Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 109

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book

سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ

وهِيَ أُولى المِئِينَ إنْ جَعَلْنا بَراءَةَ مَعَ الأنْفالِ مِنَ الطُّولِ، وإلّا فَبَراءَةُ أُولاهُنَّ، مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وذَلِكَ دالٌّ بِلا رَيْبٍ عَلى أنَّهُ واحِدٌ في مُلْكِهِ لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، وتَمامُ الدَّلِيلِ عَلى هَذا قِصَّةُ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم لَمّا آمَنُوا عِنْدَ المَخايِلِ كُشِفَ عَنْهُمْ، فَدَلَّ قَطْعًا عَلى أنَّ الآتِيَ بِهِ هو اللَّهُ الَّذِي آمَنُوا بِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَكانَ إيمانُهم بِهِ مُوجِبًا لِلْإيقاعِ بِهِمْ، ولَوْ عُذِّبُوا كَغَيْرِهِمْ لَقِيلَ: هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ، كَما قالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عَذابَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ إنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِكُفْرِهِمْ لِما اتَّسَقَ مِن ذَلِكَ طَرْدًا بِأحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ مِن أنَّهُ كُلَّما وُجِدَ الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ وُجِدَ العَذابُ، وعَكْسًا مِن أنَّهُ كُلَّما انْتَفى في وقْتٍ يَقْبَلُ قَبُولَ التَّوْبَةِ انْتَفى - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ فَلا كَلامَ يُشْبِهُ كَلامَهُ فَلا كُفْءَ لَهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ بِكَلامِهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ فَأوْضَحَ البَيانَ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي أتَمَّ لِمُطِيعِهِمْ نِعْمَةَ الِامْتِنانِ ﴿الر﴾ فَخَمَّ الرّاءَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأمالَها ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بَيْنَ بَيْنَ، والباقُونَ بِالإمالَةِ المَحْضَةِ، والأصْلُ في ذَلِكَ الفَتْحُ، وكَذا ما كانَ مِن أمْثالِها مِمّا ألِفاتُها لَيْسَتْ مُنْقَلِبَةً عَنْ ياءٍ نَحْوَ: ما ولا، وإمالَتُها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها أسْماءٌ لِلْحُرُوفِ ولَيْسَتْ حُرُوفًا - نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الواحِدِيِّ.

لَمّا قَدَّمَ في أوَّلِ الأعْرافِ الحَثَّ عَلى إبْلاغِ النَّصِيحَةِ بِهَذا الكِتابِ وفَرَغَ مِمّا اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ التَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ وقائِعِ الأوَّلِينَ ومَصارِعِ الماضِينَ ومِمّا اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ مِن تَوْصِيلِ القَوْلِ في تَرْجَمَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ قَوْمِهِ في أوَّلِ أمْرِهِ وأثْنائِهِ وآخِرَ في سُورَتَيِ الأنْفالِ وبَراءَةَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ سُوَرَ الكِتابِ تَزِيدُ كُلُّ أحَدٍ مِمّا هو مُلائِمٌ لَهُ مُتَهَيِّئٌ لِقَبُولِهِ وتُبْعِدُهُ عَمّا هو مُنافِرٌ لَهُ بَعِيدٌ مِن قَبُولِ مُلاءَمَتِهِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ بِذَلِكَ قَدْ حَوى مِنَ الأوْصافِ والحَلْيِ والأخْلاقِ العُلى ما يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والإسْراعَ إلَيْهِ. والإخْبارُ بِأنَّ تَوَلِّيَهم عَنْهُ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا؛ لِأنَّ رَبَّهُ كافِيهُ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ وأنَّهُ ذُو العَرْشِ العَظِيمِ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أعادَ سُبْحانَهُ القَوْلَ في شَأْنِ الكِتابِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الأعْرافَ وخَتَمَ سُورَةَ التَّوْبَةِ، وزادَهُ وصْفَ الحَكَمِهِ وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ رُتْبَتَهُ فِيها بَعِيدَةُ المَنالِ بَدِيعَةُ المِثالِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ العَظِيمَةُ جِدًّا الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ السُّورَةُ، أوِ السُّوَرُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هَذِهِ السُّورَةَ أوْ هَذِهِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ المُشِيرَةُ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ وإلّا لَما أعْجَزَ القادِرِينَ عَلى التَّلَفُّظِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ.

﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيِ الذِّكْرِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ، وهو هَذا …

2

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌۭ مُّبِينٌ

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

ولَمّا كانَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَكِيمًا - مُوجِبًا لِقَبُولِهِ بادِئَ بَدْءٍ والسُّرُورِ بِهِ لِما تَقَرَّرَ في العُقُولِ وجُبِلَتْ عَلَيْهِ الفِطَرُ مِن أنَّهُ تَعالى الخالِقُ الرّازِقُ كاشِفُ الضُّرِّ ومُدَبِّرُ الأمْرِ، كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: ما كانَ حالُ مَن تُلِيَ عَلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: لَمْ يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ: ما شُبْهَتُهُمْ؟ هَلْ قَدَرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ والطَّعْنِ في حِكْمَتِهِ؟ فَقِيلَ: لا! بَلْ تَعَجَّبُوا مِن إنْزالِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ولَيْسَ بِأكْثَرِهِمْ مالًا ولا بِأقْدَمِهِمْ سِنًّا، فَرَجَعَ حاصِلُ تَعَجُّبِهِمْ إلى ما قالَهُ تَعالى إنْكارًا عَلَيْهِمْ. فَإنَّهُ لَوْ أرْسَلَ ذا سِنٍّ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مَحَلَّ العَجَبِ! ﴿أكانَ﴾ [أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ] ﴿لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ إلى المَعالِي، والعَجَبُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ مِمّا خَرَجَ عَنِ العادَةِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الحامِلَ عَلى العَجَبِ وهو اسْمُ ”كانَ“ فَقالَ بَعْدَ ما حَصَلَ لَهم شَوْقٌ إلَيْهِ: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ أيْ: ألْقَيْنا أوامِرَنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِواسِطَةِ رُسُلِنا في خَفاءٍ [مُنْهِينَ] ﴿إلى رَجُلٍ﴾ أيْ [هُوَ] في غايَةِ الرُّجُولِيَّةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ ﴿مِنهُمْ﴾ بِحَيْثُ إنَّهم يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أمْرِهِ كَما فَعَلْنا بِمَن قَبْلَهم والمَلِكُ العَظِيمُ المُلْكِ المالِكُ التّامُّ المُلْكِ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فِيما بِهِ تَظْهَرُ خُصُوصِيَّتُهُ مِن إعْلاءِ مَن شاءَ.

ولَمّا كانَ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ فَسَرَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ عامَّةً، وهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ نِداؤُهم أوَّلَ البَقَرَةِ، ما أمامَهم مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا أصْلًا أوْ إيمانًا خالِصًا يَنْفِي كُلَّ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ وكُلَّ هَفْوَةٍ جَلِيلَةٍ أوْ حَقِيرَةٍ عَلى اخْتِلافِ الرُّتَبِ وتَبايُنِ المَقاماتِ ﴿وبَشِّرِ﴾ أيْ خُصَّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ وعَمِلُوا تَصْدِيقًا لِدَعْواهم [لَهُ] الصّالِحاتِ، أيْ مِنَ الأعْمالِ اللِّسانِيَّةِ وغَيْرِها، بِالبِشارَةِ بِقَبُولِ حَسَناتِهِمْ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ والتَّجاوُزِ عَنْ هَفَواتِهِمْ وتَرَفُّعِ دَرَجاتِهِمْ كَما كانَ إرْسالُ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وكَما هو مُقْتَضى العَدْلِ في إثابَةِ الطّائِعِ وعِتابِ العاصِي، والإنْذارُ: الإعْلامُ بِما يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ مِنهُ، والتَّبْشِيرُ: التَّعْرِيفُ بِما فِيهِ السُّرُورُ، وأضافَ القَدَمَ - الَّذِي هو السّابِقَةُ بِالطّاعَةِ - إلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ تَعالى مُوَصِّلًا لِفِعْلِ البِشارَةِ إلى المُبَشَّرِ بِهِ دُونَ حَرْفِ جَرٍّ: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ أعْمالًا حَقَّةً ثابِتَةً قَدَّمُوها لِأنْفُسِهِمْ صَدَقُوا فِيها وأخْلَصُوا فِيما يُسِّرُوا لَهُ \ لِأنَّهم خُلِقُوا لَهُ وكانَ مِمّا يُسْعى إلَيْهِ بِالأقْدامِ، [وزادَ في البِشارَةِ بِقَوْلِهِ]: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [فَفِي إضافَةِ القَدَمِ] تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُخْلَصَ [لَهُ] الطّاعَةُ كَإخْلاصِ الصِّدْقِ مِن شَوائِبِ الكَذِبِ، وفي التَّعْبِيرِ بِصِفَةِ الإحْسانِ إشارَةٌ إلى المُضاعَفَةِ.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ وما أُرْسِلَ بِهِ عَلى وفْقِ العادَةِ، انْتَفى أنْ يَكُونَ عَجَبًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَصارَ المَحَلُّ قابِلًا لِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهم فَيُقالَ: ما قالُوا حِينَ أظْهَرُوا العَجَبَ؟ ومِن أيِّ وجْهٍ رَأوْهُ عَجَبًا؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في هَذا الوَصْفِ [مِنهم وتَبِعَهم …

