Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الرَّعْدِ

سُمِّيَتْ بِهِ لِما فِيها مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] الدّالِّ عَلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ والثُّبُوتِيَّةِ، مَعَ الإخْبارِ عَنِ الأُمُورِ المَلَكُوتِيَّةِ، ومَعَ كَوْنِ الرَّعْدِ جامِعًا لِلتَّخْوِيفِ والتَّرْجِيَةِ، وهَذِهِ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ- قالَهُ المَهايِمِيُّ.

ولِلسَّلَفِ رَأْيانِ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ، ويُقالُ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٣١] الآيَةَ، ويُقالُ: مِن أوَّلِها إلى آخِرِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وآيُها ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾

قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿المر﴾ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، ومَحَلُّهُ: إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ إذْ لَمْ يَسْبِقِ العِلْمُ بِالتَّسْمِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أُشِيرَ بِهِ إلَيْهِ إيذانًا بِفَخامَتِهِ، وإمّا النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ: اقْرَأْ أوِ اذْكُرْ، فَـ " تِلْكَ" مُبْتَدَأٌ كَما إذا جَعَلَ ﴿المر﴾ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، والخَبَرُ عَلى التَّقادِيرِ، قَوْلُهُ تَعالى ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيِ الكِتابِ العَجِيبِ الكامِلِ الغَنِيِّ عَنِ الوَصْفِ بِهِ، المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ، أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ المَذْكُورِ بِكَمالِهِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ: الثّابِتُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ، الحَقِيقُ بِأنْ يَخُصَّ بِهِ الحَقِّيَّةَ لِعَراقَتِهِ فِيها، وقُصُورِ غَيْرِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الكَمالِ فِيها. وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، وإسْنادِ الإنْزالِ إلَيْهِ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، والتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ المُنْزَلِ التّابِعَةِ لِشَأْنِ جَلالَةِ المَنزِلِ وتَشْرِيفِ المُنْزَلِ إلَيْهِ، والإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ- ما لا يَخْفى....! انْتَهى مُلَخَّصًا بِزِيادَةٍ.

لَطِيفَةٌ:

فِي " الَّذِي أُنْزِلَ" وجْهانِ: أحَدُهُما هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و" الحَقُّ" خَبَرُهُ، أوِ الخَبَرُ " مِن رَبِّكَ" و" الحَقُّ" خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وثانِيهِما: مَحَلُّهُ الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى (الكِتابِ) عَطْفُ العامِّ عَلى الخاصِّ أوْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، أوْ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الواوِ في الصِّفَةِ، و(الحَقُّ) خَبَرُ مَحْذُوفٍ، ومَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ زِيادَةَ الواوِ في الصِّفاتِ. وآخَرُونَ عَلى جَوازِها لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، أيِ الجَمْعُ والِاتِّصالُ؛ لِأنَّها كَما تَجْمَعُ المَعْطُوفَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ تَجْمَعُ المَوْصُوفَ بِالصِّفَةِ، وتُفِيدُ أنَّ اتِّصافَهُ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الحَقِّ …

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾

يُخْبِرُ تَعالى عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ سُلْطانِهِ أنَّهُ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ رَفَعَ السَّماواتِ، أيْ خَلَقَهُنَّ مُرْتَفَعاتٍ عَنِ الأرْضِ ارْتِفاعًا لا يُنالُ ولا يُدْرَكُ مَداهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ أيْ أساطِينَ، جَمْعُ عِمادٍ أوْ عَمُودٍ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَرَوْنَها﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِرُؤْيَتِهِمُ السَّماواتِ كَذَلِكَ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي

أوْ صِفَةٌ لِـ (عَمَدٍ) جِيءَ بِها إبْهامًا؛ لِأنَّ لَها عَمَدًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ الأوَّلَ، وأنَّها لا عَمَدَ لَها، قالَ: وهَذا هو اللّائِقُ بِالسِّياقِ والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] والأكْمَلُ أيْضًا في القُدْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، وأنَّهُ يُمَرُّ كَما جاءَ مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَمْثِيلٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ ذَلَّلَهُما لِما أرادَ مِنهُما مِن نَفْعِ العالَمِ السُّفْلِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ لِغايَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَنْقَطِعُ دُونَها سَيْرُهُ، وهو قِيامُ السّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] والِاقْتِصارُ عَلى الشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّهُما أظْهَرُ الكَواكِبِ وأعْظَمُ مِن غَيْرِهِما، فَتَسْخِيرُ غَيْرِهِما يَكُونُ بِطَرِيقِ الأوْلى. وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِتَسْخِيرِهِما مَعَ غَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ ويُصَرِّفُهُ ويَقْضِيهِ بِمَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ يَعْنِي: الآياتِ الدّالَّةَ عَلى وحْدَتِهِ وقُدْرَتِهِ ونُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ. أيْ: يُبَيِّنُها في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّكم تُوقِنُونَ وتُصَدِّقُونَ بِأنَّ هَذا المُدَبِّرَ والمُفَصِّلَ، لا بُدَّ لَكم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ، بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْجَزاءِ؛ فَإنَّ مَن تَدَبَّرَ حَقَّ التَّدَبُّرِ؛ أيْقَنَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْداعِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ؛ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ!.

لَطائِفُ

الأُولى: جُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ورَجَّحَ في (الكَشْفِ) الأوَّلَ، بِأنَّ قَوْلَهُ الآتِيَ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣] عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ بَيْنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وفي المُقابِلِ الخَبَرِيَّةُ مُتَعَيِّنَةٌ، فَكَذا هَذا لِيَتَوافَقا. والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ أيْ بَسَطَها وجَعَلَها مُتَّسِعَةً مُمْتَدَّةً في الطُّولِ والعَرْضِ لِإخْراجِ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ مِنها.

قالَ الشِّهابُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى تَسْطِيحِ الأرْضِ، وأنَّها غَيْرُ كُرَيَّةٍ بِالفِعْلِ. وأنَّ مَن أثْبَتَهُ أرادَ بِهِ أنَّهُ مُقْتَضى طَبْعِها! ورَدَّ بِأنَّهُ ثَبَتَ كُرَيَّتَها بِأدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، لَكِنَّهُ لِعِظَمِ جَرْمِها يَشْهَدُ كُلَّ قِطْعَةٍ وقُطْرٍ مِنها كَأنَّهُ مُسَطَّحٌ! وهَكَذا كُلُّ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ. ولا يَعْلَمُ كَرَيَّتَها إلّا هو تَعالى.

﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ أوْتادًا لَها يَكْثُرُ فِيها النَّباتُ وتَنْحَفِظُ تَحْتَها المِياهُ ﴿وأنْهارًا﴾ مُتَفَجِّرَةً مِنها، وذَلِكَ لِتَكْثِيرِ النَّباتِ والأشْجارِ وحِفْظِ الحَيَوانِ ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ كالحُلْوِ والحامِضِ، والأسْوَدِ والأبْيَضِ، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والبُسْتانِيِّ والجَبَلِيِّ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِيُفِيدَ كُلُّ صِنْفٍ فائِدَةً غَيْرَ فائِدَةِ الآخَرَ، فَكانَ كُلُّ صِنْفٍ نِعْمَةً بَعْدَ الإنْعامِ بِأُصُولِ الأصْنافِ، وجُعِلَ لِإتْمامِ الإنْعامِ بِالأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ؛ لِئَلّا تَجْتَمِعُ فَتُضارَّ مُتَناوِلَها فُصُولًا مُخْتَلِفَةً إذْ:

﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ: يَلْبَسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا فَبِطُولِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ الشِّتاءُ، وبِطُولِ النَّهارِ يَحْصُلُ الصَّيْفُ، وبِأحَدِ الِاعْتِدالَيْنِ يَحْصُلُ الخَرِيفُ، وبِالآخَرِ الرَّبِيعُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في مَدِّ الأرْضِ وما بَعْدَهُ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: لَآياتٍ باهِرَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَيَسْتَدِلُّونَ بِأنَّ تَكْوِينَ ما ذُكِرَ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لا بُدَّ لَهُ مِن قادِرٍ حَكِيمٍ! أوْ يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ تَكْثِيرَ النِّعَمِ لِجَلْبِ مَحَبَّةِ المُنْعِمِ بِصَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ مِن أجْلِهِ. والمَحَبَّةُ مُوجِبَةٌ لِلرُّجُوعِ إلَيْهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن دَبَّرَ ذَلِكَ لِمَعايِشِهِمْ، أفَلا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ رُسُلٍ وإنْزالِ كُتُبٍ تُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ سَعادَتُهُمْ؟ بَلى، وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: مِن الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الجِبالِ، أنَّ بِسَبَبِها تَتَوَلَّدُ الأنْهارُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وذَلِكَ أنَّ الحَجَرَ جِسْمٌ صُلْبٌ. فَإذا تَصاعَدَتِ الأبْخِرَةُ مِن قَعْرِ الأرْضِ ووَصَلَتْ إلى الجَبَلِ احْتَبَسَتْ هُناكَ فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ فَيَحْصُلُ تَحْتَ الجَبَلِ مِياهٌ عَظِيمَةٌ. ثُمَّ إنَّها لِكَثْرَتِها وقُوَّتِها تَثْقُبُ وتَخْرُجُ وتَسِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. فَمَنفَعَةُ الجِبالِ في تَوَلُّدِ الأنْهارِ هو مِن هَذا الوَجْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ. فَفي أكْثَرِ الأمْرِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ الجِبالَ؛ قَرَنَ بِها ذِكْرَ الأنْهارِ، مِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]

الثّانِيَةُ: أشارَ الرّازِيُّ إلى أنَّ النّاسَ، كَما ابْتَدَأُوا مِن زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بِالشَّخْصِ، هُما آدَمُ وحَوّاءُ، فَكَذا الأشْجارُ والزُّرُوعُ خُلِقَتْ أوَّلًا مِن زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى طائِفَةً مِنَ الآياتِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ أيْ: بِقاعٌ مُتَقارِباتٌ مُخْتَلِفَةُ الطَّبائِعِ. فَمِن طَيِّبَةٍ إلى سَبْخَةٍ، ومِن صُلْبَةٍ إلى رَخْوَةٍ، مِمّا يَدُلُّ عَلى قادِرٍ مُدَبِّرٍ مُرِيدٍ حَكِيمٍ في صُنْعِهِ: ﴿وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ جَمْعُ صِنْوٍ، وهي نَخْلَةٌ أصْلُها واحِدٌ وفُرُوعُها شَتّى، وفي (القامُوسِ) النَّخْلَتانِ، فَما زادَ في الأصْلِ الواحِدِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما صِنْوٌ، ويُضَمُّ. أوْ عامٌّ في جَمِيعِ الشَّجَرِ، وإفْرادُ الزَّرْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ ﴿يُسْقى﴾ قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ ﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾ أيْ: بِماءِ المَطَرِ أوْ بِماءِ النَّهْرِ ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ فَتَتَفاضَلُ قَدْرًا وشَكْلًا ورائِحَةً وطَعْمًا. والأُكُلُ، قُرِئَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ وتَسْكِينِها وهو ما يُؤْكَلُ، وهو هُنا الثَّمَرُ والحَبُّ. والمَجْرُورُ إمّا ظَرْفٌ لِـ (نُفَضِّلُ) أوْ حالٌ مِن بَعْضِها، أيْ: نُفَضِّلُ بَعْضَها مَأْكُولًا. أوْ: وفِيهِ الأكْلُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي فَصَّلَ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وباهِرِ قُدْرَتِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ مَن عَقَلَ ما تَقَدَّمَ جَزَمَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْداعِها وخَلْقِها مُخْتَلِفَةَ الأشْكالِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ في تِلْكَ البِقاعِ المُتَبايِنَةِ المُتَجاوِرَةِ، وجَعَلَها حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ؛ قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أبْداهُ، بَلْ هو أهْوَنُ في القِياسِ.

