Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 111–120 of 286

111

وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking, Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ.

﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .

﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ …

Al-Baqara 2:111Listen in Qur'an →
112

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Yes [on the contrary], whoever submits his face in Islam to Allah while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ.

﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .

﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ …

Al-Baqara 2:112Listen in Qur'an →
113

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

The Jews say "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus the polytheists speak the same as their words. But Allah will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾، قِيلَ: المُرادُ عامَّةُ اليَهُودِ وعامَّةُ النَّصارى، فَهَذا مِنَ الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وتَكُونُ ألْ لِلْجِنْسِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لِمَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ إذْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وبِالكُتُبِ قَبْلَهُ. وقِيلَ: المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ، حَيْثُ تَمارَوْا عِنْدَ الرَّسُولِ وتَسابُّوا، وأنْكَرَتِ اليَهُودُ الإنْجِيلَ ونُبُوَّةَ عِيسى، وأنْكَرَتِ النَّصارى التَّوْراةَ ونُبُوَّةَ مُوسى. فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ، وألْ لِلْعَهْدِ، أوِ المُرادُ بِذَلِكَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، يُقالُ لَهُ نافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، قالَ لِنَصارى نَجْرانَ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، وقالَ رَجُلٌ مِن نَصارى نَجْرانَ لِلْيَهُودِ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَيَكُونُ قَدْ نُسِبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، حَيْثُ وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ، كَما يُقالُ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ والتَّوَسُّعِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ الصّادِرِ مِنَ الواحِدِ إلى الجَمْعِ. وهو طَرِيقٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ في كَلامِها، نَثْرِها ونَظْمِها. ولَمّا جَمَعَهم في المَقالَةِ الأُولى، وهي: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَصَلَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ قَوْلَ كُلِّ فَرِيقٍ في الآخَرِ. وعَلى شَيْءٍ: في مَوْضِعِ خَبَرِ لَيْسَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّينِ، فَيَكُونَ مِن بابِ حَذْفِ الصِّفَةِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ:

؎لَقَدْ وقَعْتُ عَلى لَحْمٍ

أيْ لَحْمٍ مَنِيعٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ، أيْ مِن أهْلِكَ النّاجِينَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلًّا مِنهم عَلى شَيْءٍ، أوْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ، إذْ جَعَلَ ما هُما عَلَيْهِ، وإنْ كانَ شَيْئًا كَلا شَيْءٍ. هَذا والشَّيْءُ يُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلى المَعْدُومِ والمُسْتَحِيلِ، فَإذا نُفِيَ إطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وصارَ كَقَوْلِهِمْ أقَلُّ مِن لا شَيْءٍ.

﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ وهم عالِمُونَ بِما في كُتُبِهِمْ، تالُونَ لَهُ. وهَذا نَعْيٌ عَلَيْهِمْ في مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، إذِ الكِتابُ ناطِقٌ بِخِلافِ ما يَقُولُونَهُ، شاهِدَةٌ تَوْراتُهم بِبِشارَةِ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وصِحَّةُ نُبُوَّتِهِما. وإنْجِيلُهم شاهِدٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى ومُحَمَّدٍ ﷺ إذْ كُتُبُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنَّ مَن كانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ، يَكُونُ واقِفًا عِنْدَهُ، عامِلًا بِما فِيهِ، قائِلًا بِما تَضَمَّنَهُ، لا أنْ يُخالِفَ قَوْلَهُ ما هو شاهِدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ مِنهُ، فَيَكُونَ في ذَلِكَ كاليَهُودِ والنَّصارى. والكِتابُ هُنا قِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: التَّوْراةُ؛ لِأنَّ النَّصارى تُمَثِّلُها.

* *

﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ اليَهُودُ، وكَأنَّهُ أُعِيدَ قَوْلُهم: أيْ قالَ اليَهُودُ مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى، ونُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فَجُعِلُوا لا يَعْلَمُونَ. …

Al-Baqara 2:113Listen in Qur'an →
114

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And who are more unjust than those who prevent the name of Allah from being mentioned in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١] .

المَنعَ: الحَيْلُولَةُ بَيْنَ المُرِيدِ ومُرادِهِ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُمْنَعُ صِيانَةً، صارَ المَنعُ مُتَعارَفًا في المُتَنافَسِ فِيهِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وفِعْلُهُ: مَنَعَ يَمْنَعُ، بِفَتْحِ النُّونِ، وهو القِياسُ؛ لِأنَّ لامَ الفِعْلِ أحَدُ حُرُوفِ الحَلْقِ. المَساجِدُ: مَعْرُوفَةٌ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى المُفْرَدِ أوَّلَ ما يُذْكَرُ في القُرْآنِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. السَّعْيُ: المَشْيُ بِسُرْعَةٍ، وهو دُونَ العَدْوِ، ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى الطَّلَبِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎فَلَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ

؎ولَكِنَّما أسْعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ∗∗∗ وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمْثالِي

فَسَّرَهُ الشُّرّاحُ بِالطَّلَبِ. الخَرابُ: ضِدُّ العِمارَةِ، وهو مَصْدَرُ خَرِبَ الشَّيْءُ يَخْرَبُ خَرابًا، ويُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ خَرابٌ، واسْمُ الفاعِلِ: خَرِبٌ، كَما قالَ أبُو تَمّامٍ:

؎ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُورًا يُطِيفُ بِهِ ∗∗∗ غَيْلانُ أبْهى رُبًى مِن رَبْعِها الخَرِبِ

والخَرَبُ: ذَكَرُ الحُبارى، يَجْمَعُ عَلى خِرْبانٍ. المَشْرِقُ والمَغْرِبُ: مَكانُ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ، وهُما مِنَ الألْفاظِ الَّتِي جاءَتْ عَلى مَفْعِلٍ، بِكَسْرِ العَيْنِ شُذُوذًا، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ لَمْ تُكْسَرْ عَيْنُ مُضارِعِهِ، فَقِياسُ صَوْغِ المَصْدَرِ مِنهُ والزَّمانِ والمَكانِ مَفْعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ. أيْنَ: مِن ظُرُوفِ المَكانِ، وهو مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ في الِاسْتِفْهامِ مَعْنى حَرْفِهِ، وفي الشَّرْطِ مَعْنى حَرْفِهِ، وإذا كانَ لِلشَّرْطِ جازَ أنْ تَزِيدَ بَعْدَهُ ما، ومِمّا جاءَ فِيهِ شَرْطًا بِغَيْرِ ما قَوْلُهُ:

؎أيْنَ تَضْرِبْ بِنا العُداةُ تَجِدْنا

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ أيْنَ: السُّؤالُ عَنِ الأمْكِنَةِ. ثَمَّ: ظَرْفُ مَكانٍ يُشارُ بِهِ لِلْبَعِيدِ، وهو مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإشارَةِ، وهو لازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، لَمْ يُتَصَرَّفْ فِيهِ بِغَيْرِ مِن يَقُولُ: مِن ثَمَّ كانَ كَذا. وقَدْ وهَمَ مَن أعْرَبَها مَفْعُولًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . بَلْ: مَفْعُولُ رَأيْتَ …

Al-Baqara 2:114Listen in Qur'an →
115

وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And to Allah belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face of Allah. Indeed, Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أباحَ لَهم في الِابْتِداءِ أنْ يُصَلُّوا حَيْثُ شاءُوا، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْناها إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. فَعَلى هَذا هي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ جَوابًا لِمَن عَيَّرَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دابَّتُهُ. وقِيلَ: جَوابٌ لِمَن قالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: في الصَّلاةِ عَلى النَّجاشِيِّ، حَيْثُ قالُوا: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي إلى قِبْلَتِنا. وقِيلَ: فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ في لَيْلَةٍ مُتَغَيِّمَةٍ، فَصَلُّوا بِالتَّحَرِّي إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ عَنْ جابِرٍ، أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِسَرِّيَّةٍ، وعَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أنَّ ذَلِكَ جَرى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَمْ يُعْدَلْ إلى سِواهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُضْطَرِبَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ.

وهَذِهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرُهُا التَّعارُضُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ مِنها إلّا ما صَحَّ، وقَدْ شَحَنَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِنَقْلِها. وقَدْ صَنَّفَ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ كِتابًا قَلَّما يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْتَغَلَ بِنَقْلِ ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِظامَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَنعَ المَساجِدِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ والسَّعْيِ في تَخْرِيبِها، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أداءِ الصَّلَواتِ، ولا مِن ذِكْرِ اللَّهِ، إذِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ لِلَّهِ تَعالى، فَأيُّ جِهَةٍ أدَّيْتُمْ فِيها العِبادَةَ فَهي لِلَّهِ يُثِيبُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْتَصُّ مَكانُ التَّأْدِيَةِ بِالمَسْجِدِ. والمَعْنى: ولِلَّهِ بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ وما بَيْنَهُما، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ، أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِما تَشْرِيفًا لَهُما، حَيْثُ أُضِيفا لِلَّهِ، وإنْ كانَتِ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ، كَما شَرَّفَ البَيْتَ الحَرامَ وغَيْرَهُ مِنَ الأماكِنِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ أسْمى مَكانٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما اسْما مَصْدَرٍ، والمَعْنى أنْ لِلَّهِ تَوَلِّيَ إشْراقِ الشَّمْسِ مِن مَشْرِقِها وإغْرابِها مِن مَغْرِبِها، فَيَكُونانِ - إذْ ذاكَ - بِمَعْنى الشُّرُوقِ والغُرُوبِ. ويُبَعِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . وأفْرَدَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ بِاعْتِبارِ النّاحِيَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ الواقِعِ في النّاحِيَةِ. وأمّا الجَمْعُ فَبِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَغارِبِ والمَطالِعِ كُلَّ يَوْمٍ. وأمّا التَّثْنِيَةُ فَبِاعْتِبارِ مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومُغْرِبَيْهِما. ومَعْنى التَّوْلِيَةِ: الِاسْتِقْبالُ بِالوُجُوهِ. وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِدْبارُ مِن …

Al-Baqara 2:115Listen in Qur'an →
116

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ

They say, "Allah has taken a son." Exalted is He! Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أباحَ لَهم في الِابْتِداءِ أنْ يُصَلُّوا حَيْثُ شاءُوا، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْناها إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. فَعَلى هَذا هي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ جَوابًا لِمَن عَيَّرَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دابَّتُهُ. وقِيلَ: جَوابٌ لِمَن قالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: في الصَّلاةِ عَلى النَّجاشِيِّ، حَيْثُ قالُوا: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي إلى قِبْلَتِنا. وقِيلَ: فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ في لَيْلَةٍ مُتَغَيِّمَةٍ، فَصَلُّوا بِالتَّحَرِّي إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ عَنْ جابِرٍ، أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِسَرِّيَّةٍ، وعَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أنَّ ذَلِكَ جَرى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَمْ يُعْدَلْ إلى سِواهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُضْطَرِبَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ.

وهَذِهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرُهُا التَّعارُضُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ مِنها إلّا ما صَحَّ، وقَدْ شَحَنَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِنَقْلِها. وقَدْ صَنَّفَ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ كِتابًا قَلَّما يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْتَغَلَ بِنَقْلِ ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِظامَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَنعَ المَساجِدِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ والسَّعْيِ في تَخْرِيبِها، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أداءِ الصَّلَواتِ، ولا مِن ذِكْرِ اللَّهِ، إذِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ لِلَّهِ تَعالى، فَأيُّ جِهَةٍ أدَّيْتُمْ فِيها العِبادَةَ فَهي لِلَّهِ يُثِيبُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْتَصُّ مَكانُ التَّأْدِيَةِ بِالمَسْجِدِ. والمَعْنى: ولِلَّهِ بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ وما بَيْنَهُما، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ، أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِما تَشْرِيفًا لَهُما، حَيْثُ أُضِيفا لِلَّهِ، وإنْ كانَتِ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ، كَما شَرَّفَ البَيْتَ الحَرامَ وغَيْرَهُ مِنَ الأماكِنِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ أسْمى مَكانٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما اسْما مَصْدَرٍ، والمَعْنى أنْ لِلَّهِ تَوَلِّيَ إشْراقِ الشَّمْسِ مِن مَشْرِقِها وإغْرابِها مِن مَغْرِبِها، فَيَكُونانِ - إذْ ذاكَ - بِمَعْنى الشُّرُوقِ والغُرُوبِ. ويُبَعِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . وأفْرَدَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ بِاعْتِبارِ النّاحِيَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ الواقِعِ في النّاحِيَةِ. وأمّا الجَمْعُ فَبِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَغارِبِ والمَطالِعِ كُلَّ يَوْمٍ. وأمّا التَّثْنِيَةُ فَبِاعْتِبارِ مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومُغْرِبَيْهِما. ومَعْنى التَّوْلِيَةِ: الِاسْتِقْبالُ بِالوُجُوهِ. وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِدْبارُ مِن …

