Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–10 of 99

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.

No commentary on this ayah in this edition.

2

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ

Perhaps those who disbelieve will wish that they had been Muslims.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحِجْرِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .

ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا عَرَفُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا مُسْلِمِينَ، ونَدِمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأقْوالُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ مَن يَقُولُ: إنَّ الكافِرَ إذا احْتُضِرَ وعايَنَ الحَقِيقَةَ تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهُ إذا عايَنَ النّارَ ووَقَفَ عَلَيْها تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهم إذا عايَنُوا إخْراجَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، كُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ نَدِمُوا عَلى الكُفْرِ وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ.

وَقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ رُبَما بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها، والتَّخْفِيفُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ورَبِيعَةَ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرَّعْلاءِ الغَسّانِيِّ:

؎رُبَما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ بَيْنَ بُصْرى وطَعْنَةٍ نَجْلاءِ

والثّانِي: كَثِيرٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ نَظْرَةً ∗∗∗ قَصاراكِ مِنها أنَّها عَنْكِ لا تُجْدِي

وَرُبَّ في هَذا المَوْضِعِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: يَوَدُّ الكُفّارُ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ قالَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ ∗∗∗ . . . . . . . . .

البَيْتَ وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي هُنا لِلتَّقْلِيلِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ لا في كُلِّها لِشُغْلِهِمْ بِالعَذابِ. فَإنْ قِيلَ: رُبَّما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الماضِي، فَما وجْهُ دُخُولِها عَلى المُضارِعِ في هَذا المَوْضِعِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ الوَعْدُ لِلْجَزْمِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كالواقِعِ بِالفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، فَعَبَّرَ بِالماضِي تَنْزِيلًا لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ بِالفِعْلِ.

3

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .

هَدَّدَ اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأمْرِهِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن شِدَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإهانَتِهِمْ. وهَدَّدَهم هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّهْدِيدِ في مَواضِعَ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [ ١٤ ]

• وقَوْلِهِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]

• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣ ]، [ ٧٠ \ ٤٢]

• وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي وفي مَبْحَثِ الأمْرِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ افْعَلِ التَّهْدِيدَ، كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَرْهم يَعْنِي اتْرُكْهم، وهَذا الفِعْلُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ إلّا الأمْرُ والمُضارِعُ، فَماضِيهِ تَرَكَ، ومَصْدَرُهُ التَّرْكُ، واسْمُ الفاعِلِ مِنهُ تارِكٌ، واسْمُ المَفْعُولِ مِنهُ مَتْرُوكٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ”والأمَلُ الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا والِانْكِبابُ عَلَيْها، والحُبُّ لَها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ“ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ“ وقَدْ قَدَّمْنا عِلاجَ طُولِ الأمَلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

4

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

Explained together with ayah 3

5

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

Explained together with ayah 3

6

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ قَدْ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَيْفَ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ الذِّكْرُ ويَنْسُبُونَهُ لِلْجُنُونِ مَعَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ أنَّ قَوْلَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يَعْنُونَ في زَعْمِهِ تَهَكُّمًا مِنهم بِهِ، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى وُرُودُ مِثْلِهِ مِنَ الكُفّارِ مُتَهَكِّمِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ . [ ١١ \ ٨٧

7

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلتَّحْضِيضِ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ طَلَبًا حَثِيثًا. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ طَلَبَ تَخْصِيصٍ أنْ يَأْتِيَهم بِالمَلائِكَةِ لِيَكُونَ إتْيانُ المَلائِكَةِ مَعَهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَيَّنَ طَلَبَ الكُفّارِ هَذا في آياتٍ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨]

• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّ لَوْ تُرَكَّبُ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما التَّحْضِيضُ، ومِثالُهُ في لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومِثالُهُ في لَوْلا قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضُوطْرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

يَعْنِي: فَهَلّا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَ، المَعْنى الثّانِي هو امْتِناعُ شَيْءٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وهو في لَوْلا كَثِيرٌ جِدًّا كَقَوْلِ عامِرِ بْنِ الأكْوَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎تاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا

وَمِثالُهُ في (لَوْ ما) قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:

؎لَوْ ما الحَياءُ ولَوْ ما الدِّينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وَأمّا هَلْ فَلَمْ تُرَكَّبْ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ.

تَنْبِيهٌ

قَدْ تَرِدُ أدَواتُ التَّحْضِيضِ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ، فَتَخْتَصُّ بِالماضِي أوْ ما في تَأْوِيلِهِ نَحْوَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ [النور: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٨]، وجَعَلَ بَعْضُهم مِنهُ قَوْلَ جَرِيرٍ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ البَيْتَ المُتَقَدِّمَ آنِفًا

قائِلًا: إنَّ مُرادَهُ تَوْبِيخُهم عَلى تَرْكِ عَدِّ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ في الماضِي.

8

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ

We do not send down the angels except with truth; and the disbelievers would not then be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ .

بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، أيْ بِالوَحْيِ، وقِيلَ بِالعَذابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إلّا تَنْزِيلًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكُمُ المَلائِكَةُ عَيانًا، تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ“، قالَ: " ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، ما كانُوا مُنْظَرِينَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] لِأنَّ التَّنْوِينَ في قَوْلِهِ (إذًا) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ، فَفِيهِ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وتَقْرِيرُ المَعْنى: ولَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ما كانُوا مُنْظَرِينَ، أيْ مُمْهَلِينَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ [الحجر: ٨] قَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (نُنَزِّلُ) بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مَعَ كَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ، و (المَلائِكَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ لِنُنَزِّلُ. وقَرَأ شُعْبَةُ: (تُنَزَّلُ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ونُونٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الزّايِ مَفْتُوحَةً بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و (المَلائِكَةَ) بِالرَّفْعِ نائِبُ فاعِلِ تُنَزَّلُ. وقَرَأ الباقُونَ (تَنَزَّلُ) بِفَتْحِ التّاءِ والنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، و (المَلائِكَةُ) بِالرَّفْعِ فاعِلُ تَنَزَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ الآيَةَ [القدر: ٤] .

9

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Indeed, it is We who sent down the Qur'an and indeed, We will be its guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي نَزَّلَ القُرْآنَ العَظِيمَ، وأنَّهُ حافِظٌ لَهُ مِن أنْ يُزادَ فِيهِ أوْ يُنْقَصَ أوْ يَتَغَيَّرَ مِنهُ شَيْءٌ أوْ يُبَدَّلَ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهَذا هو الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] راجِعٌ إلى الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِ السِّياقِ.

10

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muhammad], among the sects of the former peoples.

Explained together with ayah 9

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.