Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 128

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

The command of Allah is coming, so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

صفحة ١٧٣

(سُورَةُ النَّحْلِ)

مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ الثَّلاثَ الأخِيرَةَ فَمَدَنِيَّةٌ

وآياتُها: ١٢٨، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَهْفِ

وحَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ مَدَّنِيٌّ وما سِواهُ فَمَكِّيٌّ، وعَنْ قَتادَةَ بِالعَكْسِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ النِّعَمِ وهي مِائَةٌ وعِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ.

﷽

﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

﷽

﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى سُؤالاتٍ ثَلاثَةٍ:

فالسُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم بِعَذابِ الدُّنْيا تارَةً وهو القَتْلُ والِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِمْ كَما حَصَلَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وتارَةً بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ احْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلى تَكْذِيبِهِ، وطَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِذَلِكَ العَذابِ، وقالُوا لَهُ: ائْتِنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ، فَلَمّا تَأخَّرَتْ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١] فَأشْفَقُوا وانْتَظَرُوا يَوْمَها، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا﴾

صفحة ١٧٤

﴿تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ والحاصِلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكْثَرَ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا نَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ.

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ العَذابُ إلّا أنَّهُ كانَ واجِبَ الوُقُوعِ والشَّيْءُ إذا كانَ بِهَذِهِ الحالَةِ والصِّفَةِ، فَإنَّهُ يُقالُ في الكَلامِ المُعْتادِ أنَّهُ قَدْ أتى ووَقَعَ إجْراءً لِما يَجِبُ وُقُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَجْرى الواقِعِ، يُقالُ لِمَن طَلَبَ الإغاثَةَ وقَرُبَ حُصُولُها: قَدْ جاءَكَ الغَوْثُ فَلا تَجْزَعْ.

والوجه الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ أنَّ أمْرَ اللَّهِ بِذَلِكَ وحُكْمَهُ بِهِ قَدْ أتى وحَصَلَ ووَقَعَ، فَأمّا المَحْكُومُ بِهِ فَإنَّما لَمْ يَقَعْ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِوُقُوعِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَقَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَخْرُجُ إلى الوُجُودِ والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ بِنُزُولِ العَذابِ قَدْ حَصَلَ ووُجِدَ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، فَصَحَّ قَوْلُنا أتى أمْرُ اللَّهِ، إلّا أنَّ المَحْكُومَ بِهِ والمَأْمُورَ بِهِ إنَّما لَمْ يَحْصُلْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ حُصُولَهُ بِوَقْتٍ …

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

He sends down the angels, with the inspiration of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ المُشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ لَيْسَ إلّا لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ وهَذا كَلامٌ حَقٌّ؛ لِأنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ البَشَرِيَّةِ أرْبَعَةٌ:

أوَّلُها: النَّفْسانِيَّةُ.

وثانِيها: البَدَنِيَّةُ.

وفِي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ: الصِّفاتُ البَدَنِيَّةُ الَّتِي لا تَكُونُ مِنَ اللَّوازِمِ.

وفِي المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ: الأُمُورُ المُنْفَصِلَةُ عَنِ البَدَنِ.

أمّا المَرْتَبَةُ الأُولى: وهي الكَمالاتُ النَّفْسانِيَّةُ، فاعْلَمْ أنَّ النَّفْسَ لَها قُوَّتانِ:

إحْداهُما: اسْتِعْدادُها لِقَبُولِ صُوَرِ المَوْجُوداتِ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وهَذِهِ القُوَّةُ هي القُوَّةُ المُسَمّاةُ بِالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وسَعادَةُ هَذِهِ القُوَّةِ في حُصُولِ المَعارِفِ. وأشْرَفُ المَعارِفِ وأجَلُّها مَعْرِفَةُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

والقُوَّةُ الثّانِيَةُ لِلنَّفْسِ: اسْتِعْدادُها لِلتَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وهَذِهِ القُوَّةُ هي القُوَّةُ

صفحة ١٧٧

المُسَمّاةُ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وسَعادَةُ هَذِهِ القُوَّةِ في الإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأشْرَفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفَ مِنَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ لا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى كَمالاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنا﴾ عَلى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ .

وأمّا المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي السَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ فَهي أيْضًا قِسْمانِ: الصِّحَّةُ الجَسَدانِيَّةُ، وكَمالاتُ القُوى الحَيَوانِيَّةِ، أعْنِي القُوى السَبْعَ عَشْرَةَ البَدَنِيَّةَ.

وأمّا المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهي السَّعاداتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالصِّفاتِ العَرَضِيَّةِ البَدَنِيَّةِ، فَهي أيْضًا قِسْمانِ: سَعادَةُ الأُصُولِ والفُرُوعِ، أعْنِي كَمالَ حالِ الآباءِ. وكَمالَ حالِ الأوْلادِ.

وأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: وهي أخَسُّ المَراتِبِ فَهي السَّعاداتُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ وهي المالُ والجاهُ، فَثَبَتَ أنَّ أشْرَفَ مَراتِبِ السَّعاداتِ هي الأحْوالُ النَّفْسانِيَّةُ، وهي مَحْصُورَةٌ في كَمالاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ هَهُنا أعْلى حالِ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّ مَعْرِفَةَ الحَقِّ لِذاتِهِ، وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ ومَعْرِفَةَ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ رُوحُ الأرْواحِ، ومَطْلَعُ السَّعاداتِ، ومَنبَعُ الخَيْراتِ والكَراماتِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الإلَهِ تَعالى وكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ الإلَهِيّاتِ، إمّا التَّمَسُّكُ بِطَرِيقَةِ الإمْكانِ في الذَّواتِ أوْ في الصِّفاتِ. أوِ التَّمَسُّكُ بِطَرِيقَةِ الحُدُوثِ في الذَّواتِ أوْ في الصِّفاتِ أوْ بِمَجْمُوعِ الإمْكانِ والحُدُوثِ في الذَّواتِ أوِ الصِّفاتِ، فَهَذِهِ طُرُقٌ سِتَّةٌ، والطَّرِيقُ المَذْكُورُ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ، هو التَّمَسُّكُ بِطَرِيقَةِ حُدُوثِ الصِّفاتِ وتَغَيُّراتِ الأحْوالِ، ثُمَّ هَذا الطَّرِيقُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَتَمَسَّكَ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، وهَذا الطَّرِيقُ هو المَذْكُورُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] فَجَعَلَ تَعالى تَغَيُّرَ أحْوالِ نَفْسِ كُلِّ واحِدٍ دَلِيلًا عَلى احْتِياجِهِ إلى الخالِقِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلالَ بِأحْوالِ الآباءِ والأُمَّهاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الِاسْتِدْلالَ بِأحْوالِ الأرْضِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٢] لِأنَّ الأرْضَ أقْرَبُ إلَيْنا مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ قَوْلَهُ: ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] ثُمَّ ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الخامِسَةِ الأحْوالَ المُتَوَلِّدَةَ مِن تَرْكِيبِ السَّماءِ بِالأرْضِ، فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] .

الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ؛ أنْ يَحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، وهَذا الطَّرِيقُ هو المَذْكُورُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ في الِاحْتِجاجِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ المُخْتارِ بِذِكْرِ الأجْرامِ العالِيَةِ الفَلَكِيَّةِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الإنْسانِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الحَيَوانِ،

صفحة ١٧٨

ثُمَّ رَبَّعَ بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ النَّباتِ، ثُمَّ خَمَّسَ بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ.

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ:

النوع الأوَّلُ: مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] أنَّ لَفْظَ الخَلْقِ مِن كَمْ وجْهٍ يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ إلى الخالِقِ الحَكِيمِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ تِلْكَ الوُجُوهَ هَهُنا، فَنَقُولُ: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في السَّماواتِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ فَجِسْمُ السَّماءِ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في …

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

He created man from a sperm-drop; then at once, he is a clear adversary.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ بِأجْرامِ الأفْلاكِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ بِالإنْسانِ.

واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِبَدَنِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ.

