Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 123

101

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allah when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القِصَصِ أشَدُّ تَهْدِيدٍ وأعْظَمُ وعِيدٍ لِمَن لَهُ تَبْصِرَةٌ، صَرَّحَ لِغَلِيظِي الأكْبادِ بِأنَّ المُوجِبَ لِلْإيقاعِ بِهِمْ إنَّما هو الظُّلْمُ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى نَحْوِ أنْ يُقالَ: فَعَلْنا بِهِمْ وأنْبَأْناكَ بِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِنهُ ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ واعْتَمَدُوا عَلى أنْدادِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ جَنابِنا آمَنِينَ مِن عَذابِنا فَأخَذْناهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِنا أنَّهُ ما ﴿أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي﴾ وصَوَّرَ حالَهُمُ الماضِيَةَ فَقالَ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: دَعَوْها واسْتَمَرُّوا عَلى دُعائِهِمْ لَها إلى حِينِ الأخْذِ، [وبَيَّنَ خِسَّةَ رُتْبَتِها فَقالَ]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ وذَكَرَ مَفْعُولَ ”أغْنَتْ“ مُعَرَّقًا في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وإنْ قَلَّ ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ﴾ أيْ: عَذابُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ عَنْ أُمَّتِكَ وجَعَلَكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿وما زادُوهُمْ﴾ في أحْوالِهِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم قَبْلَ عِبادَتِهِمْ إيّاها ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: إهْلاكٍ وتَخْسِيرٍ، فَإنَّهم كانُوا في عِدادِ مَن يُرْجى فَلاحُهُ، فَلَمّا تَوَرَّطُوا في عِبادَتِها ونَشِبُوا في غَوايَتِها وبَعُدُوا عَنِ الِاسْتِقامَةِ بِضَلالَتِها خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ المالِ فَكَيْفَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالأرْباحِ؛ والقَصُّ: إتْباعُ الأثَرِ، فَهو هُنا الإخْبارُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الطّالِبِ الفِعْلَ مِن غَيْرِهِ، ونِداءُ الشَّيْءِ [بِاسْمِهِ] بِحَرْفِ النِّداءِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرادانِ؛ و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَةِ عِبادَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ مِنَ الأدْوَنِ، وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والتَّبُّ: الهَلَكُ والخُسْرُ.

102

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ رَمْيَ قُلُوبِ العَرَبِ بِما فِيهِ مِن سِهامِ التَّهْدِيدِ لِيُقْلِعُوا عَمّا تَمَكَّنُوا فِيهِ مِن عَمى التَّقْلِيدِ، قالَ تَعالى مُعْلِمًا بِأنَّ الَّذِي أوْقَعَ بِأُولَئِكَ لِظُلْمِهِمْ [و] هو لِكُلِّ ظالِمٍ بِالمِرْصادِ سَواءٌ ظَلَمَ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ العَظِيمِ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ ذَكَرَهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ ما لَهُ إلَيْهِ مِنَ البِرِّ لِئَلّا يَخافَ عَلى قَوْمِهِ مِن مِثْلِ هَذا الأخْذِ ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها وإنْ كانُوا غَيْرَ مَن تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم وإنْ عَظُمُوا وكَثُرُوا، ولَكِنَّ الإخْبارَ عَنْها أهْوَلُ لِأنَّهُ يُفْهِمُ أنَّهُ رُبَّما يَعُمُّها الهَلاكُ لِأجْلِهِمْ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مِن فِعْلِهِمْ كَقُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ».

ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا الآخِذِ لا يُدانِيهِ مَخْلُوقٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَلَكٌ، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ قاطِعٌ لِلْآمالِ مالِئُ البَدَنِ والرُّوحِ والنَّفْسِ بِالنَّكالِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: صَعْبٌ مُفَتِّتٌ لِلْقُوى، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ هَنا باسِمِ الرَّبِّ \ مُضِيفًا لَهُ إلى المُنَبَّأِ بِهَذِهِ الأنْباءِ مُكَرِّرًا لِذَلِكَ في هَذا المَقامِ الَّذِي رُبَّما سَبَقَ فِيهِ الوَهْمُ إلى أنَّهُ بِاسْمِ الجَبّارِ والمُنْتَقِمِ مَثَلًا ألْيَقُ، إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَبِّيكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ في إظْهارِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وانْقِيادِ العُظَماءِ لِأمْرِكَ وذُلِّ الأعِزَّةِ لِسَطْوَتِكَ وخَفْضِ الرُّؤُوسِ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ، فَلا تَتَكَلَّفْ أنْتَ شَيْئًا مِن قَصْدِ إجابَتِهِمْ إلى إنْزالِ آيَةٍ أوْ تَرْكِ ما يَغِيظُ مِن إنْذارٍ ونَحْوِ ذَلِكَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

