Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكانُوا اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِن رُهْبانِ الشّامِ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم مِن أهْلِ نَجْرانَ، وبَعْضُهم مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، ومِنَ الرُّومِ، وثَمانِيَةٌ مَلّاحُونَ أصْحابُ السَّفِينَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ، وابْنِ صُورِيا، وابْنِ يامِينَ، وغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: في عُلَماءِ اليَهُودِ وأحْبارِ النَّصارى. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ، يَتَنَزَّلُ الِاخْتِلافُ في الكِتابِ، أهُوَ التَّوْراةُ أوِ الإنْجِيلُ ؟ أوْ هُما والقُرْآنُ ؟ أوِ الجِنْسُ ؟ فَيَكُونُ يَعْنِي بِهِ المَكْتُوبَ، فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ.

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾: أيْ يَقْرَءُونَهُ ويُرَتِّلُونَهُ بِإعْرابِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَتَّبِعُونَ أحْكامَهُ. وقالَ الحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ ويَكِلُونَ مُتَشابِهَهُ إلى اللَّهِ. وقالَ عُمَرُ: يَسْألُونَ مِن رَحْمَتِهِ ويَسْتَعِيذُونَ مِن عَذابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُغَيِّرُونَ ما فِيهِ مِن نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ: مُبْتَدَأٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ في مَنِ اهْتَدى، صَحَّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا عَنْهُ، وصَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً إمّا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، وإمّا مِنَ الكِتابِ، لِأنَّهم وقْتَ الإيتاءِ لَمْ يَكُونُوا تالِينَ لَهُ، ولا كانَ هو مَتْلُوًّا لَهم، ويَكُونَ الخَبَرُ إذْ ذاكَ في الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وجُوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا، وأُولَئِكَ وما بَعْدَهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي المُبْتَدَأُ الواحِدُ خَبَرَيْنِ ؟ أمْ لا يَقْتَضِي إلّا إذا كانَ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أيْ مَزٌّ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وإنْ أُرِيدَ بِـ ”﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾“ العُمُومُ، كانَ الخَبَرُ ”﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾“ قالُوا - ومِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ -: ويَتْلُونَهُ حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، وفِيها الفائِدَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَ التِّلاوَةَ. ونَقُولُ: ما لَزِمَ في الِامْتِناعِ مِن جَعْلِها خَبَرًا، يَلْزَمُ في الحالِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَكُونُ عَلى حالَةِ التِّلاوَةِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَها. وانْتَصَبَ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ عَلى المَصْدَرِ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا حَقَّ ضَرْبِهِ، وأصْلُهُ تِلاوَةً حَقًّا. ثُمَّ قُدِّمَ الوَصْفُ، وأُضِيفَ إلى المَصْدَرِ، وصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ شَدِيدَ الضَّرْبِ، إذْ أصْلُهُ: ضَرْبًا شَدِيدًا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أيْ يَتْلُونَهُ مُحِقِّينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”حَقَّ“ مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وهو بِمَعْنًى، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنَّ تَعَرُّفَ التِّلاوَةِ بِإضافَتِها إلى الضَّمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدُ أُمِّهِ، ونَسِيجُ …

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: كَرَّرَ نِداءَ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا، وذَكَّرَهم بِنِعَمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ أعْقَبَ ذَلِكَ النِّداءَ ذِكْرَ نِداءٍ ثانٍ يَلِي ذِكْرَ الطّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعِي الهُدى والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ. وهَذا النِّداءُ أعْقَبَ ذِكْرَ تِلْكَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. وكانَ ما بَيْنَ النِّداءَيْنِ - قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وما صَدَرَ مِنهم، مِن أفْعالِهِمُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِنَ المُخالَفاتِ والكَذِبِ والتَّعَنُّتاتِ، وما جُوزُوا بِهِ في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ - مَحْشُوًّا بَيْنَ التَّذْكِيرَيْنِ ومَجْعُولًا بَيْنَ الوَعْظَيْنِ والتَّخْوِيفَيْنِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَأْمُرَ شَخْصًا بِشَيْءٍ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ تُفَصِّلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ، وأنْتَ تَسْرُدُها لَهُ سَرْدًا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها هي مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ الأمْرِ السّابِقِ. ويَطُولُ بِكَ الكَلامُ حَتّى تَكادَ تَتَناسى ما سَبَقَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فَتُعِيدَهُ ثانِيَةً، لِتَتَذَكَّرَ ذَلِكَ الأمْرَ، وتَصِيرَ تِلْكَ التَّفْصِيلاتُ مَحْفُوفَةً بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِهِما.

