Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 101–110 of 286

101

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when a messenger from Allah came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allah behind their backs as if they did not know [what it contained].

﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾: الضَّمِيرُ في جاءَهم عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ عَلى عُلَمائِهِمْ، والرَّسُولُ، مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ عِيسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أوْ مَعْناهُ الرِّسالَةُ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، كَما فَسَّرُوا بِذَلِكَ قَوْلَهُ:

؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُ بِلَيْلى ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ

أيْ بِرِسالَةٍ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ إنَّما سِيقَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (قُلْ) قُلْ، و﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٩٩]، فَصارَ ذَلِكَ كالِالتِفاتِ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى اسْمٍ غائِبٍ، ووُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ﴾: تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذِ الرَّسُولُ عَلى قَدْرِ المُرْسَلِ. ثُمَّ وُصِفَ أيْضًا بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، قالُوا: وتَصْدِيقُهُ أنَّهُ خُلِقَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذُكِرَ في التَّوْراةِ، أوْ تَصْدِيقُهُ عَلى قَواعِدِ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ وأخْبارِ الأُمَمِ والمَواعِظِ والحِكَمِ، أوْ تَصْدِيقُهُ: إخْبارُهُ بِأنَّ الَّذِي مَعَهم هو كَلامُ اللَّهِ، وأنَّهُ المُنَزَّلُ عَلى مُوسى، أوْ تَصْدِيقُهُ: إظْهارُ ما سَألُوا عَنْهُ مِن غَوامِضِ التَّوْراةِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. وإذا فُسِّرَ بِعِيسى، فَتَصْدِيقُهُ هو بِالتَّوْراةِ، وإذا فُسِّرَ بِالرِّسالَةِ، فَنِسْبَةُ المَجِيءِ والتَّصْدِيقِ إلى الرِّسالَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ والمَجازِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُصَدِّقًا بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، وحَسَّنَ مَجِيئَها مِنَ النَّكِرَةِ كَوْنُها قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

﴿لِما مَعَهُمْ﴾: هو التَّوْراةُ. وقِيلَ: جَمِيعُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُتُبِ، كَزَبُورِ داوُدَ، وصُحُفِ الأنْبِياءِ الَّتِي يُؤْمِنُونَ بِها.

﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ هو التَّوْراةُ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُوتُوا، عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، ومَفْعُولٌ أوَّلٌ عَلى مَذْهَبِ السُّهَيْلِيِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ.

﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: هو مَفْعُولٌ بِنَبَذَ. فَقِيلَ: كِتابُ اللَّهِ هو التَّوْراةُ. ومَعْنى نَبْذِهِمْ لَهُ: اطِّراحُ أحْكامِهِ، أوِ اطِّراحُ ما فِيهِ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذِ الكُفْرُ بِبَعْضٍ، كُفْرٌ بِالجَمِيعِ. وقِيلَ: الإنْجِيلُ، ونَبْذُهم لَهُ: اطِّراحُهُ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: القُرْآنُ، وهَذا أظْهَرُ، إذِ الكَلامُ مَعَ الرَّسُولِ. فَصارَ المَعْنى: أنَّهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، وهم بِالعَكْسِ، يُكَذِّبُونَ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ويَطْرَحُونَهُ. وأضافَ الكِتابَ إلى اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ، كَما أضافَ الرَّسُولَ إلَيْهِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، فَصارَ ذَلِكَ غايَةً في ذَمِّهِمْ، إذْ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكِتابِهِ المُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ، وهو شاهِدٌ بِالرَّسُولِ والكِتابِ، فَنَبَذُوهُ.

﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَن أعْرَضَ عَنِ الشَّيْءِ جُمْلَةً. تَقُولُ العَرَبُ: جَعَلَ هَذا الأمْرَ وراءَ ظَهْرِهِ ودُبُرَ أُذُنِهِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ:

؎تَمِيمُ بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ ولا يَعْيا عَلَيْكَ جَوابُها

وقالَتِ العَرَبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ما جُعِلَ وراءَ الظَّهْرِ فَلا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْهِ، ومِنهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] . وقالَ في المُنْتَخَبِ: النَّبْذُ والطَّرْحُ والإلْقاءُ مُتَقارِبَةٌ، لَكِنَّ …

