Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

(سُورَةُ التَّوْبَةِ)

مَقْصُودُها مُعاداةُ مَن أعْرَضَ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ السُّورَةُ الماضِيَةُ مِنَ اتِّباعِ الدّاعِي إلى اللَّهِ في تَوْحِيدِهِ واتِّباعُ ما يُرْضِيهِ، ومُوالاةُ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ، وأدُلُّ ما فِيها عَلى الإبْلاغِ في هَذا المَقْصِدِ قِصَّةُ المُخَلَّفِينَ فَإنَّهم - لِاعْتِرافِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الدّاعِي بِغَيْرِ عُذْرٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ المُحْتَمَلِ عَلى وجْهٍ بَعِيدٍ مِنهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِلْإعْراضِ بِالقَلْبِ - هُجِرُوا، وأُعْرِضَ عَنْهم بِكُلِّ اعْتِبارٍ حَتّى بِالكَلامِ، فَذَلِكَ مَعْنى تَسْمِيَتِها بِالتَّوْبَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى البَراءَةِ لِأنَّ البَراءَةَ مِنهم بِهِجْرانِهِمْ حَتّى في رَدِّ السَّلامِ، كانَ سَبَبَ التَّوْبَةِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وتَسْمِيَتُها بَراءَةَ واضِحٌ أيْضًا فِيما ذُكِرَ مِن مَقْصُودِها، وكَذا الفاضِحَةُ؛ لِأنَّ مَنِ افْتُضِحَ كانَ أهْلًا لِلْبَراءَةِ مِنهُ، والبُحُوثِ لِأنَّهُ لا يُبْحَثُ إلّا عَنْ حالِ البَغِيضِ، والمُبَعْثِرَةُ هو المُنَفِّرَةُ والمُثَبِّرَةُ والحَفّارَةُ والمُخْزِيَةُ والمُهْلِكَةُ والمُشَرِّدَةُ والمُدَمْدِمَةُ والمُنَكِّلَةُ؛ لِأنَّهُ لا يُبَعْثَرُ إلّا حالُ العَدُوِّ وكَذا بَعْدَهُ، والمُشَرِّدَةُ عَظِيمَةُ المُناسَبَةِ مَعَ ذَلِكَ لِما أشارَتْ إلَيْهِ الأنْفالُ فِي: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وسُورَةُ العَذابِ أيْضًا واضِحَةٌ في مَقْصُودِها، وكَذا المُقَشْقِشَةُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ مَعْناهُ المُبَرِّئَةُ مِنَ النِّفاقِ، مِن تَقَشْقَشَتْ قُرُوحُهُ، إذا تَقَشَّرَتْ لِلْبُرْءِ، وتَوْجِيهُهُ أنَّ مَن عَرَفَ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنهُ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ لِأمْرٍ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، وعِنْدِي أيْضًا أنَّهُ مُضاعَفُ القَشِّ الَّذِي مَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ أصْنافَ المُنافِقِينَ وأحْوالَهم وعَلَيْهِ خَرَجَ ما في وصْفِ أبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ لِمَن أرادَ نِكاحَها: أخافُ عَلَيْكَ قَشْقاشَتَهُ، أيْ: تَتَبُّعَهُ لِمَذاقِ الأُمُورِ، أخْذًا مِنَ القَشِّ الَّذِي هو تَطَلُّبُ المَأْكُولِ مِن هَهُنا وهَهُنا، أوْ عَصاهُ الَّتِي هي غايَةُ ذَلِكَ، ومادَّةُ قَشَّ ومَقْلُوبُها شَقَّ ومُضاعَفُهُما قَشْقَشَ وشَقْشَقَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ وتُلازِمُهُ الفُرْقَةُ؛ فَإنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إلّا ما كانَ مُفَرَّقًا ولا يُفَرَّقُ إلّا ما كانَ مُجْتَمِعًا، وقَدِ اقْتَسَمَ هَذانِ المِثالانِ المَعْنِيَّيْنِ إلّا قَلِيلًا، فَقَشَّ القَوْمُ: صَلَحُوا وأُحْيُوا بَعْدَ الهُزالِ بِجْمَعِ اللَّحْمِ، والرَّجُلُ: أكَلَ مِن هَهُنا وهَهُنا ولَفَّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِمّا عَلى الخِوانِ، واضِحٌ في ذَلِكَ، وأقْشَوْا وانْقَشُّوا - إذا انْطَلَقُوا فَجَفَلُوا ومَرُّوا ذاهِبِينَ - وقَدِ انْقَشُّوا إذا مَرُّوا وذَهَبُوا مُسْرِعِينَ لِاجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ وجَمْعِهِمْ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن مَتاعِهِمْ، والقَشُّ والإقْشاشُ: طَلَبُ المَأْكُولِ مِن هَهُنا وهَهُنا لِجَمْعِهِ، والقِشَّةُ - بِالكَسْرِ: القِرَدَةُ كَأنَّها لِجَمْعِها ما رَأتْ مِمّا يُؤْكَلُ في فِيها، والصَّبِيَّةُ الصَّغِيرَةِ الجُثَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تَثْبُتُ كَأنَّها لِاجْتِماعِها في نَفْسِها، وكَذا القَشِيشُ: الصَّغِيرُ مِنَ الصِّبْيانِ، ودُوَيِّبَةٌ كالجُعَلِ إمّا لِاجْتِماعِها في نَفْسِها أوْ لِجَمْعِها القاذُوراتِ، والقَشِيشُ كَأمِيرٍ: اللُّقاطَةُ؛ لِأنَّها يَجْمَعُها اللَّقّاطُونَ، وصَوْتُ جِلْدِ الحَيَّةِ يُحَكُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّثَنِّي والتَّجَمُّعِ، وقَشَّ مِنَ الجُدَرِيِّ: بَرِئَ مِنهُ …

