أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders? And Allah decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: أرْضِ الكَفَرَةِ، نَنْقُصُها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ في أطْرافِ مَمالِكِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَفْتَحُ لِلرَّسُولِ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ؛ يَعْنِي أنَّ انْتِقاصَ أحْوالِ الكَفَرَةِ وازْدِيادَ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ مِن أقْوى العَلاماتِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]
قالَ الشِّهابُ: هَذا مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ. يَعْنِي لَمْ يُؤَخِّرْ عَذابَهم لِإهْمالِهِمْ، بَلْ لِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ، أوَ ما تَرى نَقْصَ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ البِلادِ وزِيادَةَ ما لِأهْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُخاطِبِ النَّبِيَّ ﷺ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وخاطَبَهم تَهْوِيلًا وتَنْبِيهًا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ. ومَعْنى ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا. انْتَهى.
وقِيلَ: نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِمَوْتِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ. فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ كَيْفَ أمِنُوا مِن أنْ يَحْدُثَ فِيهِمْ أمْثالُ هَذِهِ الوَقائِعِ؟
تَنْبِيهٌ:
يَذْكُرُونَ -ها هُنا- رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّ نَقْصَها مِن أطْرافِها هو مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وأهْلِ الخَيْرِ مِنها. ويُؤَيِّدُ مَن يَعْتَمِدُ ذَلِكَ بِأنَّ الجَوْهَرِيَّ حَكى عَنْ ثَعْلَبٍ: أنَّ الأطْرافَ يُطْلَقُ عَلى الأشْرافِ، جَمْعُ طَرَفٍ وهو الرَّجُلُ الكَرِيمُ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنًى أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يَتْبَعُ
يُرِيدُ أشْرافَ كُلِّ قَبِيلَةٍ. فَمَعْنى الآيَةِ: أوَلَمْ يَرَوْا ما يَحْدُثُ في الدُّنْيا مِن الِاخْتِلافاتِ: مَوْتٌ بَعْدَ حَياةٍ، وذُلٌّ بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصٌ بَعْدَ كَمالٍ، وإذا كانَ هَذا مُشاهَدًا مَحْسُوسًا؛ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فَيُذِلُّهم بَعْدَ العِزَّةِ! ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا المَعْنى لا يَذْكُرُهُ السَّلَفُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنها، وإنَّما يَذْكُرُونَهُ تَهْوِيلًا لِخَطْبِ مَوْتِ العُلَماءِ بِسَبَبِ أنَّهم أرْكانُ الأرْضِ وصَلاحُها وكَمالُها وعُمْرانُها، فَمَوْتُهم نَقْصٌ لَها وخَرابٌ مِنها. كَما قالَ أحْمَدُ بْنُ غَزالٍ:
؎الأرْضُ تَحْيى إذا ما عاشَ عالِمُها ∗∗∗ مَتّى يَمُتْ عالِمٌ مِنها يَمُتْ طَرَفُ
؎كالأرْضِ تَحْيى إذا ما الغَيْثُ حَلَّ بِها ∗∗∗ وإنْ أبى عادَ في أكْنافِها التَّلَفُ
ولِذا قالَ الأزْهَرِيُّ كَما في (لِسانِ العَرَبِ): أطْرافُ الأرْضِ نَواحِيها، الواحِدُ طَرَفٌ، و(نَنْقُصُها مِن أطْرافِها) أيْ نَواحِيها ناحِيَةً ناحِيَةً، وعَلى هَذا مَن فَسَّرَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) فُتُوحَ الأرَضِينَ. وأمّا مَن جَعَلَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) مَوْتَ عُلَمائِها فَهو مِن غَيْرِ هَذا، قالَ: والتَّفْسِيرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ﴾ أيْ: ما يَشاءُ كَما يَشاءُ، وقَدْ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالعِزِّ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالذُّلِّ والإدْبارِ، حَسْبَما يُشاهَدُ مِنَ المَخايِلِ والآثارِ. وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ …