Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْبَتَ في الأرْضِ كُلَّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وجَعَلَ فِيها مَعايِشَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما هو كالسَّبَبِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ .

وهَذا هو النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الخَزائِنُ جَمْعُ الخِزانَةِ، وهو اسْمُ المَكانِ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُحْفَظُ والخِزانَةُ أيْضًا عَمَلُ الخازِنِ، ويُقالُ: خَزَنَ الشَّيْءَ يَخْزِنُهُ إذا أحْرَزَهُ في خِزانَةٍ، وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ هو المَطَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لِلْأرْزاقِ ولِمَعايِشِ بَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمُ المُعايِشَ بَيَّنَ أنَّ خَزائِنَ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ المَعايِشِ عِنْدَهُ، أيْ: في أمْرِهِ وحُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: يُرِيدُ قَدْرَ الكِفايَةِ، وقالَ الحكم: ما مِن عامٍ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ آخَرَ، ولَكِنَّهُ يُمْطَرُ قَوْمٌ ويُحْرَمُ قَوْمٌ آخَرُونَ، ورُبَّما كانَ في البَحْرِ، يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ المَطَرَ كُلَّ عامٍ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، غَيْرَ أنَّهُ يَصْرِفُهُ إلى مَن يَشاءُ حَيْثُ شاءَ كَما شاءَ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ في جَمِيعِ الأعْوامِ عَلى قَدْرٍ واحِدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى تَحَكُّمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وأقُولُ أيْضًا: تَخْصِيصُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ بِالمَطَرِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهو المَوْجُودُ القَدِيمُ الواجِبُ لِذاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأشْياءِ مَقْدُورَةً لَهُ تَعالى. وحاصِلُ الأمْرِ فِيهِ أنَّ المُرادَ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ لَهُ، ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ كَيْفَ شاءَ إلّا أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَتْ مَقْدُوراتُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنها إلى الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا؛ لِأنَّ دُخُولَ ما لا نِهايَةَ لَهُ في الوُجُودِ مُحالٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ مَقْدُوراتِهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وقَوْلُهُ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ مِنها في الوُجُودِ فَهو مُتَناهٍ، ومَتى كانَ الخارِجُ مِنها إلى الوُجُودِ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ مُخْتَصًّا في الحُدُوثِ بِوَقْتٍ مُقَدَّرٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بَعْدَهُ بَدَلًا عَنْهُ،

صفحة ١٣٩

وكانَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ في سائِرِ الأحْيازِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ الحَيِّزِ، وكانَ مُخْتَصًّا بِصِفاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ …

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْبَتَ في الأرْضِ كُلَّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وجَعَلَ فِيها مَعايِشَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما هو كالسَّبَبِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ .

وهَذا هو النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الخَزائِنُ جَمْعُ الخِزانَةِ، وهو اسْمُ المَكانِ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُحْفَظُ والخِزانَةُ أيْضًا عَمَلُ الخازِنِ، ويُقالُ: خَزَنَ الشَّيْءَ يَخْزِنُهُ إذا أحْرَزَهُ في خِزانَةٍ، وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ هو المَطَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لِلْأرْزاقِ ولِمَعايِشِ بَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمُ المُعايِشَ بَيَّنَ أنَّ خَزائِنَ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ المَعايِشِ عِنْدَهُ، أيْ: في أمْرِهِ وحُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: يُرِيدُ قَدْرَ الكِفايَةِ، وقالَ الحكم: ما مِن عامٍ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ آخَرَ، ولَكِنَّهُ يُمْطَرُ قَوْمٌ ويُحْرَمُ قَوْمٌ آخَرُونَ، ورُبَّما كانَ في البَحْرِ، يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ المَطَرَ كُلَّ عامٍ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، غَيْرَ أنَّهُ يَصْرِفُهُ إلى مَن يَشاءُ حَيْثُ شاءَ كَما شاءَ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ في جَمِيعِ الأعْوامِ عَلى قَدْرٍ واحِدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى تَحَكُّمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وأقُولُ أيْضًا: تَخْصِيصُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ بِالمَطَرِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهو المَوْجُودُ القَدِيمُ الواجِبُ لِذاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأشْياءِ مَقْدُورَةً لَهُ تَعالى. وحاصِلُ الأمْرِ فِيهِ أنَّ المُرادَ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ لَهُ، ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ كَيْفَ شاءَ إلّا أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَتْ مَقْدُوراتُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنها إلى الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا؛ لِأنَّ دُخُولَ ما لا نِهايَةَ لَهُ في الوُجُودِ مُحالٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ مَقْدُوراتِهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وقَوْلُهُ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ مِنها في الوُجُودِ فَهو مُتَناهٍ، ومَتى كانَ الخارِجُ مِنها إلى الوُجُودِ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ مُخْتَصًّا في الحُدُوثِ بِوَقْتٍ مُقَدَّرٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بَعْدَهُ بَدَلًا عَنْهُ،

صفحة ١٣٩

وكانَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ في سائِرِ الأحْيازِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ الحَيِّزِ، وكانَ مُخْتَصًّا بِصِفاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ …

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّادِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ الإحْياءِ، والإماتَةِ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ.

أما قوله: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ إحْياءِ النَّباتِ والحَيَوانِ.

ومِنهم مَن يَقُولُ: وصْفُ النَّباتِ بِالإحْياءِ مَجازٌ فَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِإحْياءِ الحَيَوانِ.

ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ كانَ حُصُولُ الحَياةِ لِلْحَيَوانِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لا قُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ ولا عَلى الإماتَةِ إلّا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا ماتَ جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مُلْكُ كُلِّ أحَدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، ويَكُونُ اللَّهُ هو الباقِي الحَقُّ المالِكُ لِكُلِّ المَمْلُوكاتِ وحْدَهُ فَكانَ هَذا شَبِيهًا بِالإرْثِ فَكانَ وارِثًا مِن هَذا الوجه.

وأما قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: المُسْتَقْدِمِينَ يُرِيدُ أهْلَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والمُسْتَأْخِرِينَ يُرِيدُ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: أرادَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الصَّفَّ الأوَّلَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الصَّفَّ الآخِرَ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ رَغَّبَ في الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: أنّا نَجْزِيهِمْ عَلى قَدْرِ نِيّاتِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي في وصْفِ القِتالِ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ كانَتِ امْرَأةٌ حَسْناءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَوْمٌ يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يَرَوْها، وآخَرُونَ يَتَخَلَّفُونَ ويَتَأخَّرُونَ لِيَرَوْها، وإذا رَكَعُوا جافَوْا أيْدِيهِمْ لِيَنْظُرُوا مِن تَحْتِ آباطِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قِيلَ المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأمْواتُ والمُسْتَأْخِرُونَ هُمُ الأحْياءُ. وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن خُلِقَ والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُخْلَقْ.

صفحة ١٤٢

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُهُ تَعالى بِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الحُدُوثِ والوُجُودِ، وبِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في أنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ نَخُصَّ الآيَةَ بِحالَةٍ دُونِ حالَةٍ.

وأما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ والبَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ واجِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الحَشْرِ …

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّادِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ الإحْياءِ، والإماتَةِ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ.

أما قوله: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ إحْياءِ النَّباتِ والحَيَوانِ.

ومِنهم مَن يَقُولُ: وصْفُ النَّباتِ بِالإحْياءِ مَجازٌ فَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِإحْياءِ الحَيَوانِ.

ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ كانَ حُصُولُ الحَياةِ لِلْحَيَوانِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لا قُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ ولا عَلى الإماتَةِ إلّا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا ماتَ جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مُلْكُ كُلِّ أحَدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، ويَكُونُ اللَّهُ هو الباقِي الحَقُّ المالِكُ لِكُلِّ المَمْلُوكاتِ وحْدَهُ فَكانَ هَذا شَبِيهًا بِالإرْثِ فَكانَ وارِثًا مِن هَذا الوجه.

وأما قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: المُسْتَقْدِمِينَ يُرِيدُ أهْلَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والمُسْتَأْخِرِينَ يُرِيدُ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: أرادَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الصَّفَّ الأوَّلَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الصَّفَّ الآخِرَ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ رَغَّبَ في الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: أنّا نَجْزِيهِمْ عَلى قَدْرِ نِيّاتِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي في وصْفِ القِتالِ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ كانَتِ امْرَأةٌ حَسْناءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَوْمٌ يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يَرَوْها، وآخَرُونَ يَتَخَلَّفُونَ ويَتَأخَّرُونَ لِيَرَوْها، وإذا رَكَعُوا جافَوْا أيْدِيهِمْ لِيَنْظُرُوا مِن تَحْتِ آباطِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قِيلَ المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأمْواتُ والمُسْتَأْخِرُونَ هُمُ الأحْياءُ. وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن خُلِقَ والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُخْلَقْ.

صفحة ١٤٢

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُهُ تَعالى بِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الحُدُوثِ والوُجُودِ، وبِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في أنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ نَخُصَّ الآيَةَ بِحالَةٍ دُونِ حالَةٍ.