103

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

ولَمّا كانَ مِمّا جَرَّ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ المَواعِظَ تَكْذِيبُهم لِما يُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ النّاشِئِ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] - الآياتِ. أشارَ تَعالى إلى تَحَقُّقِ أمْرِ الآخِرَةِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ، وإعْلامًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَحَقَّقَ إيقاعُهُ مِن عَذابِ هَذِهِ الأُمَمِ في القُدْرَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ جُحُودِهِمْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِمّا مَضى دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأِ العَظِيمِ والقَصَصِ والوَعْظِ بِما يُذْكَرُ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: لَعَلامَةً عَظِيمَةً ودَلالَةً بَتَّةً. ولَمّا كانَ وُجُودُ الشَّيْءِ عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا نَفْعَ لَهُ بِهِ، قالَ: ﴿لِمَن خافَ عَذابَ﴾ يَوْمِ الحَياةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ نَفْعٌ خاصٌّ بِهِ، وإنَّما كانَ آيَةً لَهُ لِأنَّهُ إذا نَظَرَ إلى إهْلاكِهِ لِلظّالِمِينَ إهْلاكًا عامًّا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وإنْجائِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَ كُلًّا بِما فَعَلَ، فَإذا رَأى أنَّ ظُلْمَهُ كَثِيرِينَ يَمُوتُونَ بِغَيْرِ انْتِقامٍ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن يَوْمٍ يُجازِيهِمْ فِيهِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي أخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، وزادَ في الإشارَةِ إلى تَهْوِيلِهِ بِإعادَةِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ﴾ وأشارَ - إلى يُسْرِ البَعْثِ وسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ وأنَّهُ [أمْرٌ ثابِتٌ] لا بُدَّ مِنهُ - بِاسْمِ المَفْعُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ أيْ: لِإظْهارِ العَدْلِ فِيهِ والفَضْلِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ والِاضْطِرابِ، وما ثَمَّ يَوْمٌ غَيْرُهُ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أصْلًا.

ولَمّا لَمْ يَسْبِقُهُ يَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وجَمِيعُ الحَيَواناتِ أحْياءً، وكانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِأنْ تُعَدَّ شَهادَةُ غَيْرِهِ عَدَمًا فَقالَ تَعالى: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: هو نَفْسُهُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، فَيَكُونُ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ بِدَلالَةِ المَقامِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُشْهَدَ، وتَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى حُضُورِهِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأُمُورِ والأهْوالِ العِظامِ والمَواقِفِ الصَّعْبَةِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ شُغْلٌ إلّا نَظَرُ ما فِيهِ والإحاطَةُ بِحَوادِثِهِ خَوْفَ التَّلافِ ورَجاءَ الخَلاصِ؛ والآيَةُ: العَلامَةُ العَظِيمَةُ لِما فِيها مِنَ البَيانِ عَنِ الأمْرِ الكَبِيرِ؛ والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الشَّرِّ، وضِدُّهُ الأمْنُ وهو سُكُونُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الخَيْرِ؛ والعَذابُ: اسْتِمْرارُ الألَمِ.

104

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ

And We do not delay it except for a limited term.

ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: نَحْنُ قادِرُونَ عَلى تَعْجِيلِهِ، وهو - كَما أشَرْنا إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ - عِنْدَنا مَتى شِئْنا في غايَةِ السُّهُولَةِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمَ أوِ الجَزاءَ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إيجادِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لأجَلٍ﴾ أيْ: لِأجْلِ انْتِهاءِ أجَلٍ ﴿مَعْدُودٍ﴾ سَبَقَ في الأزَلِ تَقْدِيرُهُ مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وكُلُّ شَيْءٍ في حُكْمِهِ، فَهو لا يَخْشى الفَوْتَ؛ ومادَّةُ ”أجَلَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: أجَلَ وجَألَ وجَلَأ ولَجَأ تَدُورُ عَلى المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ لِلشَّيْءِ، فالأجَلُ - مُحَرَّكَةً: مُدَّةُ الشَّيْءِ وغايَةُ الوَقْتِ في المَوْتِ وحُلُولِ الدَّيْنِ مِن تَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ، والتَّأْجِيلُ: تَحْدِيدُ الأجَلِ، ويَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، ومِنهُ أجِلَ الشَّيْءُ كَفَرِحَ - إذا تَأخَّرَ، والآجِلَةُ: الآخِرَةُ، وأجَلَ الشَّيْءَ - بِالفَتْحِ: حَبْسَهُ ومَنَعَهُ، لِأنَّ الأجَلَ حابِسٌ ومانِعٌ لِلْمُؤَجَّلِ، ومِنهُ أجْلى كَجَمَزى، وهو مَرْعًى لَهم مَعْرُوفٌ كَأنَّهُ لِحُسْنِهِ يُحْبَسُ الرّاعِي فِيهِ، وأجَلَ الشَّرَّ عَلَيْهِمْ: حَناهُ وأثارَهُ وهَيَّجَهُ، ولِأهْلِهِ: كَسَبَ وجَمَعَ واحْتالَ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن لَوازِمِ ذِي الأجَلِ، أوِ المَعْنى أنَّهُ أوْجَدَ أجَلَ ذَلِكَ، وكَمَقْعَدٍ ومُعْظَمٍ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ، لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ إحاطَةَ الأجَلِ بِالمُؤَجَّلِ، وأجَلَّهُ فِيهِ تَأْجِيلًا: جَمَعَهُ فَتَأجَّلَ، والمَأْجَلُ: الحَوْضُ يُحْبَسُ فِيهِ الماءُ، وأجَّلُوا ما لَهُمْ: حَبَسُوهُ في المَرْعى، والأجِلُ - بِالكَسْرِ: قَطِيعٌ مِن بَقَرِ الوَحْشِ، تَشْبِيهًا لَهُ في اجْتِماعِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أحْصَنُ لَهُ بِالأجَلِ لِأنَّهُ - كَما قِيلَ - حِصْنٌ حَصِينٌ، والأجِلُ - بِالكَسْرِ أيْضًا: وجَعٌ في العُنُقِ، لِأنَّهُ مِن أسْبابِ حُلُولِ الأجَلِ، وأجَلَهُ: داواهُ مِنهُ، وبِالضَّمِّ جَمْعُ أجِيلٍ لِلْمُتَأخِّرِ ولِلْمُجْتَمِعِ مِنَ الطِّينِ يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ، لِإحاطَتِهِ بِها إحاطَةَ الأجَلِ وتَحْصِينَهُ لَها، وتَأجَّلَ القَوْمُ: تَجَمَّعُوا، لِأنَّ التَّجَمُّعَ أحْصَنُ لَهُمْ، وأجَلْ - بِفَتْحَتَيْنِ ثُمَّ سُكُونٍ: جَوابٌ كَنَعَمْ وزْنًا ومَعْنًى إلّا أنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ في التَّصْدِيقِ، ونَعَمْ مِنهُ في الِاسْتِفْهامِ، وحَقِيقَةُ ذَلِكَ الإخْبارِ بِأنَّ أجَلَ - أيْ وقْتَ - ذَلِكَ الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ قَدْ حَضَرَ، وفَعَلْتُ ذَلِكَ أجْلَكَ - مِن غَيْرِ ”مِن“ - ومِن أجْلِكَ، ومِن أجْلاكَ [ومِن أجَلالِكَ] ويُكْسَرُ في الكُلِّ، أيْ مِن جَلَلِكَ - قالَهُ في القامُوسِ، وقالَ في فَصْلِ الجِيمِ: وفَعَلْتُهُ مِن جُلِّكَ - بِالضَّمِّ - وجَلالِكَ وجَلَلِكَ - مُحَرَّكَةً - وتَجِلَّتِكَ وإجْلالِكَ - بِالكَسْرِ، ومِن أجْلِ إجْلالِكَ ومِن أجْلِكَ بِمَعْنًى - انْتَهى.

وحَقِيقَتُهُ أنْ فَعَلِي مُبْتَدَأٌ مِن أجَلِكَ - بِالتَّحْرِيكِ، أوْ تَكُونُ ”مِن“ سَبَبِيَّةً، أيْ أجَلُكَ سَبَبٌ فِيهِ، ولَوْلا وُجُودُكَ ما فَعَلْتُهُ فَهو لِتَعْظِيمِكَ؛ والمَلْجَأُ واللَّجَأُ - مُحَرَّكَةً: المَعْقِلُ والمَلاذُ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالأجَلِ، ومِنهُ لَجَأ إلَيْهِ - كَمَنَعَ وفَرَحَ: لاذَ، وألْجَأ أمْرَهُ إلى اللَّهِ: أسْنَدَهُ، وألْجَأ فُلانًا إلى كَذا: اضْطَرَّهُ، والتَّلْجِئَةُ: الإكْراهُ، واللَّجَأُ - مُحَرَّكًا: الضُّفْدَعُ، لِالتِجائِها إلى الماءِ؛ ومِن ذَلِكَ الجَيْألُ - كَصَيْقَلٍ، وجَيْألُ وجَيْألَةُ مَمْنُوعَيْنِ، وجِيلَ بِلا هَمْزِ …

105

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَكُونُ حالُ النّاسِ إذا أتى ذَلِكَ الأجَلُ وفِيها الجَبابِرَةُ والرُّؤَساءُ وذَوُو العَظَمَةِ والكُبَراءُ! أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأجَلُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ بَلْ ولا عَلى مُطْلَقِ الكَلامِ، وحَذَفَ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ الياءَ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرَةِ كَما هو فاشٍ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ شِدَّةَ هَوْلِهِ تَمْنَعُ أهْلَ المَوْقِفِ الكَلامَ أصْلًا في مِقْدارِ ثُلُثَيْهِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهم في الكَلامِ في الثُّلْثِ الآخَرِ بِدَلالَةِ المَحْذُوفِ وقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ العادَةَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ ولَوْ أقَلَّ كَلامٍ بِدَلالَةِ حَذْفِ التّاءِ ﴿نَفْسٌ﴾ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ الآخِرَةِ، وهو ظَرْفُ هَذا الأجَلِ وهو يَوْمٌ طَوِيلٌ جِدًّا ذُو ألْوانٍ وفُنُونٍ وأهْوالٍ وشُؤُونٍ، تارَةً يُؤْذَنُ فِيهِ في الكَلامِ، وتارَةً يَكُونُ عَلى الأفْواهِ الخِتامُ، وتارَةً يُسْكِتُهُمُ الخَوْفُ والحَسْرَةُ والآلامُ، وتارَةً يُنْطِقُهُمُ الجِدالُ والخِصامُ ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِ رَبِّكَ المُكَرَّرِ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ إشارَةً إلى حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وإحْكامِ التَّدْبِيرِ.

ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَوْمُ عَظَمَةٍ وقَهْرٍ، سُبِّبَ عَنْ تِلْكَ العَظَمَةِ تَقْسِيمُ الحاضِرِينَ فَقالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيِ الخَلائِقِ الحاضِرِينَ لِأمْرِهِ ﴿شَقِيٌّ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ فَيُسِّرَ في الدُّنْيا لِأعْمالِها ﴿وسَعِيدٌ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَمَشى عَلى مِنوالِها؛ والتَّأْخِيرُ: الإذْهابُ عَنْ جِهَةِ الشَّيْءِ بِالإبْعادِ مِنهُ، وضِدُّهُ التَّقْدِيمُ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ واللّامُ تَدُلُّ عَلى العِلَّةِ والغَرَضِ والحِكْمَةِ بِخِلافِ ”إلى“؛ والشَّقاءُ: قُوَّةُ أسْبابِ البَلاءِ.

