Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 131–140 of 286

131

إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾: هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى الكَلامِ السّابِقِ، لَكانَ: إذْ قُلْنا لَهُ أسْلِمْ، وعَكْسُهُ في الخُرُوجِ مِنَ الغائِبِ إلى الخِطابِ قَوْلُهُ:

؎باتَتْ تَشَكّى إلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينا

والعامِلُ في إذْ: قالَ أسْلَمْتُ. وقِيلَ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ، أيِ: اخْتَرْناهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: في الدُّنْيا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ ”إذْ قالَ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ: ”ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ“، وجَعَلَ العامِلَ في الحالِ اصْطَفَيْناهُ، وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ العامِلَ اصْطَفَيْناهُ أوِ اذْكُرِ المُقَدَّرَةُ، يَبْقى قَوْلُهُ: قالَ أسْلَمْتُ، لا يَنْتَظِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ، إلّا إنْ قُدِّرَ، يُقالُ: فَحُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ، أوْ جُعِلَ جَوابًا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: ما كانَ جَوابُهُ ؟ قالَ: أسْلَمْتُ. وهَلِ القَوْلُ هُنا عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وطَلَبٍ، أمْ هَذا كِنايَةٌ عَمّا جَعَلَ اللَّهُ في سَجِيَّتِهِ مِنَ الدَّلائِلِ المُفْضِيَةِ إلى الوَحْدانِيَّةِ وإلى شَرِيعَةِ الإسْلامِ ؟ فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ قَوْمًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وإذا حُمِلَ عَلى القَوْلِ حَقِيقَةً، فاخْتَلَفُوا مَتى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ. فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَ البُلُوغِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِدْلالِهِ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ فِيها، وإحاطَتِهِ بِافْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُخالِفُها في الجِسْمِيَّةِ وأماراتِ الحُدُوثِ، فَلَمّا عَرَفَ رَبَّهُ، قالَ تَعالى لَهُ: أسْلِمْ. وقِيلَ: كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَيُئَوَّلُ الأمْرُ بِالإسْلامِ عَلى أنَّهُ أمَرَ بِالثَّباتِ والدَّيْمُومَةِ، إذْ هو مُتَحَلٍّ بِهِ وقْتَ الأمْرِ، ويَكُونُ الإسْلامُ هُنا عَلى بابِهِ، والمَعْنى: عَلى شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقِيلَ: الإسْلامُ هُنا غَيْرُ المَعْرُوفِ، وأُوِّلَ عَلى وُجُوهٍ، فَقالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ سَلِّمْ نَفْسَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ كَيْسانَ: أخْلِصْ دِينَكَ. وقِيلَ: اخْشَعْ واخْضَعْ لِلَّهِ. وقِيلَ: اعْمَلْ بِالجَوارِحِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هو صِفَةُ القَلْبِ، والإسْلامَ هو صِفَةُ الجَوارِحِ، فَلَمّا كانَ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ كَلَّفَهُ بَعْدُ عَمَلَ الجَوارِحِ، وفي قَوْلِهِ: أسْلَمَ، تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ، أيْ: أسْلِمْ لِرَبِّكَ. وأجابَ بِأنَّهُ أسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ، فَتُضَمَّنُ أنَّهُ أسْلَمَ لِرَبِّهِ؛ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ، وفي العُمُومِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَكُونُ في الخُصُوصِ؛ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: أسْلَمْتُ لِرَبِّي، ومَن كانَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُهم مُسْلِمِينَ لَهُ مُنْقادِينَ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ ابْتِداءً قِصَصَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَذَكَرَ أوَّلًا ابْتِلاءَهُ بِالكَلِماتِ، وإتْمامَهُ إيّاهُنَّ، واسْتِحْقاقَهُ الإمامَةِ بِذَلِكَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ في زَمانِهِ، وسُؤالَ إبْراهِيمَ الإمامَةَ لِذُرِّيَّتِهِ؛ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ومَحَبَّةً مِنهُ لَهم، وإيثارًا أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَخْلُفُهُ في الإمامَةِ، وإجابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأنَّ عَهْدَهُ لا يَنالُهُ ظالِمٌ، وفي طَيِّهِ أنَّ مَن كانَ عادِلًا قَدْ يَنالُ ذَلِكَ. وكانَ في ابْتِداءِ قِصَصِ إبْراهِيمَ بَنِيهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، عَلى فَضِيلَتِهِ وخُصُوصِيَّتِهِ عِنْدَ …

Al-Baqara 2:131Listen in Qur'an →
132

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِي إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨] .

الوَصِيَّةُ: العَهْدُ، وصّى بَنِيهِ: أيْ عَهِدَ إلَيْهِمْ وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِما يُعْمَلُ بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ. ووَصّى وأوْصى لُغَتانِ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ وصّى المُشَدَّدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ. يَعْقُوبُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ، ويَعْقُوبُ عَرَبِيٌّ، وهو ذَكَرُ القَبْجِ، وهو مَصْرُوفٌ، ولَوْ سُمِّيَ بِهَذا لَكانَ مَصْرُوفًا. ومَن زَعَمَ أنَّ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ إنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ هو وأخُوهُ العِيصَ تَوْأمانِ، فَخَرَجَ العِيصُ أوَّلًا ثُمَّ خَرَجَ هو يَعْقُبُهُ، أوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ عَقِبِهِ، فَقَوْلُهُ فاسِدٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ لَهُ اشْتِقاقٌ عَرَبِيٌّ، فَكانَ يَكُونُ مَصْرُوفًا. الحُضُورُ: الشُّهُودُ، تَقُولُ مِنهُ: حَضَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ، وفي المُضارِعِ: يَحْضُرُ بِضَمِّهِما، ويُقالُ: حَضِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقِياسُ المُضارِعِ أنْ يُفْتَحَ فِيهِ فَيُقالُ: يَحْضُرُ، لَكِنَّ العَرَبَ اسْتَغْنَتْ فِيهِ بِمُضارِعِ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَيْنِ فَقالَتْ: حَضَرَ يَحْضُرُ بِالضَّمِّ، وهي ألْفاظٌ شَذَّتْ فِيها العَرَبُ، فَجاءَ مُضارِعُ فَعِلَ المَكْسُورِ العَيْنِ عَلى يَفْعُلُ بِضَمِّها، قالُوا: نَعِمَ يَنْعُمُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، وحَضَرَ يَحْضُرُ، ومِتَّ تَمُوتُ، ودُمْتَ تَدُومُ، وكُلُّ هَذِهِ جاءَ فِيها فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى بِمُضارِعِهِ عَنْ مُضارِعِ فَعِلَ، كَما اسْتَغْنَتْ فِيهِ بِ يَفْعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ عَنْ يَفْعَلُ بِفَتْحِها. قالُوا: ضَلِلْتَ بِكَسْرِ العَيْنِ، تَضِلُّ بِالكَسْرِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ضَلَلْتَ بِفَتْحِ العَيْنِ.

إسْحاقُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وإسْحاقُ: مَصْدَرُ أسْحَقَ، ولَوْ سُمِّيَتْ بِهِ لَكانَ مَصْرُوفًا، وقالُوا في الجَمْعِ: أساحِقَةُ وأساحِيقُ، وفي جَمْعِ يَعْقُوبَ: يَعاقِبَةُ ويَعاقِيبُ، وفي جَمْعِ إسْرائِيلَ: أسارِلَةٌ. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ في إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ: بَراهِمَةَ وسَماعِلَةَ، والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ كَما في زَنادِقَةَ زَنادِيقَ. وقالَ أبُو العَبّاسِ: هَذا الجَمْعُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ لَيْسَتْ زائِدَةً، والجَمْعُ: أبارَهُ وأسامِعُ، ويَجُوزُ: أبارِيهُ وأسامِيعُ، والوَجْهُ أنْ يُجْمَعَ …