ولَمْ تَخْتَلِفْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ تِلْكَ السّابِقَةِ إلّا في قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ هُنا: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما ناسَبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ هُناكَ عَلى العَدْلِ، وتَأْخِيرَها هُنا عَنْهُ، ونِسْبَةَ القَبُولِ هُناكَ لِلشَّفاعَةِ، والنَّفْعَ هُنا لَها، فَيُطالَعُ هُناكَ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الظُّلْمِ مِمَّنْ عَطَّلَ بُيُوتَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ وسَعى في خَرابِها، مَعَ أنَّها مِن حَيْثُ هي مَنسُوبَةٌ إلى اللَّهِ، وهي مَحالُّ ذِكْرِهِ وإيواءِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا وهم وجِلُونَ خائِفُونَ، مُتَذَكِّرُونَ لِمَن بُنِيَتْ، ولِما يُذْكَرُ فِيها. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لِأُولَئِكَ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لَهُ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المَساجِدُ، وأيُّ جِهَةٍ قَصَدْتُمُوها فاللَّهُ تَعالى حاوِيها ومالِكُها، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ ولا مَكانٍ. وخَتَمَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالوُسْعِ المُنافِي لِوُسْعِ المَقادِيرِ، وبِالعِلْمِ الَّذِي هو دَلِيلُ الإحاطَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأفْظَعِ مَقالَةٍ، وهي نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَزَّهَ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، خاضِعُونَ طائِعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَداعَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِثالَ لَهُما، فَكَذَلِكَ الفاعِلُ لَهُما لا مِثالَ لَهُ. فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوَلَدَ، إذْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِن جِنْسِهِ، والبارِئُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، فَلا ولَدَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِما يُرِيدُ أنْ …

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: كَرَّرَ نِداءَ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا، وذَكَّرَهم بِنِعَمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ أعْقَبَ ذَلِكَ النِّداءَ ذِكْرَ نِداءٍ ثانٍ يَلِي ذِكْرَ الطّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعِي الهُدى والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ. وهَذا النِّداءُ أعْقَبَ ذِكْرَ تِلْكَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. وكانَ ما بَيْنَ النِّداءَيْنِ - قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وما صَدَرَ مِنهم، مِن أفْعالِهِمُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِنَ المُخالَفاتِ والكَذِبِ والتَّعَنُّتاتِ، وما جُوزُوا بِهِ في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ - مَحْشُوًّا بَيْنَ التَّذْكِيرَيْنِ ومَجْعُولًا بَيْنَ الوَعْظَيْنِ والتَّخْوِيفَيْنِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَأْمُرَ شَخْصًا بِشَيْءٍ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ تُفَصِّلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ، وأنْتَ تَسْرُدُها لَهُ سَرْدًا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها هي مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ الأمْرِ السّابِقِ. ويَطُولُ بِكَ الكَلامُ حَتّى تَكادَ تَتَناسى ما سَبَقَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فَتُعِيدَهُ ثانِيَةً، لِتَتَذَكَّرَ ذَلِكَ الأمْرَ، وتَصِيرَ تِلْكَ التَّفْصِيلاتُ مَحْفُوفَةً بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِهِما.

ولَمْ تَخْتَلِفْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ تِلْكَ السّابِقَةِ إلّا في قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ هُنا: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما ناسَبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ هُناكَ عَلى العَدْلِ، وتَأْخِيرَها هُنا عَنْهُ، ونِسْبَةَ القَبُولِ هُناكَ لِلشَّفاعَةِ، والنَّفْعَ هُنا لَها، فَيُطالَعُ هُناكَ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الظُّلْمِ مِمَّنْ عَطَّلَ بُيُوتَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ وسَعى في خَرابِها، مَعَ أنَّها مِن حَيْثُ هي مَنسُوبَةٌ إلى اللَّهِ، وهي مَحالُّ ذِكْرِهِ وإيواءِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا وهم وجِلُونَ خائِفُونَ، مُتَذَكِّرُونَ لِمَن بُنِيَتْ، ولِما يُذْكَرُ فِيها. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لِأُولَئِكَ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لَهُ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المَساجِدُ، وأيُّ جِهَةٍ قَصَدْتُمُوها فاللَّهُ تَعالى حاوِيها ومالِكُها، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ ولا مَكانٍ. وخَتَمَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالوُسْعِ المُنافِي لِوُسْعِ المَقادِيرِ، وبِالعِلْمِ الَّذِي هو دَلِيلُ الإحاطَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأفْظَعِ مَقالَةٍ، وهي نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَزَّهَ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، خاضِعُونَ طائِعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَداعَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِثالَ لَهُما، فَكَذَلِكَ الفاعِلُ لَهُما لا مِثالَ لَهُ. فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوَلَدَ، إذْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِن جِنْسِهِ، والبارِئُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، فَلا ولَدَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِما يُرِيدُ أنْ …

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] .

إبْراهِيمُ: اسْمُ عَلَمٍ أعْجَمِيٍّ. قِيلَ: ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ قَبْلَ النَّقْلِ إلى العَلَمِيَّةِ: أبٌ رَحِيمٌ، وفِيهِ لُغًى سِتٌّ: إبْراهِيمُ بِألِفٍ وياءٍ وهي الشَّهِيرَةُ المُتَداوَلَةُ، وبِألِفٍ مَكانَ الياءِ، وبِإسْقاطِ الياءِ مَعَ كَسْرِ الهاءِ، أوْ فَتْحِها، أوْ ضَمِّها، وبِحَذْفِ الألِفِ والياءِ وفَتْحِ الهاءِ، قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ:

؎نَحْنُ آلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ لَمْ نَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبْرَهِمْ

وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

؎عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْرَهِمُ ∗∗∗ إذْ قالَ وجْهِي لَكَ عانٍ راغِمُ