106

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، بَدَأ تَعالى بِالأشْقِياءِ تَرْتِيبًا لِلنَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: أدْرَكَهُمُ العُسْرُ والشِّدَّةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ لَهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ الَّتِي هي النّارُ لَوْ عَلِمْتُمْ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿وشَهِيقٌ﴾ مِن زَفَرَ - إذا أخْرَجَ نَفَسَهُ بَعْدَ مَدِّهِ إيّاهُ، وشَهِيقٌ - إذا تَرَدَّدَ البُكاءُ في صَدْرِهِ - قالَهُ في القامُوسِ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ: الزَّفِيرُ خُرُوجُ أنْفاسِهِمْ، والشَّهِيقُ: وُلُوجُ أنْفاسِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: الزَّفِيرُ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِن صَوْتِهِ إذا رَدَّهُ في جَوْفِهِ، وسَيَأْتِي كَلامُ الرُّمّانِيِّ في ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: بِلا انْقِطاعٍ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾

ولَمّا كانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ وهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ [أيْ مُدَّةً شاءَها؛ فَإنَّهُ لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ فِيها فَلا يَدْخُلُونَها].

ولَمّا كانَ الحالُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا - كَما تَقَدَّمَ - لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِهَذِهِ القِصَصِ كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْسُنُ إلَيْهِ بِكُلِّ ما يَسُرُّ قَلْبَهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾ وقَدْ جَرى النّاسُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ظاهِرِهِ ثُمَّ أطالُوا الِاخْتِلافَ في تَعْيِينِ المُدَّةِ المُسْتَثْناةِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ الجَزْمُ بِالخُلُودِ في الدّارَيْنِ وأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ والإيمانَ مُوجِبٌ لِلْجَنَّةِ فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ كَما ظَنَّهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما إذا تُؤَمِّلُ القَطْعُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَ تَقْيِيدِ غَيْرِهِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] جاءَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُعْلِمًا أنَّ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ في كُلِّها ما يَشاءُ وإنْ جَزَمَ القَوْلَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ غَيْرُ ما أخْبَرَ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ عُمْرَكَ إلّا ما شاءَ زَيْدٌ، وقَدْ لا يَشاءُ زَيْدٌ شَيْئًا، فَكَما أنَّ التَّعْلِيقَ بِدَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْرُ مُرادِ الظّاهِرِ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ لا يَشاءُ اللَّهُ قَطْعَ الخُلُودِ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وسَوْقُهُ هَكَذا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأعْظَمُ في تَقْلِيدِ المِنَّةِ، ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ أبا أحْمَدَ البَغَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا آخِرَ ما أوْرَدَهُ في تَفْسِيرِهِ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومَثَّلَهُ بِأنْ تَقُولَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إنْ أرى، وعَزِيمَتُكُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَزاهُ الطَّحاوِيُّ في بَيانِ المُشْكِلِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ.

ولَمّا كانَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ مِنَ الحُكْمِ …

107

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، بَدَأ تَعالى بِالأشْقِياءِ تَرْتِيبًا لِلنَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: أدْرَكَهُمُ العُسْرُ والشِّدَّةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ لَهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ الَّتِي هي النّارُ لَوْ عَلِمْتُمْ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿وشَهِيقٌ﴾ مِن زَفَرَ - إذا أخْرَجَ نَفَسَهُ بَعْدَ مَدِّهِ إيّاهُ، وشَهِيقٌ - إذا تَرَدَّدَ البُكاءُ في صَدْرِهِ - قالَهُ في القامُوسِ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ: الزَّفِيرُ خُرُوجُ أنْفاسِهِمْ، والشَّهِيقُ: وُلُوجُ أنْفاسِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: الزَّفِيرُ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِن صَوْتِهِ إذا رَدَّهُ في جَوْفِهِ، وسَيَأْتِي كَلامُ الرُّمّانِيِّ في ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: بِلا انْقِطاعٍ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾

ولَمّا كانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ وهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ [أيْ مُدَّةً شاءَها؛ فَإنَّهُ لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ فِيها فَلا يَدْخُلُونَها].

