Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 43

31

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

And if there was any qur'an by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak, [it would be this Qur'an], but to Allah belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allah willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allah. Indeed, Allah does not fail in [His] promise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ أيْ قُرْآنًا ما ﴿سُيِّرَتْ بِهِ﴾ أيْ: بِإنْزالِهِ أوْ بِتِلاوَتِهِ ﴿الجِبالُ﴾ أيْ أذْهَبَتْ عَنْ مَقارِّها، وزَعْزَعَتْ عَنْ أماكِنِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ: شُقِّقَتْ حَتّى تَتَصَدَّعَ وتَصِيرَ قِطَعًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ خُوطِبَتْ بَعْدَ أنْ أُحْيِيَتْ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْها، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ؛ لِكَوْنِهِ غايَةً في الهِدايَةِ والتَّذْكِيرِ، ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالقَصْدُ بَيانُ عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ وفَسادِ رَأْيِ الكَفَرَةِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرُوا قَدْرَهُ العَلِيَّ ولَمْ يَعُدُّوهُ مِن قَبِيلِ الآياتِ، فاقْتَرَحُوا غَيْرَهُ مِمّا أُوتِيَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَدَّرَ الزَّجّاجُ الجَوابَ (لَمّا آمَنُوا بِهِ) كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وعَلَيْهِ فالقَصْدُ بَيانُ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ والفَسادِ.

ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ؛ أنَّ الجَوابَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وفِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ مُرادَهُ أنَّها دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّذْكِيرُ في (كَلَّمَ) لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ مِنَ المَوْتى عَلى غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ الأمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ الأكْوانِ وُجُودًا وعَدَمًا، يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لِما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وهو إضْرابٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ (لَوْ) مِن مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ما ذَكَرَ لَكانَ هَذا القُرْآنَ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَلْ فَعَلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ؛ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ وحْدَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ الزَّجّاجِ السّالِفِ، فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما سَلَفَ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في العِنادِ عَلى ما شَرَحَ. أيْ: فَلَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا، إنْ شاءَ أتى بِما اقْتَرَحُوا وإنْ شاءَ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَحَكُّمٌ أوِ اقْتِراحٌ. كَذا في أبِي السُّعُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: أفَلَمْ يَعْلَمْ ويَتَبَيَّنْ كَقَوْلِهِ:

؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا

وقَوْلِهِ:

؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ

أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا! ويُيَسِّرُونَنِي مِن إيسارِ الجَزُورِ، أيْ يَقْسِمُونَنِي، ويُرْوى: يَأْسِرُونَنِي مِنَ (الأسْرِ). أيْ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَهَداهم؛ لِأنَّ الأمْرَ لَهُ. ولَكِنْ قَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ بِناءَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ.

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ …

32

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾

﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أمْهَلْتُهم وتَرَكْتُهم مِلاوَةً مِنَ الزَّمَنِ، في أمْنٍ ودَعَةٍ، كَما يُمْلى لِلْبَهِيمَةِ في المَرْعى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: عِقابِي إيّاهم. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَظاعَتِهِ ما لا يَخْفى. والآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاقْتِراحِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، ووَعِيدٌ لَهم.

33

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مُراقِبٌ لِأحْوالِها ومُشاهِدٌ لَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ ما تَكْسِبُهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. فَهو مُجازٍ؛ لِأنَّ القائِمَ عَلى الشَّيْءِ عالِمٌ بِهِ، ولِذا يُقالُ: وقَفَ عَلَيْهِ، إذا عَلِمَهُ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وإنَّما حُذِفَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ: عَبَدُوها مَعَهُ مِن أصْنامٍ وأنْدادٍ وأوْثانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم إثْرَ تَبْكِيتٍ، أيْ: سَمُّوهم مَن هُمْ، وماذا أسْماؤُهُمْ؟ فَإنَّهم لا حَقِيقَةَ لَهُمْ! أوْ صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ؟

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى ألّا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي: أنَّهُ أخَسُّ مَن يُسَمّى ويُذْكَرُ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ. فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها.

﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِشُرَكاءَ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ. وإذا كانَ لا يَعْلَمُهُمْ، وهو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ومِمّا يَكُونُ، فَهم لا حَقِيقَةَ لَهم. فَهو نَفْيٌ لَهم بِنَفْيٍ لازَمَهم عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ.