الإتْمامُ: الإكْمالُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ. ثُمَّ الشَّيْءُ يَتِمُّ: كَمُلَ، وهو ضِدُّ النَّقْصِ. الإمامُ: القُدْوَةُ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ: إمامٌ، ولِلطَّرِيقِ: إمامٌ، وهو مُفْرَدٌ عَلى فِعالٍ، كالإزارِ لِلَّذِي يُؤْتَزَرُ بِهِ، ويَكُونُ جَمْعَ آمٍّ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أمَّ يَؤُمُّ، كَجائِعٍ وجِياعٍ، وقائِمٍ وقِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ. الذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، مُشْتَقَّةٌ مِن ذَرَوْتُ، أوْ ذَرَيْتُ، أوْ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أوِ الذَّرَّ. ويُضَمُّ ذالُها، أوْ يُكْسَرُ، أوْ يُفْتَحُ. فَأمّا الضَّمُّ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةٌ فُعِّيلَةً مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، وأصْلُهُ ذُرِّيئَةٌ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً، كَما خَفَّفُوا هَمْزَةَ النَّسِيءِ فَقالُوا: النَّسِيُّ، ثُمَّ أدْغَمُوا الياءَ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ الَّتِي هي لِلْمَدِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعُولَةً مِن ذَرَوْتُ، الأصْلُ ذُرُووَةٌ، أُبْدِلَتْ لامُ الفِعْلِ ياءً. اجْتَمَعَ لَكَ واوٌ وياءٌ واوُ المَدِّ والياءُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ الواوِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتْ واوُ المَدِّ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ الياءَ تَطْلُبُ الكَسْرَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعَّيْلَةً مَن ذَرَرْتُ، أصْلُها ذُرَّيْوَةٌ، اجْتَمَعَتْ ياءُ المَدِّ والواوُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ ياءُ المَدِّ فِيها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعُولَةً أوْ فُعَيْلَةً مِن ذَرَيْتُ …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾: لَمّا رَدَّ عَلى اليَهُودِ في إنْكارِهِمُ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، وكانَتِ الكَعْبَةُ بِناءَ إبْراهِيمَ أبِيهِمْ، كانُوا أحَقَّ بِتَعْظِيمِها، لِأنَّها مِن مَآثِرِ أبِيهِمْ. ولِوَجْهٍ آخِرَ مِن إظْهارِ فَضْلِها، وهو كَوْنُها مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا، وأنَّ فِيها مَقامَ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإلى ولَدِهِ بِبِنائِها وتَطْهِيرِها، وجَعْلِها مَحَلًّا لِلطّائِفِ والعاكِفِ والرّاكِعِ والسّاجِدِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُنادِيَ في النّاسِ بِحَجِّها. والبَيْتُ هُنا: الكَعْبَةُ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: المُرادُ البَيْتُ الحَرامُ لا نَفْسُ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالأمْنِ، وهَذِهِ صِفَةُ جَمِيعِ الحَرَمِ، لا صِفَةُ الكَعْبَةِ فَقَطْ. ويَجُوزُ إطْلاقُ البَيْتِ، ويُرادُ بِهِ كُلُّ الحَرَمِ. وأمّا الكَعْبَةُ فَلا تُطْلَقُ إلّا عَلى البِناءِ الَّذِي يُطافُ بِهِ، ولا تُطْلَقُ عَلى كُلِّ الحَرَمِ. والتّاءُ في مَثابَةٍ ”لِلْمُبالِغَةِ، لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ لِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ، أوْ لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، كَما يُقالُ مَقامٌ ومَقامَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ يُعْجِزُنِي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

