Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–99 of 99

91

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ

Who have made the Qur'an into portions.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالزُّهْدِ في الدُّنْيا، وخَفْضِ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْقَوْمِ: ﴿إنِّي﴾

صفحة ١٦٨

﴿أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ كَوْنِهِ نَذِيرًا، كَوْنُهُ مُبَلِّغًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ واجِبًا تَرَتَّبَ عَلى تَرْكِهِ عِقابٌ، وكُلَّ ما كانَ حَرامًا تَرَتَّبَ عَلى فِعْلِهِ عِقابٌ فَكانَ الإخْبارُ بِحُصُولِ هَذا العِقابِ داخِلًا تَحْتَ لَفْظِ النَّذِيرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا كَوْنُهُ شارِحًا لِمَراتِبِ الثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، ومَعْناهُ كَوْنُهُ آتِيًا في كُلِّ ذَلِكَ بِالبَياناتِ الشّافِيَةِ والبَيِّناتِ الوافِيَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُقْتَسِمِينَ مَن هم ؟ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَقْرُبُ عَدَدُهم مِن أرْبَعِينَ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ، فاقْتَسَمُوا عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقَها يَقُولُونَ لِمَن يَسْلُكُها: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا، والمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانُوا يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ خِزْيًا فَماتُوا شَرَّ مِيتَةٍ، والمَعْنى: أنْذَرْتُكم مِثْلَ ما نَزَلَ بِالمُقْتَسِمِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ المُقْتَسِمِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، واخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّهَ تَعالى لِمَ سَمّاهم مُقْتَسِمِينَ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ آمَنُوا بِما وافَقَ التَّوْراةَ وكَفَرُوا بِالباقِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: اقْتَسَمُوا القُرْآنَ، فَقالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: كَذِبٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ المُقْتَسِمِينَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ تَقاسَمُوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهم، فَعَلى هَذا والِاقْتِسامُ مِنَ القَسْمِ لا مِنَ القِسْمَةِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

البحث الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِذَلِكَ فَما ذَلِكَ الشَّيْءُ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وجَهْلِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلْتَوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ تَوَسَّطَ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلى آخِرِهِ ؟

قُلْنا: لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ …

92

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

So by your Lord, We will surely question them all

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْألَ هَؤُلاءِ المُقْتَسِمِينَ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اقْتِسامِ القُرْآنِ، وعَنْ سائِرِ المَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهم قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وذِكْرُ الكافِرِينَ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عَلى الكُلِّ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ

صفحة ١٧٠

السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكُفْرِ أوْ عَنِ الإيمانِ، بَلِ السُّؤالِ واقِعٌ عَنْهُما وعَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَسْألُونَ سُؤالَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَ سُؤالَ التَّقْرِيعِ يُقالُ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ كَذا ؟

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ لِما كانَ في تَخْصِيصِ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ في كُلِّ الأوْقاتِ.

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يَصْرِفَ النَّفْيَ إلى بَعْضِ الأوْقاتِ، والإثْباتَ إلى وقْتٍ آخَرَ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ السُّؤالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤالُ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ لَحَصَلَ التَّناقُضُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عائِدٌ إلى المُقْتَسِمِينَ وهَذا خاصٌّ ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. أما قوله: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الصَّدْعِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ والفَصْلُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِجَرِيرٍ:

هَذا الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما قَضى لَكُمُ بِالحَقِّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ حَيْفٌ

فَقالَ يَصْدَعُ يَفْصِلُ، وتَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَتَفَرَّقُونَ. والصَّدْعُ في الزُّجاجَةِ الإبانَةُ، أقُولُ: ولَعَلَّ ألَمَ الرَّأْسِ إنَّما سُمِّيَ صُداعًا؛ لِأنَّ قِحْفَ الرَّأْسِ عِنْدَ ذَلِكَ الألَمِ كَأنَّهُ يَنْشَقُّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الصُّبْحُ صَدِيعًا كَما يُسَمّى فَلَقًا. وقَدِ انْصَدَعَ وانْفَلَقَ الفَجْرُ وانْفَطَرَ الصُّبْحُ.

إذا …

93

عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

About what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْألَ هَؤُلاءِ المُقْتَسِمِينَ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اقْتِسامِ القُرْآنِ، وعَنْ سائِرِ المَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهم قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وذِكْرُ الكافِرِينَ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عَلى الكُلِّ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ

صفحة ١٧٠

السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكُفْرِ أوْ عَنِ الإيمانِ، بَلِ السُّؤالِ واقِعٌ عَنْهُما وعَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَسْألُونَ سُؤالَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَ سُؤالَ التَّقْرِيعِ يُقالُ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ كَذا ؟

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ لِما كانَ في تَخْصِيصِ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ في كُلِّ الأوْقاتِ.