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

ولَمّا أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُ رَدَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وكانُوا مُخْتَلِطِينَ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ، جَعَلَ لَهم مُخَلِّصًا إنْ آثَرُوا البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ مَعَ إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم لِأنَّهم في قَبْضَتِهِ، فَقالَ مُخاطِبًا لَهم ولِكُلِّ مُشْرِكٍ مُسَبِّبًا عَنِ البَراءَةِ: ﴿فَسِيحُوا﴾ والسِّياحَةُ: الِاتِّساعُ في السَّيْرِ والبُعْدِ عَنِ المُدُنِ والعِمارَةِ مَعَ الإقْلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ لِلصّائِمِ: سائِحٌ: والمُرادُ هَنا مُطْلَقُ السَّيْرِ.

ولَمّا كانَتِ السِّياحَةُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ حَقَّقَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ.

﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ أيْ: مِن أيّامِ الحَجِّ، فَيَكُونُ آخِرُها عاشِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، تَأْمَنُونَ فِيها أمْنًا لا نَعْرِضُ لَكم بِسُوءٍ، بَلْ تَذْهَبُونَ فِيها حَيْثُ شِئْتُمْ، أوْ تَرُمُّونَ حُصُونَكم وتُهَيِّئُونَ سِلاحَكم وتَلُمُّونَ شَعَثَكم لا نَغْدِرُكُمْ؛ لِأنَّ دِينَنا مَبْنِيٌّ عَلى المَحاسِنِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ يَتَعَلَّقُ بِنُفُوسِنا ما نَبَذْنا عَهْدَكم ولا نَقْضَنا عَقْدَكُمْ، ولَكِنَّ الخَطَرَ في النَّفْسِ وقَدْ ظَهَرَتْ مِنكم أماراتُ الغَدْرِ ولَوائِحُ الشَّرِّ. ”وعَنْ أيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقاتِلُ“ فَإذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ فَتَهَيَّؤُوا لِقِتالِنا وتَدَرَّعُوا لِنِزالِنا.

ولَمّا كانَ الإسْلامُ قَدْ ظَهَرَ بَعْدَ أنْ كانَ خَفِيًّا، وقَوِيَ بَعْدَ أنْ كانَ ضَعِيفًا، افْتَتَحَ وعْظَهم بِالكَلِمَةِ الَّتِي تُقالُ أوَّلًا لِمَن يُرادُ تَقْرِيعُ سَمْعِهِ وإيقاظُ قَلْبِهِ وتَنْبِيهُهُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها أمْرٌ مُهِمٌّ يَنْبَغِي مَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِهِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ﴾ أيْ: أيُّها الكَفَرَةُ وإنْ كَثُرْتُمْ ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ.

﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ مِنكم ومِن غَيْرِكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ، ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، والإخْزاءُ: الإذْلالُ مَعَ إظْهارِ الفَضِيحَةِ والعارِ. وأظْهَرَ الوَصْفَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ ولَعَلَّ الِالتِفاتَ إلى الخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن تَرَكَ أمْرَ اللَّهِ حَدَبًا عَلى قَرِيبٍ أوْ عَشِيرٍ فَهو مِنهُمْ، وقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، فَلْيَنْجُ بِنَفْسِهِ ولا نَجاءَ لَهُ، أوْ يَكُونُ لِاسْتِعْطافِ الكُفّارِ تَلْذِيذُ الخِطابِ وتَرْهِيبُهم بِزَواجِرِ العِقابِ.

