Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–10 of 128

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

The command of Allah is coming, so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّحْلِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .

أيْ: قَرُبَ وقْتُ إتْيانِ القِيامَةِ.

وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي؛ تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. واقْتِرابُ القِيامَةِ المُشارُ إلَيْهِ هُنا بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٧٥ - ٥٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ،

• كَقَوْلِهِ: ونُفِخَ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . . الآيَةَ [الزمر: ٦٩ - ٧١] .

فَكُلُّ هَذِهِ الأفْعالِ الماضِيَةِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِها مَنزِلَةَ الوُقُوعِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اسْتِعْجالِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الهَوْلِ والعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِعْجالُ هو طَلَبُهم أنْ يُعَجِّلَ لَهم ما يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ " [العنكبوت: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]،

• وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ المُوعَدُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى اللَّهِ؛ أيْ: لا تَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَجِّلَ لَكُمُ العَذابَ. قالَ: مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ ! فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَأمْسَكُوا فانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَنَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَ …

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

He sends down the angels, with the inspiration of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ .

أظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُرادَ بِها الوَحْيُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ حَياةُ الأرْواحِ، كَما أنَّ الغِذاءَ بِهِ حَياةُ الأجْسامِ. ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٥، ١٦] .

وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ؛ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ [النحل: ٢] بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ [النحل: ٢]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٥]، وكَذَلِكَ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٥]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ أيْضًا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَنْزِلُ“ - بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - . والباقُونَ بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ: ”مِن“ [النحل: ٢] في الآيَةِ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الشعراء: ٢]، أيْ: يُنَزِّلُ الوَحْيَ عَلى مَنِ اخْتارَهُ وعَلِمَهُ أهْلًا لِذَلِكَ.

كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] .

وَهَذِهِ الآياتُ وأمْثالُها رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

الأظْهَرُ في ”أنْ“ مِن قَوْلِهِ: أنْ أنْذِرُوا أنَّها هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ بِالرُّوحِ، أيْ: بِالوَحْيِ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مُفَسَّرٌ بِإنْذارِ النّاسِ ”بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وأمْرِهِمْ بِتَقْواهُ.

وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [الشعراء: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الإنْذارِ، ومَعْنى التَّقْوى.

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَن يَخْلُقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ يَتَنَزَّهُ ويَتَعاظَمُ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا.

فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يُبْرِزُ الخَلائِقَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ ولِهَذا أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] بِقَوْلِهِ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] .

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو الخالِقُ دُونَ غَيْرِهِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، [الأعراف: ١٩١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . . . الآيَةَ [الطور: ٣٥ - ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: والَّذِينَ ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٠ - ٢١]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَهَذِهِ الآياتُ تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ هو مَن يَخْلُقُ الخَلْقَ، ويُبْرِزُهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا غَيْرُهُ فَهو مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، مُحْتاجٌ إلى مَن يَخْلُقُهُ، ويُدَبِّرُ شُئُونَهُ.

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

He created man from a sperm-drop; then at once, he is a clear adversary.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، وهي مَنِيُّ الرَّجُلِ ومَنِيُّ المَرْأةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، أيْ: أخْلاطٍ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ.

وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ الرِّواياتِ في تَفْسِيرِ الأمْشاجِ بِالأخْلاطِ: مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ، قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، قالَ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ إذا وقَعَ في الرَّحِمِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. أمّا سَمِعْتَ أبا ذُؤَيْبٍ وهو يَقُولُ:

؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلالَ النَّصْلِ خالَطَهُ مَشِيجُ

وَنَسَبَ في اللِّسانِ هَذا البَيْتَ لِزُهَيْرِ بْنِ حَرامٍ الهُذَلِيِّ، وأنْشَدَهُ هَكَذا:

؎كَأنَّ النَّصْلَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ الرِّيشِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ

قالَ: ورَواهُ المُبَرِّدُ:

؎كَأنَّ المَتْنَ والشَّرْجَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ خِلافَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ

قالَ: ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ المَشِيجُ

وَمَعْنى ”سِيطَ بِهِ المَشِيجُ“: خُلِطَ بِهِ الخَلْطَ.

