Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

صفحة ٥٧

[ سُورَةُ إبْراهِيمَ ]

مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْ ٢٨ و٢٩ فَمَدَنِيَّتانِ

وآياتُها ٥٢ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ نُوحٍ

﷽

﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .

﷽

﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ طَرِيقُهُ الآحادُ. ومَتى لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ، وإنَّما يَخْتَلِفُ الغَرَضُ في ذَلِكَ إذا حَصَلَ فِيهِ ناسِخٌ ومَنسُوخٌ فَيَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الر كِتابٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِـ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِغَرَضِ كَذا وكَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿الر﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: النّازِلُ والمُنْزَلُ لا يَكُونُ قَدِيمًا.

وجَوابُنا: أنَّ المَوْصُوفَ بِالنّازِلِ والمُنْزَلِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ وهي مُحْدَثَةٌ بِلا نِزاعٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ لامُ الغَرَضِ والحِكْمَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا الكِتابَ لِهَذا الغَرَضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ.

أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، فَهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ لَوْ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ إلّا بِهَذِهِ الواسِطَةِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ بِالعِلَلِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ظاهِرٍ أشْعَرَ بِهِ، فَإنَّهُ مُؤَوَّلٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى آخَرَ.

صفحة ٥٨

المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يَتَحَيَّرُ الرَّجُلُ فِيهِ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، وشَبَّهَ الإيمانَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّهُ ما يَنْجَلِي بِهِ طَرِيقُ هِدايَتِهِ.

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى إبْطالِ القَوْلِ بِالجَبْرِ مِن جِهاتٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ إخْراجُهُ مِنهُ بِالكِتابِ؟

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الإخْراجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإنْ كانَ خالِقُ ذَلِكَ الكُفْرِ هو اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إخْراجُهم مِنهُ، وكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنكَ أنْ تُخْرِجَنا مِنهُ؟ فَإنْ قالَ لَهم: أنا أُخْرِجُكم مِنَ الظُّلُماتِ الَّتِي هي كُفْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا واقِعٌ، فَلَهم أنْ يَقُولُوا: إنْ كانَ تَعالى سَيَخْلُقُهُ فِينا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ الإخْراجُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْهُ فَنَحْنُ خارِجُونَ مِنهُ بِلا إخْراجٍ.

وثالِثُها: أنَّهُ ﷺ إنَّما يُخْرِجُهم مِنَ الكُفْرِ بِالكِتابِ بِأنْ يَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَدَبَّرُوهُ ويَنْظُرُوا فِيهِ فَيَعْلَمُوا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا قادِرًا حَكِيمًا ويَعْلَمُوا بِكَوْنِ القُرْآنِ …

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .

صفحة ٦٠

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ [اللَّهُ] مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، والباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وهاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ، والحَقُّ عِنْدَنا هو الأوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الِاسْمَ المُشْتَقَّ عِبارَةٌ عَنْ شَيْءٍ ما حَصَلَ لَهُ المُشْتَقُّ مِنهُ، فالأسْوَدُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ السَّوادُ، والنّاطِقُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ النُّطْقُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ اسْمًا مُشْتَقًّا مِن مَعْنًى، لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ أنَّهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا المَفْهُومُ كُلِّيٌّ لا يَمْتَنِعُ مِن حَيْثُ هو هو عَنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكانَ مَفْهُومُهُ صالِحًا لِوُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى هو قَوْلُنا: اللَّهُ وهو غَيْرُ مانِعٍ مِن وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَمّا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَنا اللَّهُ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ.

الثّانِي: أنَّهُ كُلَّما أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ سائِرَ الصِّفاتِ والأسْماءِ ذَكَرْنا أوَّلًا قَوْلَنا: اللَّهُ، ثُمَّ وصَفْناهُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، كَقَوْلِنا هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نَعْكِسَ الأمْرَ، فَنَقُولُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّهُ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ، وسائِرُ الألْفاظِ دالَّةٌ عَلى الصِّفاتِ والنُّعُوتِ.

الثّالِثُ: أنَّ ما سِوى قَوْلِنا اللَّهُ كُلُّها دالَّةٌ، إمّا عَلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، كَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ، أوْ عَلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، كَقَوْلِنا الخالِقُ الرّازِقُ أوْ عَلى الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِنا: العالِمُ القادِرُ، أوْ عَلى ما يَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنا: اللَّهُ اسْمًا لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ لَكانَ جَمِيعُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ألْفاظًا دالَّةً عَلى صِفاتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو اسْمٌ مَخْصُوصٌ.

والرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥] والمُرادُ هَلْ تَعْلَمُ مَنِ اسْمُهُ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ اسْمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فالتَّرْتِيبُ الحَسَنُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ الصِّفاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤] فَأمّا أنْ يُعْكَسَ فَيُقالَ: هو الخالِقُ المُصَوِّرُ البارِئُ اللَّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ قَرَءُوا: …

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .

صفحة ٦٠

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ [اللَّهُ] مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، والباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وهاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ، والحَقُّ عِنْدَنا هو الأوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الِاسْمَ المُشْتَقَّ عِبارَةٌ عَنْ شَيْءٍ ما حَصَلَ لَهُ المُشْتَقُّ مِنهُ، فالأسْوَدُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ السَّوادُ، والنّاطِقُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ النُّطْقُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ اسْمًا مُشْتَقًّا مِن مَعْنًى، لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ أنَّهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا المَفْهُومُ كُلِّيٌّ لا يَمْتَنِعُ مِن حَيْثُ هو هو عَنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكانَ مَفْهُومُهُ صالِحًا لِوُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى هو قَوْلُنا: اللَّهُ وهو غَيْرُ مانِعٍ مِن وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَمّا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَنا اللَّهُ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ.

الثّانِي: أنَّهُ كُلَّما أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ سائِرَ الصِّفاتِ والأسْماءِ ذَكَرْنا أوَّلًا قَوْلَنا: اللَّهُ، ثُمَّ وصَفْناهُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، كَقَوْلِنا هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نَعْكِسَ الأمْرَ، فَنَقُولُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّهُ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ، وسائِرُ الألْفاظِ دالَّةٌ عَلى الصِّفاتِ والنُّعُوتِ.

الثّالِثُ: أنَّ ما سِوى قَوْلِنا اللَّهُ كُلُّها دالَّةٌ، إمّا عَلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، كَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ، أوْ عَلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، كَقَوْلِنا الخالِقُ الرّازِقُ أوْ عَلى الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِنا: العالِمُ القادِرُ، أوْ عَلى ما يَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنا: اللَّهُ اسْمًا لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ لَكانَ جَمِيعُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ألْفاظًا دالَّةً عَلى صِفاتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو اسْمٌ مَخْصُوصٌ.

والرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥] والمُرادُ هَلْ تَعْلَمُ مَنِ اسْمُهُ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ اسْمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فالتَّرْتِيبُ الحَسَنُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ الصِّفاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤] فَأمّا أنْ يُعْكَسَ فَيُقالَ: هو الخالِقُ المُصَوِّرُ البارِئُ اللَّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ قَرَءُوا: …

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كانَ هَذا إنْعامًا عَلى الرَّسُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ، وإنْعامًا أيْضًا عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن خَلَّصَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وأرْشَدَهم إلى نُورِ الإيمانِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَكْمِيلِ النِّعْمَةِ والإحْسانِ في الوجه يْنِ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا مَبْعُوثِينَ إلى قَوْمِهِمْ خاصَّةً، وأمّا أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَمَبْعُوثٌ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَكانَ هَذا الإنْعامُ في حَقِّكَ أفْضَلَ وأكْمَلَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى قَوْمٍ إلّا بِلِسانِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَإنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ فَهْمُهم لِأسْرارِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ووُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، وعَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ اصْطِلاحِيَّةٌ لا تَوْقِيفِيَّةٌ، قالَ: لِأنَّ التَّوْقِيفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرْسالَ جَمِيعِ الرُّسُلِ لا يَكُونُ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ اللُّغاتِ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ اللُّغاتِ بِالتَّوْقِيفِ، فَوَجَبَ حُصُولُها بِالِاصْطِلاحِ.

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ إلى العَرَبِ لا إلى سائِرِ الطَّوائِفِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ نازِلًا بِلُغَةِ العَرَبِ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُعْجِزَةً بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ إلّا العَرَبُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ القُرْآنُ حُجَّةً إلّا عَلى العَرَبِ، ومَن لا يَكُونُ عَرَبِيًّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ.

الثّانِي: قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ اللِّسانِ لِسانُ العَرَبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَوْمٌ سِوى العَرَبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ فَقَطْ.

والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ بَلَدِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ دَعْوَتِهِ، والدَّلِيلُ عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] بَلْ إلى الثِّقْلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّحَدِّيَ كَما وقَعَ مَعَ الإنْسِ فَقَدْ وقَعَ مَعَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٨].

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى أنَّ الضَّلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا …

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ٦٦

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذَكَرَ كَمالَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ في ذَلِكَ الإرْسالِ وفي تِلْكَ البَعْثَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بِعْثَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ إلى أقْوامِهِمْ وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ أقْوامِهِمْ مَعَهم؛ تَصْبِيرًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِ وإرْشادًا لَهُ إلى كَيْفِيَّةِ مُكالَمَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَدَأ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ قالَ الأصَمُّ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي: العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وفَلْقُ البَحْرِ وانْفِجارُ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ وإظْلالُ الجَبَلِ وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِآياتِهِ وهي دَلالاتُهُ وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الدِّينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ وقالَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ واحِدٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو أنْ يَسْعَوْا في إخْراجِ الخَلْقِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ إلى أنْوارِ الهِداياتِ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ. ثم قال: ﴿أنْ﴾ هَهُنا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، ويَكُونَ المَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ، كَأنَّ المَعْنى قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أيِ امْشُوا، والتَّأْوِيلُ: قِيلَ لَهُمُ امْشُوا، وتَصْلُحُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ الَّتِي هي لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ إلّا أنَّ الجارَّ حُذِفَ ووُصِلَتْ [ أنْ ] بِلَفْظِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ حَكى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

أما قوله: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ بِشَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ.

والثّانِي: أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أيّامٌ جَمْعُ يَوْمٍ، واليَوْمُ هو مِقْدارُ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وكانَتِ الأيّامُ في الأصْلِ ”أيْوامٌ“ فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى وغَلَبَتِ الياءُ.

المسألة الثّانِيَةُ: …

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ٦٦

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذَكَرَ كَمالَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ في ذَلِكَ الإرْسالِ وفي تِلْكَ البَعْثَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بِعْثَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ إلى أقْوامِهِمْ وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ أقْوامِهِمْ مَعَهم؛ تَصْبِيرًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِ وإرْشادًا لَهُ إلى كَيْفِيَّةِ مُكالَمَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَدَأ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ قالَ الأصَمُّ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي: العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وفَلْقُ البَحْرِ وانْفِجارُ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ وإظْلالُ الجَبَلِ وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِآياتِهِ وهي دَلالاتُهُ وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الدِّينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ وقالَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ واحِدٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو أنْ يَسْعَوْا في إخْراجِ الخَلْقِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ إلى أنْوارِ الهِداياتِ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ. ثم قال: ﴿أنْ﴾ هَهُنا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، ويَكُونَ المَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ، كَأنَّ المَعْنى قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أيِ امْشُوا، والتَّأْوِيلُ: قِيلَ لَهُمُ امْشُوا، وتَصْلُحُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ الَّتِي هي لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ إلّا أنَّ الجارَّ حُذِفَ ووُصِلَتْ [ أنْ ] بِلَفْظِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ حَكى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

أما قوله: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ بِشَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ.

والثّانِي: أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أيّامٌ جَمْعُ يَوْمٍ، واليَوْمُ هو مِقْدارُ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وكانَتِ الأيّامُ في الأصْلِ ”أيْوامٌ“ فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى وغَلَبَتِ الياءُ.

المسألة الثّانِيَةُ: …

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم، ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ﴾ أذِنَ رَبُّكم. ونَظِيرُ تَأذَّنَ وآذَنَ تَوَعَّدَ وأوْعَدَ وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، ولا بُدَّ في تَفَعَّلَ مِن زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ في أفْعَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ آذَنَ رَبُّكم إيذانًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عِنْدَهُ الشُّكُوكُ، وتَنْزاحُ الشُّبْهَةُ، والمَعْنى: وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم. فَقالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ فَأجْرى ﴿تَأذَّنَ﴾ مَجْرى قالَ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”وإذْ قالَ رَبُّكَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ“ .

