Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 99

81

وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

82

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

83

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

But the shriek seized them at early morning.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

84

فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So nothing availed them [from] what they used to earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

85

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

هَذِهِ هي القِصَّةُ الرّابِعَةُ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الحِجْرُ اسْمُ وادٍ كانَ يَسْكُنُهُ ثَمُودُ وقَوْلُهُ: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ صالِحٌ وحْدَهُ، ولَعَلَّ القَوْمَ كانُوا بَراهِمَةً مُنْكِرِينَ لِكُلِّ الرُّسُلِ وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ يُرِيدُ النّاقَةَ، وكانَ في النّاقَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ، وعِظَمِ خَلْقِها وظُهُورِ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وكَثْرَةِ لَبَنِها، وأضافَ الإيتاءَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ النّاقَةُ آيَةً لِصالِحٍ؛ لِأنَّها آياتُ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ واجِبٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ مَذْمُومٌ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّحْتِ في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ يُرِيدُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وقالَ الفَرّاءُ: ﴿آمِنِينَ﴾ أنْ يَقَعَ سَقْفُهم عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ الضُّرَّ والبَلاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن نَحْتِ تِلْكَ الجِبالِ ومِن جَمْعِ تِلْكَ الأمْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ الكُفّارَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإهْلاكُ والتَّعْذِيبُ كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ. فَأجابَ عَنْهُ بِأنِّي إنَّما خَلَقْتُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالعِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإذا تَرَكُوها وأعْرَضُوا عَنْها وجَبَ في الحِكْمَةِ إهْلاكُهم وتَطْهِيرُ وجْهِ الأرْضِ مِنهم، وهَذا النَّظْمُ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا حَقًّا، وبِكَوْنِ الحَقِّ لا يَكُونُ الباطِلَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فُعِلَ باطِلًا، وأُرِيدَ بِفِعْلِهِ كَوْنَ الباطِلِ لا يَكُونُ حَقًّا ولا يَكُونُ مَخْلُوقًا بِالحَقِّ، وفِيهِ بُطْلانُ مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أكْثَرَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي باطِلٌ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ أعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما. ولا شَكَّ أنَّ أفْعالَ العِبادِ بَيْنَهُما فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ في النَّظْمِ وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ تَصْبِيرُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا يُعامِلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ سَهُلَ تَحَمُّلُ تِلْكَ السَّفاهاتِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ العَذابَ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ فَعِنْدَ هَذا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ وإنَّ اللَّهَ لَيَنْتَقِمُ لَكَ فِيها …

86

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

هَذِهِ هي القِصَّةُ الرّابِعَةُ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الحِجْرُ اسْمُ وادٍ كانَ يَسْكُنُهُ ثَمُودُ وقَوْلُهُ: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ صالِحٌ وحْدَهُ، ولَعَلَّ القَوْمَ كانُوا بَراهِمَةً مُنْكِرِينَ لِكُلِّ الرُّسُلِ وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ يُرِيدُ النّاقَةَ، وكانَ في النّاقَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ، وعِظَمِ خَلْقِها وظُهُورِ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وكَثْرَةِ لَبَنِها، وأضافَ الإيتاءَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ النّاقَةُ آيَةً لِصالِحٍ؛ لِأنَّها آياتُ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ واجِبٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ مَذْمُومٌ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّحْتِ في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ يُرِيدُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وقالَ الفَرّاءُ: ﴿آمِنِينَ﴾ أنْ يَقَعَ سَقْفُهم عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ الضُّرَّ والبَلاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن نَحْتِ تِلْكَ الجِبالِ ومِن جَمْعِ تِلْكَ الأمْوالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ الكُفّارَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإهْلاكُ والتَّعْذِيبُ كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ. فَأجابَ عَنْهُ بِأنِّي إنَّما خَلَقْتُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالعِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإذا تَرَكُوها وأعْرَضُوا عَنْها وجَبَ في الحِكْمَةِ إهْلاكُهم وتَطْهِيرُ وجْهِ الأرْضِ مِنهم، وهَذا النَّظْمُ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا حَقًّا، وبِكَوْنِ الحَقِّ لا يَكُونُ الباطِلَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فُعِلَ باطِلًا، وأُرِيدَ بِفِعْلِهِ كَوْنَ الباطِلِ لا يَكُونُ حَقًّا ولا يَكُونُ مَخْلُوقًا بِالحَقِّ، وفِيهِ بُطْلانُ مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أكْثَرَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي باطِلٌ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ أعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما. ولا شَكَّ أنَّ أفْعالَ العِبادِ بَيْنَهُما فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ في النَّظْمِ وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ تَصْبِيرُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا يُعامِلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ سَهُلَ تَحَمُّلُ تِلْكَ السَّفاهاتِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ العَذابَ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ فَعِنْدَ هَذا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ وإنَّ اللَّهَ لَيَنْتَقِمُ لَكَ فِيها …

87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ

And We have certainly given you, [O Muhammad], seven of the often repeated [verses] and the great Qur'an.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الصَّفْحُ والتَّجاوُزُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الآياتِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ السُّوَرِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الفَوائِدِ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ. وأمّا المَثانِي: فَهو صِيغَةُ جَمْعٍ، واحِدُهُ مُثَنّاةٌ، والمُثَنّاةُ كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى، أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ أوْ ضَمَمْتَ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ: لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْها مَثانِيَ؛ لِأنَّها تُثْنى بِالفَخِذِ والعَضُدِ، ومَثانِي الوادِي مَعاطِفُهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُهُ سَبْعَةُ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَدْرَ مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ فاتِحَةُ الكِتابِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ الفاتِحَةَ، وقالَ: هي السَّبْعُ المَثانِي» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاسْمِ عَلى الفاتِحَةِ أنَّها سَبْعُ آياتٍ، وأمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ بِمَعْنى أنَّها تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها يُثَنّى بَعْدَها ما يُقْرَأُ مَعَها.

الثّالِثُ: سُمِّيَتْ آياتُ الفاتِحَةِ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قُسِّمَتْ قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» “ والحَدِيثُ مَشْهُورٌ.

الرّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قِسْمانِ ثَناءٌ ودُعاءٌ، وأيْضًا النِّصْفُ الأوَّلُ مِنها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ وهو الثَّناءُ، والنِّصْفُ الثّانِي حَقُّ العُبُودِيَّةِ وهو الدُّعاءُ.

الخامِسُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ في أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ.

السّادِسُ: سُمِّيَتْ بِالمَثانِي؛ لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ مِثْلُ: ”الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“ وفي قِراءَةِ عُمَرَ: ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ“ .

صفحة ١٦٥

السّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو حَمْدُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ ومُلْكُهُ.

* * *

واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ عَلى سُورَةِ الفاتِحَةِ فَهَهُنا أحْكامٌ:

(الحكم الأوَّلُ)

نَقَلَ القاضِي عَنْ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْتُبُ في …

88

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of the disbelievers, and do not grieve over them. And lower your wing to the believers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الصَّفْحُ والتَّجاوُزُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الآياتِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ السُّوَرِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الفَوائِدِ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ. وأمّا المَثانِي: فَهو صِيغَةُ جَمْعٍ، واحِدُهُ مُثَنّاةٌ، والمُثَنّاةُ كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى، أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ أوْ ضَمَمْتَ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ: لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْها مَثانِيَ؛ لِأنَّها تُثْنى بِالفَخِذِ والعَضُدِ، ومَثانِي الوادِي مَعاطِفُهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُهُ سَبْعَةُ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَدْرَ مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ فاتِحَةُ الكِتابِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ الفاتِحَةَ، وقالَ: هي السَّبْعُ المَثانِي» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاسْمِ عَلى الفاتِحَةِ أنَّها سَبْعُ آياتٍ، وأمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ بِمَعْنى أنَّها تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها يُثَنّى بَعْدَها ما يُقْرَأُ مَعَها.

الثّالِثُ: سُمِّيَتْ آياتُ الفاتِحَةِ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قُسِّمَتْ قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» “ والحَدِيثُ مَشْهُورٌ.

الرّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قِسْمانِ ثَناءٌ ودُعاءٌ، وأيْضًا النِّصْفُ الأوَّلُ مِنها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ وهو الثَّناءُ، والنِّصْفُ الثّانِي حَقُّ العُبُودِيَّةِ وهو الدُّعاءُ.

الخامِسُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ في أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ.

السّادِسُ: سُمِّيَتْ بِالمَثانِي؛ لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ مِثْلُ: ”الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“ وفي قِراءَةِ عُمَرَ: ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ“ .

صفحة ١٦٥

السّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو حَمْدُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ ومُلْكُهُ.