Al-Baqara 2:101Listen in Qur'an →
102

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Harut and Marut. But the two angels do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]." And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allah. And the people learn what harms them and does not benefit them. But the Children of Israel certainly knew that whoever purchased the magic would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، مَعْنى اتَّبَعُوا: أيِ اقْتَدَوْا بِهِ إمامًا، أوْ فَضَّلُوا؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ شَيْئًا فَضَّلَهُ، أوْ قَصَدَ واوَ الضَّمِيرِ في واتَّبَعُوا لِلْيَهُودِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ: يَعُودُ عَلى مَن كانَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ اليَهُودِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: واتَّبَعُوا، مَعْطُوفَةٌ عَلى جَمِيعِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا جاءَهم إلى آخِرِها، وهو إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في اتِّباعِهِمْ ما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَّبَعَ، وهَذا هو الظّاهِرُ، لا أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ الِاتِّباعَ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ، لِأنَّهم كانُوا مُتَّبِعِينَ ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، بِخِلافِ نَبْذِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ. وتَتْلُو: تَتَبِّعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ تَدَّعِي، أوْ تَقْرَأُ، أوْ تُحَدِّثُ، قالَهُ عَطاءٌ، أوْ تَرْوِي، قالَهُ يَمانٌ، أوْ تَعْمَلُ، أوْ تَكْذِبُ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وما مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها تَتْلُو، وهو مُضارِعٌ في مَعْنى الماضِي، أيْ ما تَلَتْ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى: ما كانَتْ تَتْلُو، لا يُرِيدُونَ أنَّ صِلَةَ ما مَحْذُوفَةٌ، وهي كانَتْ، وتَتْلُو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّ المُضارِعَ وقَعَ مَوْقِعَ الماضِي، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، هو إخْبارٌ بِقِيامِ زَيْدٍ، وهو ماضٍ لِدَلالَةِ كانَ عَلَيْهِ. والشَّياطِينُ: ظاهِرُهُ أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ الشَّيْطانُ، تَبادَرَ الذِّهْنُ إلى أنَّهُ مِنَ الجانِّ. وقِيلَ: المُرادُ شَياطِينُ الإنْسِ. وقَرَأ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: الشَّياطُونَ، بِالرَّفْعِ بِالواوِ، هو شاذٌّ، قاسَهُ عَلى قَوْلِ العَرَبِ: بُسْتانُ فُلانٍ حَوْلَهُ بَساتُونَ، رَواهُ الأصْمَعِيُّ. قالُوا: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا الجِنَّ فاحِشٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: شَبَّهَ فِيهِ الياءَ قَبْلَ النُّونِ بِياءِ جَمْعِ الصَّحِيحِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الغَلَطِ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: خَطَّأهُ الخازَرْبَجِيُّ.

عَلى مُلْكِ: مُتَعَلِّقٌ بِتَتْلُو، وتَلا يَتَعَدّى بِعَلى إذا كانَ مُتَعَلِّقُها يُتْلى عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: يُتْلى عَلى زَيْدٍ القُرْآنُ، ولَيْسَ المُلْكُ هُنا بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَخْصًا يُتْلى عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ عَلى تَكُونُ بِمَعْنى في، أيْ تَتْلُو في مُلْكِ سُلَيْمانَ. وقالَ أصْحابُنا: لا تَكُونُ ”عَلى“ في مَعْنى ”في“، بَلْ هَذا مِنَ التَّضْمِينِ في الفِعْلِ ضُمِّنَ تَتَقَوَّلُ، فَعُدِّيَتْ بِعَلى لِأنَّ تَقَوَّلَ: تُعَدّى بِها، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا﴾ [الحاقة: ٤٤] ومَعْنى: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، أيْ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ وحالِهِ. وقِيلَ: عَلى عَهْدِهِ، وفي زَمانِهِ، وهو قَرِيبٌ. وقِيلَ: عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ بَعْدَ وفاتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن آلاتِ مُلْكِهِ. وفَسَّرُوا ما يَتْلُو الشَّياطِينُ بِالسِّحْرِ، قالُوا: وهو الأشْهَرُ والأظْهَرُ عَلى ما نُقِلَ في أسْبابِ النُّزُولِ، مِن أنَّ الشَّياطِينَ كَتَبَتِ السِّحْرَ واخْتَلَقَتْهُ ونَسَبَتْهُ إلى سُلَيْمانَ وآصَفَ. وقِيلَ: الَّذِي تَلَتْهُ هو الكَذِبُ الَّذِي تُضِيفُهُ إلى ما تَسْتَرِقُ مِن أخْبارِ السَّماءِ، وأضافُوا ذَلِكَ إلى سُلَيْمانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ ما يَتْلُونَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، وإظْهارِ الخَوارِقِ، وتَسْخِيرِ …

Al-Baqara 2:102Listen in Qur'an →
103

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And if they had believed and feared Allah, then the reward from Allah would have been [far] better, if they only knew.

﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾: قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَوْ وأقْسامِها، وهي هُنا حِرَفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى جَوابِها إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ، عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم واخْتِيارَهم لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتُدِئَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، انْتَهى. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ لِلْجَوابِ لازِمٌ، لِأنَّها قَدْ تُجابُ إذا كانَتْ لِلتَّمَنِّي بِالفاءِ، كَما يُجابُ لَيْتَ. إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ دَسَّ في كَلامِهِ هَذا، ويُحْرِجُهُ مَذْهَبُهُ الِاعْتِزالِيُّ، حَيْثُ جَعَلَ التَّمَنِّيَ كِنايَةً عَنْ إرادَةِ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ أرادَ إيمانَهم، فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ، وهَذا هو عَيْنُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والطّائِفَةُ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم عَدْلِيَّةً:

؎قالُوا يُرِيدُ ولا يَكُونُ مُرادُهُ عَدَلُوا ولَكِنْ عَنْ طَرِيقِ المَعْرِفَةِ

وأنَّهم آمَنُوا، يَتَقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ إيمانُهم، وهو مَرْفُوعٌ. فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ إيمانُهم. فَفي كُلٍّ مِنَ المَذْهَبَيْنِ حَذْفٌ لِلْمُسْنَدِ، وإبْقاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والضَّمِيرُ في أنَّهم لِلْيَهُودِ، أوِ الَّذِينَ يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ، قَوْلانِ. والإيمانُ والتَّقْوى: الإيمانُ التّامُّ، والتَّقْوى الجامِعَةُ لِضُرُوبِها، أوِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِما جاءَ بِهِ، وتَقْوى الكُفْرِ والسِّحْرِ، قَوْلانِ مُتَقارِبانِ.

﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، لا الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ لَأُثِيبُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ الِاسْتِئْنافِيِّ، لا عَلى طَرِيقِ تَعْلِيقِهِ بِإيمانِهِمْ وتَقْواهم، وتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِما، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، أعْنِي أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: اللّامُ هي الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، والجَوابُ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾، أيِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. والأوَّلُ اخْتِيارُ الرّاغِبِ، والثّانِي اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ في الجَوابِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها، كَما عُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُخْتارُهُ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِ العَرَبِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ جَوابًا لِلَوْ، إنَّما جاءَ هَذا المُخْتَلَفُ في تَخْرِيجِهِ. ولا تَثْبُتُ القَواعِدُ الكُلِّيَّةُ بِالمُحْتَمَلِ، ولَيْسَ مِثْلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِثُبُوتِ رَفْعِ سَلامٌ عَلَيْكم مِن لِسانِ العَرَبِ. ووَجَّهَ مَن أجازَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: بِأنَّ ”مَثُوبَةٌ“ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْماضِي والِاسْتِقْبالِ، فَصَلُحَ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ وُقُوعُهُ لِلْمُضِيِّ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ التَّكْمِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، بِأشْبَعَ مِن هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَمَثُوبَةٌ بِضَمِّ الثّاءِ، كالمَشُورَةِ. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو السَّمّالِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: بِسُكُونِ الثّاءِ، كَمَشْوُرَةٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمَثُوبَةٌ، أيْ لَثَوابٌ، وهو الجَزاءُ والأجْرُ عَلى الإيمانِ …

Al-Baqara 2:103Listen in Qur'an →
104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, say not [to Allah 's Messenger], "Ra'ina" but say, "Unthurna" and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] .