إذا عَرَفْتَ مَعْنى ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي هو النُّطْفَةُ، مِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ، أيْ: وهو ماءُ الرَّجُلِ، ومِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ وهو: ماءُ المَرْأةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] لِأنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ وهو ظَهْرُهُ، والمُرادَ بِالتَّرائِبِ: تَرائِبُ المَرْأةِ وهي مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ

واسْتَشْهَدَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ: عَلى أنَّ التَّرائِبَ مَوْضِعُ القِلادَةِ بِقَوْلِ المُخَبَّلِ، أوِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرَقًا بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ

فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْشاجَ هي الأخْلاطُ المَذْكُورَةُ، وأمْرُ الإنْسانِ بِأنْ يَنْظُرَ مِمَّ خُلِقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ؛ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، ويَتْرُكَ التَّكَبُّرَ والعُتُوَّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٢٠] .

وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - حَقارَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨]، والتَّعْبِيرُ عَنِ النُّطْفَةِ بِما المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، فِيهِ غايَةُ تَحْقِيرِ ذَلِكَ الأصْلِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ الإنْسانُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ رَدْعٍ، وأبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ.

* *

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ فِيهِ: أنَّهُ ذَمٌّ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ. والمَعْنى: خَلَقْناهُ لِيَعْبُدَنا ويَخْضَعَ لَنا ويُطِيعَ، فَفاجَأ بِالخُصُومَةِ والتَّكْذِيبِ، كَما تَدُلُّ …

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth and [numerous] benefits, and from them you eat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِبَنِي آدَمَ يَنْتَفِعُونَ بِها تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ. وقَدْ قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“: أنَّ القُرْآنَ بَيَّنَ أنَّ الأنْعامَ هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ الَّتِي هي: الذَّكَرُ والأُنْثى مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعْزِ. والمُرادُ بِالدِّفْءِ عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ اسْمٌ لِما يُدَّفَّأُ بِهِ، كالمَلْءِ اسْمٌ لِما يُمْلَأُ بِهِ، وهو الدِّفاءُ مِنَ اللِّباسِ المَصْنُوعِ مِن أصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها وأشْعارِها. .

وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وقِيلَ: الدِّفْءُ نَسْلُها. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ والنَّسْلُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ومَنافِعُ [النحل: ٥]، أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها: ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ .

وَمَنافِعُ الأنْعامِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - امْتِنانَهُ بِها عَلى خَلْقِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَها لَهم أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١، ٢٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والأظْهَرُ في إعْرابِ: والأنْعامَ [النحل: ٥]، أنَّ عامِلَهُ وهو: خَلَقَ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَنُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وُجُوبًا، يُفَسِّرُهُ: ”خَلَقَ“ المَذْكُورُ، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:

؎فالسّابِقُ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أظْهَرَ

وَإنَّما كانَ النَّصْبُ هُنا أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ فِعْلٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤]، فَيَكُونُ عَطْفُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أوْلى مِن عَطْفِ الِاسْمِيَةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لَوْ رُفِعَ الِاسْمُ السّابِقُ؛ وإلى هَذا أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ:

؎وَبَعْدَ عاطِفٍ بِلا فَصْلٍ عَلى ∗∗∗ مَعْمُولِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أوَّلا

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: والأنْعامَ مَعْطُوفٌ عَلى الإنْسانَ، مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ …

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

Explained together with ayah 5

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

Explained together with ayah 5

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُ المُخاطَبُونَ وقْتَ نُزُولِها، وأبْهَمَ ذَلِكَ الَّذِي يَخْلُقُهُ؛ لِتَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِنهُ، ولَكِنْ قَرِينَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهُ ما هو مِنَ المَرْكُوباتِ، وقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِمَرْكُوباتٍ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ: كالطّائِراتِ، والقِطاراتِ، والسَّيّاراتِ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إشارَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ مِيناءَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، ولَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ» . اهـ.

وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِن هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها»؛ فَإنَّهُ قَسَمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سَتُتْرَكُ الإبِلُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، وهَذا مُشاهَدٌ الآنَ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ رُكُوبِها بِالمَراكِبِ المَذْكُورَةِ.

