Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 81–90 of 99

81

وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ آتى أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ - آياتِهِ فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والإعْراضُ: الصُّدُودُ عَنِ الشَّيْءِ وعَدَمُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ. كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ - بِالضَّمِّ - وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ لا يُوَلِّي وجْهَهُ، بَلْ يَثْنِي عِطْفَهُ مُلْتَفِتًا صادًّا.

وَلَمْ يُبَيِّنْ - جَلَّ وعَلا - هُنا شَيْئًا مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي آتاهم، ولا كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ مِن أعْظَمِ الآياتِ الَّتِي آتاهم: تِلْكَ النّاقَةَ الَّتِي أخْرَجَها اللَّهُ لَهم. بَلْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ في النّاقَةِ المَذْكُورَةِ آياتٍ جَمَّةً: كَخُرُوجِها عُشَراءَ، وبْراءَ، جَوْفاءَ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وسُرْعَةِ وِلادَتِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمِها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةِ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا، وكَثْرَةِ شِرْبِها؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وقالَ: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] .

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ مِمّا يُبَيِّنُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا﴾ [الحجر: ٨١]، قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٣] . وقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَبَيَّنَ إعْراضَ قَوْمِ صالِحٍ عَنْ تِلْكَ الآياتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ . . . الآيَةَ [هود: ٦٥] .

• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ . . . . [الشمس: ١١ - ١٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] .

• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

82

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ - كانُوا آمِنِينَ في أوْطانِهِمْ، وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا.

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ [الفجر: ٩]،

أيْ: قَطَعُوا الصَّخْرَ بِنَحْتِهِ بُيُوتًا.

83

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

But the shriek seized them at early morning.

Explained together with ayah 82

84

فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So nothing availed them [from] what they used to earn.

Explained together with ayah 82

85

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ .

ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ؛ أيْ: لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأنَّهُ يُكَلِّفُ الخَلْقَ ويُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.

فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ عَبَثًا ولا لَعِبًا ولا باطِلًا. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]،

• وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾، [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ .

ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ الَّذِي هو ”إنَّ“، وبِلامِ الِابْتِداءِ الَّتِي تُزَحْلِقُها إنَّ المَكْسُورَةُ عَنِ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: إتْيانُ السّاعَةِ لا مَحالَةَ.

والثّانِي: أنَّ إتْيانَها أنْكَرَهُ الكُفّارُ؛ لِأنَّ تَعَدُّدَ التَّوْكِيدِ يَدُلُّ عَلى إنْكارِ الخَبَرِ، كَما تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي.

وَأوْضَحَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا مَحالَةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ . . . . الآيَةَ [الحج: ١ - ٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٧٨]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - إنْكارَ الكُفّارِ لَها في مَواضِعَ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٤ - …

86

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ الخَلّاقُ العَلِيمُ. والخَلّاقُ والعَلِيمُ: كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ.

والآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ الخَلّاقُ بِكَوْنِهِ خَلّاقًا إلّا وهو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخْلُقَهُ.

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى مُجِيبًا لِلْكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]، مُبَيِّنًا أنَّ العالِمَ بِما تَمَزَّقَ في الأرْضِ مِن أجْسادِهِمْ قادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ

And We have certainly given you, [O Muhammad], seven of the often repeated [verses] and the great Qur'an.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أتى نَبِيَّهُ ﷺ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المُرادَ بِذَلِكَ.

وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إنْ كانَ لَها بَيانٌ في كِتابِ اللَّهِ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، أنَّنا نُتَمِّمُ ذَلِكَ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، فَنُبَيِّنُ الكِتابَ بِالسُّنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّها بَيانٌ لِلْقُرْآنِ المُبِينِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هو فاتِحَةُ الكِتابِ. فَفاتِحَةُ الكِتابِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ، وإنَّما بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِإيضاحِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، «عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، قالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا أُصَلِّي، فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أتَيْتُ فَقالَ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟“ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: ”ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قالَ: ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ، فَذَكَّرْتُهُ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“» . حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ“ .»

فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها السَّبْعُ الطِّوالُ، غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لا كَلامَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﷺ ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ: أنَّ آيَةَ الحِجْرِ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وأنَّ السَّبْعَ الطِّوالَ ما أُنْزِلَتْ إلّا بِالمَدِينَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ لَها: ”مَثانِي“؛ لِأنَّها تُثَنّى قِراءَتُها في الصَّلاةِ.