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

ولَمّا أنْزَلَ البَراءَةَ، أمَرَ بِالإعْلامِ بِها في المَجْمَعِ الأعْظَمِ لِيَقْطَعَ الحُجَجَ، فَقالَ عاطِفًا ظِهْرَةَ الجُمْلَةِ إلى مَضْمُونِها: الإخْبارُ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ بِالجُمْلَةِ الأُولى المَعْطُوفَةِ عَلَيْها مِنَ البَراءَةِ: ﴿وأذانٌ﴾ أيْ: وهَذا إعْلامٌ وإعْلانٌ واقِعٌ وواصِلٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، فَلا يُوَجِّهُهُ إلى شَيْءٍ إلّا أعْلاهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ الَّذِي هو وظِيفَةُ الرَّسُولِ، عَدّاهُ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ فَقالَ: ﴿إلى النّاسِ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ مِن أهْلِ البَراءَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ قَيَّدَهُ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الإعْلامُ؟ قالَ مُفَسِّرًا لَهُ مُصَرِّحًا بِما هو المَقْصُودُ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ نَوْعُ لَبْسٍ حاذِفًا الصِّلَةَ إعْلامًا بِأنَّ هَذا مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، لا مَعْمُولٍ لِأذانٍ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والقُوَّةُ الباهِرَةُ ﴿بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهم خاصٌّ فَلا مانِعَ مِن قِتالِهِمْ، قِيلَ: والَّذِينَ وقَعَتِ البَراءَةُ مِنهم صِنْفانِ: أحَدُهُما كانَتْ مُدَّتُهُ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَرُفِعَ إلَيْها، والآخَرُ مُدَّتُهُ بِغَيْرِ حَدٍّ فَقُصِرَ عَلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَهو أوْلى، ومَن كانَ عَهْدُهُ مَحْدُودًا بِأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولَمْ يُحْدِثْ شَرًّا أُمِرَ بِإتْمامِ عَهْدِهِ إلى مُدَّتِهِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ: بَرِيءٌ مِنهُمْ، فَهو مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى المَنوِيِّ في ”بَرِيءٌ“ أوْ عَلى مَحَلِّ ”أنَّ“ المَكْسُورَةِ واسْمِها عِنْدَ مَن كَسَرَها، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ: أنَّ ”أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ، وبِالجَرِّ عَلى الجِوارِ، وقِيلَ: عَلى القَسَمِ - قالَهُ في الكَشّافِ: قالَ: ويُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: إنْ كانَ اللَّهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ، فَلَبَّبَهُ الرَّجُلُ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ، فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ، ورَوى الإمامُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ بْنِ بَشّارٍ الأنْبارِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: قَدِمَ أعْرابِيٌّ في زَمانِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَن يُقْرِئُنِي مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَأقْرَأهُ رَجُلٌ بَراءَةَ فَقالَ:“أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ”بِالجَرِّ، فَقالَ: أوَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِن رَسُولِهِ؟ إنْ يَكُنِ اللَّهُ بَرِيءٌ مِن رَسُولِهِ فَأنا أبْرَأُ مِنهُ، فَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقالَةُ الأعْرابِيِّ فَدَعاهُ - يَعْنِي فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ - فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ هَكَذا يا أعْرابِيُّ! قالَ: فَكَيْفَ هي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ فَقالَ الأعْرابِيُّ: وأنا واللَّهِ أبْرَأ مِمّا بَرِئَ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ، فَأمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ لا يُقْرِئَ القُرْآنَ إلّا عالِمٌ بِاللُّغَةِ.