3

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

فَشَرَعَ سُبْحانَهُ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ مِن أنَّهُ - مَعَ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ البَعْثِ - سِحْرٌ، وعَلى حَقِيقَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، وعَلى أنَّ الرِّسالَةَ لا عَجَبَ فِيها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الوُجُودَ كُلَّهُ وهو نافِذُ الأمْرِ فِيهِ، وقَدِ ابْتَلى مَن فِيهِ مِنَ العُقَلاءِ لِيَرُدَّهم إلَيْهِ ويُحاسِبَهُمْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهم سُدًى؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، فَلا بُدَّ مِن رَسُولٍ يُخْبِرُهم بِما يُرْضِيهِ وما يُغْضِبُهُ لِتَقُومَ بِذَلِكَ الحُجَّةُ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيِ المُوجِدَ لَكم والمُرَبِّيَ والمُحْسِنَ ﴿اللَّهُ﴾ أيْ مَن رَبّى شَيْئًا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَكِيمًا وقادِرًا عَلى أسْبابِ صَلاحِهِ، فَأيْقِظُوا أنْفُسَكم مِن سِنَةِ غَفْلَتِها تَعْلَمُوا أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ [الَّذِي] لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها قَطْعًا، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِكم لِأنَّهُ رَبُّكم ﴿الَّذِي﴾ بَدَأ الخَلْقَ بِأنْ ﴿خَلَقَ﴾ أيْ قَدَّرَ وأوْجَدَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى اتِّساعِهِما وكَثْرَةِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ لِحِكْمَةٍ أرادَها عَلى أنَّ ذَلِكَ وقْتٌ يَسِيرٌ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ في مِثْلِهِ إلّا مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

ولَمّا أوْجَدَ سُبْحانَهُ هَذا الخَلْقَ الكَثِيرَ المُتَباعِدَ الأقْطارِ الواسِعَ الِانْتِشارِ المُفْتَقِرَ إلى عَظِيمِ التَّدْبِيرِ ولَطِيفِ التَّصْرِيفِ والتَّقْدِيرِ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ عَمَلِهِ فِيهِ عَمَلَ المُلُوكِ في مَمالِكِهِمْ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ أيْ عَمِلَ في تَدْبِيرِهِ وإتْقانِ ما فِيهِ وإحْكامِهِ عَمَلَ المُعْتَنِي بِذَلِكَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ المُتَقَدِّمِ وصْفُهُ بِالعَظَمَةِ، ولَيْسَتْ ”ثُمَّ“ لِلتَّرْتِيبِ بَلْ كِنايَةً عَنْ عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وبُعْدِ مَنالِها؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الِاسْتِواءَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ﴾ لِأنَّ التَّدْبِيرَ أعْدَلُ أحْوالِ المَلِكِ فالِاسْتِواءُ كِنايَةٌ عَنْهُ ﴿الأمْرَ﴾ كُلَّهُ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَحَصَلَ الأمْنُ بِهَذا مِن أنْ يُفْعَلَ شَيْءٌ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ تَنْزِيلُ الأُمُورِ في مَراتِبِها عَلى إحْكامِ عَواقِبِها، وهو مَعَ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ عَمّا تَعْرِفُونَهُ مِن أحْوالِ المُلُوكِ؛ مِن أنَّهُ يَكُونُ في مَمالِكِهِمْ مَن يَقْضِي بَعْضَ الأُمُورِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهم وإنْ عَلِمُوا بِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ المُجاهَرَةِ بِإدامَةِ دَفْعِهِ، بَلْ هو مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ ﴿ما مِن شَفِيعٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ بَلِيغَ الِاتِّصافِ بِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ تَمامُ قَهْرِهِ وعَظِيمُ سُلْطانِهِ لا يُفِيدُ أحَدًا عِنْدَ إذْنِهِ لَهُ إذْنًا عامًّا لِجَمِيعِ الأزْمانِ والأماكِنِ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ فَإذا لَمْ يَقْدِرْ شَفِيعٌ عَلى الكَلامِ في الشَّفاعَةِ إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَيْفَ يَأْتِي بِكِتابٍ حَكِيمٍ لَيْسَ مِن عِنْدِهِ يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَحَصَلَ الأمْنُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ قالَهُ أوْ شَفَعَ فِيمَن أبْلَغَهُ فَأبْلَغَهُ مِن غَيْرِ إرادَةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ، فَتَحَرَّرَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِهِ وأنَّهُ أُمِرَ بِإبْلاغِهِ، وقَدْ عُرِفَ مِن هَذا أنَّ ﴿ما مِن شَفِيعٍ﴾ في مَوْضِعِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ تَدْبِيرِهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ أصْلًا فَبَطَلَ ما كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها. والشَّفِيعُ: السّائِلُ في …