الرِّعايَةُ والمُراعاةُ: النَّظَرُ في مَصالِحِ الإنْسانِ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِ. والرُّعُونَةُ والرَّعَنُ: الجَهْلُ والهَوَجُ. ذُو: يَكُونُ بِمَعْنى صاحِبٍ، وتُثَنّى، وتُجْمَعُ، وتُؤَنَّثُ، وتَلْزَمُ الإضافَةَ لِاسْمِ جِنْسٍ ظاهِرٍ. وفي إضافَتِها إلى ضَمِيرِ الجِنْسِ خِلافٌ، المَشْهُورُ: المَنعُ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، لَكِنْ مَن مَنَعَ ذَلِكَ خَصَّهُ بِالضَّرُورَةِ. وإضافَتُهُ إلى العَلَمِ المَقْرُونِ بِهِ في الوَضْعِ، أوِ الَّذِي لا يُقْرَنُ بِهِ في أوَّلِ الوَضْعِ مَسْمُوعٌ. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهم: ذُو يَزَنَ، وذُو جَدَنٍ، وذُو رُعَيْنٍ، وذُو الكُلاعِ. فَتَجِبُ الإضافَةُ إذْ ذاكَ. ومِنَ الثّانِي قَوْلُهم: في تَبُوكَ، وعَمْرٍو، وقَطَرِيٍّ: ذُو تَبُوكَ، وذُو عَمْرٍو، وذُو قَطَرِيٍّ. والأكْثَرُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِلَفْظِ ذُو، بَلْ يُنْطَقُ بِالِاسْمِ عارِيًا مِن ذُو. وما جاءَ مِن إضافَتِهِ لِضَمِيرِ العَلَمِ، أوْ لِضَمِيرِ مُخاطَبٍ لا يَنْقاسُ، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى ذَوِيِهِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وإنّا لَنَرْجُو عاجِلًا مِنكَ مِثْلَ ما رَجَوْناهُ قُدْمًا مِن ذَوِيكَ الأفاضِلِ

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنَّ وزْنَهُ فَعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ: أنَّ وزْنَهُ فَعْلٌ، بِسُكُونِها. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُجْمَعُ في التَّكْسِيرِ عَلى أفْعالٍ. قالُوا: أذْواءٌ. وذُو مِنَ الأسْماءِ السِّتَّةِ الَّتِي تَكُونُ في الرَّفْعِ بِالواوِ، وفي النَّصْبِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ بِالياءِ. وإعْرابُ ذُو كَذا لازِمٌ بِخِلافِ غَيْرِها مِن تِلْكَ الأسْماءِ، فَذَلِكَ عَلى جِهَةِ الجَوازِ. وفِيما أُعْرِبَتْ بِهِ هَذِهِ الأسْماءُ عَشَرَةُ مَذاهِبَ ذُكِرَتْ …

Al-Baqara 2:104Listen in Qur'an →
105

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allah selects for His mercy whom He wills, and Allah is the possessor of great bounty.

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) .

(مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم.

(مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما …

Al-Baqara 2:105Listen in Qur'an →
106

۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allah is over all things competent?

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) .

(مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم.

(مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما …

Al-Baqara 2:106Listen in Qur'an →
107

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allah any protector or any helper?

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) .

(مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم.

(مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما …

Al-Baqara 2:107Listen in Qur'an →
108

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

Or do you intend to ask your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] ؟ هَذا أيْضًا اسْتِفْهامٌ دَخَلَ عَلى النَّفْيِ فَهو تَقْرِيرٌ، فَلَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ مَعْناهُ: الإيجابُ، أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ لَهُ سُلْطانُ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِما، فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، ويُجْرِيها عَلى ما يَخْتارُهُ لَكم مِن نَسْخٍ وغَيْرِهِ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ، ولِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. وإذا كانَ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الطَّرَفَيْنِ، كانَ مُسْتَوْلِيًا عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ العُلْوِيَّةِ بِالسَّماواتِ، والسُّفْلِيَّةِ بِالأرْضِ.

وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ التَّقْرِيرَ عَلى الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما كَمالُ التَّصَرُّفِ، وهُما: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا، بِمَعْنى أنَّ لَهُ اسْتِطاعَةً عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِيلاءٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُنَفِّذَ فِيهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَفْعَلَ. فَإذا اجْتَمَعَتِ الِاسْتِطاعَةُ وعَدَمُ المانِعِيَّةِ، كَمُلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَعَ الإرادَةِ. وبَدَأ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ مِن وصْفِ الِاسْتِيلاءِ والسُّلْطانِ.

﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]: انْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ الإفْرادِ في الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وناسَبَ الجَمْعَ هُنا؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ صارَ نَصًّا في العُمُومِ، فَناسَبَ كَوْنَ المَنفِيِّ عَنْهُ يَكُونُ عامًّا أيْضًا، كانَ المَعْنى: وما لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنكم فَرْدٌ فَرْدٌ.

﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]: وأتى بِصِيغَةِ ولِيٍّ، وهو فَعِيلٌ، لِلْمُبالَغَةِ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ (والٍ) إلّا في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِمُواخاةِ الفَواصِلِ، وأتى بِنَصِيرٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، لِمُناسَبَةِ ولِيٍّ في كَوْنِهِما عَلى فَعِيلٍ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآيِ، ولِأنَّهُ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. ومِن زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: (مِن ولِيٍّ)، فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ. ومِن في: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧] مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ الَّذِي هو لَكم، وهو يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في ما هَذِهِ أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا. أمّا مَن مَنعَ ذَلِكَ فَلا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً، ومَعْنى ”مِن“ الأُولى ابْتِداءُ الغايَةِ. وتَكَرَّرَ اسْمُ اللَّهِ ظاهِرًا في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها، وأنَّها لَمْ تُجْعَلْ مُرْتَبِطَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطَ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارٍ.

ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِلتَّقْرِيرِ - وهو إيجابٌ مِن حَيْثُ المَعْنى - ناسَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ نَفْيًا لِلْوَلِيِّ والنّاصِرِ، أيْ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ واسْتِيلائِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَحْجِزُهُ عَمّا يُرِيدُ بِها شَيْءٌ، ولا مُغالِبَ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ.

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾: اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Baqara 2:108Listen in Qur'an →
109

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allah delivers His command. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] ؟ هَذا أيْضًا اسْتِفْهامٌ دَخَلَ عَلى النَّفْيِ فَهو تَقْرِيرٌ، فَلَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ مَعْناهُ: الإيجابُ، أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ لَهُ سُلْطانُ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِما، فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، ويُجْرِيها عَلى ما يَخْتارُهُ لَكم مِن نَسْخٍ وغَيْرِهِ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ، ولِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. وإذا كانَ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الطَّرَفَيْنِ، كانَ مُسْتَوْلِيًا عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ العُلْوِيَّةِ بِالسَّماواتِ، والسُّفْلِيَّةِ بِالأرْضِ.

وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ التَّقْرِيرَ عَلى الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما كَمالُ التَّصَرُّفِ، وهُما: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا، بِمَعْنى أنَّ لَهُ اسْتِطاعَةً عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِيلاءٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُنَفِّذَ فِيهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَفْعَلَ. فَإذا اجْتَمَعَتِ الِاسْتِطاعَةُ وعَدَمُ المانِعِيَّةِ، كَمُلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَعَ الإرادَةِ. وبَدَأ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ مِن وصْفِ الِاسْتِيلاءِ والسُّلْطانِ.

﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]: انْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ الإفْرادِ في الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وناسَبَ الجَمْعَ هُنا؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ صارَ نَصًّا في العُمُومِ، فَناسَبَ كَوْنَ المَنفِيِّ عَنْهُ يَكُونُ عامًّا أيْضًا، كانَ المَعْنى: وما لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنكم فَرْدٌ فَرْدٌ.

﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]: وأتى بِصِيغَةِ ولِيٍّ، وهو فَعِيلٌ، لِلْمُبالَغَةِ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ (والٍ) إلّا في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِمُواخاةِ الفَواصِلِ، وأتى بِنَصِيرٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، لِمُناسَبَةِ ولِيٍّ في كَوْنِهِما عَلى فَعِيلٍ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآيِ، ولِأنَّهُ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. ومِن زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: (مِن ولِيٍّ)، فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ. ومِن في: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧] مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ الَّذِي هو لَكم، وهو يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في ما هَذِهِ أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا. أمّا مَن مَنعَ ذَلِكَ فَلا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً، ومَعْنى ”مِن“ الأُولى ابْتِداءُ الغايَةِ. وتَكَرَّرَ اسْمُ اللَّهِ ظاهِرًا في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها، وأنَّها لَمْ تُجْعَلْ مُرْتَبِطَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطَ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارٍ.

ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِلتَّقْرِيرِ - وهو إيجابٌ مِن حَيْثُ المَعْنى - ناسَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ نَفْيًا لِلْوَلِيِّ والنّاصِرِ، أيْ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ واسْتِيلائِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَحْجِزُهُ عَمّا يُرِيدُ بِها شَيْءٌ، ولا مُغالِبَ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ.

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾: اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Baqara 2:109Listen in Qur'an →
110

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And establish prayer and give zakah, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allah. Indeed, Allah of what you do, is Seeing.

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ.

﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .

﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ …

Al-Baqara 2:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.