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيْ: إنْ تَعْجَبْ مِن شَيْءٍ فَقَوْلُهم عَجِيبٌ حَقِيقٌ بِأنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ التَّعَجُّبُ؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ ما عَدَّدَ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى قُدْرَةٍ يَصْغُرُ عِنْدَها كُلُّ عَظِيمٍ- أيْقَنَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشائِها ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِها، كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ، فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أيْ: إنْ تَعْجَبْ، يا مَن نَظَرَ في هَذِهِ الآياتِ، وعَلِمَ قُدْرَةَ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ، فازْدَدْ تَعَجُّبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ، مَعَ هَذا، قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وهو أهْوَنُ مِن هَذِهِ!.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦] هو الأوَّلُ و(عَجَبٌ) خَبَرٌ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ لِلْقَصْرِ، والتَّسْجِيلُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ قَوْلِهِمْ: ذاكَ أمْرًا عَجِيبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْكِرُونَ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: تَمادَوْا في الكُفْرِ؛ فَإنَّ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَهُ تَعالى فَقَدْ أنْكَرَهُ؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ عاجِزًا، وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِخَبَرِهِ ولِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ أيِ: السَّلاسِلُ في أيْمانِهِمْ مَشْدُودَةً إلى أعْناقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهم غَلُّوا أفْكارَهم عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ، كَما جَعَلُوا خالِقَهم مَغْلُولَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وهو القادِرُ الحَكِيمُ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ العافِيَةِ والسَّلامَةِ مِنها، وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً مِنهم بِإنْذارِهِ.

قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ بِكَوْنِها قَبْلَ الحَسَنَةِ، أنَّ سُؤالَها قَبْلَ سُؤالِها، أوْ أنَّ سُؤالَها قَبْلَ انْقِضاءِ الزَّمانِ المُقَدَّرِ لَها!.

﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ أيْ: عُقُوباتٌ أمْثالُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ. فَما لَهم لا يَعْتَبِرُونَ بِها ولا يَخْشَوْنَ حُلُولَ مِثْلِها؟ أوِ العُقُوباتُ الَّتِي يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الشِّدَّةِ. والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. و(المَثُلاتُ) قِراءَةُ العامَّةِ فِيها فَتْحُ المِيمِ وضَمُّ الثّاءِ جَمْعُ مَثُلَةٍ -كَسُمْرَةٍ وسَمُراتٍ- وهي العُقُوبَةُ الفاضِحَةُ. سُمِّيَتْ بِها لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المِثالِ بِمَعْنى القِصاصِ، يُقالُ: أمْثَلْتُهُ وأقْصَصْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوْ هي مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ لِعِظَمِها. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِهِما وبِضَمِّهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَغْفِرَةَ عَلى المُتَعارَفِ مِنها، وهو مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا إلى حَيْثُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى التَّقْيِيدِ في غَيْرِ المُوَحِّدِ، فَإنَّ ظُلْمَهُ -أعْنِي شِرْكَهُ- لا يُغْفَرُ.. وما عَدا الشِّرْكَ فَغُفْرانُهُ في المَشِيئَةِ. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مُرادٌ بِها مَعْناها اللُّغَوِيُّ. وهو السَّتْرُ والصَّفْحُ، بِالإمْهالِ وتَأْخِيرِ العِقابِ إلى الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهُ ذُو صَفْحٍ عَظِيمٍ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ. مَعَ أنَّهم يَظْلِمُونَ ويُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وهَذا التَّأْوِيلُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ الرَّهِيبِ!.

وعَجَبٌ مِنَ الشِّهابِ حَيْثُ وافَقَ الرّازِيَّ في دَعْواهُ (إنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، ولِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ولِلُزُومِهِ كَوْنَ الكُفّارِ كُلِّهِمْ مَغْفُورًا لَهم لِأجْلِ تَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ) ولا يَخْفاكَ صِحَّةُ تَسْمِيَتِهِ مَغْفِرَةً؛ لِأنَّها في اللُّغَةِ السَّتْرُ، ومِن أفْرادِهِ السَّتْرُ بِالإمْهالِ؟ ودَعْوى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ ولِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ، تَحَكُّمٌ بَحْتٌ عَلى أُسْلُوبِ القُرْآنِ، بِإرْجاعِهِ إلى ما أصَّلُوهُ. مَعَ أنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ في الفُرُوعِ والأُصُولِ، وهو الحُجَّةُ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ! ودَعْوى فَسادِ اللُّزُومِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ فارِغَةٌ؛ لِأنَّهُ لا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، لا سِيَّما وهو المُناسِبُ لِاسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ المَذْكُورَ قَبْلُ، فالتَّلازُمُ صَحِيحٌ! ثُمَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهَذِهِ الآيَةُ في مَعْناها كَآيَةِ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ [النحل: ٦١] …