وأما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ والبَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ واجِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الحَشْرِ …

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّادِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ الإحْياءِ، والإماتَةِ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ.

أما قوله: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ إحْياءِ النَّباتِ والحَيَوانِ.

ومِنهم مَن يَقُولُ: وصْفُ النَّباتِ بِالإحْياءِ مَجازٌ فَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِإحْياءِ الحَيَوانِ.

ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ كانَ حُصُولُ الحَياةِ لِلْحَيَوانِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لا قُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ ولا عَلى الإماتَةِ إلّا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا ماتَ جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مُلْكُ كُلِّ أحَدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، ويَكُونُ اللَّهُ هو الباقِي الحَقُّ المالِكُ لِكُلِّ المَمْلُوكاتِ وحْدَهُ فَكانَ هَذا شَبِيهًا بِالإرْثِ فَكانَ وارِثًا مِن هَذا الوجه.

وأما قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: المُسْتَقْدِمِينَ يُرِيدُ أهْلَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والمُسْتَأْخِرِينَ يُرِيدُ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: أرادَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الصَّفَّ الأوَّلَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الصَّفَّ الآخِرَ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ رَغَّبَ في الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: أنّا نَجْزِيهِمْ عَلى قَدْرِ نِيّاتِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي في وصْفِ القِتالِ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ كانَتِ امْرَأةٌ حَسْناءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَوْمٌ يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يَرَوْها، وآخَرُونَ يَتَخَلَّفُونَ ويَتَأخَّرُونَ لِيَرَوْها، وإذا رَكَعُوا جافَوْا أيْدِيهِمْ لِيَنْظُرُوا مِن تَحْتِ آباطِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قِيلَ المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأمْواتُ والمُسْتَأْخِرُونَ هُمُ الأحْياءُ. وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن خُلِقَ والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُخْلَقْ.

صفحة ١٤٢

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُهُ تَعالى بِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الحُدُوثِ والوُجُودِ، وبِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في أنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ نَخُصَّ الآيَةَ بِحالَةٍ دُونِ حالَةٍ.

وأما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ والبَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ واجِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الحَشْرِ …

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّابِعُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِتَخْلِيقِ الحَيَواناتِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أرْدَفَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِتَخْلِيقِ الإنْسانِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ.

المسألة الثّانِيَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ القَوْلُ بِوُجُودِ حَوادِثَ لا أوَّلَ لَها، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ وُجُوبُ انْتِهاءِ الحَوادِثِ إلى حادِثٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ الحَوادِثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ النّاسِ إلى إنْسانٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذَلِكَ الإنْسانُ الأوَّلُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ الأبَوَيْنِ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُقِلَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: قَدِ انْقَضى قَبْلَ آدَمَ الَّذِي هو أبُونا ألْفُ ألْفِ آدَمَ أوْ أكْثَرُ وأقُولُ: هَذا لا يَقْدَحُ في حُدُوثِ العالَمِ بَلْ لِأمْرٍ كَيْفَ كانَ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى إنْسانٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ هو أبُونا آدَمُ، فَلا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا مِن جِهَةِ السَّمْعِ.

واعْلَمْ أنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرَهُ مِنَ الأجْسامِ يَكُونُ مَخْلُوقًا عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ، وأيْضًا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] عَلى أنَّ آدَمَ مَخْلُوقٌ مِن تُرابٍ، ودَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، والأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ أوَّلًا مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن طِينٍ ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ ثُمَّ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ مِن أيِّ جِنْسٍ مِنَ الأجْسامِ كانَ، بَلْ هو قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً، وإنَّما خَلَقَهُ عَلى هَذا الوجه إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ أوْ لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ المَلائِكَةِ ومَصْلَحَتِهِمْ ومَصْلَحَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِن شَكْلِهِ وجِنْسِهِ.

صفحة ١٤٣

المسألة الثّالِثَةُ: في الصَّلْصالِ قَوْلانِ: قِيلَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يُصَلْصِلُ وهو غَيْرُ مَطْبُوخٍ، وإذا طُبِخَ فَهو فَخّارٌ. قالُوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِهِ مَدًّا فَهو صَلِيلٌ، وإذا تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فَهو صَلْصَلَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طِينٍ فَصَوَّرَهُ وتَرَكَهُ في الشَّمْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَصارَ صَلْصالًا كالخَزَفِ ولا يَدْرِي أحَدٌ ما يُرادُ بِهِ، ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنَ الصُّوَرِ يُشْبِهُهُ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ.

وحَقِيقَةُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ فَجَفَّ، فَكانَتِ الرِّيحُ إذا مَرَّتْ بِهِ سُمِعَ لَهُ صَلْصَلَةٌ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى صَلْصالًا.

والقَوْلُ الثّانِي: الصَّلْصالُ هو …

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّابِعُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِتَخْلِيقِ الحَيَواناتِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أرْدَفَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِتَخْلِيقِ الإنْسانِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ.

المسألة الثّانِيَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ القَوْلُ بِوُجُودِ حَوادِثَ لا أوَّلَ لَها، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ وُجُوبُ انْتِهاءِ الحَوادِثِ إلى حادِثٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ الحَوادِثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ النّاسِ إلى إنْسانٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذَلِكَ الإنْسانُ الأوَّلُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ الأبَوَيْنِ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُقِلَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: قَدِ انْقَضى قَبْلَ آدَمَ الَّذِي هو أبُونا ألْفُ ألْفِ آدَمَ أوْ أكْثَرُ وأقُولُ: هَذا لا يَقْدَحُ في حُدُوثِ العالَمِ بَلْ لِأمْرٍ كَيْفَ كانَ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى إنْسانٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ هو أبُونا آدَمُ، فَلا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا مِن جِهَةِ السَّمْعِ.

واعْلَمْ أنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرَهُ مِنَ الأجْسامِ يَكُونُ مَخْلُوقًا عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ، وأيْضًا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] عَلى أنَّ آدَمَ مَخْلُوقٌ مِن تُرابٍ، ودَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، والأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ أوَّلًا مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن طِينٍ ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ ثُمَّ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ مِن أيِّ جِنْسٍ مِنَ الأجْسامِ كانَ، بَلْ هو قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً، وإنَّما خَلَقَهُ عَلى هَذا الوجه إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ أوْ لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ المَلائِكَةِ ومَصْلَحَتِهِمْ ومَصْلَحَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِن شَكْلِهِ وجِنْسِهِ.

صفحة ١٤٣

المسألة الثّالِثَةُ: في الصَّلْصالِ قَوْلانِ: قِيلَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يُصَلْصِلُ وهو غَيْرُ مَطْبُوخٍ، وإذا طُبِخَ فَهو فَخّارٌ. قالُوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِهِ مَدًّا فَهو صَلِيلٌ، وإذا تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فَهو صَلْصَلَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طِينٍ فَصَوَّرَهُ وتَرَكَهُ في الشَّمْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَصارَ صَلْصالًا كالخَزَفِ ولا يَدْرِي أحَدٌ ما يُرادُ بِهِ، ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنَ الصُّوَرِ يُشْبِهُهُ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ.

وحَقِيقَةُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ فَجَفَّ، فَكانَتِ الرِّيحُ إذا مَرَّتْ بِهِ سُمِعَ لَهُ صَلْصَلَةٌ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى صَلْصالًا.

والقَوْلُ الثّانِي: الصَّلْصالُ هو …

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُدُوثَ الإنْسانِ الأوَّلِ واسْتَدَلَّ بِذِكْرِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ واقِعَتَهُ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَأطاعُوهُ إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ أبى وتَمَرَّدَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ما تَفْسِيرُ كَوْنِهِ بَشَرًا. فالمُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا كَثِيفًا يُباشِرُ ويُلاقِي، والمَلائِكَةُ والجِنُّ لا يُباشِرُونَ لِلُطْفِ أجْسامِهِمْ عَنْ أجْسامِ البَشَرِ، والبَشَرَةُ ظاهِرُ الجِلْدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وأمّا كَوْنُهُ صَلْصالًا مَن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأما قوله: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فَإذا سَوَّيْتُ شَكْلَهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ.

والثّانِي: فَإذا سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِاعْتِدالِ الطَّبائِعِ وتَناسُبِ الأمْشاجِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

وأما قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّفْخَ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِأنَّ الرُّوحَ هي الرِّيحُ، وإلّا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّفْخِ إلّا أنَّ البحث الكامِلَ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وإنَّما أضافَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُوحَ آدَمَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَكْرِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فِيهِ مَباحِثُ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِآدَمَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ لِآدَمَ كالقِبْلَةِ لِذَلِكَ السُّجُودِ، وهَذا البحث قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٤٥

البَقَرَةِ.

وثانِيها: أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ مَلائِكَةِ السَّماواتِ أوْ بَعْضُهم أوْ مَلائِكَةُ الأرْضِ، مِنَ النّاسِ مَن لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ (الأعْرافِ) في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْجُدُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم ساجِدِينَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما نَفَخَ الرُّوحَ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ عَلى المَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] مَذْكُورٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.