وأمَرَ أبا الأسْوَدِ فَوَضَعَ النَّحْوَ، ونَحْوَ ذَلِكَ في الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَرَبِيَّةِ ما حَكاهُ الشَّرِيفُ مُحَمَّدُ بْنُ أسْعَدَ الجَوّانِيُّ النَّسّابَةُ في كِتابِهِ في الأنْسابِ في …

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

ولَمّا أعْلَمَهم بِالبَراءَةِ وبِالوَقْتِ الَّذِي يُؤْذَنُ بِها فِيهِ، وكانَ مَعْنى البَراءَةِ مِنهم أنَّهُ لا عَهْدَ لَهُمْ، اسْتَثْنى بَعْضَ المُعاهَدِينَ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: أوْقَعْتُمْ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدًا ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ اتَّصَفُوا بِأنَّهم ﴿لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ في أنْفُسِهِمْ كَما نَقَضَ بَنُو الدِّيلِ مِن بَنِي بَكْرٍ في قِتالِهِمْ لِخُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ أيْ: يُعاوِنُوا مُعاوَنَةً تُظْهِرُ ﴿عَلَيْكم أحَدًا﴾ أيْ: مِن أعْدائِكم كَما ظاهَرَتْ قُرَيْشٌ حُلَفاءَهم مِن بَنِي الدِّيلِ عَلى حُلَفائِكم مِن خُزاعَةَ ﴿فَأتِمُّوا﴾ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنِ الخَيْرِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ أيْ: وإنْ طالَتْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وهم بَنُو ضَمْرَةَ حَيٌّ مِن كِنانَةَ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن عُهَدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وكانَ السَّبَبُ فِيهِ أنَّهم لَمْ يَنْقُضُوا؛ وقالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ هَذا مَخْصُوصٌ يُرادُ بِهِ بَنُو ضَمْرَةَ خاصَّةً؛ وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ البَسْتِيُّ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: ثِنا الحَجّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ بَيْنَ بَنِي مُدْلِجٍ وخُزاعَةً عَهْدٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ .

ولَمّا كانَتْ مُحافَظَتُهم عَلى عَهْدِهِمْ مِن أفْرادِ التَّقْوى، وكانَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلى شَخْصٍ مِن أفْعالِ المُحِبِّ، قالَ تَعالى مُعَلِّلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ وبِكُمُ أفْعالَ المُحِبِّ، فَهو قَوْلٌ حاثٌّ لِلْكُلِّ عَلى التَّقْوى، وكُلٌّ يُنْزِلُهُ عَلى ما يَفْهَمُ، فَهو مِنَ الإعْجازِ الباهِرِ.

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا قَرَّرَ أمْرَ البَراءَةِ إثْباتًا ونَفْيًا، أمَرَ بِما يَصْنَعُ بَعْدَ ما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ الأجَلِ فَقالَ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ إذا ﴿انْسَلَخَ﴾ أيِ: انْقَضى وانْجَرَدَ وخَرَجَ ومَضى ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أيِ: الَّتِي حَرَّمْتُ عَلَيْكم فِيها قِتالَهم وضَرَبْتُها أجَلًا لِسِياحَتِهِمْ، والتَّعْرِيفُ فِيها مِثْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: النّاكِثِينَ الَّذِينَ ضَرَبْتُمْ لَهم هَذا الأجَلَ إحْسانًا وكَرَمًا؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْسَخُ كُلَّ آيَةٍ في القُرْآنِ فِيها ذِكْرُ الإعْراضِ والصَّبْرِ عَلى أذى الأعْداءِ. انْتَهى.

ومَعْنى: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: في حِلٍّ أوْ حَرَمٍ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيْ: بِالأسْرِ ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيْ: بِالحَبْسِ عَنْ إتْيانِ المَسْجِدِ والتَّصَرُّفِ في بِلادِ الإسْلامِ وكُلِّ مَقْصِدٍ ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ خاصَّةً؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أفْضَلِ العِباداتِ ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أيِ: ارْصُدُوهم وخُذُوهم بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ ولَوْ عَلى غِرَّةٍ أوِ اغْتِيالًا مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ مَعْنى اقْعُدُوا لَهُمُ: ارْصُدُوهُمْ، ومَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”فِي“ فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ - ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ، والتَّعْبِيرُ بِالقُعُودِ لِلرَّشادِ إلى التَّأنِّي، وفي التَّرَصُّدِ والِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ إشارَةٌ إلى أنْ يَشْغَلُوا في التَّرَصُّدِ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ كُلِّ مَرْصَدٍ إنْ قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ بِخِلافِ ما لَوْ عَبَّرَ بِ: ”فِي“ فَإنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى شَغْلِ كُلِّ مَرْصَدٍ الصّادِقِ بِالكَوْنِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ مِنهُ أيَّ مَوْضِعٍ كانَ.

ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ ما يُوجِبُ الكَفَّ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا﴾ أيْ: وصَدَّقُوا دَعْواهُمُ التَّوْبَةَ بِالبَيِّنَةِ العادِلَةِ بِأنْ أقامُوا ﴿الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَوَصَلُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ الخالِقِ وما بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلائِقِ خُضُوعًا لِلَّهِ تَعالى وتَرْكًا لِلْفَسادِ ومُباشَرَةً لِلصَّلاحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإذا وُجِدَ هَذانِ الشّاهِدانِ العَدْلانِ ﴿فَخَلُّوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿سَبِيلَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْرِضُوا لِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ لِأنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم ويَغْفِرُ لَهم ما سَلَفَ ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ الَّتِي تابَ صاحِبُها عَنْها والِاتِّباعِ لَهُ بِالإكْرامِ.

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

ولَمّا سَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقَ مُخالَطَتِهِمْ ما لَمْ يَتَّصِفُوا بِالتَّوْبَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالشَّهِيدَيْنِ المَذْكُورَيْنِ سَدًّا مُطْلَقًا، وفَتَحَهُ عِنْدَ الِاتِّصافِ بِها فَتْحًا مُطْلَقًا، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ طَرِيقًا آخَرَ وسَطًا مُقَيَّدًا فَقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَرْناكم بِقِتالِهِمْ ﴿اسْتَجارَكَ﴾ أيْ: طَلَبَ أنْ تُعامِلَهُ في الإكْرامِ مُعامَلَةَ الجارِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السِّياحَةِ ﴿فَأجِرْهُ﴾ أيْ: فَآمِنهُ ودافِعْ عَنْهُ مَن يَقْصِدُهُ بِسُوءٍ ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ بِسَماعِ التِّلاوَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ المَحاسِنِ ويَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ كَلامَ الخَلْقِ. ولَمّا ذَكَرَ إجارَتَهُ، وكانَ لَهُ بَعْدَها تَوْبَةٌ وإصْرارٌ. وكانَ حالُ التّائِبِ قَدْ ذُكِرَ، بَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِ إنْ أصَرَّ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ﴾ أيْ: إنْ أرادَ الِانْصِرافَ ولَمْ يُسْلِمْ ﴿مَأْمَنَهُ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ ثُمَّ قاتِلْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ المَأْمَنَ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ؛ قالَ الحَسَنُ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُبَيِّنُ غَدْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالإجارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا عَهْدَ لَهم بِنُبُوَّةٍ ولا رِسالَةٍ ولا كِتابٍ، فَإذا عَلِمُوا أوْشَكَ أنْ يَنْفَعَهُمُ العِلْمُ.

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالنَّبْذِ مَظِنَّةً لِأنْ يُعْجَبَ مِنهُ، عَجَّبَ فَقالَ: فَمَن يَتَعَجَّبُ مِنهُ؟ وأنْكَرَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: أهْلِ العَراقَةِ في الشِّرْكِ الَّذِينَ تُوجِبُ عَراقَتُهم فِيهِ ومَحَبَّتُهم لِظُهُورِهِ نَكْثَ العَهْدِ الَّذِي لا أقْبَحَ مِنهُ عِنْدَ العَرَبِ ولا أشْنَعَ ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو لا يُحِبُّ النَّقْضَ مِن أوْلِيائِهِ فَكَيْفَ بِهِ مِن أعْدائِهِ ﴿وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أكْمَلُ الخَلْقِ وأوْفاهم وأحْفَظُهم لِلْعُهُودِ وأرْعاهم فَهم أضْدادُهُ فَأعْمالُهم أضْدادُ أعْمالِهِ، وقَدْ بَدا مِنهُمُ الغَدْرُ.

ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مَعْنى النَّفْيِ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: مِنهم كَما تَقَدَّمَ ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ: الحَرَمِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَقَدِّمَ مِن ﴿الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] قالَ البَغَوِيُّ؛ قالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ وابْنُ إسْحاقَ: هم مِن قَبائِلِ بَكْرٍ: بَنُو خُزَيْمَةَ وبَنُو مُدْلِجٍ وبَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو الدِّيلِ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في عَهْدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَ العَهْدَ إلّا قُرَيْشٌ وبَنُو الدِّيلِ مِن بَنِي بَكْرٍ فَأمَرَ بِإتْمامِ العَهْدِ لِمَن لَمْ يَنْقَضِ، ولَمّا اسْتَثْنى، بَيَّنَ حُكْمَ المُسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ أيْ: رَكِبُوا الطَّرِيقَ الأقْوَمَ في الوَفاءِ بِعَهْدِهِمْ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ والقَوْلُ في ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِالجَلالِ والجَمالِ ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ كَما سَبَقَ.