4

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allah [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

فَلَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ هو الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ، تَقَرَّرَ بِذَلِكَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ فَقالَ: ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم ومَوْضِعُ رُجُوعِكم ووَقْتُهُ] حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ، تَقَدَّمَ وعْدُهُ لَكم بِذَلِكَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿حَقًّا﴾ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِعِبادَتِهِ لِوَحْدانِيَّتِهِ، فَيَحْيَوْنَ بَعْدَ المَوْتِ ويُحْشَرُونَ إلى مَوْضِعِ جَزاءِ اللَّهِ تَعالى لَهم زَمانَهُ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، ويَرْفَعُ ما كانَ لَهم مِنَ المُكْنَةِ في الدُّنْيا، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّسُولِ، فاسْتَعِدُّوا لِلِقاءِ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ بِكُلِّ ما أمَرَكم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ؛ ثُمَّ أوْضَحَ التَّنْبِيهَ عَلى قُدْرَتِهِ مُضَمِّنًا لَهُ بَيانَ حِكْمَتِهِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِوُجُوبِ المَرْجِعِ إلَيْهِ مُؤَكِّدًا عَدًّا لَهم في عِدادِ المُنْكِرِ لِلِابْتِداءِ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ما يَلْزَمُ عَنْهُ مِن تَمامِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ يُنْشِئُهُ النَّشْأةَ الأُولى، لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مُتَجَدِّدَةَ التَّعَلُّقِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِيُقِيمَ العَدْلَ في خَلْقِهِ بِأنْ يُنْجِزَ لِمَن عَبْدَهَ وعْدَهُ بِأنْ يُعِزَّهُ ويُذِلَّ عَدُوَّهُ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾

ولَمّا كانَ في سِياقِ البَعْثِ قَدَّمَ أهْلَ الجَزاءِ وبَدَأ بِأشْرافِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ الَّذِي هو الأساسُ المُتْقَنُ لِكُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ وصَدَقُوا إيمانَهم بِأنْ عَمِلُوا ﴿الصّالِحاتِ﴾ جَزاءً كائِنًا ﴿بِالقِسْطِ﴾ [واقْتَصَرَ عَلى العَدْلِ دُونَ الفَضْلِ لِيُفْهَمَ أنَّ تَرْكَ الحَشْوِ مُخِلٌّ بِالعَمَلِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مَصالِحِ السُّورَةِ]، والجَزاءُ: الإعْطاءُ بِالعَمَلِ ما يَقْتَضِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَلَوْ كانَ الإعْطاءُ ابْتِداءً لَمْ يَكُنْ جَزاءً، ولَوْ كانَ ما لا يَقْتَضِيهِ العَمَلُ لَمْ يَكُنْ جَزاءً مُطْلَقًا. والقِسْطُ: العَدْلُ.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ في الجَزاءِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْقاقِ ﴿شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ مُسَخَّنٌ بِالنّارِ أشَدَّ الإسْخانِ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ الإيلامِ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فَإنَّ عَذابَهم مِن أعْظَمِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَوْهم فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] وكَأنَّهُ قالَ: ﴿يَبْدَأُ﴾ مُضارِعًا لا كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] حِكايَةً لِلْحالِ وتَصْوِيرًا لَها تَنْبِيهًا عَلى تَأمُّلِ ما يَتَجَدَّدُ إنْشاؤُهُ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى تَصَوُّرِ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ التَّمْكِينُ \ في الدُّنْيا مِن تَجْدِيدِ النَّشْأةِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ - مَعَ التَّمْكِينِ مِنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ - مِن تَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ لا يُؤْمَنُ مَعَهُ العَذابُ عَلى الخُلُودِ لِيَخْرُجَ المُكَلَّفُ بِالزَّجْرِ عَنِ القَبِيحِ عَنْ حالِ الإباحَةِ لَهُ يَرْفَعُ التَّبِعَةَ عَلَيْهِ - انْتَهى.