ذَكَرَ رَحْبًا عَلى مُراعاةِ المَكانِ، وأنَّثَ فَسِيحَةً عَلى اللَّفْظِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ:“ مَثاباتٍ ”عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:

؎مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها ∗∗∗ تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ

ويُرْوى: الذَّوابِلُ. ووَجْهُ قِراءَةِ الجَمْعِ أنَّهُ مَثابَةٌ لِكُلٍّ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ واحِدٌ مِنهم، سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ. و“ مَثابَةً ”، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ مَعْناهُ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، أيْ يَحُجُّونَهُ في كُلِّ عامٍ فَهم يَتَفَرَّقُونَ، ثُمَّ يَثُوبُونَ إلَيْهِ أعْيانُهم أوْ أمْثالُهم، ولا يَقْضِي أحَدٌ مِنهم وطَرًا، وقالَ الشّاعِرُ:

؎جَعَلَ البَيْتَ مَثابًا لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعاذًا ومَلْجَأً. وقالَ قَتادَةُ والخَلِيلُ: مَجْمَعًا. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، فِيما حَكاهُ الماوَرْدِيُّ: أيْ مَكانَ إثابَةٍ: واحِدَةٌ مِنَ الثَّوابِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةً احْتِمالًا مِنهُ. والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ لِلنّاسِ: إمّا لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ النّاسَ كُلَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإيمانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ الخاصِّ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَرى ذَلِكَ. وجَعَلْنا هُنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، فَمَثابَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: جَعَلَ هُنا بِمَعْنى: خَلَقَ أوْ وضَعَ، ويَتَعَلَّقُ لِلنّاسِ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَثابَةٌ كائِنَةٌ، إذْ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ جَعَلْنا، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. والأمْنُ: مُصْدَرٌ جَعَلَ البَيْتَ إيّاهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا أمْنٍ، أوْ عَلى أنَّهُ أُطْلِقَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ مَجازًا، أيْ آمِنًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وجَعَلَهُ آمِنًا، اخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فَمَن قالَ: إنَّهُ في الدُّنْيا، فَقِيلَ مَعْناهُ: أنَّ النّاسَ كانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ حَوْلَ مَكَّةَ، وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، ويَلْقى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَها في النُّفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾: ذَكَرُوا أنَّ العامِلَ في إذْ مَحْذُوفٌ، ورَبُّ: مُنادًى مُضافٌ إلى الياءِ، وحَذْفُ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، والمُضافُ إلى الياءِ فِيهِ لُغاتٌ، أحْسَنُها: أنْ تُحْذَفَ مِنهُ ياءُ الإضافَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْها بِالكَسْرَةِ، فَيُجْتَزَأُ بِها لِأنَّ النِّداءَ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ. ألا تَرى إلى جَوازِ التَّرْخِيمِ فِيهِ ؟ وتِلْكَ اللُّغاتُ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وسَيَأْتِي مِنها في القُرْآنِ شَيْءٌ، ونَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ في مَكانِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - . وناداهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ، لِما في ذَلِكَ مِن تَلَطُّفِ السُّؤالِ والنِّداءِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى قَبُولِ السّائِلِ وإجابَةِ ضَراعَتِهِ. واجْعَلْ هُنا بِمَعْنى: صَيِّرْ، وصُورَتُهُ أمْرٌ، وهو طَلَبٌ ورَغْبَةٌ. وهَذا إشارَةٌ إلى الوادِي الَّذِي دَعا لِأهْلِهِ حِينَ أسْكَنَهم فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ إلى المَكانِ الَّذِي صارَ بَلَدًا، ولِذَلِكَ نَكَّرَهُ فَقالَ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ . وحِينَ صارَ بَلَدًا قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقالَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]، هَذا إنْ كانَ الدُّعاءُ مَرَّتَيْنِ في وقْتَيْنِ. وقِيلَ: الآيَتانِ سَواءٌ، فَتَحْتَمِلُ آيَةَ التَّنْكِيرِ أنْ يَكُونَ قَبْلَها مَعْرِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيِ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ بَلَدًا آمِنًا، ويَكُونُ ”بَلَدًا“ النَّكِرَةُ تَوْطِئَةً لِما يَجِيءُ بَعْدَهُ، كَما تَقُولُ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ بَعْدَ كَوْنِهِ بَلَدًا. ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو: أنَّهُ لا يَكُونُ مَحْذُوفًا ولا يَكُونُ إذْ ذاكَ ”بَلَدًا“ بَلْ دَعى لَهُ بِذَلِكَ، وتَكُونُ المَعْرِفَةُ الَّذِي جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا البَلَدَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ سَمّاهُ بَلَدًا. ووَصْفُ بَلَدٍ بِآمِنٍ، إمّا عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ ذا أمْنٍ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، أيْ ذاتِ رِضًا، أوْ عَلى الِاتِّساعِ لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ الأمْنُ جَعَلَهُ آمِنًا كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ ولَيْلُكَ قائِمٌ. وهَلِ الدُّعاءُ بِأنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، أوْ مِن أنْ يَعُودَ حَرَمُهُ حَلالًا، أوْ مِن أنْ يَخْلُوَ مِن أهْلِهِ، أوْ آمِنًا مِنَ القَتْلِ، أوْ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ، أوْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، أوْ مِن دُخُولِ الدَّجّالِ، أوْ مِن أصْحابِ الفِيلِ ؟ أقْوالٌ. ومَن فَسَّرَ آمِنًا بِكَوْنِهِ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ، فالواقِعُ يَرُدُّهُ، إذْ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الجَبابِرَةُ وقَتَلُوا، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الجُرْهُمِيِّ، والحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ، والقَرامِطَةِ، وغَيْرِهِمْ. وكَذَلِكَ مَن قالَ آمِنًا مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، فَهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ قَحْطًا وجَدْبًا. وقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَأْمُونًا فِيهِ، وكانُوا قَبْلَ أنْ تَغْزُوَهُمُ العَرَبُ في غايَةِ الأمْنِ، حَتّى أنَّ أحَدَهم إذا وجَدَ بِمَفازَةٍ أوْ بَرِيَّةٍ لا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ عِنْدَما يَعْلَمُ أنَّهُ مِن سُكّانِ الحَرَمِ.