صفحة ١٧٩

أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا شَكَّ أنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ بِحَسَبِ الحِسِّ والمُشاهَدَةِ، إلّا أنَّ مِنَ الأطِبّاءِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ في الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، فَإنَّ الغِذاءَ يَحْصُلُ لَهُ في المَعِدَةِ هَضْمٌ أوَّلٌ وفي الكَبِدِ هَضْمٌ ثانٍ وفي العُرُوقِ هَضْمٌ ثالِثٌ، وعِنْدَ وُصُولِهِ إلى جَواهِرِ الأعْضاءِ هَضْمٌ رابِعٌ. فَفي هَذا الوَقْتِ وصَلَ بَعْضُ أجْزاءِ الغِذاءِ إلى العَظْمِ، وظَهَرَ فِيهِ أثَرٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ العَظْمِيَّةِ، وكَذا القَوْلُ في اللَّحْمِ والعَصَبِ والعُرُوقِ وغَيْرِها، ثُمَّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلى البَدَنِ عِنْدَ هَيَجانِ الشَّهْوَةِ يَحْصُلُ ذَوَبانٌ مِن جُمْلَةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ هو النُّطْفَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ النُّطْفَةُ جِسْمًا مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ والطَّبائِعِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّطْفَةُ في نَفْسِها إمّا أنْ تَكُونَ جِسْمًا مُتَشابِهَ الأجْزاءِ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ، أوْ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ فِيها، فَإنْ كانَ الحَقُّ هو الأوَّلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ المُقْتَضِيَ لِتَوَلُّدِ البَدَنِ مِنها هو الطَّبِيعَةُ الحاصِلَةُ في جَوْهَرِ النُّطْفَةِ ودَمِ الطَّمْثِ؛ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ تَأْثِيرُها بِالذّاتِ والإيجابِ لا بِالتَّدْبِيرِ والِاخْتِيارِ. والقُوَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ إذا عَمِلَتْ في مادَّةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فِعْلُها هو الكُرَةُ، وعَلى هَذا الحَرْفِ عَوَّلُوا في قَوْلِهِمُ البَسائِطُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أشْكالُها الطَّبِيعِيَّةُ في الكُرَةِ فَلَوْ كانَ المُقْتَضِي لِتَوَلُّدِ الحَيَوانِ مِنَ النُّطْفَةِ هو الطَّبِيعَةُ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَكْلُها الكُرَةَ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضِيَ لِحُدُوثِ الأبْدانِ الحَيَوانِيَّةِ لَيْسَ هو الطَّبِيعَةُ، بَلْ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وهو يَخْلُقُ بِالحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ والِاخْتِيارِ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: النُّطْفَةُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةٍ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ فَنَقُولُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَوَلُّدُ البَدَنِ مِنها بِتَدْبِيرِ فاعِلٍ مُخْتارٍ حَكِيمٍ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ النُّطْفَةَ رُطُوبَةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الأجْزاءُ المَوْجُودَةُ فِيها لا تَحْفَظُ الوَضْعَ والنِّسْبَةَ، فالجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ الدِّماغِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ في الأسْفَلِ، والجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ القَلْبِ قَدْ يَحْصُلُ في الفَوْقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ أعْضاءُ الحَيَوانِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المُعَيَّنِ أمْرًا دائِمًا ولا أكْثَرِيًّا، وحَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، …

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth and [numerous] benefits, and from them you eat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