فَقَدْ لاحَ بِما ذُكِرَ ما تَعَيَّنَ في أثْناءِ السُّورَةِ بِتَكْرِيرِهِ لِتَوْضِيحِهِ وتَقْرِيرِهِ - أنَّ مَقْصُودَها وصْفُ الكِتابِ بِما …

5

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allah has not created this except in truth. He details the signs for a people who know

ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ يُقَرِّرُ أمْرَ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ وإعادَتِهِ في سِياقٍ مُذَكِّرٍ بِالنِّعَمِ الَّتِي يَجِبُ شُكْرُها، ويُسَمّى المُعْرِضُ عَنْ شُكْرِهِ كافِرًا فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ أيْ بِما هَيَّأ مِنَ الأسْبابِ ﴿الشَّمْسَ﴾

ولَمّا كانَ النُّورُ كَيْفِيَّةً قابِلَةً لِلشِّدَّةِ والضَّعْفِ، خالَفَ سُبْحانَهُ في الأسْماءِ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: نُورُ الشَّمْسِ: ﴿ضِياءً﴾ أيْ: ذاتَ نُورٍ قَوِيٍّ ساطِعٍ وقَدَّرَها مَنازِلَ، هَكَذا التَّقْدِيرُ، لَكِنْ لَمّا كانَتْ في تَقَلُّبِها بَطِيئَةً بِالنِّسْبَةِ إلى القَمَرِ ذَكَرَهُ دُونَها فَقالَ: ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ وجَعَلَ القَمَرَ ﴿نُورًا﴾ أيْ ذا نُورٍ مِن نُورِها ﴿وقَدَّرَهُ﴾ أيْ: وزادَهُ عَلَيْها بِأنْ قَدَّرَهُ مَسِيرَةَ ﴿مَنازِلَ﴾ سَرِيعًا يُقَلِّبُهُ فِيها، وبِاخْتِلافِ حالِهِ في زِيادَةِ نُورِهِ ونُقْصانِهِ تَخْتَلِفُ أحْوالُ الرُّطُوباتِ والحَراراتِ الَّتِي دَبَّرَ اللَّهُ بِها هَذا الوُجُودَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي هي فَرْعُ وُجُودِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ بِذَلِكَ عِلْمًا سَهْلًا ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أيِ المُنْقَسِمَةِ إلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ وما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ الشُّهُورِ وغَيْرِها لِيُمْكِنَ لَكم تَدْبِيرُ المَعاشِ في أحْوالِ الفُصُولِ وغَيْرِها ﴿والحِسابَ﴾ أيْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى بَعْضِ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ.

[ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لا مِرْيَةَ] فِيهِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ العَظِيمَ جِدًّا ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إيجادِ السّاعَةِ كَذَلِكَ إذْ لا فَرْقَ، وإذا كانَ خَلْقُهُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ النّاشِئُ عَنْهُ الخَلْقُ غَيْرَ الخَلْقِ بِأنْ يَكُونَ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي مَبْناهُ عَلى التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي هو عَيْنُ الباطِلِ، أوْ ما خَلَقَهُ إلّا بِسَبَبِ إظْهارِ الحَقِّ مِنَ العَدْلِ بَيْنَ العِبادِ بِإعْزازِ الطّائِعِ وإذْلالِ العاصِي، فَإنَّهُ لا نَعِيمَ كالِانْتِصارِ عَلى المُعادِي والِانْتِقامِ مِنَ المُشانِئِ، والجَعْلُ: وُجُودُ ما بِهِ يَكُونُ الشَّيْءُ عَلى صِفَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها، والشَّمْسُ: جِسْمٌ عَظِيمُ النُّورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ ضِياءَ النَّهارِ؛ والقَمَرُ: جِسْمٌ نَيِّرٌ يَبْسُطُ نُورَهُ عَلى جَمِيعِ الظّاهِرِ مِنَ الأرْضِ ويُكْسِفُهُ نُورُ الشَّمْسِ؛ والنُّورُ: شُعاعٌ فِيهِ ما يُنافِي الظَّلامَ؛ والحِسابُ: عَدَدٌ يَحْصُلُ بِهِ مِقْدارُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى كَثِيرٍ مِنَ الِاتِّصافِ بِقابِلِيَّةِ العِلْمِ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفَصِّلُ﴾ أيِ اللَّهُ فِي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وبِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِلْبَيانِ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالنُّونِ ﴿الآياتِ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الدَّلائِلَ الباهِرَةَ واحِدَةً في إثْرِ واحِدَةٍ مُتَفاصِلَةً بَيانًا شافِيًا. ولَمّا كانَ البَيانُ لِمَن لا عِلْمَ لَهُ كالعَدَمِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَهم هَذا الوَصْفُ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ ولَمّا كانَتْ لَهُمُ المَعْرِفَةُ التّامَّةُ والنَّظَرُ الثّاقِبُ في مَنازِلِ القَمَرِ عُدَّتْ مِنَ الجَلِيِّ.