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ المُتَقَدِّمُونَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى المَوْصُولِ؛ ذَمًّا لَهم ونَعْيًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، حَيْثُ لَمْ يَرْفَعُوا لَهم رَأْسًا، ولَمْ يَعُدُّوها مِن جِنْسِ الآياتِ، وقالُوا عِنادًا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: مِثْلُ آياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ مِثْلَ ما يَقْتَرِحُونَ مِن جَعْلِ الصَّفا ذَهَبًا، أوْ إزاحَةِ الجِبالِ وجَعْلِ مَكانِها مُرُوجًا وأنْهارًا ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والتَّخْوِيفِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وناصِحٌ كَغَيْرِكَ مِنَ الرُّسُلِ، فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، لا إجابَةَ المُقْتَرَحاتِ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أيْ: نَبِيٌّ داعٍ إلى الحَقِّ مُرْشِدٌ بِالآيَةِ الَّتِي تُناسِبُ زَمَنَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ. فَقَدْ خَلا قَبْلَهُ الهُداةُ الدّاعُونَ إلى اللَّهِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. أوِ المَعْنى: لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ عَظِيمُ الشَّأْنِ، قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَما عَلَيْكَ إلّا إنْذارُهم لا هِدايَتُهم. وإيتاؤُهُمُ الإيمانَ وصَدُّهم عَنِ الجُحُودِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] أوِ المَعْنى: " لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ " قائِدٌ يَهْدِيهِمْ إلى الرُّشْدِ. وهو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الدّاعِي بِعُنْوانِ الهِدايَةِ إلى ما فِيهِ صَلاحُهم. يَعْنِي: أنَّ سِرَّ الإرْسالِ وآيَتَهُ الفَرِيدَةَ إنَّما هو الدُّعاءُ إلى الهُدى وتَبْصِيرُ سُبُلِهِ، والإنْذارُ مِن الِاسْتِرْسالِ في مَساقِطِ الرَّدى. وقَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الهُدى أحْسَنَهُ. فَكَفى بِهِدايَتِهِ آيَةً كُبْرى وخارِقَةً عُظْمى. وأمّا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ فَأمْرُها إلى اللَّهِ، وقَدْ لا يُفِيدُ إنْزالُها هِدايَةً! قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] مَعَ ما يَسْتَتْبِعُ الإصْرارَ بَعْدَها مِنَ الأخْذِ بِلا إمْهالٍ!: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢]

قالَ الشِّهابُ: وجُوِّزَ عَطْفُ (هادٍ) عَلى (مُنْذِرٍ) وجَعَلَ المُتَعَلِّقَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، لِلْفاصِلَةِ فَيَدُلُّ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ دَعْوَتِهِ. وقَدْ يُجْعَلُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: وهو هادٍ، أوْ وأنْتَ هادٍ، وعَلى الأوَّلِ فِيهِ التِفاتٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [ ٩ ] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩]

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ وهُوَ: لِماذا لَمْ يُجابُوا لِمُقْتَرَحِهِمْ فَتَنْقَطِعَ حُجَّتُهم فَلَعَلَّهم يَهْتَدُونَ بِأنَّهُ آمِرٌ مُدَبِّرٌ عَلِيمٌ نافِذُ القُدْرَةِ فَعّالٌ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ دُونَ آرائِهِمُ السَّخِيفَةِ؟ وهَذا عَلى أنَّ (الهادِيَ) بِمَعْنى (الدّاعِي إلى الحَقِّ).

وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ فالجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ (هادٍ) أوْ مُقَرِّرَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ- كَذا في (العِنايَةِ).

