعُ أنْواعِها؛ مِن أمْرِ القِبْلَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِمّا يُنالُ بِهِ سَعادَةُ الدّارَيْنِ؛ أوِ الفاضِلاتُ مِنَ الجِهاتِ؛ وهي المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ؛ ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن مُوافِقٍ؛ أوْ مُخالِفٍ؛ مُجْتَمِعِ الأجْزاءِ؛ أوْ مُتَفَرِّقِها؛ يَحْشُرْكُمُ اللَّهُ (تَعالى) إلى المَحْشَرِ؛ لِلْجَزاءِ؛ أوْ: أيْنَما تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ؛ وقُلَلِ الجِبالِ؛ يَقْبِضْ أرْواحَكُمْ؛ أوْ: أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ المُتَقابِلَةِ؛ يَجْعَلْ صَلَواتِكم كَأنَّها صَلاةٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَيَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ؛ والإحْياءِ؛ والجَمْعِ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ.

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾: تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ التَّحْوِيلِ؛ وتَصْرِيحٌ بِعَدَمِ تَفاوُتِ الأمْرِ في حالَتَيِ السَّفَرِ؛ والحَضَرِ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَلِّ﴾؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ عُطِفَ هو عَلَيْهِ؛ أيْ: مِن أيِّ مَكانٍ خَرَجَتْ إلَيْهِ لِلسَّفَرِ فَوَلِّ؛ ﴿وَجْهَكَ﴾؛ عِنْدَ صَلاتِكَ؛ ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أوْ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن أيِّ مَكانٍ خَرَجْتَ إلَيْهِ فُولِّ.. إلَخْ..

﴿وَإنَّهُ﴾؛ أيْ هَذا الأمْرَ؛ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُ؛ المُوافِقُ لِلْحِكْمَةِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ جَزاءٍ؛ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وقُرِئَ: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾؛ إلَيْهِ في أسْفارِكَ؛ ومَغازِيكَ؛ مِنَ المَنازِلِ القَرِيبَةِ؛ والبَعِيدَةِ؛ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ آنِفًا؛ ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾؛ مِن أقْطارِ الأرْضِ؛ مُقِيمِينَ؛ أوْ مُسافِرِينَ؛ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ إيثارُ

"كُنْتُمْ"؛ عَلى "خَرَجْتُمْ"؛ فَإنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ المُنْتَشِرِينَ في الآفاقِ؛ مِنَ الحاضِرِينَ؛ والمُسافِرِينَ؛ فَلَوْ قِيلَ: "وَحَيْثُما خَرَجْتُمْ"؛ لَما تَناوَلَ الخِطابُ المُقِيمِينَ في الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ؛ مِن حَيْثُ إقامَتُهم فِيها؛ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ مِن مَحالِّكُمْ؛ ﴿شَطْرَهُ﴾؛ والتَّكْرِيرُ لِما أنَّ القِبْلَةَ لَها شَأْنٌ خَطِيرٌ؛ والنَّسْخُ مِن مَظانِّ الشُّبْهَةِ؛ والفِتْنَةِ؛ فَبِالحَرِيِّ أنْ يُؤَكِّدَ أمْرَها مَرَّةً غِبَّ أُخْرى؛ مَعَ أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ في كُلِّ مَرَّةٍ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً؛

﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَلُّوا﴾؛ وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا.. إلَخْ.. والمَعْنى أنَّ التَّوْلِيَةَ عَنِ الصَّخْرَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ مِن أوْصافِهِ أنَّهُ يُحَوَّلُ إلى الكَعْبَةِ؛ واحْتِجاجَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ؛ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾؛ وهم أهْلُ مَكَّةَ؛ أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ حُجَّةٌ إلّا المُعانِدِينَ مِنهُمْ؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ما تَحَوَّلَ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ؛ وحُبًّا لِبَلَدِهِ؛ أوْ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ؛ ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ؛ وتَسْمِيَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ "حُجَّةً"؛ مَعَ أنَّها أفْحَشُ الأباطِيلِ؛ مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾؛ حَيْثُ كانُوا يَسُوقُونَها مَساقَ الحُجَّةِ؛ وقِيلَ: الحُجَّةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الِاحْتِجاجِ؛ وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الحُجَّةِ رَأْسًا؛ كالَّذِي في قَوْلِهِ:

؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

ضَرُورَةَ أنْ لا حُجَّةَ لِلظّالِمِ؛ وقُرِئَ: "ألا الَّذِينَ"؛ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ؛ ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَضُرُّكم شَيْئًا؛ ﴿واخْشَوْنِي﴾؛ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي؛ ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ أيْ: وأمَرْتُكم بِما مَرَّ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكُمْ؛ لِما أنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ؛ ولِإرادَتِي اهْتِداءَكم لِما أنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ؛ مُؤَدٍّ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الإرادَةِ بِكَلِمَةِ "لَعَلَّ" - المَوْضُوعَةِ لِلتَّرَجِّي؛ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِنايَةِ بِالهِدايَةِ - ما لا يَخْفى؛ أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: واخْشَوْنِي لِأحْفَظَكم عَنْهُمْ؛ وأُتِمَّ.. إلَخْ.. أوْ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾؛ وتَوَسُّطُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ إلَخْ.. بَيْنَهُما؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّسْلِيَةِ؛ والتَّثْبِيتِ؛ وفي الخَبَرِ: « "تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ"؛» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.