وَفِي هَذا الحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ عُظْمى، تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وإنْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ - أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصَرَ.

وَهَذِهِ الدَّلالَةُ الَّتِي ذَكَرْنا تُسَمّى دَلالَةَ الِاقْتَرانِ، وقَدْ ضَعَّفَها أكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ، كَما أشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎أمّا قِرانُ اللَّفْظِ في المَشْهُورِ فَلا يُساوِي في سِوى المَذْكُورِ

وَصَحَّحَ الِاحْتِجاجَ بِها بَعْضُ العُلَماءِ، ومَقْصُودُنا مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها هُنا أنَّ ذِكْرَ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ لا يَقِلُّ عَنْ قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى أنَّ مِنَ المُرادِ بِها بَعْضَ المَرْكُوباتِ، كَما قَدْ ظَهَرَتْ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالعِيانِ.

وَقَدْ ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] .

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

And upon Allah is the direction of the [right] way, and among the various paths are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾، اعْلَمْ أوَّلًا: ”أنَّ قَصْدَ السَّبِيلِ“ [النحل: ٩]: هو الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ القاصِدُ، الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى المُزَنِيُّ:

؎صَحا القَلْبُ عَنْ سَلْمى وأقصَرَ باطِلُهُ وعُرِّيَ أفْراسُ الصِّبا

؎وَرَواحِلُهُ وأقْصَرْتُ عَمّا تَعْلَمِينَ وسُدِّدَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ سِوى قَصْدِ السَّبِيلِ مَعادِلُهُ

وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وَمِنَ الطَرِيقَةِ جائِرٌ وهُدًى ∗∗∗ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِلْعُلَماءِ، وكُلٌّ مِنهُما لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ، إلّا أنَّ أحَدَهُما أظْهَرُ عِنْدِي مِنَ الآخَرِ. الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ مَعْنى ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ الَّتِي هي قَصْدُ السَّبِيلِ عَلى اللَّهِ، أيْ: مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ، لَيْسَتْ حائِدَةً، ولا جائِرَةً عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ وإلى مَرْضاتِهِ، ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ أيْ: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ، بَلْ هو زائِغٌ وحائِدٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . ويُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ عِنْدِي، واسْتَظْهَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أيْ: عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أنْ يُبَيِّنَ لَكم طَرِيقَ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾، غَيْرُ واضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ، وهو الَّذِي نَهاكم اللَّهُ عَنْ سُلُوكِهِ. والجائِرُ: المائِلُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ جارِيانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ . . . ) الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ هِدايَةَ جَمِيعِ خَلْقِهِ لَهَداهم أجْمَعِينَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ . . . [السجدة: ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ . . . الآيَةَ [يونس: ٩٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ . . . الآيَةَ [هود: ١١٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ يُونُسَ“ .

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يُوَضِّحُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ .

* *

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ: إنْباتَهُ بِالماءِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ المَواشِي مِنَ المَرْعى مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِن أوْضَحِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ الآيَةَ [ق: ٩ - ١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وَجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٤ - ١٦]،

والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

تَنْبِيهانِ.

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ في هَذِهِ الآياتِ واجِبٌ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: ”أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ إلّا لِدَلِيلٍ يَصْرِفُها عَنِ الوُجُوبِ“ . واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ إلى طَعامِهِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، ويُفَكِّرَ في الماءِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْباتِ حُبِّهِ مَن أنْزَلَهُ ؟ ثُمَّ بَعْدَ إنْزالِ الماءِ ورَيِّ الأرْضِ مَن يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ وإخْراجِهِ مِنها ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ الحَبِّ مِن ذَلِكَ النَّباتِ ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى تَنْمِيَتِهِ حَتّى يَصِيرَ صالِحًا لِلْأكْلِ ! ؟: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ٩]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .

وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ النَّظَرُ في الشَّيْءِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وظاهِرُ القُرْآنِ: أنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ واجِبٌ، ولا دَلِيلَ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ.

التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - أشارَ في هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ إلى بَراهِينِ البَعْثِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي …

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.