Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 99

41

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ

[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

42

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .

صفحة ١٥١

اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ أوْهَمَ هَذا الكَلامُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِنَ المُخْلَصِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى أحَدٍ مِن عَبِيدِ اللَّهِ سَواءٌ كانُوا مُخْلِصِينَ أوْ لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ، بَلْ مَنِ اتَّبَعَ مِنهم إبْلِيسَ بِاخْتِيارِهِ صارَ مُتَّبِعًا لَهُ، ولَكِنَّ حُصُولَ تِلْكَ المُتابَعَةِ أيْضًا لَيْسَ لِأجْلِ أنَّ إبْلِيسَ يَقْهَرُهُ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ أوْ يُجْبِرُهُ عَلَيْها والحاصِلُ في هَذا القَوْلِ: أنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَ أنَّ لَهُ عَلى بَعْضِ عِبادِ اللَّهِ سُلْطانًا، فَبَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلى أحَدٍ مِنهم سُلْطانٌ ولا قُدْرَةٌ أصْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٠] قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الشَّيْطانَ والجِنَّ يُمْكِنُهم صَرْعُ النّاسِ، وإزالَةُ عُقُولِهِمْ كَما يَقُولُهُ العامَّةُ، ورُبَّما نَسَبُوا ذَلِكَ إلى السَّحَرَةِ قالَ: وذَلِكَ خِلافُ ما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إغْواءِ المُخْلِصِينَ صَدَّقَهُ اللَّهُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَلِهَذا قالَ الكَلْبِيُّ: العِبادُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهم إبْلِيسُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ اسْتِثْناءً؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، فَإنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُنْقادِينَ لَكَ في الأمْرِ والنَّهْيِ.

وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً، بَلْ تَكُونُ لَفْظَةُ (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إبْلِيسَ وأشْياعَهُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ.

43

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

And indeed, Hell is the promised place for them all.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .

صفحة ١٥١

اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ أوْهَمَ هَذا الكَلامُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِنَ المُخْلَصِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى أحَدٍ مِن عَبِيدِ اللَّهِ سَواءٌ كانُوا مُخْلِصِينَ أوْ لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ، بَلْ مَنِ اتَّبَعَ مِنهم إبْلِيسَ بِاخْتِيارِهِ صارَ مُتَّبِعًا لَهُ، ولَكِنَّ حُصُولَ تِلْكَ المُتابَعَةِ أيْضًا لَيْسَ لِأجْلِ أنَّ إبْلِيسَ يَقْهَرُهُ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ أوْ يُجْبِرُهُ عَلَيْها والحاصِلُ في هَذا القَوْلِ: أنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَ أنَّ لَهُ عَلى بَعْضِ عِبادِ اللَّهِ سُلْطانًا، فَبَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلى أحَدٍ مِنهم سُلْطانٌ ولا قُدْرَةٌ أصْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٠] قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الشَّيْطانَ والجِنَّ يُمْكِنُهم صَرْعُ النّاسِ، وإزالَةُ عُقُولِهِمْ كَما يَقُولُهُ العامَّةُ، ورُبَّما نَسَبُوا ذَلِكَ إلى السَّحَرَةِ قالَ: وذَلِكَ خِلافُ ما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إغْواءِ المُخْلِصِينَ صَدَّقَهُ اللَّهُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَلِهَذا قالَ الكَلْبِيُّ: العِبادُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهم إبْلِيسُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ اسْتِثْناءً؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، فَإنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُنْقادِينَ لَكَ في الأمْرِ والنَّهْيِ.

وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً، بَلْ تَكُونُ لَفْظَةُ (إلّا) بِمَعْنى لَكِنْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إبْلِيسَ وأشْياعَهُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ.

44

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ

It has seven gates; for every gate is of them a portion designated."

ثم قال تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّها سَبْعُ طَبَقاتٍ: بَعْضُها فَوْقَ البَعْضِ، وتُسَمّى تِلْكَ الطَّبَقاتُ بِالدَّرَكاتِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِها كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النِّساءِ: ١٤٥] .

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ قَرارَ جَهَنَّمَ مَقْسُومٌ سَبْعَةَ أقْسامٍ: ولِكُلِّ قِسْمٍ بابٌ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ.

قالَ الضَّحّاكُ: الطَّبَقَةُ الأُولى فِيها أهْلُ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ ثُمَّ يُخْرَجُونَ، والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ، والثّالِثَةُ لِلنَّصارى، والرّابِعَةُ لِلصّابِئِينَ، والخامِسَةُ لِلْمَجُوسِ، والسّادِسَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، والسّابِعَةُ لِلْمُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ والباقُونَ (جَزْ) بِتَخْفِيفِ الزّايِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (جَزٌّ) بِالتَّشْدِيدِ، كَأنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الزّايِ، كَقَوْلِكَ: خَبَّ في خَبْءٍ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالتَّشْدِيدِ.