وأشارَ الرّازِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ: إمّا مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى واسِعُ العِلْمِ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ اقْتِراحَهم عِنادٌ وتَعَنُّتٌ، وأنَّهم لا يَزْدادُونَ بِإظْهارِ مُقْتَرَحِهِمْ إلّا عِنادًا، فَلِذا لَمْ يُجابُوا إلَيْهِ. وإمّا مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [الرعد: ٦] يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً.

ثُمَّ إنَّ لَفْظَ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تَحْمِلُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، أيْ: حَمَلَها، أوْ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ، عَلى أيِّ حالَةٍ هو مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ وخِداجٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ.... وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ.

﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: تَنْقُصُ مِنَ الحَمْلِ ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ: تَأْخُذُهُ زائِدًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِمّا تَنْقُصُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ، عَدَدَ الوَلَدِ؛ فَإنَّها تَشْمَلُ عَلى واحِدٍ، وقَدْ تَشْتَمِلُ عَلى اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ. ويُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومِنهُ جَسَدُ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَكُونُ تامًّا ومُخْدَجًا. ومِنهُ مُدَّةُ وِلادَتِهِ، فَإنَّها تَكُونُ أقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وأزْيَدَ عَلَيْها، ومِنهُ الدَّمُ فَإنَّهُ يَقِلُّ ويَكْثُرُ.

﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدْرٍ وحَدٍّ لا يُجاوِزُهُ حَسَبَ قابِلِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ مُكَوَّنٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لِوُجُودِهِ وبَقائِهِ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ [الرعد: ٩] أيْ ما غابَ عَنِ الحِسِّ ﴿والشَّهادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أيْ ما شَهِدَهُ الحِسُّ ﴿الكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] أيِ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] أيِ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ. أوِ المُنَزَّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، المُتَعالِي عَنْها.

وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى حَذْفِ ياءِ ﴿المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] تَخْفِيفًا، وصْلًا ووَقْفًا، وقُرِئَ بِإثْباتِها فِيهِما عَلى الأصْلِ.

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [ ٩ ] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩]

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ وهُوَ: لِماذا لَمْ يُجابُوا لِمُقْتَرَحِهِمْ فَتَنْقَطِعَ حُجَّتُهم فَلَعَلَّهم يَهْتَدُونَ بِأنَّهُ آمِرٌ مُدَبِّرٌ عَلِيمٌ نافِذُ القُدْرَةِ فَعّالٌ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ دُونَ آرائِهِمُ السَّخِيفَةِ؟ وهَذا عَلى أنَّ (الهادِيَ) بِمَعْنى (الدّاعِي إلى الحَقِّ).

وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ فالجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ (هادٍ) أوْ مُقَرِّرَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ- كَذا في (العِنايَةِ).

وأشارَ الرّازِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ: إمّا مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مُشِيرَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى واسِعُ العِلْمِ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ اقْتِراحَهم عِنادٌ وتَعَنُّتٌ، وأنَّهم لا يَزْدادُونَ بِإظْهارِ مُقْتَرَحِهِمْ إلّا عِنادًا، فَلِذا لَمْ يُجابُوا إلَيْهِ. وإمّا مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [الرعد: ٦] يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً.

ثُمَّ إنَّ لَفْظَ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تَحْمِلُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، أيْ: حَمَلَها، أوْ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ، عَلى أيِّ حالَةٍ هو مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ وخِداجٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ.... وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ.

﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: تَنْقُصُ مِنَ الحَمْلِ ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ: تَأْخُذُهُ زائِدًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِمّا تَنْقُصُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ، عَدَدَ الوَلَدِ؛ فَإنَّها تَشْمَلُ عَلى واحِدٍ، وقَدْ تَشْتَمِلُ عَلى اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ. ويُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومِنهُ جَسَدُ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَكُونُ تامًّا ومُخْدَجًا. ومِنهُ مُدَّةُ وِلادَتِهِ، فَإنَّها تَكُونُ أقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وأزْيَدَ عَلَيْها، ومِنهُ الدَّمُ فَإنَّهُ يَقِلُّ ويَكْثُرُ.

﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدْرٍ وحَدٍّ لا يُجاوِزُهُ حَسَبَ قابِلِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ مُكَوَّنٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لِوُجُودِهِ وبَقائِهِ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ [الرعد: ٩] أيْ ما غابَ عَنِ الحِسِّ ﴿والشَّهادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أيْ ما شَهِدَهُ الحِسُّ ﴿الكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] أيِ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] أيِ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ. أوِ المُنَزَّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، المُتَعالِي عَنْها.

وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى حَذْفِ ياءِ ﴿المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] تَخْفِيفًا، وصْلًا ووَقْفًا، وقُرِئَ بِإثْباتِها فِيهِما عَلى الأصْلِ.

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾

﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ أيْ في نَفْسِهِ ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ أيْ لِغَيْرِهِ ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أيْ: طالِبٌ الخَفاءَ في مُخْتَبَأٍ بِاللَّيْلِ في ظُلْمَتِهِ ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أيْ: ذاهِبٌ في سِرْبِهِ، أيْ في طَرِيقِهِ يُبْصِرُهُ كُلُّ أحَدٍ.

لَطِيفَةٌ:

قِيلَ: إنَّ (سَواءً) بِمَعْنى الِاسْتِواءِ، وهو يَقْتَضِي ذِكْرَ شَيْئَيْنِ، وهُنا إذا كانَ (سارِبٌ) مَعْطُوفًا عَلى جُزْءِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ؛ يَكُونُ شَيْئًا واحِدًا.

وأُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: (الأوَّلُ) أنَّ (سارِبٌ) مَعْطُوفٌ عَلى (مَن هُوَ) لا عَلى (مُسْتَخْفٍ) كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكم إنْسانٌ هو مُسْتَخْفٍ وآخَرُ هو سارِبٌ. و(الثّانِي) أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (مُسْتَخْفٍ)، إلّا أنَّ (مَن) في مَعْنى الِاثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ:

؎نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ

كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ هُما مُسْتَخْفٍ وسارِبٌ. وعَلى الوَجْهَيْنِ (مَن) مَوْصُوفَةٌ لا مَوْصُولَةٌ. فَيُحْمَلُ الأوَّلانِ عَلى ذَلِكَ لِيَتَوافَقَ الكُلُّ.

وهُناكَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَحْذُوفًا وصِلَتُهُ باقِيَةٌ، والمَعْنى: ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ومَن هو سارِبٌ بِالنَّهارِ. وحَذْفُ المَوْصُولِ المَعْطُوفِ وبَقاءُ صِلَتِهِ شائِعٌ، خُصُوصًا وقَدْ تَكَرَّرَ المَوْصُولُ في الآيَةِ ثَلاثًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] والأصْلُ: ولا ما يُفْعَلُ بِكم. وإلّا كانَ حَرْفُ النَّفْيِ دَخِيلًا في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لَوْ قُدِّرَتْ داخِلَةً في صِلَةِ الأوَّلِ بِواسِطَةِ العاطِفِ، لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْيِ مَوْقِعٌ، وإنَّما صَحِبَ في الأوَّلِ المَوْصُولَ لا الصِّلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءٌ!

أيْ: ومَن يَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ.

وهَذا الأخِيرُ نَقَلَهُ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ) وهو وجِيهٌ جِدًّا. وأمّا تَضْعِيفُ غَيْرِهِ لَهُ بِلُزُومِ حَذْفِ المَوْصُولِ وصَدْرِ الصِّلَةِ مَعًا، وأنَّ النَّجاةَ، وإنْ ذَكَرُوا جَوازَ كُلٍّ مِنهُما، لَكِنَّ اجْتِماعَهُما مُنْكَرٌ؛ فَهو المُنْكَرُ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ التَّنْزِيلِ هو الحُجَّةُ، وإلَيْهِ التَّحاكُمُ في كُلِّ فَنٍّ ومَحَجَّةٍ. والجُمُودُ عَلى القَواعِدِ ورَدِّ ما خالَفَها، إلَيْها -مِنَ التَّعَصُّبِ واللَّجاجِ، والغَفْلَةِ عَنْ مَقامِ التَّنْزِيلِ في الِاحْتِجاجِ!.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.