Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 99

71

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."

صفحة ١٦٠

﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ .

قُرِئَ ”فَأسْرِ“ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها مِن أسْرى وسَرى. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ فَسِرْ ”مِنَ“ السَّيْرِ. والقِطْعُ آخِرُ اللَّيْلِ. قالَ الشّاعِرُ:

افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ مَعْناهُ: اتَّبِعْ آثارَ بَناتِكَ وأهْلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أشْياءُ:

أحَدُها: لِئَلّا يَتَخَلَّفَ مِنكم أحَدٌ فِينالَهُ العَذابُ.

وثانِيها: لِئَلّا يَرى عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ.

وثالِثُها: مَعْناهُ الإسْراعُ وتَرْكُ الِاهْتِمامِ لِما خَلَّفَ وراءَهُ كَما تَقُولُ: امْضِ لِشَأْنِكَ ولا تُعَرِّجْ عَلى شَيْءٍ.

ورابِعُها: لَوْ بَقِيَ مِنهُ مَتاعٌ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلا يَرْجِعَنَّ بِسَبَبِهِ ألْبَتَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الشّامَ. قالَ المُفَضَّلُ: حَيْثُ يَقُولُ لَكم جِبْرِيلُ، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَمْضُوا إلى قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ أهْلُها ما عَمِلُوا مِثْلَ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ عَدّى قَضَيْنا بِإلى؛ لِأنَّهُ ضِمْنَ مَعْنى أوْحَيْنا، كَأنَّهُ قِيلَ: وأوْحَيْناهُ إلَيْهِ مَقْضِيًّا مَبْتُوتًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسْراءِ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ [يُونُسَ: ٧١] ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ القَضاءَ المَبْتُوتَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا، وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا تَفْخِيمٌ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمٌ لَهُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ”إنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ كَأنَّ قائِلًا، قالَ: أخْبِرْنا عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، فَقالَ: إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقُلْنا: ”أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ“ ودابِرُهم آخِرُهم، يَعْنِي: يُسْتَأْصَلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ وقَوْلُهُ: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: حالَ ظُهُورِ الصُّبْحِ.

72

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

By your life, [O Muhammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

73

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

So the shriek seized them at sunrise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

74

فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

75

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

Indeed in that are signs for those who discern.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

76

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ

And indeed, those cities are [situated] on an established road.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

77

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

Indeed in that is a sign for the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْمُ لُوطٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَكانِ الَّذِي جاءُوهُ إلّا أنَّ القِصَّةَ تَدُلُّ

صفحة ١٦١

عَلى أنَّهم جاءُوا دارَ لُوطٍ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا في غايَةِ الحُسْنِ اشْتُهِرَ خَبَرُهم حَتّى وصَلَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وقِيلَ: امْرَأةُ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ قالُوا: نَزَلَ بِلُوطٍ ثَلاثَةٌ مِنَ المُرْدِ ما رَأيْنا قَطُّ أصْبَحَ وجْهًا، ولا أحْسَنَ شَكْلًا مِنهم، فَذَهَبُوا إلى دارِ لُوطٍ طَلَبًا مِنهم لِأُولَئِكَ المُرْدِ، والِاسْتِبْشارُ إظْهارُ السُّرُورِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ لَمّا قَصَدُوا أضْيافَهُ كَلامَيْنِ:

الكَلامُ الأوَّلُ: قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، والمَعْنى أنَّ الضَّيْفَ يَجِبُ إكْرامُهُ، فَإذا قَصَدْتُمُوهم بِالسُّوءِ كانَ ذَلِكَ إهانَةً بِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ فَأجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: ألَسْنا قَدْ نَهَيْناكَ أنْ تُكَلِّمَنا في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ.

والكَلامُ الثّانِي: مِمّا قالَهُ لُوطٌ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بَناتُهُ مِن صُلْبِهِ، وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ رَسُولَ الأُمَّةِ يَكُونُ كالأبِ لَهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وهو أبٌ لَهم، والكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أما قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: العَمْرُ والعُمْرُ واحِدٌ وسُمِّيَ الرَّجُلُ عُمَرًا تَفاؤُلًا أنْ يَبْقى، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:

ذَهَبَ الشَّبابُ وأخْلَقَ العُمْرُ

وعَمَّرَ الرَّجُلُ يُعَمِّرُ عَمْرًا وعُمْرًا، فَإذا أقْسَمُوا بِهِ قالُوا: لَعَمْرُكَ وعَمْرُكَ فَتَحُوا العَيْنَ لا غَيْرَ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ فالتَزَمُوا الأخَفَّ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: في غَوايَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ قَوْلَكَ، ويَلْتَفِتُونَ إلى نَصِيحَتِكَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ النَّحْوِيُّونَ: ارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَعَمْرُكَ قَسَمِي وحُذِفَ …

78

وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ

And the companions of the thicket were [also] wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

79

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

80

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly did the companions of Thamud deny the messengers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

فَأوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ وإبْلِيسَ.

وثانِيها: قِصَّةُ إبْراهِيمَ ولُوطٍ.

وثالِثُها: هَذِهِ القِصَّةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا أصْحابَ غِياضٍ فَكَذَّبُوا شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقالُ: أيْكَةٌ وأيْكٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأيْكُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى إنْ واللّامِ لِلتَّوْكِيدِ، وإنْ هَهُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اشْتَدَّ الحَرُّ فِيهِمْ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُما﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَلَمّا ذَكَرَ الأيْكَةَ دَلَّ بِذِكْرِها عَلى مَدْيَنَ، فَجاءَ بِضَمِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما جُعِلَ الطَّرِيقُ إمامًا؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ في نَفْسِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ يَهْدِي إلى المَقْصِدِ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.