المسألة الثّانِيَةُ: الجُزْءُ بَعْضُ الشَّيْءِ، والجَمْعُ الأجْزاءُ، وجَزَّأْتُهُ جَعَلْتُهُ أجْزاءً. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُجَزِّئُ أتْباعَ إبْلِيسَ أجْزاءً، بِمَعْنى أنَّهُ يَجْعَلُهم أقْسامًا وفِرَقًا، ويُدْخِلُ في كُلِّ قِسْمٍ مِن أقْسامِ جَهَنَّمَ طائِفَةً مِن

صفحة ١٥٢

هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مَراتِبَ الكُفْرِ مُخْتَلِفَةٌ بِالغِلَظِ والخِفَّةِ، فَلا جَرَمَ صارَتْ مَراتِبُ العَذابِ والعِقابِ مُخْتَلِفَةً بِالغِلَظِ والخِفَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

45

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ

Indeed, the righteous will be within gardens and springs.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أتْبَعَهُ بِصِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي. قالُوا: لِأنَّهُ اسْمُ مَدْحٍ فَلا يَتَناوَلُ إلّا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعالى والكَفْرَ بِهِ. وأقُولُ: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً، كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً واحِدَةً، والقاتِلَ هو الآتِي بِالقَتْلِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَما أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الوَصْفِ كَوْنُهُ ضارِبًا وقاتِلًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ والقَتْلِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَوِّي هَذا الكَلامَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالآتِي بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا التَّحْقِيقِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحكم، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وعَقِيبَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَلِأجْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ اعْتَبَرْنا الإيمانَ في هَذا الحكم، فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لَمّا كانَ بِخِلافِ الظّاهِرِ فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ لِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَوْلًا واعْتِقادًا سَواءً كانُوا مِن أهْلِ الطّاعَةِ أوْ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ، وكَلامٌ ظاهِرٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَأرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] ثم قال: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٢] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ أرْبَعَةً وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ هَذا الخَوْفِ مَرَّةً واحِدَةً، وأمّا …

46

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أتْبَعَهُ بِصِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي. قالُوا: لِأنَّهُ اسْمُ مَدْحٍ فَلا يَتَناوَلُ إلّا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعالى والكَفْرَ بِهِ. وأقُولُ: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً، كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً واحِدَةً، والقاتِلَ هو الآتِي بِالقَتْلِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَما أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الوَصْفِ كَوْنُهُ ضارِبًا وقاتِلًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ والقَتْلِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَوِّي هَذا الكَلامَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالآتِي بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا التَّحْقِيقِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحكم، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وعَقِيبَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَلِأجْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ اعْتَبَرْنا الإيمانَ في هَذا الحكم، فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لَمّا كانَ بِخِلافِ الظّاهِرِ فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ لِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَوْلًا واعْتِقادًا سَواءً كانُوا مِن أهْلِ الطّاعَةِ أوْ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ، وكَلامٌ ظاهِرٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَأرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] ثم قال: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٢] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ أرْبَعَةً وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ هَذا الخَوْفِ مَرَّةً واحِدَةً، وأمّا …

47

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ

And We will remove whatever is in their breasts of resentment, [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أتْبَعَهُ بِصِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي. قالُوا: لِأنَّهُ اسْمُ مَدْحٍ فَلا يَتَناوَلُ إلّا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعالى والكَفْرَ بِهِ. وأقُولُ: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً، كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً واحِدَةً، والقاتِلَ هو الآتِي بِالقَتْلِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَما أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الوَصْفِ كَوْنُهُ ضارِبًا وقاتِلًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ والقَتْلِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَوِّي هَذا الكَلامَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالآتِي بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا التَّحْقِيقِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحكم، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وعَقِيبَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَلِأجْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ اعْتَبَرْنا الإيمانَ في هَذا الحكم، فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لَمّا كانَ بِخِلافِ الظّاهِرِ فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ لِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَوْلًا واعْتِقادًا سَواءً كانُوا مِن أهْلِ الطّاعَةِ أوْ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ، وكَلامٌ ظاهِرٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَأرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] ثم قال: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٢] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ أرْبَعَةً وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ هَذا الخَوْفِ مَرَّةً واحِدَةً، وأمّا …

48

لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أتْبَعَهُ بِصِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي. قالُوا: لِأنَّهُ اسْمُ مَدْحٍ فَلا يَتَناوَلُ إلّا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعالى والكَفْرَ بِهِ. وأقُولُ: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً، كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً واحِدَةً، والقاتِلَ هو الآتِي بِالقَتْلِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَما أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الوَصْفِ كَوْنُهُ ضارِبًا وقاتِلًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ والقَتْلِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَوِّي هَذا الكَلامَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالآتِي بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا التَّحْقِيقِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحكم، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وعَقِيبَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَلِأجْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ اعْتَبَرْنا الإيمانَ في هَذا الحكم، فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لَمّا كانَ بِخِلافِ الظّاهِرِ فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ لِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَوْلًا واعْتِقادًا سَواءً كانُوا مِن أهْلِ الطّاعَةِ أوْ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ، وكَلامٌ ظاهِرٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَأرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] ثم قال: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٢] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ أرْبَعَةً وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ هَذا الخَوْفِ مَرَّةً واحِدَةً، وأمّا …