صفحة ١٨١

وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ بَعْدَ الإنْسانِ سائِرُ الحَيَواناتِ لِاخْتِصاصِها بِالقُوى الشَّرِيفَةِ. وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، ثُمَّ هَذِهِ الحَيَواناتُ قِسْمانِ: مِنها ما يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإنْسانُ أشْرَفَ الحَيَواناتِ وجَبَ في كُلِّ حَيَوانٍ يَكُونُ انْتِفاعُ الإنْسانِ بِهِ أكْمَلَ. وأكْثَرَ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ وأشْرَفَ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: والحَيَوانُ الَّذِي يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِهِ إمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في ضَرُورِيّاتِ مَعِيشَتِهِ مِثْلَ الأكْلِ واللِّبْسِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ في أُمُورٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ مِثْلَ الزِّينَةِ وغَيْرِها، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، وهَذا القِسْمُ هو الأنْعامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الأنْعامَ عِبارَةٌ عَنِ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ وهي: الضَّأْنُ، والمَعْزُ، والإبِلُ، والبَقَرُ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: الأنْعامُ ثَلاثَةٌ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الإبِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿والأنْعامَ﴾ مَنصُوبَةٌ وانْتِصابُها بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى الإنْسانِ. أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ والأنْعامَ، قالَ الواحِدِيُّ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: أحْسَنُ الِوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَها﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ والتَّقْدِيرُ لَكم فِيها دِفْءٌ ولَكم فِيها جَمالٌ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِلْمُكَلَّفِينَ أتْبَعَهُ بِتَعْدِيدِ تِلْكَ المَنافِعِ، واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ النَّعَمِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ، ومِنها غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ، واللَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ.

فالمَنفَعَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ [النَّحْلِ: ٨٠] والدِّفْءُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ ما يُسْتَدْفَأُ بِهِ مِنَ الأكْسِيَةِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: ويَكُونُ الدِّفْءُ السُّخُونَةَ. يُقالُ: أقْعُدُ في دِفْءِ هَذا الحائِطِ، أيْ: في كِنِّهِ. وقُرِئَ: (دِفٌ) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الفاءِ.

والمَنفَعَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَنافِعُ﴾ قالُوا: المُرادُ نَسْلُها ودَرُّها، وإنَّما عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَسْلِها ودَرِّها بِلَفْظِ المَنفَعَةِ وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الوَصْفِ الأعَمِّ؛ لِأنَّ النَّسْلَ والدَّرَّ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في الأكْلِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في البَيْعِ بِالنُّقُودِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ بِأنْ يُبَدَّلَ …

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

صفحة ١٨١

وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ بَعْدَ الإنْسانِ سائِرُ الحَيَواناتِ لِاخْتِصاصِها بِالقُوى الشَّرِيفَةِ. وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، ثُمَّ هَذِهِ الحَيَواناتُ قِسْمانِ: مِنها ما يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإنْسانُ أشْرَفَ الحَيَواناتِ وجَبَ في كُلِّ حَيَوانٍ يَكُونُ انْتِفاعُ الإنْسانِ بِهِ أكْمَلَ. وأكْثَرَ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ وأشْرَفَ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: والحَيَوانُ الَّذِي يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِهِ إمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في ضَرُورِيّاتِ مَعِيشَتِهِ مِثْلَ الأكْلِ واللِّبْسِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ في أُمُورٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ مِثْلَ الزِّينَةِ وغَيْرِها، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، وهَذا القِسْمُ هو الأنْعامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الأنْعامَ عِبارَةٌ عَنِ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ وهي: الضَّأْنُ، والمَعْزُ، والإبِلُ، والبَقَرُ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: الأنْعامُ ثَلاثَةٌ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الإبِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿والأنْعامَ﴾ مَنصُوبَةٌ وانْتِصابُها بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى الإنْسانِ. أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ والأنْعامَ، قالَ الواحِدِيُّ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: أحْسَنُ الِوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَها﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ والتَّقْدِيرُ لَكم فِيها دِفْءٌ ولَكم فِيها جَمالٌ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِلْمُكَلَّفِينَ أتْبَعَهُ بِتَعْدِيدِ تِلْكَ المَنافِعِ، واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ النَّعَمِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ، ومِنها غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ، واللَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ.

فالمَنفَعَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ [النَّحْلِ: ٨٠] والدِّفْءُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ ما يُسْتَدْفَأُ بِهِ مِنَ الأكْسِيَةِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: ويَكُونُ الدِّفْءُ السُّخُونَةَ. يُقالُ: أقْعُدُ في دِفْءِ هَذا الحائِطِ، أيْ: في كِنِّهِ. وقُرِئَ: (دِفٌ) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الفاءِ.

والمَنفَعَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَنافِعُ﴾ قالُوا: المُرادُ نَسْلُها ودَرُّها، وإنَّما عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَسْلِها ودَرِّها بِلَفْظِ المَنفَعَةِ وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الوَصْفِ الأعَمِّ؛ لِأنَّ النَّسْلَ والدَّرَّ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في الأكْلِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في البَيْعِ بِالنُّقُودِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ بِأنْ يُبَدَّلَ …

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

صفحة ١٨١

وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ بَعْدَ الإنْسانِ سائِرُ الحَيَواناتِ لِاخْتِصاصِها بِالقُوى الشَّرِيفَةِ. وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، ثُمَّ هَذِهِ الحَيَواناتُ قِسْمانِ: مِنها ما يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإنْسانُ أشْرَفَ الحَيَواناتِ وجَبَ في كُلِّ حَيَوانٍ يَكُونُ انْتِفاعُ الإنْسانِ بِهِ أكْمَلَ. وأكْثَرَ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ وأشْرَفَ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: والحَيَوانُ الَّذِي يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِهِ إمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في ضَرُورِيّاتِ مَعِيشَتِهِ مِثْلَ الأكْلِ واللِّبْسِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ في أُمُورٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ مِثْلَ الزِّينَةِ وغَيْرِها، والقِسْمُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، وهَذا القِسْمُ هو الأنْعامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الأنْعامَ عِبارَةٌ عَنِ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ وهي: الضَّأْنُ، والمَعْزُ، والإبِلُ، والبَقَرُ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: الأنْعامُ ثَلاثَةٌ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الإبِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿والأنْعامَ﴾ مَنصُوبَةٌ وانْتِصابُها بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى الإنْسانِ. أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ والأنْعامَ، قالَ الواحِدِيُّ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: أحْسَنُ الِوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَها﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ والتَّقْدِيرُ لَكم فِيها دِفْءٌ ولَكم فِيها جَمالٌ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِلْمُكَلَّفِينَ أتْبَعَهُ بِتَعْدِيدِ تِلْكَ المَنافِعِ، واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ النَّعَمِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ، ومِنها غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ، واللَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ.

فالمَنفَعَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ [النَّحْلِ: ٨٠] والدِّفْءُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ ما يُسْتَدْفَأُ بِهِ مِنَ الأكْسِيَةِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: ويَكُونُ الدِّفْءُ السُّخُونَةَ. يُقالُ: أقْعُدُ في دِفْءِ هَذا الحائِطِ، أيْ: في كِنِّهِ. وقُرِئَ: (دِفٌ) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الفاءِ.

والمَنفَعَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَنافِعُ﴾ قالُوا: المُرادُ نَسْلُها ودَرُّها، وإنَّما عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَسْلِها ودَرِّها بِلَفْظِ المَنفَعَةِ وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الوَصْفِ الأعَمِّ؛ لِأنَّ النَّسْلَ والدَّرَّ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في الأكْلِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في البَيْعِ بِالنُّقُودِ، وقَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ بِأنْ يُبَدَّلَ …

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الحَيَواناتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها في المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ والحاجاتِ الأصْلِيَّةِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ مَنافِعَ الحَيَواناتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِها الإنْسانُ في المَنافِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ، فَقالَ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطَفَ عَلى الأنْعامِ، أيْ: وخَلَقَ الأنْعامَ لِكَذا وكَذا، وخَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لِلرُّكُوبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وزِينَةً﴾ أيْ: وخَلَقَها زِينَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] المَعْنى: وحَفِظْناها حِفْظًا. قالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ قَوْلُهُ: ﴿وزِينَةً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. والمَعْنى: وخَلَقَها لِلزِّينَةِ.

المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ الخَيْلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: مَنفَعَةُ الأكْلِ أعْظَمُ مِن مَنفَعَةِ الرُّكُوبِ، فَلَوْ كانَ أكْلُ لَحْمِ الخَيْلِ جائِزًا لَكانَ هَذا المَعْنى أوْلى بِالذِّكْرِ، وحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعالى عَلِمْنا أنَّهُ يَحْرُمُ أكْلُهُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَقْوى هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الأنْعامِ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَيَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ الأكْلُ مِن غَيْرِ الأنْعامِ، فَوَجَبَ أنْ يُحَرَّمَ أكْلُ لَحْمِ الخَيْلِ بِمُقْتَضى هَذا الحَصْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذا الكَلامِ ذَكَرَ الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وذَكَرَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلرُّكُوبِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَنفَعَةَ الأكْلِ مَخْصُوصَةٌ بِالأنْعامِ وغَيْرُ حاصِلَةٍ في هَذِهِ الأشْياءِ، ويُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ ثالِثٍ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ يَقْتَضِي أنَّ تَمامَ المَقْصُودِ مِن خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ هو الرُّكُوبُ والزِّينَةُ، ولَوْ حَلَّ أكْلُها لَما كانَ تَمامُ المَقْصُودِ مِن خَلْقِها هو الرُّكُوبُ، بَلْ كانَ حِلُّ أكْلِها أيْضًا مَقْصُودًا، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ جَوازُ رُكُوبِها عَنْ أنْ يَكُونَ تَمامَ المَقْصُودِ، بَلْ يَصِيرُ بَعْضَ المَقْصُودِ.

وأجابَ الواحِدِيُّ بِجَوابٍ في غايَةِ الحُسْنِ فَقالَ: لَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ هَذِهِ الحَيَواناتِ لَكانَ تَحْرِيمُ أكْلِها مَعْلُومًا في مَكَّةَ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ والمُحَدِّثِينَ أنَّ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ حُرِّمَتْ عامَ خَيْبَرَ باطِلًا؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ لَمّا كانَ حاصِلًا قَبْلَ هَذا اليَوْمِ لَمْ يَبْقَ لِتَخْصِيصِ هَذا التَّحْرِيمِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ فائِدَةٌ، وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ مَتِينٌ.

المسألة الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحكم، احْتَجُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِ المَنفَعَةِ الفُلانِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:

صفحة ١٨٤

﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبْراهِيمَ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] والكَلامُ فِيهِ مَعْلُومٌ.

المسألة الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا كانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ …

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

And upon Allah is the direction of the [right] way, and among the various paths are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أيْ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذِهِ الدَّلائِلَ وشَرَحْتُها إزاحَةً لِلْعُذْرِ، وإزالَةً لِلْعِلَّةِ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةِ، ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: القَصْدُ اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ إذا أدّاكَ إلى مَطْلُوبِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وعَلى اللَّهِ بَيانُ قَصْدِ السَّبِيلِ، ثم قال: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ أيْ: عادِلٌ مائِلٌ، ومَعْنى الجَوْرِ في اللُّغَةِ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ والكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ تَعُودُ عَلى السَّبِيلِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ في لُغَةِ الحِجازِ يَعْنِي: ومِنَ السَّبِيلِ ما هو جائِرٌ غَيْرُ قاصِدٍ لِلْحَقِّ، وهو أنْواعُ الكُفْرِ والضَّلالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى الإرْشادُ والهِدايَةُ إلى الدِّينِ

صفحة ١٨٥

وإزاحَةُ العِلَلِ والأعْذارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] ودَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُضِلُّ أحَدًا ولا يُغْوِيهِ ولا يَصُدُّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلضَّلالِ لَقالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وعَلَيْهِ جائِرُها أوْ قالَ: وعَلَيْهِ الجائِرُ، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، بَلْ قالَ في قَصْدِ السَّبِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ في جَوْرِ السَّبِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ بَلْ قالَ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُضِلُّ عَنِ الدِّينِ أحَدًا.

أجابَ أصْحابُنا أنَّ المُرادَ عَلى اللَّهِ بِحَسَبِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ يُبَيِّنَ الدِّينَ الحَقَّ والمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فَأمّا أنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الإغْواءِ والإضْلالِ، فَذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ فَهَذا هو المُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَةَ الكُفّارِ، وما أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ شَيْءٍ لِانْتِفاءِ شَيْءٍ غَيْرِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ مَعْناهُ: لَوْ شاءَ هِدايَتَكم لَهَداكم، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَتَهم فَلا جَرَمَ ما هَداهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ.