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يَصْرِفَ النَّفْيَ إلى بَعْضِ الأوْقاتِ، والإثْباتَ إلى وقْتٍ آخَرَ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ السُّؤالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤالُ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ لَحَصَلَ التَّناقُضُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عائِدٌ إلى المُقْتَسِمِينَ وهَذا خاصٌّ ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. أما قوله: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الصَّدْعِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ والفَصْلُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِجَرِيرٍ:

هَذا الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما قَضى لَكُمُ بِالحَقِّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ حَيْفٌ

فَقالَ يَصْدَعُ يَفْصِلُ، وتَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَتَفَرَّقُونَ. والصَّدْعُ في الزُّجاجَةِ الإبانَةُ، أقُولُ: ولَعَلَّ ألَمَ الرَّأْسِ إنَّما سُمِّيَ صُداعًا؛ لِأنَّ قِحْفَ الرَّأْسِ عِنْدَ ذَلِكَ الألَمِ كَأنَّهُ يَنْشَقُّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الصُّبْحُ صَدِيعًا كَما يُسَمّى فَلَقًا. وقَدِ انْصَدَعَ وانْفَلَقَ الفَجْرُ وانْفَطَرَ الصُّبْحُ.

إذا …

94

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Then declare what you are commanded and turn away from the polytheists.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْألَ هَؤُلاءِ المُقْتَسِمِينَ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اقْتِسامِ القُرْآنِ، وعَنْ سائِرِ المَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهم قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وذِكْرُ الكافِرِينَ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عَلى الكُلِّ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ

صفحة ١٧٠

السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكُفْرِ أوْ عَنِ الإيمانِ، بَلِ السُّؤالِ واقِعٌ عَنْهُما وعَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَسْألُونَ سُؤالَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَ سُؤالَ التَّقْرِيعِ يُقالُ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ كَذا ؟

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ لِما كانَ في تَخْصِيصِ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ في كُلِّ الأوْقاتِ.

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يَصْرِفَ النَّفْيَ إلى بَعْضِ الأوْقاتِ، والإثْباتَ إلى وقْتٍ آخَرَ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ السُّؤالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤالُ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ لَحَصَلَ التَّناقُضُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عائِدٌ إلى المُقْتَسِمِينَ وهَذا خاصٌّ ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. أما قوله: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الصَّدْعِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ والفَصْلُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِجَرِيرٍ:

هَذا الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما قَضى لَكُمُ بِالحَقِّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ حَيْفٌ

فَقالَ يَصْدَعُ يَفْصِلُ، وتَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَتَفَرَّقُونَ. والصَّدْعُ في الزُّجاجَةِ الإبانَةُ، أقُولُ: ولَعَلَّ ألَمَ الرَّأْسِ إنَّما سُمِّيَ صُداعًا؛ لِأنَّ قِحْفَ الرَّأْسِ عِنْدَ ذَلِكَ الألَمِ كَأنَّهُ يَنْشَقُّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الصُّبْحُ صَدِيعًا كَما يُسَمّى فَلَقًا. وقَدِ انْصَدَعَ وانْفَلَقَ الفَجْرُ وانْفَطَرَ الصُّبْحُ.

إذا …

95

إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ

Indeed, We are sufficient for you against the mockers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْألَ هَؤُلاءِ المُقْتَسِمِينَ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اقْتِسامِ القُرْآنِ، وعَنْ سائِرِ المَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهم قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وذِكْرُ الكافِرِينَ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عَلى الكُلِّ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ

صفحة ١٧٠

السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكُفْرِ أوْ عَنِ الإيمانِ، بَلِ السُّؤالِ واقِعٌ عَنْهُما وعَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَسْألُونَ سُؤالَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَ سُؤالَ التَّقْرِيعِ يُقالُ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ كَذا ؟

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ لِما كانَ في تَخْصِيصِ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ في كُلِّ الأوْقاتِ.

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يَصْرِفَ النَّفْيَ إلى بَعْضِ الأوْقاتِ، والإثْباتَ إلى وقْتٍ آخَرَ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ السُّؤالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤالُ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ لَحَصَلَ التَّناقُضُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عائِدٌ إلى المُقْتَسِمِينَ وهَذا خاصٌّ ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. أما قوله: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الصَّدْعِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ والفَصْلُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِجَرِيرٍ:

هَذا الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما قَضى لَكُمُ بِالحَقِّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ حَيْفٌ

فَقالَ يَصْدَعُ يَفْصِلُ، وتَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَتَفَرَّقُونَ. والصَّدْعُ في الزُّجاجَةِ الإبانَةُ، أقُولُ: ولَعَلَّ ألَمَ الرَّأْسِ إنَّما سُمِّيَ صُداعًا؛ لِأنَّ قِحْفَ الرَّأْسِ عِنْدَ ذَلِكَ الألَمِ كَأنَّهُ يَنْشَقُّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الصُّبْحُ صَدِيعًا كَما يُسَمّى فَلَقًا. وقَدِ انْصَدَعَ وانْفَلَقَ الفَجْرُ وانْفَطَرَ الصُّبْحُ.

إذا …

96

ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Who make [equal] with Allah another deity. But they are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْألَ هَؤُلاءِ المُقْتَسِمِينَ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اقْتِسامِ القُرْآنِ، وعَنْ سائِرِ المَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهم قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وذِكْرُ الكافِرِينَ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عَلى الكُلِّ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ

صفحة ١٧٠

السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الكُفْرِ أوْ عَنِ الإيمانِ، بَلِ السُّؤالِ واقِعٌ عَنْهُما وعَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا يَسْألُونَ سُؤالَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَ سُؤالَ التَّقْرِيعِ يُقالُ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ كَذا ؟

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ لِما كانَ في تَخْصِيصِ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ في كُلِّ الأوْقاتِ.

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يَصْرِفَ النَّفْيَ إلى بَعْضِ الأوْقاتِ، والإثْباتَ إلى وقْتٍ آخَرَ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ السُّؤالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤالُ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ لَحَصَلَ التَّناقُضُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ عائِدٌ إلى المُقْتَسِمِينَ وهَذا خاصٌّ ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. أما قوله: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الصَّدْعِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ والفَصْلُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِجَرِيرٍ:

هَذا الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما قَضى لَكُمُ بِالحَقِّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ حَيْفٌ

فَقالَ يَصْدَعُ يَفْصِلُ، وتَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَتَفَرَّقُونَ. والصَّدْعُ في الزُّجاجَةِ الإبانَةُ، أقُولُ: ولَعَلَّ ألَمَ الرَّأْسِ إنَّما سُمِّيَ صُداعًا؛ لِأنَّ قِحْفَ الرَّأْسِ عِنْدَ ذَلِكَ الألَمِ كَأنَّهُ يَنْشَقُّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الصُّبْحُ صَدِيعًا كَما يُسَمّى فَلَقًا. وقَدِ انْصَدَعَ وانْفَلَقَ الفَجْرُ وانْفَطَرَ الصُّبْحُ.

إذا …

97

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

And We already know that your breast is constrained by what they say.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ قَوْمَهُ يُسَفِّهُونَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما أُولَئِكَ المُقْتَسِمُونَ وأُولَئِكَ المُسْتَهْزِءُونَ قالَ لَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ لِأنَّ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ، والمِزاجَ الإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَعِنْدَ هَذا قالَ لَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَأمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ صارَ الإقْبالُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ سَبَبًا لِزَوالِ ضِيقِ القَلْبِ والحُزْنِ ؟ فَقالَ العارِفُونَ المُحَقِّقُونَ: إذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العِباداتِ انْكَشَفَتْ لَهُ أضْواءُ عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومَتى حَصَلَ ذَلِكَ الِانْكِشافُ صارَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ حَقِيرَةً، وإذا صارَتْ حَقِيرَةً خَفَّ عَلى القَلْبِ فِقْدانُها ووِجْدانُها، فَلا يَسْتَوْحِشُ مِن فِقْدانِها ولا يَسْتَرِيحُ بِوِجْدانِها، وعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الحُزْنُ والغَمُّ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنِ القَبائِحِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ المَشاقِّ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ عَدْلٌ مُنَزَّهٌ عَنْ إنْزالِ المَشاقِّ بِهِ مِن غَيْرِ غَرَضٍ ولا فائِدَةٍ، فَحِينَئِذٍ يَطِيبُ قَلْبُهُ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إذا نَزَلَ بِالعَبْدِ بَعْضُ المَكارِهِ فَزِعَ إلى الطّاعاتِ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَجِبُ عَلَيَّ عِبادَتُكَ سَواءً أعْطَيْتَنِي الخَيْراتِ أوْ ألْقَيْتَنِي في المَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَوْتَ وسُمِّيَ المَوْتُ بِاليَقِينِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُتَيَقِّنٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ لِهَذا التَّوْقِيتِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا ماتَ سَقَطَتْ عَنْهُ العِباداتُ ؟