Al-Baqara 2:132Listen in Qur'an →
133

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قالُوا: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهم يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والنَّيِّرَيْنِ، فَجَمَعَ بَنِيهِ وخافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إعْلامًا لِنَبِيِّهِ بِما وصّى بِهِ يَعْقُوبُ، وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ. وأمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، تَتَضَمَّنُ مَعْنى ”بَلْ“ وهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الدّالَّةِ عَلى الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أكُنْتُمْ شُهَداءَ ؟ فَمَعْنى الإضْرابِ: الِانْتِقالُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما قَبْلَهُ. ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ هُنا: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ ما كُنْتُمْ شُهَداءَ، فَكَيْفَ تَنْسِبُونَ إلَيْهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ولا شَهِدْتُمُوهُ أنْتُمْ ولا أسْلافُكم. وقِيلَ: أمْ هُنا بِمَعْنى: بَلْ، والمَعْنى بَلْ كُنْتُمْ، أيْ كانَ أسْلافُكم، أوْ أنَزَلَهم مَنزِلَةَ أسْلافِهِمْ، إذْ كانَ أسْلافُهم قَدْ نَقَلُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وفي إثْباتِ ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ ما نَسَبُوهُ إلى يَعْقُوبَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ. والخِطابُ في كُنْتُمْ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى ورُؤَسائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ: أشْهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى، فَتَدَّعُونَ عَنْ عِلْمٍ، أيْ لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ. وأمْ تَكُونُ بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. انْتَهى ما ذَكَرَهُ. ولَمْ أقِفْ لِأحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها في صَدْرِ الكَلامِ. وأيْنَ ذَلِكَ ؟ وإذا صَحَّ النَّقْلُ فَلا مَدْفَعَ فِيهِ ولا مَطْعَنَ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ. ومِنهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] . انْتَهى، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ غَرِيبٌ. وتَلَخَّصَ أنَّ أمْ هُنا فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: المَشْهُورُ أنَّها هُنا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. الثّانِي: أنَّها لِلْإضْرابِ فَقَطْ، بِمَعْنى بَلْ. الثّالِثُ: بِمَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَقَطْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنى: ما شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ لَكُمُ العِلْمُ بِهِ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ. وقِيلَ: الخَطابُ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما ماتَ نَبِيٌّ إلّا عَلى اليَهُودِيَّةِ، إلّا أنَّهم لَوْ شَهِدُوهُ، ولَوْ سَمِعُوا ما قالَهُ لِبَنِيهِ، وما قالُوهُ، لَظَهَرَ لَهم حِرْصُهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ولَما ادَّعَوْا عَلَيْهِ اليَهُودِيَّةَ. فالآيَةُ مُنافِيَةٌ لِقَوْلِهِمْ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ؟ ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ تَكُونَ أمْ مُتَّصِلَةً، عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ ؟ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ ؟ يَعْنِي أنَّ أوائِلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُشاهِدِينَ لَهُ، إذْ أرادَ بَنِيهِ عَلى التَّوْحِيدِ ومِلَّةِ الإسْلامِ، فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ ما هم مِنهُ بُرَآءُ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ جَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، وأنَّهُ حَذَفَ قَبْلَها ما يُعادِلُها، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أجازَ حَذْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولا يُحْفَظُ ذَلِكَ لا في شِعْرٍ ولا غَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ: أمْ …

Al-Baqara 2:133Listen in Qur'an →
134

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، تِلْكَ: إشارَةٌ إلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وأبْنائِهِما. ومَعْنى خَلَتْ: ماتَتْ وانْقَضَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ، وهو الأرْضُ الَّذِي لا أنِيسَ بِهِ. والمُخاطَبُ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ ادَّعَوْا لِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ، صِفَةٌ لِأُمَّةٍ.

﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾: أيْ تِلْكَ الأُمَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِجَزاءِ ما كَسَبَتْ، كَما أنَّكم كَذَلِكَ مُخْتَصُّونَ بِجَزاءِ ما كَسَبْتُمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَلا يَنْفَعُ أحَدًا كَسْبُ غَيْرِهِ. وظاهِرُ ”ما“ أنَّها مَوْصُولَةٌ وحُذِفَ العائِدُ، أيْ لَها ما كَسَبَتْهُ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَها كَسْبُها، وكَذَلِكَ ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ اسْتِئْنافًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَتْ، أيِ انْقَضَتْ مُسْتَقِرًّا ثابِتًا، لَها ما كَسَبَتْ. والأظْهَرُ الأوَّلُ؛ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ . ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ الحالِ قَبْلَها، لِاخْتِلافِ زَمانِ اسْتِقْرارِ كَسْبِها لَها. وزَمانِ اسْتِقْرارِ كَسْبِ المُخاطَبِينَ، وعَطْفُ الحالِ عَلى الحالِ، يُوجِبُ اتِّحادَ الزَّمانِ. افْتَخَرُوا بِأسْلافِهِمْ، فَأُخْبِرُوا أنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُ أحَدًا، مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا. ورُوِيَ: يا بَنِي هاشِمَ لا يَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكم؛ يا فاطِمَةُ، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ. انْتَهى.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ، وهي مِنَ المَسائِلِ المُعْضِلَةِ، ومَذاهِبُ أهْلِ الإسْلامِ فِيها أرْبَعَةٌ. أحَدُها: قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، وهو أنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلى فِعْلِهِ، وأنَّهُ لا اخْتِيارَ لَهُ في ذَلِكَ، بَلْ هو مُلْجَأٌ إلَيْهِ، وأنَّ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ حَرَكَةِ الغُصْنِ إلَيْهِ، إذا حَرَّكَهُ مُحَرِّكٌ. والثّانِي: قَوْلُ القَدَرِيَّةِ، وهو أنَّهم لَيْسُوا مَجْبُورِينَ عَلى الفِعْلِ بَلْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى إيجادِ الفِعْلِ. والثّالِثُ: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، أنَّ العَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ يَخْلُقُها اللَّهُ لَهُ قَبْلَ الفِعْلِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِن إيقاعِهِ وعَدَمِ إيقاعِهِ. والرّابِعُ: مَذْهَبٌ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلْعَبْدِ تَمْكِينًا وقُدْرَةً مَعَ الفِعْلِ يَفْعَلُ بِها الخَيْرَ والشَّرَّ، لا عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ والإلْجاءِ، وهَذا التَّمْكِينُ هو مَناطُ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ والثَّوابُ. ثُمَّ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى هَذا الأصْلِ، اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى ثَلاثَةِ تَفاسِيرَ: أحَدُها: قَوْلُ أبِي الحَسَنِ: أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ في المَقْدُورِ، بَلِ القُدْرَةُ والمَقْدُورُ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ، لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ، وهو مُتَعَلِّقُ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، هو الكَسْبُ. والثّانِي: قَوْلُ الباقِلّانِيُّ: أنَّ ذاتَ الفِعْلِ لَمْ تُحَصِّلْ لَهُ صِفَةَ كَوْنِهِ طاعَةً ومَعْصِيَةً، بَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ حَصَلَتْ لَهُ بِالقُدْرَةِ الحادِثَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الإسْفِرايِينِيِّ: أنَّ القُدْرَتَيْنِ، القَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ إذا …

Al-Baqara 2:134Listen in Qur'an →
135

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِۦمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ في قالُوا عَلى رُؤَساءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وعَلى نَصارى نَجْرانَ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ. كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ووَهْبٌ، وأُبَيُّ بْنُ ياسَ بْنِ أخْطَبَ، والسَّيِّدُ، والعاقِبُ وأصْحابُهُما خاصَمُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أنَّها أحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ. وأوْ - هُنا - لِلتَّفْصِيلِ، كَأوْ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . والمَعْنى: وقالَتِ اليَهُودُ كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: كُونُوا نَصارى، فالمَجْمُوعُ قالُوا لِلْمَجْمُوعِ، لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ أمَرَ بِاتِّباعِ أيِّ المِلَّتَيْنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ وإشْباعُ الكَلامِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ١١١] .

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ مِلَّةَ بِإضْمارِ فِعْلٍ. أمّا عَلى المَفْعُولِ، أيْ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةً؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾: اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ أوِ النَّصْرانِيَّةَ. وأمّا عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ بَلْ تَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ، إنِّي مِن دِينٍ، أيْ مِن أهْلِ دِينٍ؛ قالَهُ الزَّجّاحُ. وأمّا عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وأمّا عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ نَقْتَدِي مِلَّةً، أيْ بِمِلَّةٍ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكُفّارِ، فَيَكُونُ المُضْمَرُ اتَّبِعُوا أوْ كُونُوا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، فَيُقَدَّرُ بِـ”نَتَّبِعُ“، أوْ تَكُونُ أوْ نَقْتَدِي عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، بِرَفْعِ مِلَّةٍ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ، أوْ أمْرُنا مِلَّتُهُ، أوْ نَحْنُ مِلَّتُهُ، أيْ أهْلُ مِلَّتِهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ بَلْ مِلَّةُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مِلَّتُنا.

(حَنِيفًا): ذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، أيْ في حالِ حَنِيفِيَّتِهِ، قالَهُ المَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً، وأنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ الفِعْلِ نَتَّبِعُ حَنِيفًا، وأنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، حَكّاهُ السَّجاوِنْدِيُّ، وهو تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ؛ لِأنَّ النَّصْبَ عَلى القَطْعِ إنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيهِ، واخْتِلافُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الحَنِيفِ، فَلَمّا نَكَرَّهُ، لَمْ يُمْكِنِ اتِّباعُهُ إيّاهُ، فَنَصَبَهُ عَلى القَطْعِ. أمّا الحالُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، إذا كانَ المُضافُ غَيْرَ عامِلٍ في المُضافِ إلَيْهِ قَبْلَ الإضافَةِ، فَنَحْنُ لا نُجِيزُ، سَواءٌ كانَ جُزْءًا مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ أوْ كالجُزْءِ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (كِتابِ مَنهَجِ المَسالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا. وأمّا النَّصْبُ عَلى القَطْعِ فَقَدْ رَدَّ هَذا الأصْلَ البَصْرِيُّونَ. وأمّا إضْمارُ الفِعْلِ فَهو قَرِيبٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ …

Al-Baqara 2:135Listen in Qur'an →
136

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، خَرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، ولَكِنْ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا - الآيَةَ - فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ وإنْ كانَ كَذِبًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ» . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قُولُوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . أمَرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، ويُصَرِّحُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو أظْهَرُ. وارْتَبَطَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، جَوابًا إلْزامِيًّا، وهو أنَّهم: وما أُمِرُوا بِاتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ. هَذا، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنهُما تُكَفِّرُ الأُخْرى، أُجِيبُوا بِأنَّ الأوْلى في التَّقْلِيدِ اتِّباعَ إبْراهِيمَ، لِأنَّهم - أعْنِي الطّائِفَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ - قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ. والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنْ كانَ الدِّينُ بِالتَّقْلِيدِ. فَلَمّا ذَكَرَ هُنا جَوابًا إلْزامِيًّا، ذَكَرَ بَعْدَهُ بُرْهانًا في هَذِهِ الآيَةِ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الآياتِ. وقَدْ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ. فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضٍ بِالقَبُولِ وبَعْضٍ بِالرَّدِّ، يُوجِبُ التَّناقُضُ في الدَّلِيلِ، وهو مُمْتَنِعٌ عَقْلًا.

﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾: إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمُنَزَّلُ إلَيْهِمْ هو القُرْآنُ، وصَحَّ نِسْبَةُ إنْزالِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم فِيهِ هُمُ المُخاطَبُونَ بِتَكالِيفِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَعْدِيَةُ أُنْزِلَ بِإلى، دَلِيلٌ عَلى انْتِهاءِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا عائِدًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُنَزَّلُ إلى اليَهُودِ: التَّوْراةُ، والمُنَزَّلُ إلى النَّصارى: الإنْجِيلُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِما، الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُنَزَّلِ إلَيْهِمُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهم أُمِرُوا بِاتِّباعِهِ، وبِالإيمانِ بِهِ، وبِمَن جاءَ عَلى يَدَيْهِ.

﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾: الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرُ صَحائِفَ. قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكَرَّرَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا - وهو القُرْآنُ - غَيْرُ تِلْكَ الصَّحائِفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى إبْراهِيمَ. فَلَوْ حُذِفَ المَوْصُولُ، لَأوْهَمَ أنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، قالُوا: ولَمْ يُنَزَّلْ إلى إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وعُطِفُوا عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّهم كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ والدُّعاءَ إلَيْهِ، فَأُضِيفَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ، كَما أُضِيفَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ . والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا. قالَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ الجَوانِيُّ النَّسّابَةُ: ووَلَدُ يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ﷺ: يُوسُفُ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبُ مِصْرَ وعَزِيزُها، وهو السِّبْطُ الأوَّلُ مِن أسْباطِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاثْنَيْ عَشَرَ، والأسْباطُ سِوى يُوسُفَ: كاذُ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ويَفْتالِي، وزُبُولُونُ، وشَمْعُونُ، …

Al-Baqara 2:136Listen in Qur'an →
137

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، خَرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، ولَكِنْ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا - الآيَةَ - فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ وإنْ كانَ كَذِبًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ» . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قُولُوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . أمَرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، ويُصَرِّحُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو أظْهَرُ. وارْتَبَطَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، جَوابًا إلْزامِيًّا، وهو أنَّهم: وما أُمِرُوا بِاتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ. هَذا، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنهُما تُكَفِّرُ الأُخْرى، أُجِيبُوا بِأنَّ الأوْلى في التَّقْلِيدِ اتِّباعَ إبْراهِيمَ، لِأنَّهم - أعْنِي الطّائِفَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ - قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ. والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنْ كانَ الدِّينُ بِالتَّقْلِيدِ. فَلَمّا ذَكَرَ هُنا جَوابًا إلْزامِيًّا، ذَكَرَ بَعْدَهُ بُرْهانًا في هَذِهِ الآيَةِ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الآياتِ. وقَدْ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ. فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضٍ بِالقَبُولِ وبَعْضٍ بِالرَّدِّ، يُوجِبُ التَّناقُضُ في الدَّلِيلِ، وهو مُمْتَنِعٌ عَقْلًا.

﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾: إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمُنَزَّلُ إلَيْهِمْ هو القُرْآنُ، وصَحَّ نِسْبَةُ إنْزالِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم فِيهِ هُمُ المُخاطَبُونَ بِتَكالِيفِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَعْدِيَةُ أُنْزِلَ بِإلى، دَلِيلٌ عَلى انْتِهاءِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا عائِدًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُنَزَّلُ إلى اليَهُودِ: التَّوْراةُ، والمُنَزَّلُ إلى النَّصارى: الإنْجِيلُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِما، الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُنَزَّلِ إلَيْهِمُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهم أُمِرُوا بِاتِّباعِهِ، وبِالإيمانِ بِهِ، وبِمَن جاءَ عَلى يَدَيْهِ.

﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾: الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرُ صَحائِفَ. قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكَرَّرَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا - وهو القُرْآنُ - غَيْرُ تِلْكَ الصَّحائِفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى إبْراهِيمَ. فَلَوْ حُذِفَ المَوْصُولُ، لَأوْهَمَ أنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، قالُوا: ولَمْ يُنَزَّلْ إلى إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وعُطِفُوا عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّهم كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ والدُّعاءَ إلَيْهِ، فَأُضِيفَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ، كَما أُضِيفَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ . والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا. قالَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ الجَوانِيُّ النَّسّابَةُ: ووَلَدُ يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ﷺ: يُوسُفُ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبُ مِصْرَ وعَزِيزُها، وهو السِّبْطُ الأوَّلُ مِن أسْباطِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاثْنَيْ عَشَرَ، والأسْباطُ سِوى يُوسُفَ: كاذُ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ويَفْتالِي، وزُبُولُونُ، وشَمْعُونُ، …

Al-Baqara 2:137Listen in Qur'an →
138

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ

[And say, "Ours is] the religion of Allah. And who is better than Allah in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسُمِّيَ صِبْغَةً لِظُهُورِ أثَرِ الدِّينِ عَلى صاحِبِهِ، كَظُهُورِ أثَرِ الصَّبْغِ عَلى الثَّوْبِ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُهُ ولا يُفارِقُهُ، كالصَّبْغِ في الثَّوْبِ، أوْ فِطْرَةَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ؛ أوْ خِلْقَةَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أوْ سُنَّةَ اللَّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ أوِ الإسْلامَ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا؛ أوْ جِهَةَ اللَّهِ يَعْنِي القِبْلَةَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ؛ أوْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، قالَهُ الأصَمُّ: أوِ الخِتانَ؛ لِأنَّهُ يَصْبُغُ صاحِبَهُ بِالدَّمِ. والنَّصارى إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ غَمَسُوهُ في السّابِعِ في ماءٍ يُقالُ لَهُ المَعْمُودِيَّةُ، فَيَتَطَهَّرُ عِنْدَهم ويَصِيرُ نَصْرانِيًّا. اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنِ الخِتانِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، أوِ الِاغْتِسالَ لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ عِوَضًا عَنْ ماءِ المَعْمُودِيَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ؛ أوِ القُرْبَةَ إلى اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ؛ أوِ التَّلْقِينِ، يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ، كَما يَجْعَلُ الصَّبْغَ لازِمًا لِلثَّوْبِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والأقْرَبُ مِنها هو الدِّينُ والمِلَّةُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ، فَكَنّى بِالصِّبْغَةِ عَنْهُ، ومَجازُهُ ظُهُورُ الأثَرِ، أوْ مُلازَمَتُهُ لِمَن يَنْتَحِلُهُ. فَهو كالصَّبْغِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، كَما قالَ. وكَذَلِكَ الإيمانُ، حِينَ تُخالِطُ بِشاشَتُهُ القُلُوبَ. والعَرَبُ تُسَمِّي دِيانَةَ الشَّخْصِ لِشَيْءٍ، واتِّصافَهَ بِهِ صِبْغَةً. قالَ بَعْضُ شُعَراءِ مُلُوكِهِمْ:

؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغْ

؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أبْناءَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأصْلَ في تَسْمِيَةِ الدِّينِ صِبْغَةً: أنَّ عِيسى حِينَ قَصَدَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَقالَ: جِئْتُ لِأصْبُغَ مِنكَ، وأغْتَسِلَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ. فَلَمّا خَرَجَ، نَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ، فَصارَتِ النَّصارى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأوْلادِهِمْ في كَنائِسِهِمْ، تَشْبِيهًا بِعِيسى، ويَقُولُونَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا. وزَعَمُوا أنَّ في الإنْجِيلِ ذُكِرَ عِيسى بِأنَّهُ الصّابِغُ. ويُسَمُّونَ الماءَ الَّذِي يَغْمِسُونَ فِيهِ أوْلادَهُمُ: المَعْمُودِيَّةَ - بِالدّالِ - ويُقالُ: المَعْمُورِيَّةُ - بِالرّاءِ - . قالَ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الفِعْلَ التَّغْمِيسَ، ومِنهم مَن يُسَمِّيهِ الصَّبْغَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ . وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بَدائِهِ العُقُولِ الَّتِي مَيَّزَنا بِها عَنِ البَهائِمِ، ورَشَّحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ طَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ. وسُمِّيَ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ، إذا اعْتُبِرَتْ جَرَتْ مَجْرى الصِّبْغَةِ في المَصْبُوغِ، ولَمّا كانَتِ النَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ النَّصْرانِيَّةَ يَقُولُونَ: نَصَّرْناهُ، فَقالَ: إنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: صِبْغَةَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ، ومَن قَرَأ بِرَفْعِ مِلَّةٍ، قَرَأ بِرَفْعِ صِبْغَةٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ تِلْكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ. …

Al-Baqara 2:138Listen in Qur'an →
139

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

Say, [O Muhammad], "Do you argue with us about Allah while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: سَبَبُ النُّزُولِ، قِيلَ: إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا مِنّا وعَلى دِينِنا، ولَمْ تَكُنْ مِنَ العَرَبِ، ولَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا وعَلى دِينِنا. وقِيلَ: حاجُّوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ وأصْحابُ الكِتابِ الأوَّلِ، وقَبْلَتُنا أقْدَمُ؛ فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، فَأُنْزِلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ: أتُحاجُونَنا بِنُونَيْنِ، إحْداهُما نُونُ الرَّفْعِ والأُخْرى الضَّمِيرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَ النُّونِ. أمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَظاهِرَةٌ، وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فَوَجْهُها أنَّهُ لَمّا التَقى مِثْلانِ، وكانَ قَبْلَ الأوَّلِ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، جازَ الإدْغامُ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ دارُ راشِدٍ؛ لِأنَّ المَدَّ يَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ في نَحْوِ: جَعَلَ لَكَ. وأمّا جَوازُ حَذْفِ النُّونِ الأُولى، فَوَجْهُ مَن أجازَ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، بِكَسْرِ النُّونِ، وأنْشَدُوا:

؎تَراهُ كالثُّغامِ يَعُلُّ مِسْكًا يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي

يُرِيدُ: فَلَيْنَنِي. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ مَصْحُوبًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والواوُ ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، إذْ قالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. وقِيلَ: ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ. والمُحاجَّةُ هُنا: المُجادَلَةُ. والمَعْنى: أتُجادِلُونَنا في شَأْنِ اللَّهِ واصْطِفائِهِ النَّبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكم، وتَقُولُونَ لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْنا، وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنَّبُوَّةِ مِنّا ؟ ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَعْنِي أنَّهُ مالِكُهم كُلِّهِمْ، فَهم مُشْتَرِكُونَ في العُبُودِيَّةِ، فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ مِنَ الكَرامَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ مَعَ اعْتِرافِنا كُلِّنا أنّا مَرْبُوبُونَ لِرَبٍّ واحِدٍ، فَلا يُناسِبُ الجِدالُ فِيما شاءَ مِن أفْعالِهِ، وما خَصَّ بِهِ بَعْضَ مَرْبُوباتِهِ مِنَ الشَّرَفِ والزُّلْفى؛ لِأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ في كُلِّهِمْ تَصَرُّفَ المالِكِ. وقِيلَ المَعْنى: أتُجادِلُونَنا في دِينِ اللَّهِ، وتَقُولُونَ إنَّ دِينَكم أفْضَلُ الأدْيانِ، وكِتابَكم أفْضَلُ الكُتُبِ ؟ والظّاهِرُ إنْكارُ المُجادَلَةِ في اللَّهِ، حَيْثُ زَعَمَتِ النَّصارى أنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ، وحَيْثُ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وحَيْثُ زَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ اللَّهَ لَهُ ولَدٌ، وزَعَمُوا أنَّهُ شَيْخٌ أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، إلى ما يَدَّعُونَهُ فِيهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ يَدْعُونَ ذَلِكَ، والرَّبُّ واحِدٌ لَهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِقادُ فِيهِ واحِدًا، وهو أنْ تَثْبُتَ صِفاتُهُ العُلا، ويُنَزَّهُ عَنِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ.

﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾، المَعْنى: ولَنا جَزاءُ أعْمالِنا، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. والمَعْنى: أنَّ الرَّبَّ واحِدٌ، وهو المُجازِي عَلى الأعْمالِ، فَلا تَنْبَغِي المُجادَلَةُ فِيهِ ولا المُنازَعَةُ.

﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾: ولَمّا بَيَّنَ القَدْرَ المُشْتَرَكَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والجَزاءِ، ذَكَرَ ما يُمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى في العَمَلِ …

Al-Baqara 2:139Listen in Qur'an →
140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allah?" And who is more unjust than one who conceals a testimony he has from Allah? And Allah is not unaware of what you do.

﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: أمْ تَقُولُونَ بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ. فَأمّا قِراءَةُ التّاءِ، فَتَحْتَمِلُ أمْ فِيهِ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيهِ أمْ مُتَّصِلَةً، فالِاسْتِفْهامُ عَنْ وُقُوعِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: المُحاجَّةُ في اللَّهِ، والِادِّعاءُ عَلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، أنَّهم كانُوا يَهُودًا ونَصارى، وهو اسْتِفْهامٌ صَحِبَهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ أمْ فِيهِ مُنْقَطِعَةً، فَتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، التَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، فَأضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ اللّاحِقَةِ، عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أيْضًا، أيْ أنَّ نِسْبَةَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ لِإبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، بِشَهادَةِ القَوْلِ الصِّدْقِ الَّذِي أتى بِهِ الصّادِقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وبِشَهادَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ، وبِشَهادَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِمَنِ اقْتَفى طَرِيقَةَ عِيسى، وبِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ مِن ذَلِكَ قَوْلٌ بِلا بُرْهانٍ، فَهو باطِلٌ. وأمّا قِراءَةُ الياءِ، فالظّاهِرُ أنَّ أمْ فِيها مُنْقَطِعَةٌ. وحَكى أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ: أنَّها لَيْسَتْ بِمُنْقَطِعَةٍ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا المِثالُ يَعْنِي: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، والمُخاطَبَ واحِدٌ، والقَوْلَ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، والمُخاطَبَ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما يَتَّجِهُ مُعادَلَةُ أمْ لِلْألِفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كانَ مَعْنى قُلْ أتُحاجُّونَنا، أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ، أمْ يَقُولُونَ ؟ انْتَهى. ومَعْنى قَوْلِهِ: لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، يَعْنِي في المِثالِ الَّذِي هو: أيَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالنّاطِقُ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ هو واحِدٌ، وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ واحِدٌ، يَعْنِي الَّذِي خُوطِبَ بِهَذا الكَلامِ، والمُعادَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ قِيامِ المُواجَهِ بِالخِطابِ وبَيْنَ قِيامِ عَمْرٍو، وقَوْلُهُ.: والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، يَعْنِي أنَّ أتُحاجُّونَنا مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، إذْ أُمِرَ أنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ، وأتَقُولُونَ بِالتّاءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، أمّا الأوَّلُ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونَنا، وأمّا الثّانِي فَهو لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: أمْ يَقُولُونَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيمَن قَرَأ بِالياءِ، لا تَكُونُ إلّا مُنْقَطِعَةً. انْتَهى. ويُمْكِنُ الِاتِّصالُ فِيها مَعَ قِراءَةِ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ؛ إذْ صارَ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، والضَّمِيرُ لِناسٍ مَخْصُوصِينَ. والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ أمْ في القِراءَتَيْنِ مَعًا مُنْقَطِعَةً، وكَأنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم في اللَّهِ ونِسْبَةَ أنْبِيائِهِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل …

Al-Baqara 2:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.