49

۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

[O Muhammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: أُثْبِتَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ في (نَبِّئْ) صُورَةً، وما أُثْبِتَتْ في قَوْلِهِ: ﴿دِفْءٌ﴾ [النَّحْلِ: ٥] لِأنَّ ما قَبْلَها ساكِنٌ فَهي تُحْذَفُ كَثِيرًا، وتُلْقى حَرَكَتُها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها، فَـ (نَبِّئْ) في الخَطِّ عَلى تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَ قَبْلَ هَمْزَةِ (نَبِّئْ) ساكِنٌ فَأجْرَوْها عَلى قِياسِ الأصْلِ.

المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ قِسْمانِ: مِنهم مَن يَكُونُ مُتَّقِيًا، ومِنهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ المُتَّقِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ غَيْرِ المُتَّقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحكم عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحكم، فَهَهُنا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لَهُ، ثُمَّ أثْبَتَ عَقِيبَ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الحكم بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ ظَهَرَ في حَقِّهِ كَوْنُ اللَّهِ غَفُورًا رَحِيمًا، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ الألِيمِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ:

أحَدُها: أنَّهُ أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِبادِي﴾ وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ لَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾

صفحة ١٥٥

[الإسْراءِ: ١] .

وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ بالَغَ في التَّأْكِيدِ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أنا﴾ .

وثالِثُها: إدْخالُ حَرْفِ الألِفِ واللّامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ لَمْ يَقُلْ أنِّي أنا المُعَذِّبُ، وما وصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِمْ هَذا المَعْنى فَكَأنَّهُ أشْهَدَ رَسُولَهُ عَلى نَفْسِهِ في التِزامِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ كانَ مَعْناهُ نَبِّئْ كُلَّ مَن كانَ مُعْتَرِفًا بِعُبُودِيَّتِي، وهَذا كَما يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ المُطِيعُ، فَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَغْلِيبِ جانِبِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى ما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ، ولَوْ عَلِمَ قَدْرَ عِقابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ» “ أيْ: قَتَلَها، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، وهم يَضْحَكُونَ فَقالَ: ”أتَضْحَكُونَ والنّارُ بَيْنَ أيْدِيكُمْ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ»﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

50

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ

And that it is My punishment which is the painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: أُثْبِتَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ في (نَبِّئْ) صُورَةً، وما أُثْبِتَتْ في قَوْلِهِ: ﴿دِفْءٌ﴾ [النَّحْلِ: ٥] لِأنَّ ما قَبْلَها ساكِنٌ فَهي تُحْذَفُ كَثِيرًا، وتُلْقى حَرَكَتُها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها، فَـ (نَبِّئْ) في الخَطِّ عَلى تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَ قَبْلَ هَمْزَةِ (نَبِّئْ) ساكِنٌ فَأجْرَوْها عَلى قِياسِ الأصْلِ.

المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ قِسْمانِ: مِنهم مَن يَكُونُ مُتَّقِيًا، ومِنهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ المُتَّقِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ غَيْرِ المُتَّقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحكم عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحكم، فَهَهُنا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لَهُ، ثُمَّ أثْبَتَ عَقِيبَ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الحكم بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ ظَهَرَ في حَقِّهِ كَوْنُ اللَّهِ غَفُورًا رَحِيمًا، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ الألِيمِ. وفي الآيَةِ لَطائِفُ:

أحَدُها: أنَّهُ أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِبادِي﴾ وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ لَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾

صفحة ١٥٥

[الإسْراءِ: ١] .

وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ بالَغَ في التَّأْكِيدِ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أنا﴾ .

وثالِثُها: إدْخالُ حَرْفِ الألِفِ واللّامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ لَمْ يَقُلْ أنِّي أنا المُعَذِّبُ، وما وصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِمْ هَذا المَعْنى فَكَأنَّهُ أشْهَدَ رَسُولَهُ عَلى نَفْسِهِ في التِزامِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ كانَ مَعْناهُ نَبِّئْ كُلَّ مَن كانَ مُعْتَرِفًا بِعُبُودِيَّتِي، وهَذا كَما يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ المُطِيعُ، فَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَغْلِيبِ جانِبِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى ما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ، ولَوْ عَلِمَ قَدْرَ عِقابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ» “ أيْ: قَتَلَها، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، وهم يَضْحَكُونَ فَقالَ: ”أتَضْحَكُونَ والنّارُ بَيْنَ أيْدِيكُمْ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ»﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.