Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 43

21

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ

And those who join that which Allah has ordered to be joined and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾

﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ أيْ: مِن أرْحامِهِمْ وقَراباتِهِمْ وإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الطّاقَةِ، ونُصْرَتِهِمْ، والذَّبِّ عَنْهُمْ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، والنَّصِيحَةِ لَهُمْ، وكَفِّ الأذى عَنْهم ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ لَهُ أوْ يَخافُونَ وعِيدَهُ فَلا يَعْصُونَهُ فِيما أمَرَ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾

22

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those who are patient, seeking the countenance of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾

﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ بِالكَلامِ الحَسَنِ الكَلامَ السَّيِّئَ إذا خاطَبَهم بِهِ الجاهِلُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] الآيَةَ، أوْ يُتْبِعُونَ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ لِتَمْحُوَها ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: عاقِبَةُ الدُّنْيا وهي الجَنَّةُ لِأنَّها مَرْجِعُ أهْلِها. فَتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ.

23

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their fathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [ ٢٤ ] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: آمَنَ ووَحَّدَ وعَمِلَ صالِحًا مِن هَؤُلاءِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ قَطْعٌ لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ لِمَن يَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ حَبْلِ الأنْسابِ.

وأصْلُهُ لِلزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وقُرِئَ -شاذًّا- بِضَمِّ لامِ (صَلُحَ). قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَتْحُ أفْصَحُ.

﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]

24

سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ

"Peace be upon you for what you patiently endured. And excellent is the final home."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [ ٢٤ ] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: آمَنَ ووَحَّدَ وعَمِلَ صالِحًا مِن هَؤُلاءِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ قَطْعٌ لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ لِمَن يَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ حَبْلِ الأنْسابِ.

وأصْلُهُ لِلزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وقُرِئَ -شاذًّا- بِضَمِّ لامِ (صَلُحَ). قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَتْحُ أفْصَحُ.

﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]

25

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ

But those who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَآلَ مُقابِلِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾

﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: عَذابُ جَهَنَّمَ.

26

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌۭ

Allah extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وتَنْكِيرُ (مَتاعٍ) لِلتَّقْلِيلِ كَما في آيَةِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] وقالَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧]

27

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muhammad], "Indeed, Allah leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ جُمْلَةٌ جَرَتْ مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، مُشِيرَةً إلى أنَّهُ مِن بابِ العِنادِ والِاقْتِراحِ لِما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الَّتِي لا يُمْهَلُ أحَدٌ بَعْدَ مَجِيئِها، لا مِن بابِ طَلَبِ الهِدايَةِ. وإلّا فَلَوْ كانَ بُغْيَتُهم طَلَبَ الهِدايَةِ بِآيَةٍ لَكَفاهم إنْزالُ هَذا الكِتابِ مِن مِثْلِهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، آيَةً، فَإنَّهُ آيَةُ الآياتِ...!. ولَكِنَّهم قَوْمٌ آثَرُوا الضَّلالَ عَلى الهُدى، زاغُوا عَنْهُ فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. فَطَوى ما دَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ؛ إيجازًا لِلْعِلْمِ بِها.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِهِ اخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِهِ، ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَعُ فِيهِ اللُّطْفُ ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ، كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ والعِنادِ، والغُلُوِّ في الفَسادِ. فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ، ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وتَأمَّلَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ. وحَقِيقَةُ الإنابَةِ الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ. وإيثارُ إيرادِها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ، كَما في الصِّلَةِ الأُولى؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ بَلْ إلى مَشِيئَتِها، والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى المُكابَرَةِ. وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ لِسابِقَةِ الإنابَةِ، كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

28

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allah. Unquestionably, by the remembrance of Allah hearts are assured."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن (مَن أنابَ) أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَخْشى عِنْدَ ذِكْرِهِ، وتَرْضى بِهِ مَوْلًى ونَصِيرًا. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ دَوامِ الِاطْمِئْنانِ واسْتِمْرارِهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ أيْ: بِذِكْرِهِ دُونَ غَيْرِهِ تَسْكُنُ القُلُوبُ أُنْسًا بِهِ، واعْتِمادًا عَلَيْهِ، ورَجاءً مِنهُ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. ورَأى آخَرُونَ أنَّ المُرادَ ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُسَمّى ذِكْرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْـزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] لِأنَّهُ آيَةٌ بَيِّنَةٌ تُسْكِنُ القُلُوبَ، وتُثَبِّتُ اليَقِينَ فِيها. وهَذا المَعْنى يُناسِبُ قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] أيْ: هَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ آيَةً، والمُؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ تَطْمَئِنُّ لَها قُلُوبُهم بِبَرْدِ اليَقِينِ. قالَ الشِّهابُ: وهو أنْسَبُ الوُجُوهِ.

29

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ، و﴿طُوبى لَهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ الأوَّلِ، وإمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هُمْ، وإمّا بَدَلٌ مِن ﴿أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] وجُمْلَةُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ دُعائِيَّةٌ أوْ خَبَرِيَّةٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (طُوبى) مَصْدَرٌ مِن (طابَ) كَبُشْرى وزُلْفى. ومَعْنى (طُوبى لَكَ) أصَبْتَ خَيْرًا وطَيِّبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ.كَقَوْلِكَ: طَيِّبًا لَكَ، وطَيِّبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ وسَلامٌ لَكَ. والقِراءَةُ في قَوْلِهِ " وحُسْنُ مَآبٍ" بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَدُلُّكَ عَلى مَحَلَّيْها. واللّامُ في ﴿لَهُمْ﴾ لِلْبَيانِ مِثْلَها في (سُقْيًا لَكَ)، والواوُ في (طُوبى) مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. قالَ ثَعْلَبٌ: قُرِئَ ((طُوبًى لَهُمْ)) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ الفاسِيُّ: ومَن نَوَّنَ ﴿طُوبى﴾ جَعَلَهُ مَصْدَرًا بِغَيْرِ ألِفٍ، كَسُقْيا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها كَلِمَةٌ أعْجَمِيَّةٌ، وفي (لِسانِ العَرَبِ) عَنْ قَتادَةَ، أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: طُوبى لَكَ إنْ فَعَلْتْ كَذا وكَذا، وأنْشَدَ:

؎طُوبى لِمَن يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالقُرى ورِسْلًا بِيَقْطِينِ العِراقِ وفُومِها

الرِّسْلُ: اللَّبَنُ، والطَّوْدُ: الجَبَلُ، والفُومُ: الخُبْزُ والحِنْطَةُ. كَذا في (تاجِ العَرُوسِ).

30

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾

﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: لِتُبَلِّغَهم هَذا الوَحْيَ العَظِيمَ والذِّكْرَ الحَكِيمَ، كَما بَلَّغَ مَن خَلا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ أُمَمَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةَ، الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، والعُدُولُ إلى المَظْهَرِ الدّالِّ عَلى الرَّحْمَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وإلى أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ هَذا الوَحْيِ الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإلى أنَّ الرَّحْمَنَ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى ونُعُوتِهِ العُلْيا، وقَدْ كانُوا يَتَجافَوْنَ هَذا الِاسْمَ الكَرِيمَ. ولِهَذا لَمْ يَرْضَوْا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَكْتُبُوا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقالُوا: ما نَدْرِي ما الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؟ كَما في الصَّحِيحِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««أحَبُّ الأسْماءِ إلى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ»» .

﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وأنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ: ﴿رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ أيْ: تَوْبَتِي وإنابَتِي. فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ غَيْرُهُ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى عَظَمَةِ هَذا الوَحْيِ وتَفْضِيلِهِ عَلى ما سِواهُ بِقَوْلِهِ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.