Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 131–140 of 286

131

إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

﴿إذْ قالَ لَهُ﴾: ظَرْفٌ لِـ "اصْطَفَيْناهُ"؛ لِما أنَّ المُتَوَسِّطَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ؛ بَلْ هو مُقَرِّرٌ لَهُ؛ لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلنُّبُوَّةِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ؛ أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ؛ أوْ مَنصُوبٌ بِـ "اذْكُرْ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ؛ المُسْتَحِقُّ لِلْإمامَةِ؛ والتَّقَدُّمِ؛ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ؛ والِانْقِيادِ لِما أُمِرَ بِهِ؛ وإخْلاصِ سِرِّهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ حِينَ ﴿قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾؛ أيْ: لِرَبِّكَ؛ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بَلْ هو تَمْثِيلٌ؛ والمَعْنى: أخْطَرَ بِبالِهِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةَ إلى المَعْرِفَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ؛ مِنَ الكَوْكَبِ؛ والقَمَرِ؛ والشَّمْسِ؛ وقِيلَ: أسْلِمْ أيْ: أذْعِنْ؛ وأطِعْ؛ وقِيلَ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ؛ والإخْلاصِ؛ أوْ: اسْتَقِمْ؛ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فالأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ والِالتِفاتُ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ والإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ؛ والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ؛ وإضافَةُ الرَّبِّ في جَوابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ؛ حَيْثُ أيْقَنَ حِينَ النَّظَرِ بِشُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً؛ لا لِنَفْسِهِ وحْدَهُ؛ كَما هو المَأْمُورُ بِهِ.

Al-Baqara 2:131Listen in Qur'an →
132

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِغَيْرِهِ؛ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ؛ وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُوبِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والتَّوْصِيَةُ: التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِن فِعْلٍ؛ أوْ قَوْلٍ؛ وأصْلُها: "الوَصْلَةُ"؛ يُقالُ: "وَصاهُ"؛ إذا وصَلَهُ؛ و"فَصاهُ"؛ إذا فَصَلَهُ؛ كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فِعْلَهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ؛ والضَّمِيرُ في "بِها" لِلْمِلَّةِ؛ أوْ قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ بِتَأْوِيلِ الكَلِمَةِ؛ كَما عَبَّرَ بِها عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾؛ وقُرِئَ: "أوْصى"؛ والأوَّلُ أبْلَغُ؛ ﴿وَيَعْقُوبُ﴾: عَطْفٌ عَلى "إبْراهِيمُ"؛ أيْ: وصّى بِها هو أيْضًا؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلى "بَنِيهِ"؛ ﴿يا بَنِيَّ﴾: عَلى إضْمارِ القَوْلِ؛ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ ومُتَعَلِّقٌ بِـ "وَصّى"؛ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا ∗∗∗ إنّا رَأيْنا رَجُلًا عُرْيانا

فَهُوَ عِنْدَ الأوَّلِينَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ وعِنْدَ الآخِرِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْبارِ؛ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ؛ وقُرِئَ: "أنْ يا بَنِيَّ"؛ وبَنُو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أرْبَعَةً: إسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ومَدْيَنُ؛ ومَدّانُ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً؛ وقِيلَ: أرْبَعَةً وعِشْرِينَ؛ وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ: رُوبِينُ؛ وشَمْعُونُ؛ ولاوِي؛ ويَهُوذا؛ ويَشْسُوخُورُ؛ وزَبُولُونُ؛ وزُوانا؛ وتَفْتُونا؛

وَكُوذا؛ وأُوشِيرُ؛ وبِنْيامِينُ؛ ويُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾: دِينَ الإسْلامِ؛ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ؛ ولا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ (تَعالى)؛ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ؛ والمَقْصُودُ: الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ؛ إلى حِينِ المَوْتِ؛ أيْ: فاثْبُتُوا عَلَيْهِ؛ ولا تُفارِقُوهُ أبَدًا؛ كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ؛ وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ؛ وأنَّ حَقَّهُ ألّا يَحِلَّ بِهِمْ؛ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ؛ ونَظِيرُهُ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ؛ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بِاليَهُودِيَّةِ يَوْمَ ماتَ؟ فَنَزَلَتْ:

Al-Baqara 2:132Listen in Qur'an →
133

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾: "أمْ": مُنْقَطِعَةٌ؛ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةِ؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ؛ الرّاغِبِينَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ و"شُهَداءَ": جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ أوْ "شاهِدٌ"؛ بِمَعْنى: "الحاضِرُ"؛ و"إذْ": ظَرْفٌ لِـ "شُهَداءَ"؛ والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ؛ وتَقْدِيمُ "يَعْقُوبَ" - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ إذِ المُرادُ كَيْفِيَّةُ وصِيَّتِهِ لِبَنِيهِ؛ بَعْدَما بَيَّنَ ذَلِكَ إجْمالًا؛ ومَعْنى "بَلْ": الإضْرابُ؛ والِانْتِقالُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ عَلى رَغْبَتِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاليَهُودِيَّةِ؛ حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ وأمّا تَعْمِيمُ الِافْتِراءِ هَهُنا لِسائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ تَخْصِيصُ يَعْقُوبَ بِالذِّكْرِ؛ وما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ إلَخْ.. ومَعْنى الهَمْزَةِ: إنْكارُ وُقُوعِ الشُّهُودِ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَبْكِيتُهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ حَضَرَ"؛ أيْ: ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي؟ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَدَّعُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَدَّعُونَ؛ رَجْمًا بِالغَيْبِ؟ وعِنْدَ هَذا تَمَّ التَّوْبِيخُ؛ والإنْكارُ؛ والتَّبْكِيتُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ قَدْ جَرى حِينَئِذٍ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِسُؤالِهِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ بَنِيهِ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ وأخْذَ مِيثاقِهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما؛ إذْ بِهِ يُتِمُّ وصِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ و"ما": يُسْألُ بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ما لَمْ يُعْرَفْ؛ فَإذا عُرِفَ خُصَّ العُقَلاءُ بِـ "مَن"؛ إذا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ وإنْ سُئِلَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: "ما زَيْدٌ؟ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ؟"؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾؛ حَسْبَما كانَ مُرادُ أبِيهِمْ بِالسُّؤالِ؛ أيْ: نَعْبُدُ الإلَهَ المُتَّفَقَ عَلى وُجُودِهِ؛ وإلَهِيَّتِهِ؛ ووُجُوبِ عِبادَتِهِ. وعَدُّ إسْماعِيلَ مِن آبائِهِ تَغْلِيبًا لِلْأبِ؛ والجَدِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ"؛» وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في العَبّاسِ -: « "هَذا بَقِيَّةُ آبائِي"؛» وقُرِئَ: "أبِيكَ"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ بِالواوِ والنُّونِ؛ كَما في قَوْلِهِ

؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا ∗∗∗ بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبِينا

وَقَدْ سَقَطَتِ النُّونُ بِالإضافَةِ؛ أوْ مُفْرَدٌ؛ و"إبْراهِيمَ": عَطْفُ بَيانٍ لَهُ؛ و"إسْماعِيلَ"؛ و"إسْحاقَ": مَعْطُوفانِ عَلى "أبِيكَ"؛ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾: بَدَلٌ مِن "إلَهَ آبائِكَ"؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾؛ وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّوْحِيدِ؛ ودَفْعُ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن تَكْرِيرِ المُضافِ لِتَعَذُّرِ العَطْفِ عَلى المَجْرُورِ؛ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: حالٌ مِن فاعِلِ "نَعْبُدُ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما …

Al-Baqara 2:133Listen in Qur'an →
134

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ والإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ؛ ويَعْقُوبَ؛ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ؛ والأُمَّةُ: هي الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ؛ أيْ: يَقْصِدُونَها؛ ويَقْتَدُونَ بِها؛ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: صِفَةٌ لِلْخَبَرِ؛ أيْ: مَضَتْ بِالمَوْتِ؛ وانْفَرَدَتْ عَمَّنْ عَداها؛ وأصْلُهُ: صارَتْ إلى الخَلاءِ؛ وهي الأرْضُ الَّتِي لا أنِيسَ بِها؛ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِـ "أُمَّةٌ"؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "خَلَتْ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَها ما كَسَبَتْهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَحْكِيَّةِ؛ تَتَخَطّاها إلى غَيْرِها؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ يُوجِبُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ ﴿وَلَكم ما كَسَبْتُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى نَظِيرَتِها؛ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وجُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ إذْ لا رابِطَ فِيها؛ ولا بُدَّ مِنهُ في الصِّفَةِ؛ ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ؛ ولا بُدَّ مِنها في الحالِ؛ أيْ: لَكم ما كَسَبْتُمُوهُ؛ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُكُمْ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ قَصْرُهُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ؛ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾؛ أيْ: ولِيَ دِينِي لا دِينُكُمْ؛ وحَمْلُ الجُمْلَةِ الأُولى عَلى هَذا القَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا؛ كَما قِيلَ؛ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ انْتِفاعَهم بِكَسْبِ هَؤُلاءِ حَتّى يُحْتاجَ إلى بَيانِ امْتِناعِهِ؛ وإنَّما الَّذِي يُتَوَهَّمُ انْتِفاعُ هَؤُلاءِ بِكَسْبِهِمْ؛ فَبَيَّنَ امْتِناعَهُ بِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ؛ لا تَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ؛ ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ إلّا ما كَسَبُوا؛ فَلا يَنْفَعُهُمُ انْتِسابُهم إلَيْهِمْ؛ وإنَّما يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهم لَهم في الأعْمالِ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "يا بَنِي هاشِمَ لا يَأْتِيَنِّي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكُمْ".»

﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ تَقْرِيرًا ظاهِرًا؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبِّبُهُ - أعْنِي الجَزاءَ - فَهو تَتْمِيمٌ لِما سَبَقَ؛ جارٍ مُجْرى النَّتِيجَةِ لَهُ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ؛ وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ الأُمَّةِ الخالِيَةِ؛ وإنَّما أُطْلِقَ العَمَلُ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ؛ هَذا وقَدْ جُعِلَ السُّؤالُ عِبارَةً عَنِ المُؤاخَذَةِ؛ والمَوْصُولُ عَنِ السَّيِّئاتِ؛ فَقِيلَ: أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ؛ كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مُنَزَّهُونَ مِن كَسْبِ السَّيِّئاتِ؟ فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ حَتّى يُتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفاعِهِ؟

Al-Baqara 2:134Listen in Qur'an →
135

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِۦمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

﴿وَقالُوا﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ وهو إضْلالُهم لِغَيْرِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِإبْعادِهِمْ مِن مَقامِ المُخاطَبَةِ؛ والإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ لَيْسَ هَذا القَوْلُ مَقُولًا لِكُلِّهِمْ؛ أوْ لِأيِّ طائِفَةٍ كانَتْ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ؛ بَلْ هو مُوَزَّعٌ عَلَيْهِما عَلى وجْهٍ خاصٍّ؛ يَقْتَضِيهِ حالُهُما اقْتِضاءً مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا؛ والنَّصارى: كُونُوا نَصارى؛ فَفُعِلَ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ ما فُعِلَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ المَرامِ؛ ﴿تَهْتَدُوا﴾: جَوابٌ

لِلْأمْرِ؛ أيْ: إنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ تَهْتَدُوا؛ قُلْ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ أيْ: قُلْ لَهم - عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ وبَيانِ ما هو الحَقُّ لَدَيْهِمْ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ -: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: لا نَكُونُ كَما تَقُولُونَ؛ بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بَلِ اتَّبِعُوا أنْتُمْ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ: كُونُوا أهْلَ مِلَّتِهِ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: بَلْ مِلَّتُنا؛ أوْ أمْرُنا؛ مِلَّتُهُ؛ أوْ: نَحْنُ مِلَّتُهُ؛ أيْ: أهْلُ مِلَّتِهِ؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ؛ وهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ كَما فِي: "رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً"؛ أوِ المُضافِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾؛ إلَخْ..

﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: تَعْرِيضٌ بِهِمْ؛ وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

Al-Baqara 2:135Listen in Qur'an →
136

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

﴿قُولُوا﴾: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْدَ خِطابِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ؛ عَلى الإجْمالِ؛ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ؛ والإيمانِ؛ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ أيْ: قُولُوا لَهم - بِمُقابَلَةِ ما قالُوا؛ تَحْقِيقًا؛ وإرْشادًا ضِمْنِيًّا لَهم إلَيْهِ -:﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾؛ يَعْنِي القرآن؛ قُدِّمَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْها نُزُولًا؛ لِاخْتِصاصِهِ بِنا؛ وكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِها؛ ﴿وَما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾: الصُّحُفِ؛ وإنْ كانَتْ نازِلَةً إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّ مَن بَعْدَهُ - حَيْثُ كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِتَفاصِيلِها؛ داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها - جُعِلَتْ مُنْزَلَةً إلَيْهِمْ؛ كَما جُعِلَ القرآن مُنْزَلًا إلَيْنا. والأسْباطُ: جَمْعُ "سِبْطٌ"؛ وهو الحافِدُ؛ والمُرادُ بِهِمْ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ أبْناؤُهُ الِاثْنا عَشَرَ؛ وذَرارِيهِمْ؛ فَإنَّهم حَفَدَةُ إبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِيهِما؛ حَسْبَما فُصِّلَ في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وإيرادُ الإيتاءِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾؛ أيْ: جُمْلَةُ المَذْكُورِينَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ؛ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ؛ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ كَدَأْبِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وإنَّما اعْتُبِرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ؛ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيما أُوتُوهُ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهم بِالتَّصْدِيقِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ما أُوتُوهُ. وهَمْزَةُ "أحَدٍ": إمّا أصْلِيَّةٌ؛ فَهو اسْمٌ؛ مَوْضُوعٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ؛ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والمُثَنّى؛ والمَجْمُوعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلَيْهِ؛ كَما في مِثْلِ: "المالُ بَيْنَ النّاسِ"؛ ومِنهُ ما في قَوْلِهِ ﷺ: « "ما أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ غَيْرِكُمْ"؛» حَيْثُ وُصِفَ بِالجَمْعِ؛ وإمّا مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ؛ فَهو بِمَعْنى "واحِدٍ"؛ وعُمُومُهُ لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ النَّفْيِ؛ وصِحَّةُ دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفٍ قَدْ حُذِفَ لِظُهُورِهِ؛ أيْ: "بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ غَيْرِهِ"؛ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:

؎ فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ

أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ؛ وبَيْنِي؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ صَرِيحًا عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ مَن عَداهُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "آمَنّا". وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ مُخْلِصُونَ لَهُ؛ ومُذْعِنُونَ؛ حالٌ أُخْرى مِنهُ؛ أوْ عَطْفٌ عَلى "آمَنّا".