قالَ النّاصِرُ: وحَقِيقَةُ هَذا النَّفْيِ أنَّهم لَيْسُوا بِشُرَكاءَ وأنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُهم كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وإنْ كانَتْ لَهم ذَواتٌ ثابِتَةٌ يَعْلَمُها اللَّهُ، إلّا أنَّها مَرْبُوبَةٌ حادِثَةٌ لا آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. ولَكِنَّ مَجِيءَ النَّفْيِ عَلى هَذا السَّنَنِ المَتْلُوِّ بَدِيعٌ لا تَكْتَنِهُ بَلاغَتُهُ وبَراعَتُهُ. ولَوْ أتى الكَلامُ عَلى الأصْلِ غَيْرَ مُحَلًّى بِهَذا التَّصْرِيفِ البَدِيعِ لَكانَ: وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وما هم بِشُرَكاءَ. فَلَمْ يَكُنْ بِهَذا المَوْقِعِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ التِّلاوَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ، كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا مِن غَيْرِ بَياضٍ فِيهِ ولا رائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، لِفَرْطِ الجَهْلِ وسَخافَةِ العَقْلِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وعَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ الظّاهِرَ بِمَعْنى الباطِلِ، كَقَوْلِهِ:

؎وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ

تَنْبِيهٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا الِاحْتِجاجُ وأسالِيبُهُ العَجِيبَةُ الَّتِي ورَدَ عَلَيْها، مُنادٍ عَلى نَفْسِهِ بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ؛ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِمَن عَرَفَ وأنْصَفَ مِن نَفْسِهِ.

قالَ شارِحُوهُ: فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ لِما كانَ كافِيًا في هَدْمِ …

34

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allah any protector.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾

﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما نالَهم عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ، أوْ ما فِيهِ مِن عَذابِ الحِيرَةِ والضِّلَّةِ. فَإنَّ نَفْسَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ في نَكَدٍ مُسْتَمِرٍّ وداءٍ دَوِيٍّ لا بُرْءَ لَهُ إلّا الإيمانُ، كَما فَصَّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أيْ: مِن عَذابِ الدُّنْيا كَمًّا وكَيْفًا ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: حافِظٍ يَعْصِمُهم مِن عَذابِهِ.

35

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ

The example of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾

فِي الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ:

(الأوَّلُ): أنَّ (مَثَلُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُقَصُّ ويُتْلى عَلَيْكم صِفَةُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ (تَجْرِي) مُفَسِّرَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (وُعِدَ) أيْ: وعَدَها مُقَدِّرًا جَرَيانَ أنْهارِها. وهَذا الوَجْهُ سالِمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ والإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. وقُدِّرَ الخَبَرُ فِيهِ مُقَدَّمًا لِطُولِ ذَيْلِ المُبْتَدَأِ، أوْ لِئَلّا يَفْصِلَ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُفَسِّرُهُ، أوْ ما هو كالمُفَسِّرِ لَهُ.

(الثّانِي): أنَّ خَبَرَهُ (تَجْرِي) -عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ- قِيلَ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأنْهارَ في صِفَةِ الجَنَّةِ، وهي فِيها، لا في صِفَتِها. مَعَ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَثَلِ حَمْلًا عَلى المَعْنى.

(الثّالِثُ): أنَّ ثَمَّةَ مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا، أيْ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقَوْلُهُ (وظِلُّها) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: كَذَلِكَ.

36

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muhammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it. Say, "I have only been commanded to worship Allah and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ لِأنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ مِنَ المَعانِي والدَّلائِلِ وكَشْفِ الشُّبُهاتِ ما لَمْ يَحْصُلْ لَهم مِن تِلْكَ الكُتُبِ السّالِفَةِ. قِيلَ: عَنى بِهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ؛ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى حَقِّيَّتِهِ الَّتِي لا يُمْتَرى فِيها، ومِنَ المَعارِفِ والمَزايا الباهِرَةِ الَّتِي لا تُحْصى، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي بَقِيَّةَ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يُخالِفُ مُعْتَقَدَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ (بِالمَوْصُولِ) مَن يَفْرَحُ بِهِ مِنهم لِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَعْظِيمِهِ لَهُ وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وبِـ (الأحْزابِ) المُشْرِكُونَ، خاصَّةً المُنْكِرِينَ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ. ولِذا أمَرَ بِرَدِّ إنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ أيْ: مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ، لا إلى غَيْرِهِ.

37

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ

And thus We have revealed it as an Arabic legislation. And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allah any ally or any protector.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾

﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: حاكِمًا بِالحَقِّ، أوْ حِكْمَةً عَرَبِيَّةً: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ أيْ: لَئِنْ تابَعْتَهم عَلى دِينٍ، ما هو إلّا أهْواءٌ بَعْدَ ثُبُوتِ العِلْمِ عِنْدَكَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ؛ فَلا يَنْصُرُكَ ناصِرٌ ولا يَقِيكَ واقٍ. وهَذا مِن بابِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ، وأنْ لا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُّبْهَةِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ. وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِمَكانٍ -كَذا في (الكَشّافِ).