ولَمّا كانَ الحالُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا - كَما تَقَدَّمَ - لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِهَذِهِ القِصَصِ كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْسُنُ إلَيْهِ بِكُلِّ ما يَسُرُّ قَلْبَهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾ وقَدْ جَرى النّاسُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ظاهِرِهِ ثُمَّ أطالُوا الِاخْتِلافَ في تَعْيِينِ المُدَّةِ المُسْتَثْناةِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ الجَزْمُ بِالخُلُودِ في الدّارَيْنِ وأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ والإيمانَ مُوجِبٌ لِلْجَنَّةِ فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ كَما ظَنَّهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما إذا تُؤَمِّلُ القَطْعُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَ تَقْيِيدِ غَيْرِهِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] جاءَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُعْلِمًا أنَّ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ في كُلِّها ما يَشاءُ وإنْ جَزَمَ القَوْلَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ غَيْرُ ما أخْبَرَ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ عُمْرَكَ إلّا ما شاءَ زَيْدٌ، وقَدْ لا يَشاءُ زَيْدٌ شَيْئًا، فَكَما أنَّ التَّعْلِيقَ بِدَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْرُ مُرادِ الظّاهِرِ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ لا يَشاءُ اللَّهُ قَطْعَ الخُلُودِ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وسَوْقُهُ هَكَذا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأعْظَمُ في تَقْلِيدِ المِنَّةِ، ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ أبا أحْمَدَ البَغَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا آخِرَ ما أوْرَدَهُ في تَفْسِيرِهِ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومَثَّلَهُ بِأنْ تَقُولَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إنْ أرى، وعَزِيمَتُكُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَزاهُ الطَّحاوِيُّ في بَيانِ المُشْكِلِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ.

ولَمّا كانَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ مِنَ الحُكْمِ …

108

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

ولَمّا تَمَّ أمْرُ الأشْقِياءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَسِيمَهم فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أيْ: فازُوا بِمَطالِبِهِمْ وتَيَسَّرَ أمْرُهم ﴿فَفِي الجَنَّةِ﴾ أيِ الَّتِي صارَتْ مَعْلُومَةً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ دائِمًا أبَدًا ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في إرادَةِ التَّأْبِيدِ بِلا آخِرَ بِمِثْلِ هَذا ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما قُلْتُ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً﴾ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ: مَقْطُوعٍ [ولا مَكْسُورٍ ولا مَفْصُولٍ - لِعَطاءٍ مِنَ الأُعْطِيَّةِ ولا مُفَرَّقٍ ولا مُسْتَهانٍ بِهِ]: لِأنَّهم لَوِ انْفَكُّوا مِنَ النَّعِيمِ حَقِيقَةً أوْ مَعْنًى ولَوْ لَحْظَةً لَكانَ مَقْطُوعًا [أوْ مَنقُوصًا]؛ وفي الخَتْمِ بِذَلِكَ مِنَ الجَزْمِ بِالدَّوامِ طُمَأْنِينَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ عَكْسَ ما كانَ لِأهْلِ النّارِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ الرُّمّانِيُّ: والزَّفِيرُ: تَرْدِيدُ النَّفَسِ مَعَ الصَّوْتِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ، وأصْلُهُ الشِّدَّةُ مِنَ المَزْفُورِ الخَلْقِ، والزَّفْرُ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ، لِشِدَّتِهِ، والزَّفْرُ: السَّيِّدُ لِأنَّهُ يُطِيقُ حَمْلَ الشَّدائِدِ، وزَفَرَتِ النّارُ - إذا سَمِعْتَ لَها صَوْتًا في شِدَّةِ تَوَقُّدِها، والشَّهِيقُ: صَوْتٌ فَظِيعٌ يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِمَدِّ النَّفَسِ، وأصْلُهُ الطُّولُ المُفْرِطُ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ مُمْتَنِعٌ طُولًا؛ والخالِدُ: الكائِنُ في الشَّيْءِ أبَدًا، والدّائِمُ: الباقِي أبَدًا، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِالدّائِمِ دُونَ الخالِدِ.