6

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allah has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allah

ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى فَناءِ العالَمِ بِتَغَيُّرِهِ وإلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِإيجادِ كُلٍّ مِن المَلَوَيْنِ بَعْدَ إعْدامِهِ في قَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لَهُ لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ﴾ أيْ عَلى تَبايُنِ أوْصافِهِ ﴿والنَّهارِ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿وما﴾ أيْ وفِيما ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن أحْوالِ السَّحابِ والأمْطارِ وما يَحْدُثُ مِن ذَلِكَ الخَسْفُ والزَّلازِلُ والمَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَواناتُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الكُلِّ الَّتِي لا يُحِيطُ البَشَرُ بِإحْصائِها؛ لَمّا أشارَ إلى ذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ بَيِّنَةً جِدًّا ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أيْ أنَّ مَن نَظَرَ في هَذا الِاخْتِلافِ وتَأمَّلَ تَغَيُّرَ الأجْرامِ الكِبارِ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَخافَ مِن أنْ تُغَيَّرَ أحْوالُهُ وتَضْطَرِبَ أُمُورُهُ فَيَتَّقِيَ اللَّهَ لِعِلْمِهِ قَطْعًا بِأنَّ أهْلَ هَذِهِ الدّارِ غَيْرُ مُهْمَلِينَ، فَلا بُدَّ لَهم مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وثَوابٍ وعِقابٍ؛ والِاخْتِلافُ: ذَهابُ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ في غَيْرِ جِهَةِ الآخَرِ. فاخْتِلافُ المَلَوَيْنِ: ذَهابُ هَذا في جِهَةِ الضِّياءِ وذاكَ في جِهَةِ الظَّلامِ؛ واللَّيْلُ: ظَلامٌ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي، هو جَمْعُ لَيْلَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ؛ والنَّهارُ: اتِّساعُ الضِّياءِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ والخَلْقُ: فِعْلُ الشَّيْءِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ؛ ونَبَّهَ بِما خَلَقَ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُوهِ الدَّلالاتِ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ في الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ أوِ اخْتِلافِ صُورَتِهِ أوْ حُسْنِ مَنظَرِهِ أوْ كَثْرَةِ نَفْعِهِ أوْ عِظَمِ أمْرِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

7

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

ولَمّا أُشِيرَ بِالآيَةِ إلى انْقِراضِ الدُّنْيا بِأنَّ الحادِثَ لا ثَباتَ لَهُ، وقامَ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى المَعادِ، ناسَبَ تَعْقِيبَها بِعَيْبِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها في سِياقٍ مُبَيِّنٍ أنَّ سَبَبَ الطُّمَأْنِينَةِ إنْكارُ الطُّمَأْنِينَةِ اعْتِقادًا أوْ حالًا؛ ولَمّا كانَ خَتْمُ تِلْكَ بِ: ﴿يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] لاحَ أنَّ ثَمَّ مِن يَتَّقِي ومَن لا يَتَّقِي؛ ولَمّا كانَ المَغْرُورُ أكْثَرَ بَدَأ بِهِ تَنْفِيرًا عَنْ حالِهِ، لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الخَوْفُ والرَّجاءُ مَعْدِنَ السَّعادَةِ، وكانَ الرَّجاءُ أقْرَبَ إلى الحَثِّ عَلى الإقْبالِ، قالَ مُصَرِّحًا بِالرَّجاءِ مُلَوِّحًا إلى الخَوْفِ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ولا يَخافُونَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ورَضُوا﴾ أيْ عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [أيْ] فَعَمِلُوا لَها عَمَلَ المُقِيمِ فِيها مَعَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى حَقارَتِها ﴿واطْمَأنُّوا﴾ إلَيْها مَعَ الرِّضى ﴿بِها﴾ طُمَأْنِينَةَ مَن لا يُزْعَجُ عَنْها مَعَ ما يُشاهِدُونَهُ مَعَ سُرْعَةِ زَوالِها ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ لا عَنْ غَيْرِها مِنَ الأحْوالِ الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ ﴿غافِلُونَ﴾ أيْ غَرِيقُونَ في الغَفْلَةِ.

وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى اسْتِئْنافًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿مَأْواهُمُ النّارُ بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ فَإنَّ كَسْبَهم كُلَّهُ ضَلالٌ - أنَّهُ لا يُعاجِلُهم بِالعِقابِ عَلى تَأْخِيرِ المَتابِ، وجُعِلَتْ مُلاقاةُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ مُلاقاةَ اللَّهِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها كَما جُعِلَ إتْيانُ جَلائِلِ آياتِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ونَحْوِهِ، والِاطْمِئْنانُ: الرُّكُونُ إلى الشَّيْءِ عَلى تَمَكُّنٍ فِيهِ، فَهَؤُلاءِ مَكَّنُوا الأحْوالَ لِلدُّنْيا فَصارَ فَرَحُهم وسُخْطُهم لَها؛ والغَفْلَةُ: ذَهابُ المَعْنى عَنِ القَلْبِ بِما يُضادُّ حُضُورَهُ إيّاهُ، واليَقَظَةُ نَقِيضُها.

8

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

ولَمّا أُشِيرَ بِالآيَةِ إلى انْقِراضِ الدُّنْيا بِأنَّ الحادِثَ لا ثَباتَ لَهُ، وقامَ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى المَعادِ، ناسَبَ تَعْقِيبَها بِعَيْبِ مَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها في سِياقٍ مُبَيِّنٍ أنَّ سَبَبَ الطُّمَأْنِينَةِ إنْكارُ الطُّمَأْنِينَةِ اعْتِقادًا أوْ حالًا؛ ولَمّا كانَ خَتْمُ تِلْكَ بِ: ﴿يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] لاحَ أنَّ ثَمَّ مِن يَتَّقِي ومَن لا يَتَّقِي؛ ولَمّا كانَ المَغْرُورُ أكْثَرَ بَدَأ بِهِ تَنْفِيرًا عَنْ حالِهِ، لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الخَوْفُ والرَّجاءُ مَعْدِنَ السَّعادَةِ، وكانَ الرَّجاءُ أقْرَبَ إلى الحَثِّ عَلى الإقْبالِ، قالَ مُصَرِّحًا بِالرَّجاءِ مُلَوِّحًا إلى الخَوْفِ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ولا يَخافُونَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ورَضُوا﴾ أيْ عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [أيْ] فَعَمِلُوا لَها عَمَلَ المُقِيمِ فِيها مَعَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى حَقارَتِها ﴿واطْمَأنُّوا﴾ إلَيْها مَعَ الرِّضى ﴿بِها﴾ طُمَأْنِينَةَ مَن لا يُزْعَجُ عَنْها مَعَ ما يُشاهِدُونَهُ مَعَ سُرْعَةِ زَوالِها ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ لا عَنْ غَيْرِها مِنَ الأحْوالِ الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ ﴿غافِلُونَ﴾ أيْ غَرِيقُونَ في الغَفْلَةِ.

وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى اسْتِئْنافًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿مَأْواهُمُ النّارُ بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ فَإنَّ كَسْبَهم كُلَّهُ ضَلالٌ - أنَّهُ لا يُعاجِلُهم بِالعِقابِ عَلى تَأْخِيرِ المَتابِ، وجُعِلَتْ مُلاقاةُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ مُلاقاةَ اللَّهِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها كَما جُعِلَ إتْيانُ جَلائِلِ آياتِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ونَحْوِهِ، والِاطْمِئْنانُ: الرُّكُونُ إلى الشَّيْءِ عَلى تَمَكُّنٍ فِيهِ، فَهَؤُلاءِ مَكَّنُوا الأحْوالَ لِلدُّنْيا فَصارَ فَرَحُهم وسُخْطُهم لَها؛ والغَفْلَةُ: ذَهابُ المَعْنى عَنِ القَلْبِ بِما يُضادُّ حُضُورَهُ إيّاهُ، واليَقَظَةُ نَقِيضُها.