Al-Baqara 2:116Listen in Qur'an →
117

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكٌ لِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهم كُلٌّ قانِتُونَ لَهُ، وهُمُ المَظْرُوفُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ الظَّرْفَيْنِ وخَصَّهُما بِالبَداعَةِ، لِأنَّهُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ. وارْتِفاعُ ”بَدِيعُ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فالمَجْرُورُ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ، وأصْلُهُ الأوَّلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ الوَصْفَ فَأضْمَرَ فِيهِ، فَنَصَبَ السَّماواتِ، ثُمَّ جَرَّ مَن نَصَبَ. وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَعْنى في الأصْلِ أنَّهُ تَعالى بُدِعَتْ سَماواتُهُ، أيْ جاءَتْ في الخَلْقِ عَلى شَكْلٍ مُبْتَدَعٍ لَمْ يَسْبِقْ نَظِيرُهُ. وهَذا الوَجْهُ ابْتَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، إلّا أنَّهُ قالَ: وبَدِيعُ السَّماواتِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، وهَذا لَيْسَ عِنْدَنا. كَذَلِكَ بَلْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَنصُوبِها. والصِّفَةُ عِنْدَنا لا تَكُونُ مُشَبَّهَةً حَتّى تَنْصِبَ أوْ تَخْفِضَ، وأمّا إذا رَفَعَتْ ما بَعْدَها فَلَيْسَ - عِنْدَنا - صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ الرَّفْعِ في الفاعِلِ يَسْتَوِي فِيهِ الصِّفاتُ المُتَعَدِّيَةُ وغَيْرُ المُتَعَدِّيَةِ. فَإذا قُلْنا: زَيْدٌ قائِمٌ أبُوهُ، فَقائِمٌ رافِعٌ لِلْأبِ عَلى حَدِّ رَفْعِ ضارِبٍ لَهُ. إذا قُلْتَ: زَيْدٌ ضارِبٌ أبُوهُ عَمْرًا، لا تَقُولُ: إنَّ قائِمًا هُنا مِن حَيْثُ عَمِلَ الرَّفْعَ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَرْفُوعِهِ لا يَجُوزُ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، إلّا إنْ أخَذْنا كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى التَّجَوُّزِ فَيُمْكِنُ، ويَكُونُ المَعْنى مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى ما كانَ فاعِلًا بِها قَبْلَ أنْ يُشَبَّهَ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا ثانِيًا قالَ: وقِيلَ البَدِيعُ بِمَعْنى المُبْدِعِ، كَما أنَّ السَّمِيعَ في قَوْلِ عَمْرٍو:

؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

بِمَعْنى المُسْمِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الوَجْهُ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ، قالَ: وبَدِيعٌ مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ

يُرِيدُ: المُسْمِعُ والمُبْدِعُ والمُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ، انْتَهى. والنَّظَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لا يَنْقاسُ مَعَ أنَّ بَيْتَ عَمْرٍو مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِمَفْعُولِهِ. وقَرَأ المَنصُورُ: بَدِيعًا بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُ.

* *

﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى الِاخْتِراعِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى طَواعِيَةِ المُخْتَرِعِ وسُرْعَةِ تَكْوِينِهِ. ومَعْنى قَضى هُنا: أرادَ، أيْ إذا أرادَ إنْشاءَ أمْرٍ واخْتِراعَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَضى: مَعْناهُ قَدَّرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى: أمْضى. ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ. فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ: قَدَّرَ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ: أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ. والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا …

Al-Baqara 2:117Listen in Qur'an →
118

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Those who do not know say, "Why does Allah not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ العَرَبِ حِينَ طَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ وغَيْرُهُ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في النَّصارى، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ رافِعُ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ اليَهُودِ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقُلْ لِلَّهِ يُكَلِّمُنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ: مُشْرِكُو مَكَّةَ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوائِفِ، لِأنَّهم كُلَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، واخْتِلافُهم في المَوْصُولِ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِهِمْ في السَّبَبِ. فَإنْ كانَ المَوْصُولُ الجَهَلَةَ مِنَ العَرَبِ، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، ولا هم أتْباعُ نُبُوَّةٍ، وإنْ كانَ المَوْصُولُ اليَهُودَ والنَّصارى، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو الِاتِّباعُ لَهُ والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ. وحَذَفَ مَفْعُولَ العِلْمِ هُنا اقْتِصارًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو نَفْيُ نِسْبَةِ العِلْمِ إلَيْهِمْ، لا نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ لَهُ سَجِيَّةٌ في العِلْمِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ، فَهي مَقالَةٌ صَدَرَتْ مِمَّنْ لا يَتَّصِفُ بِتَمْيِيزٍ ولا إدْراكٍ. ومَعْمُولُ القَوْلِ الجُمْلَةُ التَّخْصِيصِيَّةُ وهي: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، وكَما كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ، ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾، أيْ هَلّا يَكُونُ أحَدُ هَذَيْنِ، إمّا التَّكَلُّمُ، وإمّا إتْيانُ آيَةٍ ؟ قالُوا ذَلِكَ جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم آيَةً واسْتِهانَةً بِها. ولَمّا حَكى عَنْهم نِسْبَةَ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، أعْقَبَ ذَلِكَ بِمَقالَةٍ أُخْرى لَهم تَدُلُّ عَلى تَعَنُّتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ وعَدَمِ الِاقْتِراحِ عَلى أنْبِيائِهِ.

﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ كَذَلِكَ، وفي تَبْيِينِ وُقُوعِ ”مِن قَبْلِهِمْ“ صِلَةً لِلَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. إنْ فُسِّرَ المَوْصُولُ في الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ بِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هُمُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ مِن أسْلافِهِمْ وغَيْرِهِمْ. وإنْ فُسِّرَ بِاليَهُودِ أوِ النَّصارى، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أسْلافُهم، وانْتِصابُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ الكافِ. ولا تَدُلُّ المِثْلِيَّةُ عَلى التَّماثُلِ في نَفْسِ المَقُولِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ مَن قَبْلَهُمُ اقْتَرَحُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّ المِثْلِيَّةَ وقَعَتْ في اقْتِراحِ ما لا يَلِيقُ سُؤالُهُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسَ تِلْكَ المَقالَةِ، إذِ المِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِهَذا المَعْنى.

﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١] . لَمّا ذَكَرَ تَماثُلَ المَقالاتِ، وهي صادِرَةٌ عَنِ الأهْواءِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ تَماثُلَ قُلُوبِهِمْ في العَمى والجَهْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ …

Al-Baqara 2:118Listen in Qur'an →
119

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ

Indeed, We have sent you, [O Muhammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾: بَشِيرًا لِمَن آمَنَ، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ لِتَمادِيهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَيَّنَ الآياتِ ذَكَرَ مَن بُيِّنَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ وخاطَبَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ أنَّهُ هو صاحِبُ الآياتِ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ بِالآياتِ الواضِحَةِ، وفُسِّرَ الحَقُّ هُنا بِالصِّدْقِ وبِالقُرْآنِ وبِالإسْلامِ. وبِالحَقِّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أرْسَلْناكَ ومَعَكَ الحَقُّ لا يُزايِلُكَ. وانْتِصابُ بَشِيرًا ونَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الكافِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ يَتَّصِفُ أيْضًا بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ. والأظْهَرُ الأوَّلُ. وعَدَلَ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِفاتِ السَّجايا، والعَدْلُ في بَشِيرٍ لِلْمُبالَغَةِ مَقِيسٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إذا جَعَلْناهُ مِن بَشَّرَ لِأنَّهم قالُوا: بِشْرٌ مُخَفَّفًا، ولَيْسَ مَقِيسًا في نَذِيرٍ لِأنَّهُ مِن أنْذَرَ، ولَعَلَّ مُحَسِّنَ العَدْلِ فِيهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ما يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَسُوغُ في الكَلِمَةِ مَعَ الِاجْتِماعِ مَعَ ما يُقابِلُها ما لا يَسُوغُ فِيها لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما قالُوا: أخَذَهُ ما قَدَّمَ وما حَدَثَ وشِبْهُهُ.

﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وما تُسْألُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَنْ تُسْألَ، وهَذا كُلُّهُ خَبَرٌ. فالقِراءَةُ الأُولى، وقِراءَةُ أُبَيٍّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَتَعَيَّنُ فِيها الِاسْتِئْنافُ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِئْنافِ أنَّكَ لا تُسْألُ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْكَ، ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] . وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وتَخْفِيفُ ما كانَ يَجِدُهُ مِن عِنادِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ مَسْئُولًا عَنْهم، فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهم. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِ أحَدٍ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وأمّا الحالُ فَعَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحالِ، أيْ وغَيْرُ مَسْئُولٍ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لا يُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ قَيْدًا في الإرْسالِ، بِخِلافِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: ولا تَسْألْ بِفَتْحِ التّاءِ وجَزْمِ اللّامِ، وذَلِكَ عَلى النَّهْيِ، وظاهِرُهُ: أنَّهُ نَهْيٌ حَقِيقَةً، «نُهِيَ ﷺ أنْ يَسْألَ عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ» . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ» فَنَزَلَتْ، واسْتُبْعِدَ في المُنْتَخَبِ هَذا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما. وقَدْ ذَكَرَ عِياضٌ أنَّهُما أُحْيِيا لَهُ فَأسْلَما. وقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أذِنَ لَهُ في زِيارَتِهِما، واسْتُبْعِدَ أيْضًا ذَلِكَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وكَفَرُوا عِنادًا، وأصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ. وكَذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِانْقِطاعِ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، …

Al-Baqara 2:119Listen in Qur'an →
120

وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

And never will the Jews or the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allah no protector or helper.

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهم، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ، فَنَزَلَتْ، نَفى اللَّهُ رِضاهم عَنْهُ إلّا بِمُتابَعَةِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ بَيانُ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ الَّذِينَ هم أصْحابُها، لا يُطْمَعُ في إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَّقَ رِضاهم عَنْهُ بِأمْرٍ مُسْتَحِيلِ الوُقُوعِ مِنهُ ﷺ وهو اتِّباعُ مِلَّتِهِمْ. والمُعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ، سَواءٌ فَسَّرْنا المِلَّةَ بِالشَّرِيعَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقِبْلَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، وهو تَأْدِيبٌ لِأُمَّتِهِ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وإنَّما ذَلِكَ لِيَتَأدَّبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَلا يُوالُونَ الكافِرِينَ، فَإنَّهم لا يُرْضِيهِمْ مِنهم إلّا اتِّباعُ دِينِهِمْ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، والمُرادُ أُمَّتُهُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ لا يُمْكِنُ ما خُوطِبَ بِهِ أنْ يَقَعَ مِنهُ، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ إلى مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ويَكُونُ تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ عَلى أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُخادِعُونَكم بِما يُظْهِرُونَ مِنَ المَيْلِ وطَلَبِ المُهادَنَةِ والوَعْدِ بِالمُوافَقَةِ، ولا يَقَعُ رِضاهم إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ. ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ، لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، فَهي واحِدَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، أوْ لِلْإيجازِ فَيَكُونُ مِن بابِ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ، نَظِيرُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥]؛ لِأنَّ المَعْلُومَ أنَّ النَّصارى لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم، واليَهُودَ لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الكُفْرِ، أهُوَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ أوْ مِلَلٌ ؟ وثَمَرَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في الِارْتِدادِ مِن مِلَّةٍ إلى مِلَّةٍ، وفي المِيراثِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في الفِقْهِ.

﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾: أمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهم بِأنَّ هُدى اللَّهِ، أيِ الَّذِي هو مُضافٌ إلى اللَّهِ، وهو الإسْلامُ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ هو الهُدى أيِ النّافِعُ التّامُّ الَّذِي لا هُدى وراءَهُ، وما أُمِرْتُمْ بِاتِّباعِهِ هو هَوًى لا هُدًى، ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنْ وبِالفَصْلِ الَّذِي قَبْلُ، فَدَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وجاءَ الهُدى مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وهو مِمّا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ العالِمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو المَخْصُوصُ بِالعِلْمِ والمَحْصُورُ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما هم عَلَيْهِ إنَّما هي أهْواءٌ وضَلالاتٌ ناشِئَةٌ عَنْ شَهَواتِهِمْ ومُيُولِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ . واللّامُ في لَئِنْ تُسَمّى المُوطِئَةَ والمُؤْذِنَةَ، وهي تُشْعِرُ بِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها، ولِذَلِكَ يُبْنى ما بَعْدَ الشَّرْطِ عَلى القَسَمِ لا عَلى الشَّرْطِ، إذْ لَوْ بُنِيَ عَلى الشَّرْطِ لَدَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ﴾ . والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وكانَ الجَمْعُ دَلِيلًا عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ …

Al-Baqara 2:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.