109

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ

So do not be in doubt, [O Muhammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

ولَمّا أخْبَرَهُ تَعالى بِوُقُوعِ القَضاءِ بِتَمْيِيزِ النّاسِ في اليَوْمِ المَشْهُودِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الحُكْمِ المَشْرُوحِ مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا، كانَ ذَلِكَ كافِيًا في الثَّباتِ عَلى أمْرِ اللَّهِ والمُضِيِّ لِإنْفاذِ جَمِيعِ ما أُرْسِلَ بِهِ وإنْ شَقَّ اعْتِمادًا عَلى النُّصْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِحَضْرَةِ تِلْكَ الجُمُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّهْيِ عَنِ القَلَقِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وإنْ جَلَّ وقْعُهُ وتَعاظَمَ خَطْبُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلا﴾ ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّقْسِيمُ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا، اقْتَضى عَظِيمَ تَشَوُّفِ النَّفْسِ وشَدِيدَ شَوْقِها لِعِلْمِ ما سُبِّبَ عَنْهُ، فاقْتَضى ذَلِكَ حَذْفَ النُّونِ مِن ”كانَ“ إيجازًا في الكَلامِ لِلْإسْراعِ بِالإيقافِ عَلى المُرادِ [والإبْلاغِ في نَفْيِ الكَوْنِ عَلى أعْلى الوُجُوهِ] فَقالَ: ﴿تَكُ﴾ [أيْ في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ] ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ والمِرْيَةُ: الشَّكُّ مَعَ ظُهُورِ الدَّلالَةِ لِلتُّهْمَةِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ فِعْلَ مَن هو في مِرْيَةٍ بِأنْ تَضْطَرِبَ مِن أجْلِ ما يَعْبُدُونَ مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِمْ مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ [فِي] كُلِّ حَيٍّ فَتُنْجِعَ نَفْسَكَ في إرادَةِ مُبادَرَتِهِمْ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ في النُّزُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِالكَفِّ عَنْ مُكاشَفَتِهِمْ بِغائِظِ الإنْذارِ والطَّلَبِ لِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ رَجاءَ الِازْدِجارِ كَما مَضى \ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ مَرى - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الطَّرْحُ والفَصْلُ: رَمى يَرْمِي رَمْيًا، والمِرْماةُ: ظِلْفُ الشّاةِ لِأنَّهُ يُطْرَحُ، والرَّمْيُ: قِطَعٌ مِنَ السَّحابِ رِقاقٌ؛ والرِّيمُ: البَراحُ، ما يَرِيمُ يَفْعَلُ كَذا: ما يَزالُ، والرِّيمُ: الدُّرْجُ لِلِاضْطِرابِ فِيها، والقَبْرُ لِنَبْذِهِ في جانِبٍ مِنَ الأرْضِ وطَرْحُ المَيِّتِ فِيهِ، ورِيمَ فُلانٌ بِالمَكانِ: أقامَ بِهِ مُجاوِزًا لِغَيْرِهِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ كَأنَّهُ رَمى بِنَفْسِهِ فِيهِ، ورَيَّمَتِ السَّحابَةُ - إذا دامَتْ فَلَمْ تُقْلِعْ، لِأنَّ مِن شَأْنِها رَمْيَ القَطْرِ، ومَرى الضَّرْعَ: مَسَحَهُ لِلْحَلْبِ، والرِّيحُ تُمْرِي السَّحابَ، والمَرْيُ: المَعِدَةُ لِقَذْفِها ما فِيها، والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، أيْ تَزَلْزُلُ الِاعْتِقادِ، والمِيرَةُ: جَلْبُ الطَّعامِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى خَبَرًا هو بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ العِبادَةَ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ ﴿إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ عِبادَتُهم في قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ الماضِي أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ إذا كُشِفَ عَنْها القِناعُ رَجَعُوا، بَلْ لِمَحْضِ تَقْلِيدِ الآباءِ مَعَ اسْتِحْضارِهِمْ لِتَلَبُّسِهِمْ بِالعِبادَةِ كَأنَّهم حاضِرُونَ لَدَيْهِمْ يُشاهِدُونَهم مَعَ العَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ كَما كانَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أخْبارَهم مِنَ الأُمَمِ في تَقْلِيدِ الآباءِ سَواءٌ بِسَواءٍ مَعَ عَظِيمِ شَكِيمَتِهِمْ وشِدَّةِ عَصَبَتِهِمْ لِلْأجانِبِ فَكَيْفَ بِالأقارِبِ! فَكَيْفَ بِالآباءِ! فَأقِمْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِإبْلاغِ جَمِيعِ ما نَأْمُرُكَ بِهِ كَما فَعَلَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أنْباءَهم مِن إخْوانِكَ مِنَ الرُّسُلِ غَيْرَ مُخْطِرٍ في البالِ شَيْئًا مِمّا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلى أنْ يَنْفُذَ ما نُرِيدُ مِن أوامِرِنا كَما …

110

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning the Qur'an, in disquieting doubt.

ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ إعْراضَهم عَنِ الإتْباعِ مَعَ ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وأُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابِ، سَلّاهُ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ الحالَ إذا عَمَّ خَفَّ، وابْتَدَأ ذِكْرَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ بِما دَعا إلى تَوَقُّعِهِ مِن قُرْبِ ذِكْرِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ مَعَ ذِكْرِ كِتابِهِ أوَّلَ السُّورَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ الجامِعَةَ لِلْخَيْرِ.

ولَمّا كانَ الضّارُّ والمُسَلِّي نَفْسَ الِاخْتِلافِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ مَعَ أنَّهُ إمامٌ ورَحْمَةٌ وكَتَبَ سُبْحانَهُ لَهُ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وكانَ مُعْجِبًا لِأهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ [كَما اخْتُلِفَ في كِتابِكَ مَعَ إعْجابِهِ لِأهْلِ هَذا الزَّمانِ] وبَيانِهِ لِلْهُدى أتَمَّ بَيانٍ، إشارَةً إلى أنَّ الخَلْقَ مَهْما جاءَهم عَنِ اللَّهِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مَصْحُوبًا بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ نَأوْا عَنْهُ واخْتَلَفُوا فِيهِ، ومَهْما تَلَقَّفُوهُ عَنْ آبائِهِمْ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ وناضَلُوا عَنْهُ وسَمَحُوا فِيهِ بِالمُهَجِ وإنْ كانَ مُنابِذًا لِلْعُقُولِ، فَكانَ قَوْمُ مُوسى بِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ كُلَّ قَلِيلٍ يَأْبى فَرِيقٌ مِنهم بَعْضَ أحْكامِهِ ويُرِيدُونَ نَقْضَ إبْرامِهِ كَما سَلَفَ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ وسِفْرِ يُوشَعَ إلى أنْ آلَ أمْرُهُمُ الآنَ إلى أنْ صارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: رَبّانِيِّينَ، وقَرابِينَ، وسامِرَةً؛ يُضَلِّلُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالأخْذِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ كَما فُعِلَ بِمَن قُصَّ أمْرُهُ مِنَ الأُمَمِ لِما سَبَقَ مِن حُكْمِهِ بِتَأْخِيرِهِمْ إلى الأجَلِ المَعْدُودِ، وفَصَلَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ مَعَ ما دَعا إلى تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ أوْقَعَ في التَّسْلِيَةِ وأبْلَغَ في التَّعْزِيَةِ والتَّأْسِيَةِ كَما هو شَأْنُ \ كُلِّ ما أُلْقِيَ إلى المُحْتاجِ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُها لِأنَّها مِن كَلامِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ [أيْ] المُحْسِنِ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ ﴿لَقُضِيَ﴾ أيْ: لَوَقَعَ القَضاءُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ مَنِ اخْتَلَفَ في كِتابِ مُوسى عاجِلًا، ولَكِنْ سَبَقَتِ الكَلِمَةُ أنَّ القَضاءَ الكامِلَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يونس: ٩٣] - الآيَةَ.

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الكُفْرِ بَيَّنَ أنَّهُ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ تُنْكِرُ شَكَّها فِيهِ وفِعْلُها فِعْلُ الشّاكِّ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ﴾ أيْ: عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِهِمْ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القَضاءِ أوِ الكِتابِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرَّيْبِ والتُّهْمَةِ والِاضْطِرابِ مَعَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الَّتِي مِنها سَماعُ كَلامِ اللَّهِ ورُؤْيَةُ ما كانَ يَتَجَلّى في جَبَلِ الطُّورِ مِنَ الجَلالِ ويَتَبَدّى لَهم في قُبَّةِ الزَّمانِ مِن خارِقِ الأحْوالِ

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.