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ زادَهُ اللَّهُ مِن نِعَمِهِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ ومِنَ البحث عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ الزّائِدَةِ الحاصِلَةِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، أمّا الشُّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وأمّا الزِّيادَةُ في النِّعَمِ فَهي أقْسامٌ: مِنها النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ، ومِنها النِّعَمُ الجُسْمانِيَّةُ، أمّا النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي أنَّ الشّاكِرَ يَكُونُ أبَدًا في مُطالَعَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأنْواعِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَن كَثُرَ إحْسانُهُ إلى الرَّجُلِ أحَبَّهُ الرَّجُلُ لا مَحالَةَ، فَشُغْلُ النَّفْسِ بِمُطالَعَةِ أنْواعِ فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ يُوجِبُ تَأكُّدَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، ومَقامُ المَحَبَّةِ أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ قَدْ يَتَرَقّى العَبْدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى أنْ يَصِيرَ حُبُّهُ لِلْمُنْعِمِ شاغِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنبَعَ السَّعاداتِ وعُنْوانَ كُلِّ الخَيْراتِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتُهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ مَزِيدَ النِّعَمِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا مَزِيدُ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلِأنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ مَن كانَ اشْتِغالُهُ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ أكْثَرَ، كانَ وُصُولُ نِعَمِ اللَّهِ إلَيْهِ أكْثَرَ، وبِالجُمْلَةِ فالشُّكْرُ إنَّما حَسُنَ مَوْقِعُهُ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِمَعْرِفَةِ المَعْبُودِ وكُلُّ مَقامٍ حَرَّكَ العَبْدَ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ القُدُسِ، فَهو المَقامُ الشَّرِيفُ العالِي الَّذِي يُوجِبُ السَّعادَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا.

وأما قوله: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفْرانُ، لا الكُفْرُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الشُّكْرِ لَيْسَ إلّا الكُفْرانَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ، والجاهِلُ بِها جاهِلٌ بِاللَّهِ، والجَهْلُ بِاللَّهِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ والعَذابِ، وأيْضًا فَهَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَوُجُودُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وعَدَمُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإعْدامِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو مُنْقادٌ لِلْحَقِّ مِطْواعٌ لَهُ، وإذا كانَتِ المُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْقادَةً لِلْحَقِّ …

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ تَزايُدَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والِاشْتِغالَ بِكُفْرانِ النِّعَمِ يُوجِبُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وحُصُولَ الآفاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَنافِعَ الشُّكْرِ ومَضارَّ الكُفْرانِ لا تَعُودُ إلّا إلى صاحِبِ الشُّكْرِ وصاحِبِ الكُفْرانِ، أمّا المَعْبُودُ والمَشْكُورُ فَإنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِالشُّكْرِ أوْ يَسْتَضِرَّ بِالكُفْرانِ، فَلا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى العابِدِ لا لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى المَعْبُودِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وواجِبُ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ صِفاتِهِ واعْتِباراتِهِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، لافْتَقَرَ رُجْحانُ وُجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ إلى مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا يُوجِبُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، كانَ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ ذاتُهُ كافِيَةً في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، لافْتَقَرَ في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ إلى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذاتَهُ كافِيَةٌ في حُصُولِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمِيدًا لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمِيدِ إلّا الَّذِي اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا يَقْتَضِي أنْ لا يَزْدادَ بِشُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولا يَنْتَقِصَ بِكُفْرانِ الكافِرِينَ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهَذِهِ المَعانِي مِن لَطائِفِ الأسْرارِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ سَواءٌ حُمِلَ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ أوْ عَلى الكُفْرانِ الَّذِي يُقابِلُ الشُّكْرَ، فالمَعْنى لا يَتَفاوَتُ البَتَّةَ، فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ في كَمالاتِهِ وفي جَمِيعِ نُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِمِثْلِ هَلاكِ مَن تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى لِقَوْمِهِ يُذَكِّرُهم أمْرَ القُرُونِ الأُولى، والمَقْصُودُ إنَّما هو حُصُولُ العِبْرَةِ بِأحْوالِ …