صفحة ١٧٢

قُلْنا: المُرادُ مِنهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ في زَمانِ حَياتِكَ، ولا تَخْلُ لَحْظَةٌ مِن لَحَظاتِ الحَياةِ عَنْ هَذِهِ العِبادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

98

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

So exalt [Allah] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ قَوْمَهُ يُسَفِّهُونَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما أُولَئِكَ المُقْتَسِمُونَ وأُولَئِكَ المُسْتَهْزِءُونَ قالَ لَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ لِأنَّ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ، والمِزاجَ الإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَعِنْدَ هَذا قالَ لَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَأمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ صارَ الإقْبالُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ سَبَبًا لِزَوالِ ضِيقِ القَلْبِ والحُزْنِ ؟ فَقالَ العارِفُونَ المُحَقِّقُونَ: إذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العِباداتِ انْكَشَفَتْ لَهُ أضْواءُ عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومَتى حَصَلَ ذَلِكَ الِانْكِشافُ صارَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ حَقِيرَةً، وإذا صارَتْ حَقِيرَةً خَفَّ عَلى القَلْبِ فِقْدانُها ووِجْدانُها، فَلا يَسْتَوْحِشُ مِن فِقْدانِها ولا يَسْتَرِيحُ بِوِجْدانِها، وعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الحُزْنُ والغَمُّ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنِ القَبائِحِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ المَشاقِّ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ عَدْلٌ مُنَزَّهٌ عَنْ إنْزالِ المَشاقِّ بِهِ مِن غَيْرِ غَرَضٍ ولا فائِدَةٍ، فَحِينَئِذٍ يَطِيبُ قَلْبُهُ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إذا نَزَلَ بِالعَبْدِ بَعْضُ المَكارِهِ فَزِعَ إلى الطّاعاتِ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَجِبُ عَلَيَّ عِبادَتُكَ سَواءً أعْطَيْتَنِي الخَيْراتِ أوْ ألْقَيْتَنِي في المَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَوْتَ وسُمِّيَ المَوْتُ بِاليَقِينِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُتَيَقِّنٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ لِهَذا التَّوْقِيتِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا ماتَ سَقَطَتْ عَنْهُ العِباداتُ ؟

صفحة ١٧٢

قُلْنا: المُرادُ مِنهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ في زَمانِ حَياتِكَ، ولا تَخْلُ لَحْظَةٌ مِن لَحَظاتِ الحَياةِ عَنْ هَذِهِ العِبادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

99

وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ

And worship your Lord until there comes to you the certainty (death).

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ قَوْمَهُ يُسَفِّهُونَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما أُولَئِكَ المُقْتَسِمُونَ وأُولَئِكَ المُسْتَهْزِءُونَ قالَ لَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ لِأنَّ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ، والمِزاجَ الإنْسانِيَّ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَعِنْدَ هَذا قالَ لَهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَأمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ صارَ الإقْبالُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ سَبَبًا لِزَوالِ ضِيقِ القَلْبِ والحُزْنِ ؟ فَقالَ العارِفُونَ المُحَقِّقُونَ: إذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العِباداتِ انْكَشَفَتْ لَهُ أضْواءُ عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومَتى حَصَلَ ذَلِكَ الِانْكِشافُ صارَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ حَقِيرَةً، وإذا صارَتْ حَقِيرَةً خَفَّ عَلى القَلْبِ فِقْدانُها ووِجْدانُها، فَلا يَسْتَوْحِشُ مِن فِقْدانِها ولا يَسْتَرِيحُ بِوِجْدانِها، وعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الحُزْنُ والغَمُّ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنِ القَبائِحِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ المَشاقِّ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ عَدْلٌ مُنَزَّهٌ عَنْ إنْزالِ المَشاقِّ بِهِ مِن غَيْرِ غَرَضٍ ولا فائِدَةٍ، فَحِينَئِذٍ يَطِيبُ قَلْبُهُ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إذا نَزَلَ بِالعَبْدِ بَعْضُ المَكارِهِ فَزِعَ إلى الطّاعاتِ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَجِبُ عَلَيَّ عِبادَتُكَ سَواءً أعْطَيْتَنِي الخَيْراتِ أوْ ألْقَيْتَنِي في المَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَوْتَ وسُمِّيَ المَوْتُ بِاليَقِينِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُتَيَقِّنٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ لِهَذا التَّوْقِيتِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا ماتَ سَقَطَتْ عَنْهُ العِباداتُ ؟

صفحة ١٧٢

قُلْنا: المُرادُ مِنهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ في زَمانِ حَياتِكَ، ولا تَخْلُ لَحْظَةٌ مِن لَحَظاتِ الحَياةِ عَنْ هَذِهِ العِبادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.