Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 91–99 of 99

91

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ

Who have made the Qur'an into portions.

Explained together with ayah 90

92

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

So by your Lord, We will surely question them all

Explained together with ayah 90

93

عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

About what they used to do.

Explained together with ayah 90

94

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Then declare what you are commanded and turn away from the polytheists.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ .

أيْ: فاجْهَرْ بِهِ وأظْهِرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ؛ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، كَقَوْلِكَ: صَرَّحَ بِها.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمَرَ اللَّهُ فِيها نَبِيَّهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِهِ عَلَنًا في غَيْرِ خَفاءٍ ولا مُوارَبَةٍ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .

وَقَدْ شَهِدَ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ فَبَلَّغَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

تَنْبِيهٌ.

قَوْلُهُ: فاصْدَعْ [الحجر: ٩٤]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى الإظْهارِ، ومِنهُ قَوْلُهم: انْصَدَعَ الصُّبْحُ: انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ. والصَّدِيعُ: الفَجْرُ لِانْصِداعِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:

؎تَرى السَّرْحانَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأنَّ بَياضَ لَبَّتِهِ صَدِيعُ

أيْ: فَجْرٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أظْهِرْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، وبَلِّغْهُ عَلَنًا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَقُولُ العَرَبُ: صَدَعْتُ الشَّيْءَ: أظْهَرْتُهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎وَكَأنَّهُنَّ رَبابَةٌ وكَأنَّهُ يَسَرٌ ∗∗∗ يَفِيضُ عَلى القِداحِ ويَصْدَعُ

قالَهُ صاحِبُ اللِّسانِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ والشَّقِّ في الشَّيْءِ الصُّلْبِ: كالزُّجاجِ والحائِطِ. ومِنهُ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ: عَشِيَّةَ قَلْبِي في المُقِيمِ صَدِيعُهُ وراحَ جَنابَ الظّاعِنِينَ صَدِيعُ

يَعْنِي: أنَّ قَلْبَهُ افْتَرَقَ إلى جُزْءَيْنِ: جُزْءٍ في المُقِيمِ، وجُزْءٍ في الظّاعِنِينَ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، أيْ: فَرِّقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما أمَرَكَ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ. وقَوْلُهُ: بِما تُؤْمَرُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، بِناءً عَلى جَوازِ سَبْكِ المَصْدَرِ مِن أنْ والفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ومَنَعَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. قالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ:

أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ولا يَصْعُبُ عَلَيْكَ ذَلِكَ. فاللَّهُ حافِظُكَ مِنهم.

والآيَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَعْناها: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: بَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّكَ، ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِهِمْ ولا تَخْشَهم. وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .

الوَجْهُ الثّانِي وهو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ مَأْمُورًا بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ …

95

إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ

Indeed, We are sufficient for you against the mockers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ كَفى نَبِيَّهُ ﷺ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ. وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ كَفاهُ غَيْرَهم. كَقَوْلِهِ في أهْلِ الكِتابِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ . . . . الآيَةَ [الزمر: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والمُسْتَهْزِئُونَ المَذْكُورُونَ هم: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ.

والآفاتُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ هَلاكِهِمْ مَشْهُورَةٌ في التّارِيخِ.

96

ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Who make [equal] with Allah another deity. But they are going to know.

Explained together with ayah 95

97

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

And We already know that your breast is constrained by what they say.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُ الكُفّارُ فِيهِ مِنَ: الطَّعْنِ، والتَّكْذِيبِ، والطَّعْنِ في القُرْآنِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِنَ ”الأنْعامِ“ .

98

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

So exalt [Allah] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ .

أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] .

وَقَدْ كَرَّرَ تَعالى في كِتابِهِ الأمْرَ بِالشَّيْئَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ،

• كَقَوْلِهِ في الأوَّلِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَأصْلُ التَّسْبِيحِ في اللُّغَةِ: الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ. ومَعْناهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ. ومَعْنى: ”سَبِّحْ“: نَزِّهْ رَبَّكَ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، أيْ في حالِ كَوْنِكَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ، أيْ: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ما هو أهْلُهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ فَتَعُمُّ جَمِيعَ المَحامِدِ مِن كُلِّ وصْفِ كَمالٍ وجَلالٍ ثابِتٍ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - . فَتَسْتَغْرِقُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الثَّناءَ بِكُلِّ كَمالٍ؛ لِأنَّ الكَمالَ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: التَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ، والتَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ، وهَذا مَعْنى التَّسْبِيحِ.

والثّانِي التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ والِاتِّصافُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا مَعْنى الحَمْدِ، فَتَمَّ الثَّناءُ بِكُلِّ كَمالٍ.

وَلِأجْلِ هَذا المَعْنى ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: (( «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ») )،

• وكَقَوْلِهِ في الثّانِي وهو السُّجُودُ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]،

ويَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ.

وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، أيْ: صِلِّ لَهُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والصَّلاةُ تَتَضَمَّنُ غايَةَ التَّنْزِيهِ ومُنْتَهى التَّقْدِيسِ. وعَلى كُلِّ حالٍ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، أيْ: مِنَ المُصَلِّينَ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، أوْ أعَمُّ مِنها مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ ولِأجْلِ كَوْنِ المُرادِ بِالسُّجُودِ الصَّلاةَ لَمْ يَكُنْ هَذا المَوْضِعُ مَحَلَّ سَجْدَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودٍ.

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ هُنا السُّجُودُ نَفْسُهُ، فَرَأى هَذا المَوْضِعَ مَحَلَّ سُجُودٍ في القُرْآنِ، وقَدْ شاهَدْتُ الإمامَ بِمِحْرابِ زَكَرِيّا مِنَ البَيْتِ المُقَدَّسِ - طَهَّرَهُ اللَّهُ - يَسْجُدُ في هَذا …

99

وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ

And worship your Lord until there comes to you the certainty (death).

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾.

أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ، أيْ: يَتَقَرَّبَ لَهُ عَلى وجْهِ الذُّلِّ والخُضُوعِ والمَحَبَّةِ، بِما أُمِرَ أنْ يَتَقَرَّبَ لَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وجُلُّ القُرْآنِ في تَحْقِيقِ هَذا الأمْرِ الَّذِي هو حَظُّ الإثْباتِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مَعَ حَظِّ النَّفْيِ مِنها. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ تَحْقِيقِ الجُزْءِ الثّانِي مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي هو حَظُّ النَّفْيِ مِنها، وهو خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ سِوى اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقالَ ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقالَ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالَ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ .

قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُهم: اليَقِينُ: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ولَمْ ﴿نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، وهو: المَوْتُ.

وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أُمِّ العَلاءِ (امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ): «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أكْرَمَهُ“ ؟ فَقالَتْ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقالَ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ. .“» الحَدِيثَ. وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَقِينَ المَوْتُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ انْكِشافُ الحَقِيقَةِ، وتَيَقُّنُ الواقِعِ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جاءَهُ المَوْتُ ظَهَرَتْ لَهُ الحَقِيقَةُ يَقِينًا. ولَقَدْ أجادَ التُّهامِيُّ في قَوْلِهِ:

؎والعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقَظَةٌ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي

وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» [الحجر: ٩٨ - ٩٩] .

وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» . …

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.