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ تَزايُدَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والِاشْتِغالَ بِكُفْرانِ النِّعَمِ يُوجِبُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وحُصُولَ الآفاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَنافِعَ الشُّكْرِ ومَضارَّ الكُفْرانِ لا تَعُودُ إلّا إلى صاحِبِ الشُّكْرِ وصاحِبِ الكُفْرانِ، أمّا المَعْبُودُ والمَشْكُورُ فَإنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِالشُّكْرِ أوْ يَسْتَضِرَّ بِالكُفْرانِ، فَلا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى العابِدِ لا لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى المَعْبُودِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وواجِبُ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ صِفاتِهِ واعْتِباراتِهِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، لافْتَقَرَ رُجْحانُ وُجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ إلى مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا يُوجِبُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، كانَ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ ذاتُهُ كافِيَةً في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، لافْتَقَرَ في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ إلى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذاتَهُ كافِيَةٌ في حُصُولِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمِيدًا لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمِيدِ إلّا الَّذِي اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا يَقْتَضِي أنْ لا يَزْدادَ بِشُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولا يَنْتَقِصَ بِكُفْرانِ الكافِرِينَ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهَذِهِ المَعانِي مِن لَطائِفِ الأسْرارِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ سَواءٌ حُمِلَ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ أوْ عَلى الكُفْرانِ الَّذِي يُقابِلُ الشُّكْرَ، فالمَعْنى لا يَتَفاوَتُ البَتَّةَ، فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ في كَمالاتِهِ وفي جَمِيعِ نُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِمِثْلِ هَلاكِ مَن تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى لِقَوْمِهِ يُذَكِّرُهم أمْرَ القُرُونِ الأُولى، والمَقْصُودُ إنَّما هو حُصُولُ العِبْرَةِ بِأحْوالِ …

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا قالُوا لِلرُّسُلِ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ . قالَتْ رُسُلُهم: وهَلْ تَشُكُّونَ في اللَّهِ، وفي كَوْنِهِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ وفاطِرًا لِأنْفُسِنا وأرْواحِنا وأرْزاقِنا وجَمِيعِ مَصالِحِنا ؟ وإنّا لا نَدْعُوكم إلّا إلى عِبادَةِ هَذا الإلَهِ المُنْعِمِ، ولا نَمْنَعُكم إلّا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وهَذِهِ المَعانِي يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ؟ وهَذا النَّظْمُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَلَمّا ذَكَرَ هَذا المَعْنى أرْدَفَهُ بِالدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ وُجُودَ السَّماواتِ والأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا نُعِيدُها هَهُنا.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في أنَّ وُجُودَ اللَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، وأقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى الدَّلائِلِ الدَّقِيقَةِ فالفِطْرَةُ شاهِدَةٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأوَّلِيَّةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ وُجُوهٌ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُقَلاءِ: إنَّ مَن لَطَمَ عَلى وجْهِ صَبِيٍّ لَطْمَةً فَتِلْكَ اللَّطْمَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصّانِعِ وعَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وعَلى وُجُوبِ دارِ الجَزاءِ وعَلى وُجُوبِ النَّبِيِّ، أمّا دَلالَتُها عَلى وُجُودِ

صفحة ٧٣

الصّانِعِ المُخْتارِ، فَلِأنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ إذا وقَعَتِ اللَّطْمَةُ عَلى وجْهِهِ يَصِيحُ ويَقُولُ: مَنِ الَّذِي ضَرَبَنِي ؟ وما ذاكَ إلّا أنَّ شَهادَةَ فِطْرَتِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّطْمَةَ لَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ عَدَمِها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُدُوثُها لِأجْلِ فاعِلٍ فَعَلَها، ولِأجْلِ مُخْتارٍ أدْخَلَها في الوُجُودِ فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِافْتِقارِ ذَلِكَ الحادِثِ مَعَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ إلى الفاعِلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ بِافْتِقارِ جَمِيعِ حَوادِثِ العالَمِ إلى الفاعِلِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ التَّكْلِيفِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يُنادِي ويَصِيحُ ويَقُولُ: لِمَ ضَرَبَنِي ذَلِكَ الضّارِبُ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِطْرَتَهُ شَهِدَتْ بِأنَّ الأفْعالَ الإنْسانِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ والنَّهْيِ ومُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وأنَّ الإنْسانَ ما خُلِقَ حَتّى يَفْعَلَ أيَّ فِعْلٍ شاءَ واشْتَهى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ حُصُولِ دارِ الجَزاءِ فَهو أنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يَطْلُبُ الجَزاءَ عَلى تِلْكَ اللَّطْمَةِ وما دامَ يُمْكِنُهُ طَلَبُ ذَلِكَ الجَزاءِ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُهُ، فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِوُجُوبِ الجَزاءِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ القَلِيلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ عَلى وُجُوبِ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى إنْسانٍ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.