Al-Baqara 2:136Listen in Qur'an →
137

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿فَإنْ آمَنُوا﴾: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ ما تَقَدَّمَ مِن إيمانِ المُخاطَبِينَ عَلى الوَجْهِ المُحَرَّرِ مَظِنَّةٌ لِإيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ لِما أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو مَقْبُولٌ عِنْدَهُمْ؛ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما آمَنتُمْ بِهِ"؛ وقِراءَةُ أُبَيٍّ: "بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى أنَّ المُؤْمَنَ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ بِمُرُورِهِ آنِفًا؛ أوْ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُجْرًى مُجْرى اللّازِمِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا بِما مَرَّ مُفَصَّلًا؛ أوْ فَإنْ فَعَلُوا الإيمانَ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكُمْ؛ وأنْ تَكُونَ الأُولى زائِدَةً؛ والثّانِيَةُ صِلَةً لِـ "آمَنتُمْ"؛ و"ما": مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا؛ وأنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا مُلْتَبِسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ؛ أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُلْتَبِسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُلْتَبِسًا بِهِ مِنَ الإذْعانِ؛ والإخْلاصِ؛ وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما وُجِدَ فِيهِمْ وصَدَرَ عَنْهم مِنَ الشَّهادَةِ؛ والإذْعانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِثْلُ ما لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لا عَيْنُهُ؛ بِخِلافِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدُ؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ إلى الحَقِّ؛ وأصابُوهُ؛ كَما اهْتَدَيْتُمْ؛ وحَصَلَ بَيْنَكم الِاتِّحادُ؛ والِاتِّفاقُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا؛ فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطَّرِيقِ؛ فَيَأْباهُ أنَّ مَقامَ تَعْيِينِ طَرِيقِ الحَقِّ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ؛ لا يُلائِمُ تَجْوِيزَ أنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ وراءَهُ؛ ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ بِأنْ أخَلُّوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ كَأنْ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ كَما هو دِينُهُمْ؛ ودَيْدَنُهُمْ؛ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾؛ المُشاقَّةُ؛ والشِّقاقُ: مِن "الشَّقُّ"؛ كَـ "المُخالَفَةُ"؛ و"الخِلافُ"؛ مِن "الخُلْفِ"؛ و"المُعاداةُ"؛ و"العَداءُ"؛ مِن "العُدْوَةُ"؛ أيْ: "الجانِبُ"؛ فَإنَّ أحَدَ المُخالِفَيْنِ يُعْرِضُ عَنِ الآخَرِ؛ صُورَةً؛ أوْ مَعْنًى؛ ويُوَلِّيهِ خَلْفَهُ؛ ويَأْخُذُ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ؛ وعُدْوَةٍ غَيْرِ عُدْوَتِهِ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: هم مُسْتَقِرُّونَ في خِلافٍ عَظِيمٍ؛ بَعِيدٍ مِنَ الحَقِّ؛ وهَذا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ احْتِمالِ الوِفاقِ؛ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ ما آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ والجُمْلَةُ إمّا جَوابُ الشَّرْطِ؛ كَما هِيَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ؛ كَجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى؛ وإنَّما أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ؛ واسْتِقْرارِهِمْ في ذَلِكَ؛ وإمّا بِتَأْوِيلِ "فاعْلَمُوا أنَّما هم في شِقاقٍ؛ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾؛ إلَخْ.. مِن بابِ التَّعْجِيزِ؛ والتَّبْكِيتِ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾؛ والمَعْنى: فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا …

Al-Baqara 2:137Listen in Qur'an →
138

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ

[And say, "Ours is] the religion of Allah. And who is better than Allah in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: "الصِّبْغَةُ": مِن "الصَّبْغُ"؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ مِن "الجُلُوسُ"؛ وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ؛ عَبَّرَ بِها عَنِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوَضارِ الكُفْرِ؛ وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ؛ ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ؛ كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ؛ وقِيلَ: لِلْمُشارَكَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ؛ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لَهُمْ؛ وبِهِ يَحِقُّ نَصْرانِيَّتُهُمْ؛ وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ مَعَ اسْتِنادِهِ فِيما سَلَفَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا يَسْتَقِلُّ العَبْدُ بِتَحْصِيلِها؛ فَهي إذَنْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿آمَنّا﴾؛ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ "قُولُوا"؛ مُنْتَصِبٌ عَنْهُ انْتِصابَ وعْدِ اللَّهِ عَمّا تَقَدَّمَهُ؛ لِكَوْنِهِ بِمَثابَةِ فِعْلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً؛ وقِيلَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَهُما الشَّرْطِيَّتانِ؛ وما بَعْدَهُما اعْتِناءً بِبَيانِ أنَّهُ الإيمانُ الحَقُّ؛ وبِهِ الِاهْتِداءُ؛ ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ أوْ خَبَرٌ؛ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿صِبْغَةَ﴾: نُصِبَ عَلى تَمْيِيزِ "مَن أحْسَنُ"؛ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ؛ والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ فالتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ؛ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما؛ أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ عَلى مَعْنى أنَّها أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ؛ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾؛ إلَخْ.. وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ الحَقِيقِيِّ؛ والفَرَضِيِّ؛ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ (تَعالى) حُسْنٌ في الجُمْلَةِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ"؛ مِن مَعْنى التَّبَجُّحِ؛ والِابْتِهاجِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ؛ الَّذِي أوْلانا تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ؛ ﴿عابِدُونَ﴾؛ شُكْرًا لَها؛ ولِسائِرِ نِعَمِهِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ؛ ورِعايَةِ الفَواصِلِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "آمَنّا"؛ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِدَوامِ العِبادَةِ؛ أوْ عَلى فِعْلِ الإغْراءِ؛ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وقُولُوا: نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ حِينَئِذٍ يُجْرى مُجْرى التَّعْلِيلِ؛ لِلْإغْراءِ.

