Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–43 of 43

41

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders? And Allah decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: أرْضِ الكَفَرَةِ، نَنْقُصُها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ في أطْرافِ مَمالِكِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَفْتَحُ لِلرَّسُولِ الأرْضَ بَعْدَ الأرْضِ؛ يَعْنِي أنَّ انْتِقاصَ أحْوالِ الكَفَرَةِ وازْدِيادَ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ مِن أقْوى العَلاماتِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]

قالَ الشِّهابُ: هَذا مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ. يَعْنِي لَمْ يُؤَخِّرْ عَذابَهم لِإهْمالِهِمْ، بَلْ لِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ، أوَ ما تَرى نَقْصَ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ البِلادِ وزِيادَةَ ما لِأهْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُخاطِبِ النَّبِيَّ ﷺ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وخاطَبَهم تَهْوِيلًا وتَنْبِيهًا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ. ومَعْنى ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا. انْتَهى.

وقِيلَ: نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِمَوْتِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ. فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ كَيْفَ أمِنُوا مِن أنْ يَحْدُثَ فِيهِمْ أمْثالُ هَذِهِ الوَقائِعِ؟

تَنْبِيهٌ:

يَذْكُرُونَ -ها هُنا- رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّ نَقْصَها مِن أطْرافِها هو مَوْتُ عُلَمائِها وفُقَهائِها وأهْلِ الخَيْرِ مِنها. ويُؤَيِّدُ مَن يَعْتَمِدُ ذَلِكَ بِأنَّ الجَوْهَرِيَّ حَكى عَنْ ثَعْلَبٍ: أنَّ الأطْرافَ يُطْلَقُ عَلى الأشْرافِ، جَمْعُ طَرَفٍ وهو الرَّجُلُ الكَرِيمُ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنًى أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يَتْبَعُ

يُرِيدُ أشْرافَ كُلِّ قَبِيلَةٍ. فَمَعْنى الآيَةِ: أوَلَمْ يَرَوْا ما يَحْدُثُ في الدُّنْيا مِن الِاخْتِلافاتِ: مَوْتٌ بَعْدَ حَياةٍ، وذُلٌّ بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصٌ بَعْدَ كَمالٍ، وإذا كانَ هَذا مُشاهَدًا مَحْسُوسًا؛ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فَيُذِلُّهم بَعْدَ العِزَّةِ! ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا المَعْنى لا يَذْكُرُهُ السَّلَفُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنها، وإنَّما يَذْكُرُونَهُ تَهْوِيلًا لِخَطْبِ مَوْتِ العُلَماءِ بِسَبَبِ أنَّهم أرْكانُ الأرْضِ وصَلاحُها وكَمالُها وعُمْرانُها، فَمَوْتُهم نَقْصٌ لَها وخَرابٌ مِنها. كَما قالَ أحْمَدُ بْنُ غَزالٍ:

؎الأرْضُ تَحْيى إذا ما عاشَ عالِمُها ∗∗∗ مَتّى يَمُتْ عالِمٌ مِنها يَمُتْ طَرَفُ

؎كالأرْضِ تَحْيى إذا ما الغَيْثُ حَلَّ بِها ∗∗∗ وإنْ أبى عادَ في أكْنافِها التَّلَفُ

ولِذا قالَ الأزْهَرِيُّ كَما في (لِسانِ العَرَبِ): أطْرافُ الأرْضِ نَواحِيها، الواحِدُ طَرَفٌ، و(نَنْقُصُها مِن أطْرافِها) أيْ نَواحِيها ناحِيَةً ناحِيَةً، وعَلى هَذا مَن فَسَّرَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) فُتُوحَ الأرَضِينَ. وأمّا مَن جَعَلَ (نَقْصَها مِن أطْرافِها) مَوْتَ عُلَمائِها فَهو مِن غَيْرِ هَذا، قالَ: والتَّفْسِيرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ﴾ أيْ: ما يَشاءُ كَما يَشاءُ، وقَدْ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالعِزِّ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالذُّلِّ والإدْبارِ، حَسْبَما يُشاهَدُ مِنَ المَخايِلِ والآثارِ. وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ …

42

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those before them had plotted, but to Allah belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾

﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَكَرَ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَوْا، إيقاعَ المَكْرُوهِ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ كَما مَكَرَ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ إشارَةٌ إلى ضَعْفِ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِاضْمِحْلالِهِ وذَهابِ أثَرِهِ، وأنَّهُ مِمّا لا يَسُوءُ، وأنَّ المَكْرَ المَرْهُوبَ هو ما سَيُؤْخَذُونَ بِهِ مِن إيقاعِ فُنُونِ النَّكالِ، وهم نائِمُونَ عَلى فَرْشِ الإمْهالِ، مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: فَيُوَفِّيها جَزاءَها المُعَدَّ لَها عَلى ما كَسَبَتْ مِن فُنُونِ المَعاصِي الَّتِي مِنها مَكْرُهُمْ، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ أيِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وعَلى مَن تَدُورُ الدّائِرَةُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] الآيَةَ.

43

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ

And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muhammad], "Sufficient is Allah as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ أظْهَرُ عَلى رِسالَتِي، مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ والبَيِّناتِ السّاطِعَةِ، ما فِيهِ مَندُوحَةٌ عَنْ شَهادَةِ شاهِدٍ آخَرَ. قِيلَ: جَعَلَ هَذا شَهادَةً (وهُوَ فِعْلٌ والشَّهادَةُ قَوْلٌ) عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّهُ يُغْنِي عَنِ الشَّهادَةِ بَلْ هو أقْوى. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الشَّهادَةَ أعَمُّ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ. عَلى أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الحُجَجِ هي آياتُ القُرْآنِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، وهي كَلامُهُ تَعالى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ: ومَن هو مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ ونَعْتَهُ في كِتابِهِمْ مِن بِشاراتِ الأنْبِياءِ بِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]

ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَنى بِـ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ. ونُوقِشَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وإسْلامُهُ كانَ بِالمَدِينَةِ. وأجابَ البَعْضُ بِأنَّ بَعْضَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ رُبَّما وُجِدَ في مَدَنِيٍّ وبِالعَكْسِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو نَعِيمٍ الأصْفَهانِيُّ في (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ): أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، حَيْثُ رَحَلَ إلى مَكَّةَ قَبْلَها، واسْتَيْقَنَ نُبُوَّتَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ آبَ إلى المَدِينَةِ وكَتَمَ إسْلامَهُ إلى أنْ كانَتِ الهِجْرَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.