وَقِيلَ لَها: ”سَبْعٌ“؛ لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ.

وَقِيلَ لَها: ”القُرْآنُ العَظِيمُ“؛ لِأنَّها هي أعْظَمُ سُورَةٍ؛ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَذْكُورِ آنِفًا.

وَإنَّما عَطَفَ القُرْآنَ العَظِيمَ عَلى السَّبْعِ المَثانِي، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ وهو الفاتِحَةُ؛ لِما عُلِمَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: مِن أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ إذا ذُكِرَ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جازَ عَطْفُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، تَنْزِيلًا لِتَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ.

88

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of the disbelievers, and do not grieve over them. And lower your wing to the believers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ آتى النَّبِيَّ ﷺ السَّبْعَ المَثانِيَ والقُرْآنَ العَظِيمَ، وذَلِكَ أكْبَرُ نَصِيبٍ، وأعْظَمُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، نَهاهُ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّذِي مَتَّعَ بِهِ الكُفّارَ؛ لِأنَّ مَن أعْطاهُ رَبُّهُ - جَلَّ وعَلا - النَّصِيبَ الأكْبَرَ والحَظَّ الأوْفَرَ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى النَّصِيبِ الأحْقَرِ الأخَسِّ، ولا سِيَّما إذا كانَ صاحِبُهُ إنَّما أُعْطِيهِ لِأجْلِ الفِتْنَةِ والِاخْتِبارِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في (طه): ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣٢]، والمُرادُ بِالأزْواجِ هُنا: الأصْنافُ مِنَ الَّذِينَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِالدُّنْيا.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ .

الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ ﷺ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكُفّارِ إذا امْتَنَعُوا مِن قَبُولِ الإسْلامِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ العَظِيمِ.

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والمَعْنى: قَدْ بَلَّغْتَ ولَسْتَ مَسْئُولًا عَنْ شَقاوَتِهِمْ إذا امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ، فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إذا كانُوا أشْقِياءَ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وخَفْضُ الجَناحِ كِنايَةٌ عَنْ لِينِ الجانِبِ والتَّواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وَأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَناحِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا

وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَيُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِها - أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْفَضُ لَهُمُ الجَناحُ، بَلْ يُعامَلُونَ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَفْهُومَ في مَواضِعَ أُخَرَ.

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [ ٩ \ ٧٣ و ٦٦ \ ٩ ]، …

89

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

Explained together with ayah 88

90

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ

Just as We had revealed [scriptures] to the separators

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ .

فِي المُرادِ بِالمُقْتَسِمِينَ أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إلّا أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً تُضَعِّفُ بَعْضَ تِلْكَ الأقْوالِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومُخالَفَتِهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ؛ فالِاقْتِسامُ افْتِعالٌ مِنَ القَسَمِ بِمَعْنى اليَمِينِ، وهو بِمَعْنى التَّقاسُمِ.

وَمِنَ الآياتِ الَّتِي تُرْشِدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٩]، أيْ: نَقْتُلُهم لَيْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَكَأنَّهم كانُوا لا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إلّا أقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: اليَهُودُ والنَّصارى. وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم مُقْتَسِمُونَ؛ لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها.

وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٠] .

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: جَماعَةٌ مِن كُفّارِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ بِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هو شِعْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: كَهانَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقالَ بَعْضُهم: اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، ﷺ .

وَهَذا القَوْلُ تَدُلُّ لَهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم قالُوا في القُرْآنِ تِلْكَ الأقْوالَ المُفْتَراةَ الكاذِبَةَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ تُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الثّالِثَ، ولا تُنافِي الثّانِيَ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]

أظْهَرُ في القَوْلِ الثّالِثِ؛ لِجَعْلِهِمْ لَهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ اخْتِلافِ أقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ، سِحْرٌ، كَهانَةٌ، إلَخْ.

وَعَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ: فالمُرادُ بِالقُرْآنِ كُتُبُهُمُ الَّتِي جَزَّؤُوها، فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها، أوِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِما وافَقَ هَواهُهم مِنهُ وكَفَرُوا بِغَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] جَمْعُ عِضَةٍ، وهي العُضْوُ مِنَ الشَّيْءِ، أيْ: جَعَلُوهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً. واللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها واوٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها هاءٌ، وعَلَيْهِ فَأصْلُ العِضَةِ عِضْهَةٌ. والعَضَهُ: السِّحْرُ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ …

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.