وأجابَ الأصَمُّ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ لَوْ شاءَ أنْ يُلْجِئَكم إلى الإيمانِ لَهَداكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الإلْجاءِ لَمْ تَحْصُلْ.

وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المَعْنى: ولَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الجَنَّةِ، وإلى نَيْلِ الثَّوابِ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِمَن يَسْتَحِقُّهُ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ الهُدى إلى الإيمانِ؛ لِأنَّهُ مَقْدُورُ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.

وأجابَ بَعْضُهم، فَقالَ المُرادُ: ولَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الجَنَّةِ ابْتِداءً عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى عَرَّفَكم لِلْمَنزِلَةِ العَظِيمَةِ بِما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ وبَيَّنَ، فَمَن تَمَسَّكَ بِها فازَ بِتِلْكَ المَنازِلِ، ومَن عَدَلَ عَنْها فاتَتْهُ وصارَ إلى العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا وأطْوارًا مَعَ الجَوابِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أيْ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذِهِ الدَّلائِلَ وشَرَحْتُها إزاحَةً لِلْعُذْرِ، وإزالَةً لِلْعِلَّةِ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةِ، ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: القَصْدُ اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ إذا أدّاكَ إلى مَطْلُوبِكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وعَلى اللَّهِ بَيانُ قَصْدِ السَّبِيلِ، ثم قال: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ أيْ: عادِلٌ مائِلٌ، ومَعْنى الجَوْرِ في اللُّغَةِ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ والكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ تَعُودُ عَلى السَّبِيلِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ في لُغَةِ الحِجازِ يَعْنِي: ومِنَ السَّبِيلِ ما هو جائِرٌ غَيْرُ قاصِدٍ لِلْحَقِّ، وهو أنْواعُ الكُفْرِ والضَّلالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى الإرْشادُ والهِدايَةُ إلى الدِّينِ

صفحة ١٨٥

وإزاحَةُ العِلَلِ والأعْذارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] ودَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُضِلُّ أحَدًا ولا يُغْوِيهِ ولا يَصُدُّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلضَّلالِ لَقالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وعَلَيْهِ جائِرُها أوْ قالَ: وعَلَيْهِ الجائِرُ، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، بَلْ قالَ في قَصْدِ السَّبِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ في جَوْرِ السَّبِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ بَلْ قالَ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُضِلُّ عَنِ الدِّينِ أحَدًا.

أجابَ أصْحابُنا أنَّ المُرادَ عَلى اللَّهِ بِحَسَبِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ يُبَيِّنَ الدِّينَ الحَقَّ والمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فَأمّا أنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الإغْواءِ والإضْلالِ، فَذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ فَهَذا هو المُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَةَ الكُفّارِ، وما أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ شَيْءٍ لِانْتِفاءِ شَيْءٍ غَيْرِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ مَعْناهُ: لَوْ شاءَ هِدايَتَكم لَهَداكم، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَتَهم فَلا جَرَمَ ما هَداهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ.

وأجابَ الأصَمُّ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ لَوْ شاءَ أنْ يُلْجِئَكم إلى الإيمانِ لَهَداكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الإلْجاءِ لَمْ تَحْصُلْ.

وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المَعْنى: ولَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الجَنَّةِ، وإلى نَيْلِ الثَّوابِ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِمَن يَسْتَحِقُّهُ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ الهُدى إلى الإيمانِ؛ لِأنَّهُ مَقْدُورُ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.

وأجابَ بَعْضُهم، فَقالَ المُرادُ: ولَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الجَنَّةِ ابْتِداءً عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى عَرَّفَكم لِلْمَنزِلَةِ العَظِيمَةِ بِما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ وبَيَّنَ، فَمَن تَمَسَّكَ بِها فازَ بِتِلْكَ المَنازِلِ، ومَن عَدَلَ عَنْها فاتَتْهُ وصارَ إلى العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا وأطْوارًا مَعَ الجَوابِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.