9

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure

ولَمّا انْقَضى هَذا القِسْمُ حالًا ومَآلًا، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ القِسْمَ الآخَرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِ الكُفّارِ هِدايَتَهُمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ بِما لَهم مِنَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي كَمالُها مَعْرِفَةُ الأشْياءِ وسُلْطانُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ وصَدَقُوا دَعْواهُمُ الإيمانَ بِأنْ عَمِلُوا ﴿الصّالِحاتِ﴾ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي سُلْطانُها عُبُودِيَّةُ اللَّهِ تَعالى، والصّالِحُ: ما جاءَ بِالحَثِّ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَصْدِيقِهِمْ وإذْعانِهِمْ لِمَعْرِفَةِ الآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الَّذِينَ يَأْمُلُونَ البَقاءَ ولا يَرْجُونَ اللِّقاءَ، فَقادَتْهم إلى دارِ السَّلامِ، وهَذا كَما كانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ يَشْتَدُّ تَعَجُّبُهم [مِمّا كانَ] مِن تَباطُئِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وكَما تَرى أنَّكَ تَحْنِقُ عَلى بَعْضِ الكَمَلَةِ فَلا يَدْعُكَ حَظُّ النَّفْسِ تَرى لَهُ حَسَنَةً، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ تَرْضى عَنْهُ فَتَراهُ كُلَّهُ مَحاسِنَ.

ولَمّا ذَكَرَ أنَّ مَآلَ القِسْمِ الأوَّلِ النّارُ، ذَكَرَ مَآلَ هَذا القِسْمِ في مَعْرِضِ سُؤالِ مَن يَقُولُ: ماذا تُورِثُهم هِدايَتُهُمْ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿تَجْرِي﴾ وأشارَ إلى قُرْبِ مَنالِ المِياهِ وانْكِشافِها عَنْ كُلِّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ أيْ تَحْتِ غُرَفِهِمْ وأسِرَّتِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُشْتَهَياتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وكَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿الأنْهارُ﴾ كائِنِينَ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [أيِ الَّتِي لَيْسَ فِيها مِن غَيْرِهِ].

10

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allah," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allah, Lord of the worlds!"

ولَمّا كانَ الواجِبُ عَلى العِبادِ أوَّلًا تَنْزِيهَهُ تَعالى عَنِ النَّقائِصِ الَّتِي أعْظَمُها الإشْراكُ. وكانَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ سَلِمَ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ فَرَبِحَ نَفْسَهُ فَعَرَفَ رَبَّهُ وفازَ في شُهُودِ حَضْرَتِهِ بِمُشاهَدَةِ أوْصافِ الكَمالِ، أشارَ إلى التَّسْلِيكُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهُمُ العَظِيمُ الثّابِتُ الكَثِيرُ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِيها [لا] عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ، بَلْ يُلْهَمُونَهُ إلْهامَ النَّفْسِ في الدُّنْيا ﴿فِيها﴾ وأشارَ إلى مَجامِعِ التَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ إشارَةً إلى الأمْرِ الأوَّلِ هو الأساسُ وهو المِعْراجُ في الآخِرَةِ ﴿وتَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ لِلَّهِ وفِيما بَيْنَهم ﴿فِيها سَلامٌ﴾ إشارَةً إلى أوَّلِ نَتائِجِ الأساسِ بِأنَّهُ لا عَطَبَ مَعَهُ بِوَجْهٍ وهو نُزُولٌ عَنِ المِعْراجِ بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الخَلْقِ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعائِهِمُ العَظِيمِ وهو المِعْراجُ الكَمالِيُّ ﴿أنِ الحَمْدُ﴾ أيِ الكَمالُ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ أوْصافِ الجَلالِ والجَمالِ يَعْنِي أنَّ التَّنْزِيهَ عَنِ النَّقْصِ أوْجَبَ لَهُمُ السَّلامَةَ؛ ولَمّا سَلِمُوا مِن كُلِّ نَقْصٍ وصَلُوا إلى الحَضْرَةِ فَغَرِقُوا في بِحارِ الجَلالِ وانْكَشَفَتْ لَهم سِماتُ الكَمالِ؛ والدَّعْوى: قَوْلٌ يُدْعى بِهِ إلى أمْرٍ؛ والتَّحِيَّةُ: التَّكْرِمَةُ بِالحالِ الجَلِيلَةِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ إرْشادًا بِذَلِكَ إلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ، وفِيهِ هُبُوطٌ عَنِ المِعْراجِ الكَمالِيِّ إلى الخَلْقِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحاجَةِ والنُّقْصانِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.