38

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allah. For every term is a decree.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ أيْ: مِثْلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَكانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] وإعْلامٌ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَما جازَ في حَقِّهِمْ لِمَ لا يَجُوزُ في حَقِّهِ؟ وقَدْ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ أنْ يَأْتِيَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِ، إلّا بِإرادَتِهِ تَعالى في وقْتِهِ؛ لِأنَّ الآياتِ مُعَيَّنَةٌ بِإزاءِ الأوْقاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِيها، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ وتَبَدُّلٍ وتَقَدُّمٍ وتَأخُّرٍ. فَأمْرُها مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ الكائِناتِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ أيْ لِكُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أمْرٌ مَكْتُوبٌ، مُقَدَّرٌ مُعَيَّنٌ أوْ مَفْرُوضٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى الخَلْقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فالشَّرائِعُ مُعَيَّنَةٌ عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، في كُلِّ وقْتٍ يَأْتِي، بِما هو صَلاحُ ذَلِكَ الوَقْتِ، رَسُولٌ مِن عِنْدِهِ. وكَذا جَمِيعُ الحَوادِثِ مِنَ الآياتِ وغَيْرِها، فَلَيْسَ الأمْرُ عَلى إرادَةِ الكُفّارِ واقْتِراحاتِهِمْ، بَلْ عَلى حَسَبِ ما يَشاؤُهُ تَعالى ويَخْتارُهُ، وفِيهِ رَدٌّ لِاسْتِعْجالِهِمُ الآجالَ وإتْيانِ الخَوارِقِ والعَذابِ.

39

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ

Allah eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾

﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بِحَسَبِ الوَقْتِ ﴿ويُثْبِتُ﴾ أيْ: بَدَلَهُ ما فِيهِ المَصْلَحَةُ، أوْ يُبْقِيهِ عَلى حالِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلُهُ.

قالَ الرّازِيُّ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، ومِنهُ أُمُّ الرَّأْسِ: لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى لِمَكَّةَ. وكُلُّ مَدِينَةٍ فَهي أُمٌّ لِما حَوْلَها مِنَ القُرى. فَكَذَلِكَ أُمُّ الكِتابِ، هو الَّذِي يَكُونُ أصْلًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ. رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: يُبَدِّلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فَيَنْسَخُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يُبَدِّلُهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ يَقُولُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أُمِّ الكِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ. وما يُبَدِّلُ وما يُثْبِتُ. كُلُّ ذَلِكَ في كِتابٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] الآيَةَ.

تَنْبِيهٌ:

تَمَسَّكَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ فَقالُوا: إنَّها عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وكَذا القَوْلُ في الأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والإيمانِ والكُفْرِ.

قالَ الرّازِيُّ: هو مَذْهَبُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ كانُوا يَدْعُونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ لا أشْقِياءَ. انْتَهى.

أشارَ بِذَلِكَ إلى آثارٍ أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ. ولَيْسَ في الصَّحِيحِ شَيْءٌ مِنها.

ظَهَرَ لِي في دَمَّرَ في ١٢ رَبِيعِ الأوَّلِ سَنَةَ ١٣٢٤:

إنَّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الآياتِ لِمَطْلَبٍ ما، أنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيهِ تَدْقِيقًا زائِدًا، فَقَدْ يَكُونُ سِياقُ الآيَةِ لِأمْرٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، ويَظُنُّ ظانٌّ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِها في بَحْثٍ آخَرَ، وقَدْ يُؤَكِّدُهُ ما يَراهُ مِن إطْباقِ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ التَّصانِيفِ عَلى ذَلِكَ وإنَّما المَدارُ عَلى فَهْمِ الأُسْلُوبِ والسِّياقِ والسِّباقِ.

خُذْ لَكَ مَثَلًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ فَكَمْ تَرى مَن يَسْتَدِلُّ بِها عَلى العِلْمِ المُعَلَّقِ، ومَحْوِ ما في اللَّوْحِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (لَوْحَ المَحْوِ والإثْباتِ) ويُورِدُونَ مِنَ الإشْكالاتِ والأجْوِبَةِ ما لا يَجِدُ الواقِفُ عَلَيْهِ مَقْنَعًا ولا مُطْمَأنًّا.

مَعَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، لَوْ تَمَعَّنَ فِيها القارِئُ؛ لَعَلِمَ أنَّها في مَعْنى غَيْرِ ما يَتَوَهَّمُونَ. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أوائِلِ البِعْثَةِ، أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ كَآيَةِ مُوسى وعِيسى؛ تَوَهُّمًا أنَّ ذَلِكَ هو أقْصى ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ دَوْرَ تِلْكَ الآياتِ الحِسِّيَّةِ انْقَضى دَوْرُها، وذَهَبَ عَصْرُها. وقَدِ اسْتَعَدَّ البَشَرُ لِلتَّنَبُّهِ إلى الآيَةِ العَقْلِيَّةِ وهي آيَةُ الِاعْتِبارِ والتَّبَصُّرِ. وإنَّ تِلْكَ الآياتِ مُحِيَتْ كَما مُحِيَ عَصْرُها. وقَدْ أثْبَتَ تَعالى غَيْرَها مِمّا هو أجْلى وأوْضَحُ وأدَلُّ عَلى الدَّعْوَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ …

40

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾

﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْزالِ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ الوَحْيِ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ أيْ: حِسابُهم وجَزاؤُهم. قالَ أبُو حَيّانَ: جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ (فَذَلِكَ شافِيكَ) والثّانِي (فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ)، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ﴾ إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.