* *

﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: لَمّا بَنى إبْراهِيمُ البَيْتَ في أرْضٍ مُقْفِرَةٍ، وكانَ حالُ مَن يَتَمَدَّنُ مِنَ الأماكِنِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى ماءٍ يَجْرِي ومَزْرَعَةٍ يُمْكِنُ بِهِما القِطانُ بِالمَدِينَةِ، دَعا اللَّهَ لِلْبَلَدِ بِالأمْنِ، وبِأنْ يُجْبى لَهُ الأرْزاقُ. فَإنَّهُ إذا كانَ البَلَدُ ذا أمْنٍ، …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فالعامِلُ في إذْ ما ذُكِرَ أنَّهُ العامِلُ في إذْ قَبْلَها. ويَرْفَعُ في مَعْنى رَفَعَ، وإذْ مِنَ الأدَواتِ المُخَلِّصَةِ لِلْمُضارِعِ إلى الماضِي، لِأنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ. والرَّفْعُ حالَةُ الخِطابِ قَدْ وقَعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. مِنَ البَيْتِ: هو الكَعْبَةُ. ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّةُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى البِناءِ - قِصَصًا كَثِيرَةً. واسْتَطْرَدُوا مِن ذَلِكَ لِلْكَلامِ في البَيْتِ المَعْمُورِ، وفي طُولِ آدَمَ، والصَّلَعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ ولِوَلَدِهِ، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى جَرْيِ عاداتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ وما دَرَجَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ إلّا عَلى ما صَحَّ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ القَواعِدِ مِنَ البَيْتِ. ونُشاحُّهُ في قَوْلِهِ: أمَرَ، إذْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ.

(القَواعِدَ): تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وهَلْ هي الأساسُ أوِ الجُدُرُ ؟ فَإنْ كانَتِ الأساسَ، فَرَفَعَها بِأنْ يَبْنِيَ عَلَيْها، فَتَنْتَقِلُ مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَتَطاوَلٍ بَعْدَ التَّقاصُرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ساقاتِ البِناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ، أيِ اسْتُوطِئَ، يَعْنِي جَعَلَ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ.

﴿مِنَ البَيْتِ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ يَرْفَعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القَواعِدِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرِهِ: كائِنَةٌ مِنَ البَيْتِ. ولَمْ تُضَفِ القَواعِدُ إلى البَيْتِ، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ قَواعِدَ البَيْتِ، لِما في عَدَمِ الإضافَةِ مِنَ الإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ وتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ. (وإسْماعِيلُ): مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، فَهُما مُشْتَرِكانِ في الرَّفْعِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وهَذا ظاهِرُ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ طِفْلٌ صَغِيرٌ إذْ ذاكَ، كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. ومَن جَعَلَ الواوَ في ”وإسْماعِيلُ“ واوَ الحالِ أعْرَبَ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأً وأضْمَرَ الخَبَرَ، التَّقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، فَيَكُونُ إبْراهِيمُ مُخْتَصًّا بِالبِناءِ وإسْماعِيلُ مُخْتَصًّا بِالدُّعاءِ. ومَن ذَهَبَ إلى العَطْفِ، جَعَلَ ”﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾“ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ مَعًا، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: وإذْ يَرْفَعانِ القَواعِدَ قائِلِينَ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ العَطْفَ في ”وإسْماعِيلُ“ أظْهَرُ مِن أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ يَقُولانِ بِإظْهارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فالعامِلُ في إذْ ما ذُكِرَ أنَّهُ العامِلُ في إذْ قَبْلَها. ويَرْفَعُ في مَعْنى رَفَعَ، وإذْ مِنَ الأدَواتِ المُخَلِّصَةِ لِلْمُضارِعِ إلى الماضِي، لِأنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ. والرَّفْعُ حالَةُ الخِطابِ قَدْ وقَعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. مِنَ البَيْتِ: هو الكَعْبَةُ. ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّةُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى البِناءِ - قِصَصًا كَثِيرَةً. واسْتَطْرَدُوا مِن ذَلِكَ لِلْكَلامِ في البَيْتِ المَعْمُورِ، وفي طُولِ آدَمَ، والصَّلَعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ ولِوَلَدِهِ، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى جَرْيِ عاداتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ وما دَرَجَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ إلّا عَلى ما صَحَّ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ القَواعِدِ مِنَ البَيْتِ. ونُشاحُّهُ في قَوْلِهِ: أمَرَ، إذْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ.

(القَواعِدَ): تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وهَلْ هي الأساسُ أوِ الجُدُرُ ؟ فَإنْ كانَتِ الأساسَ، فَرَفَعَها بِأنْ يَبْنِيَ عَلَيْها، فَتَنْتَقِلُ مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَتَطاوَلٍ بَعْدَ التَّقاصُرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ساقاتِ البِناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ، أيِ اسْتُوطِئَ، يَعْنِي جَعَلَ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ.

﴿مِنَ البَيْتِ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ يَرْفَعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القَواعِدِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرِهِ: كائِنَةٌ مِنَ البَيْتِ. ولَمْ تُضَفِ القَواعِدُ إلى البَيْتِ، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ قَواعِدَ البَيْتِ، لِما في عَدَمِ الإضافَةِ مِنَ الإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ وتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ. (وإسْماعِيلُ): مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، فَهُما مُشْتَرِكانِ في الرَّفْعِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وهَذا ظاهِرُ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ طِفْلٌ صَغِيرٌ إذْ ذاكَ، كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. ومَن جَعَلَ الواوَ في ”وإسْماعِيلُ“ واوَ الحالِ أعْرَبَ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأً وأضْمَرَ الخَبَرَ، التَّقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، فَيَكُونُ إبْراهِيمُ مُخْتَصًّا بِالبِناءِ وإسْماعِيلُ مُخْتَصًّا بِالدُّعاءِ. ومَن ذَهَبَ إلى العَطْفِ، جَعَلَ ”﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾“ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ مَعًا، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: وإذْ يَرْفَعانِ القَواعِدَ قائِلِينَ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ العَطْفَ في ”وإسْماعِيلُ“ أظْهَرُ مِن أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ يَقُولانِ بِإظْهارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾: لَمّا دَعا رَبَّهُ بِالأمْنِ لِمَكَّةَ وبِالرِّزْقِ لِأهْلِها، وبِأنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، خَتَمَ الدُّعاءَ لَهم بِما فِيهِ سَعادَتُهم دُنْيا وآخِرَةً، وهو بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِمْ، فَشَمَلَ دُعاؤُهُ لَهُمُ الأمْنَ والخِصْبَ والهِدايَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، والمُرادُ هُنا: الإرْسالُ إلَيْهِمْ. والضَّمِيرُ في فِيهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى ”أُمَّةً مُسْلَمَةً“ ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ولا خِلافَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ» . ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى مَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا هو ﷺ . وقَرَأ أُبَيٌّ: وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةٌ: نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ . ومِنهم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ”رَسُولًا“، أيْ كائِنًا مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ، فَهم يَعْرِفُونَ وجْهَهُ ونَسَبَهُ ونَشْأتَهُ، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ودَعا بِأنْ يَبْعَثَ الرَّسُولَ فِيهِمْ مِنهم؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أشْفَقَ عَلى قَوْمِهِ، ويَكُونُونَ هم أعَزُّ بِهِ وأشْرَفُ وأقْرَبُ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ. قالَ الرَّبِيعُ: لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو في آخِرِ الزَّمانِ.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ رَسُولًا. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنهم، ووَصَفَ إبْراهِيمُ الرَّسُولَ بِأنَّهُ يَكُونُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، أيْ يَقْرَؤُها، فَكانَ كَذَلِكَ، وأُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، وهو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ إبْراهِيمَ، فَأتى بِالمَدْعُوِّ لَهُ عَلى أكْمَلِ الأوْصافِ الَّتِي طَلَبَها إبْراهِيمُ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى، وخَبَرُ مَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الفَضْلُ: مَعْناهُ يُبَيِّنُ لَهم دِينَهم.

﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُفَهِّمُهم ويُلْقِي إلَيْهِمْ مَعانِيَهُ. وكانَ تَرْتِيبُ التَّعْلِيمِ بَعْدَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ هو التِّلاوَةُ والتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُتَعَلَّمُ مَعانِيهِ ويُتَدَبَّرُ مَدْلُولُهُ. وأسْنَدَ التَّعْلِيمَ لِلرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُلْقِي الكَلامَ إلى المُتَعَلِّمِ، وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ ويَتَلَطَّفُ في إيصالِ المَعانِي إلى فَهْمِهِ، ويَتَسَبَّبُ في ذَلِكَ. والتَّعْلِيمُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْهِيمِ، وحُصُولِ العِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، ويَكُونُ بِمَعْنى إلْقاءِ أسْبابِ العِلْمِ ولا يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ النَّقِيضَيْنِ، تَقُولُ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وعَلَّمَتُهُ فَما تَعَلَّمَ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَفْهُومَيْنِ مِن تَعَلَّمَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما يُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ وصِدْقِ أنْبِيائِكَ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ: القُرْآنَ، ﴿والحِكْمَةَ﴾: الشَّرِيعَةَ وبَيانَ الأحْكامِ. وقالَ …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾: لَمّا دَعا رَبَّهُ بِالأمْنِ لِمَكَّةَ وبِالرِّزْقِ لِأهْلِها، وبِأنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، خَتَمَ الدُّعاءَ لَهم بِما فِيهِ سَعادَتُهم دُنْيا وآخِرَةً، وهو بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِمْ، فَشَمَلَ دُعاؤُهُ لَهُمُ الأمْنَ والخِصْبَ والهِدايَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، والمُرادُ هُنا: الإرْسالُ إلَيْهِمْ. والضَّمِيرُ في فِيهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى ”أُمَّةً مُسْلَمَةً“ ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ولا خِلافَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ» . ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى مَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا هو ﷺ . وقَرَأ أُبَيٌّ: وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةٌ: نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ . ومِنهم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ”رَسُولًا“، أيْ كائِنًا مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ، فَهم يَعْرِفُونَ وجْهَهُ ونَسَبَهُ ونَشْأتَهُ، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ودَعا بِأنْ يَبْعَثَ الرَّسُولَ فِيهِمْ مِنهم؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أشْفَقَ عَلى قَوْمِهِ، ويَكُونُونَ هم أعَزُّ بِهِ وأشْرَفُ وأقْرَبُ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ. قالَ الرَّبِيعُ: لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو في آخِرِ الزَّمانِ.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ رَسُولًا. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنهم، ووَصَفَ إبْراهِيمُ الرَّسُولَ بِأنَّهُ يَكُونُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، أيْ يَقْرَؤُها، فَكانَ كَذَلِكَ، وأُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، وهو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ إبْراهِيمَ، فَأتى بِالمَدْعُوِّ لَهُ عَلى أكْمَلِ الأوْصافِ الَّتِي طَلَبَها إبْراهِيمُ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى، وخَبَرُ مَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الفَضْلُ: مَعْناهُ يُبَيِّنُ لَهم دِينَهم.

﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُفَهِّمُهم ويُلْقِي إلَيْهِمْ مَعانِيَهُ. وكانَ تَرْتِيبُ التَّعْلِيمِ بَعْدَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ هو التِّلاوَةُ والتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُتَعَلَّمُ مَعانِيهِ ويُتَدَبَّرُ مَدْلُولُهُ. وأسْنَدَ التَّعْلِيمَ لِلرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُلْقِي الكَلامَ إلى المُتَعَلِّمِ، وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ ويَتَلَطَّفُ في إيصالِ المَعانِي إلى فَهْمِهِ، ويَتَسَبَّبُ في ذَلِكَ. والتَّعْلِيمُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْهِيمِ، وحُصُولِ العِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، ويَكُونُ بِمَعْنى إلْقاءِ أسْبابِ العِلْمِ ولا يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ النَّقِيضَيْنِ، تَقُولُ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وعَلَّمَتُهُ فَما تَعَلَّمَ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَفْهُومَيْنِ مِن تَعَلَّمَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما يُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ وصِدْقِ أنْبِيائِكَ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ: القُرْآنَ، ﴿والحِكْمَةَ﴾: الشَّرِيعَةَ وبَيانَ الأحْكامِ. وقالَ …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.