Al-Baqara 2:138Listen in Qur'an →
139

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

Say, [O Muhammad], "Do you argue with us about Allah while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾: تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُقَيْبَ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ الأمْرِ الوارِدِ بِالخِطابِ العامِّ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقُرِئَ بِإدْغامِ النُّونِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا؟ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: في دِينِهِ؛ وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ هو اليَهُودِيَّةُ؛

والنَّصْرانِيَّةُ؛ وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ والِاهْتِداءَ؛ عَلَيْهِما؛ وتَقُولُونَ - تارَةً -: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ وتارَةً: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ .

﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ (تَعالى) رَبُّنا؛ أيْ: مالِكُ أمْرِنا؛ وأمْرِكُمْ؟ ﴿وَلَنا أعْمالُنا﴾؛ الحَسَنَةُ؛ المُوافِقَةُ لِأمْرِهِ؛ ﴿وَلَكم أعْمالُكُمْ﴾؛ السَّيِّئَةُ؛ المُخالِفَةُ لِحُكْمِهِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ في تِلْكَ الأعْمالِ؛ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ؛ فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ؛ وادِّعاءُ حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والطَّمَعُ في دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ؛ ودَعْوَةُ النّاسِ إلَيْهِ؟

Al-Baqara 2:139Listen in Qur'an →
140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allah?" And who is more unjust than one who conceals a testimony he has from Allah? And Allah is not unaware of what you do.

وَكَلِمَةُ "أمْ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾: إمّا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أتُحاجُّونَنا﴾؛ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الأمْرِ عَلى مَعْنى: أيَّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ: إقامَةَ الحُجَّةِ؛ وتَنْوِيرَ البُرْهانِ عَلى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والحالُ ما ذُكِرَ؛ أمِ التَّشَبُّثَ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ؛ والِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ؛ وتَقُولُونَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ فَنَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ؛ والمُرادُ إنْكارُ كِلا الأمْرَيْنِ؛ والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِما؛ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةُ دالَّةٌ عَلى الإضْرابِ؛ والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى المُحاجَّةِ؛ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وقُرِئَ: "أمْ يَقُولُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا غَيْرَ؛ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ؛ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ تَوْبِيخًا لَهُمْ؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ كَما قِيلَ هَذا؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أتُحاجُّونَنا في شَأْنِ اللَّهِ؛ واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ؟ لِما رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كَلُّهم مِنّا؛ فَلَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا؛ فَنَزَلَتْ. ومَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾: أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ (تَعالى) بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا؛ كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ؛ كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحُونَهُ؛ إفْحامًا؛ وتَبْكِيتًا؛ فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) عَلى مَن يَشاءُ؛ فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ؛ وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ؛ والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ؛ فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا؛ رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ (تَعالى) في إعْطائِها؛ فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ؛ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ؛ أيْ: لا أنْتُمْ؛ فَمَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِياقِهِ؛ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "أمْ" مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ؛ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ؛ لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ والسَّيِّئَةِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ؛ والسُّوءِ؛ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ؛ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ؛ ومُخالَفَتِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ؛ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبَ؟ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾: إعادَةُ الأمْرِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ؛ وتَشْدِيدِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ؛ بَلْ بَيْنَهُما كَلامٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما سَبَقَ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِما لَحِقَ؛ قَدْ ضُرِبَ عَنْهُ الذِّكْرُ صَفْحًا؛ لِظُهُورِهِ؛ وهو تَصْرِيحُهم بِما وُبِّخُوا عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ …

Al-Baqara 2:140Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.