* * *

واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ عَلى سُورَةِ الفاتِحَةِ فَهَهُنا أحْكامٌ:

(الحكم الأوَّلُ)

نَقَلَ القاضِي عَنْ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْتُبُ في …

89

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَهُ عَلى أذى قَوْمِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَصْفَحَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَذَكَّرَ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الصَّفْحُ والتَّجاوُزُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الآياتِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ السُّوَرِ، وأنْ يَكُونَ سَبْعًا مِنَ الفَوائِدِ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ. وأمّا المَثانِي: فَهو صِيغَةُ جَمْعٍ، واحِدُهُ مُثَنّاةٌ، والمُثَنّاةُ كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى، أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ أوْ ضَمَمْتَ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ: لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْها مَثانِيَ؛ لِأنَّها تُثْنى بِالفَخِذِ والعَضُدِ، ومَثانِي الوادِي مَعاطِفُهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُهُ سَبْعَةُ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَدْرَ مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ فاتِحَةُ الكِتابِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ الفاتِحَةَ، وقالَ: هي السَّبْعُ المَثانِي» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاسْمِ عَلى الفاتِحَةِ أنَّها سَبْعُ آياتٍ، وأمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ بِمَعْنى أنَّها تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها يُثَنّى بَعْدَها ما يُقْرَأُ مَعَها.

الثّالِثُ: سُمِّيَتْ آياتُ الفاتِحَةِ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قُسِّمَتْ قِسْمَيْنِ اثْنَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» “ والحَدِيثُ مَشْهُورٌ.

الرّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثانِيَ؛ لِأنَّها قِسْمانِ ثَناءٌ ودُعاءٌ، وأيْضًا النِّصْفُ الأوَّلُ مِنها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ وهو الثَّناءُ، والنِّصْفُ الثّانِي حَقُّ العُبُودِيَّةِ وهو الدُّعاءُ.

الخامِسُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ في أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ.

السّادِسُ: سُمِّيَتْ بِالمَثانِي؛ لِأنَّ كَلِماتِها مُثَنّاةٌ مِثْلُ: ”الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“ وفي قِراءَةِ عُمَرَ: ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ“ .

صفحة ١٦٥

السّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ بِالمَثانِي؛ لِاشْتِمالِها عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو حَمْدُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ ومُلْكُهُ.

* * *

واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ عَلى سُورَةِ الفاتِحَةِ فَهَهُنا أحْكامٌ:

(الحكم الأوَّلُ)

نَقَلَ القاضِي عَنْ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْتُبُ في …

90

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ

Just as We had revealed [scriptures] to the separators

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالزُّهْدِ في الدُّنْيا، وخَفْضِ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلْقَوْمِ: ﴿إنِّي﴾

صفحة ١٦٨

﴿أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ كَوْنِهِ نَذِيرًا، كَوْنُهُ مُبَلِّغًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ واجِبًا تَرَتَّبَ عَلى تَرْكِهِ عِقابٌ، وكُلَّ ما كانَ حَرامًا تَرَتَّبَ عَلى فِعْلِهِ عِقابٌ فَكانَ الإخْبارُ بِحُصُولِ هَذا العِقابِ داخِلًا تَحْتَ لَفْظِ النَّذِيرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا كَوْنُهُ شارِحًا لِمَراتِبِ الثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، ومَعْناهُ كَوْنُهُ آتِيًا في كُلِّ ذَلِكَ بِالبَياناتِ الشّافِيَةِ والبَيِّناتِ الوافِيَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُقْتَسِمِينَ مَن هم ؟ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَقْرُبُ عَدَدُهم مِن أرْبَعِينَ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ، فاقْتَسَمُوا عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقَها يَقُولُونَ لِمَن يَسْلُكُها: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا، والمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانُوا يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ خِزْيًا فَماتُوا شَرَّ مِيتَةٍ، والمَعْنى: أنْذَرْتُكم مِثْلَ ما نَزَلَ بِالمُقْتَسِمِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ المُقْتَسِمِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، واخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّهَ تَعالى لِمَ سَمّاهم مُقْتَسِمِينَ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ آمَنُوا بِما وافَقَ التَّوْراةَ وكَفَرُوا بِالباقِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ بَعْضُهم: سُورَةُ كَذا لِي. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: اقْتَسَمُوا القُرْآنَ، فَقالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: كَذِبٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ المُقْتَسِمِينَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ تَقاسَمُوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهم، فَعَلى هَذا والِاقْتِسامُ مِنَ القَسْمِ لا مِنَ القِسْمَةِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

البحث الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِذَلِكَ فَما ذَلِكَ الشَّيْءُ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وجَهْلِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلْتَوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ تَوَسَّطَ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلى آخِرِهِ ؟

قُلْنا: لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.