Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 99

31

إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

Except Iblees, he refused to be with those who prostrated.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

32

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

[Allah] said, O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

33

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

34

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ

[Allah] said, "Then get out of it, for indeed, you are expelled.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

35

وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

36

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

37

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "So indeed, you are of those reprieved

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

38

إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ

Until the Day of the time well-known."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

39

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them on earth, and I will mislead them all

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

40

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

Except, among them, Your chosen servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ والتَّقْدِيرُ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا مَلْعُونًا إلى يَوْمِ الدِّينِ فَأنْظِرْنِي، فَطَلَبَ الإبْقاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ البَعْثِ والنُّشُورِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَنْظَرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَمُوتُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أحَدٌ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَمُوتَ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ هَذا المَطْلُوبِ وقالَ: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ الخَلائِقِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الوَقْتُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ يَمُوتَ كُلُّ الخَلائِقِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛

صفحة ١٤٧

لِأنَّ العالِمَ بِذَلِكَ الوَقْتِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّما سَمّاهُ تَعالى بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا عَيَّنَهُ، وأشارَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ صارَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أنْ لا يَمُوتَ إلى وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وبَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ المَوْتُ بِالكُلِّيَّةِ.

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى ما يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ. والوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ المُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِن يَوْمِ البَعْثِ، وعَلى هَذا الوجه فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى الوجه الأوَّلِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ مَتى يَمُوتُ؛ لِأنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ وقْتَ قِيامِ القِيامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ. فَأمّا إذا عُلِمَ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهُ إلى وقْتِ قِيامِ القِيامَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ما أعْلَمَهُ الوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ الإغْراءُ بِالمَعاصِي.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ القِيامَةُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا أنَّهُ عَلِمَ في الجُمْلَةِ أنَّ مِن وقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.