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

ولَمّا أنْكَرَ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ غَيْرِ المُسْتَثْنَيْنَ عَهْدٌ، بَيَّنَ السَّبَبَ المُوجِبِ لِلنِّكارِ مُكَرِّرًا أداةَ الإنْكارِ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ: يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ثابِتٌ ﴿وإنْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُضْمِرُونَ لَكُمُ الغَدْرَ والخِيانَةَ فَهم إنْ ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إنْ يَعْلُ أمْرٌ لَهم عَلى أمْرِكم بِأنْ يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ العَهْدِ والمِيثاقِ ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ أيْ: لا يَنْظُرُوا ويَرْعَوْا ﴿فِيكُمْ﴾ أيْ: في أذاكم بِكُلِّ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ ﴿إلا﴾ أيْ: قَرابَةً مُحَقَّقَةً ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا، يَعْنِي أنَّ الأمْرَ المُبِيحَ لِلنَّبْذِ خَوْفُ الخِيانَةِ، وعَلّامُ الغُيُوبِ يُخْبِرُكم أنَّهم في غايَةِ الخِيانَةِ لَكُمْ، والإلُّ هَذا: القُرابَةُ - وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والمادَّةُ تَدُورُ عَلى الألَّةِ وهي حَرْبَةٌ في نَصْلِها عَرْضٌ، ويَلْزَمُها الصَّفاءُ والرِّقَّةُ والبَرِيقُ، ويُشَبَّهُ بِهِ الإسْراعُ في العَدْوِ، والثَّباتُ في نَفْسِها، ومِنهُ القَرابَةُ والعَهْدُ والتَّغَيُّرُ في وصْفِها، ومِنهُ تَغَيُّرُ رائِحَةِ الإناءِ وفَسادُ الأسْنانِ والصَّوْتِ، ومِنهُ الأنِينُ والجُؤارُ في الدُّعاءِ مَعَ البُكاءِ وخَرِيرِ الماءِ والطَّعْنِ والقَهْرِ، ومِنهُ: إنَّ هَذا - أيْ: كَلامُ مُسَيْلِمَةَ - ما يَخْرُجُ مِن إلٍّ، أيْ: مِن رُبُوبِيَّةٍ، وفي إلِّ اللَّهِ، أيْ: قُدْرَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يُقالَ: قَدْ أكَّدُوا لَنا الأيْمانَ وأوْثَقُوا العُهُودَ، ولَمْ يَدْعُوا بابًا مِن أبْوابِ الِاسْتِعْطافِ، قالَ مُعَلِّلًا لِما مَضى مُجِيبًا لِمَنِ اسْتَبْعَدَهُ: ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾ وعَبَّرَ بِأقْصى ما يُمْكِنُ الكَلامُ بِهِ مِنَ القُلُوبِ تَحْقِيقًا لِأنَّهم لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُ فَقالَ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ التَّأْكِيدِ، وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيِ: العَمَلَ بِما أبْدَتْهُ ألْسِنَتُهُمْ، وقَلِيلٌ مِنهم مَن يَحْمِلُهُ الخَوْفُ ونَحْوُهُ عَلى الثَّباتِ أوْ يَرْجِعُ عَنِ الفِسْقِ ويُؤْمِنُ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: راسِخُو الأقْدامِ في الفِسْقِ خارِجُونَ - لِمُخالَفَةِ الفِعْلِ لِلْقَوْلِ - عَمّا تُرِيدُونَهُ، وإذا نَقَضَ الأكْثَرُ اضْطُرَّ الأقَلُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ.

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

ولَمّا دامَ ما تَرى مِن كَشْفِ سَرائِرِهِمْ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يُقِيمُ لَهُمُ الدَّلِيلَ عَلى فِسْقِهِمْ وخِيانَتِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ ما بَدا مِن بَعْضِهِمْ مِنَ النَّقْضِ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ فِيما مَضى أنَّهم شَرْعٌ واحِدٌ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وفِيما يَأْتِي أنَّهم بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يُفِيدُ أنَّهم تَمَكَّنُوا مِن ضِدِّ الإيمانِ تَمَكُّنًا صارَ بِهِ كَأنَّهُ في حَوْزَتِهِمْ: ﴿اشْتَرَوْا﴾ أيْ: لَجُّوا في أهْوِيَتِهِمْ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ فَأخَذُوا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلُهُ في جَلالٍ ولا جَمالٍ عَلى ما لَها مِنَ العِظَمِ في أنْفُسِها وبِإضافَتِها إلَيْهِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِن أعْراضِ الدُّنْيا فَرَضُوا بِها مَعَ مُصاحَبَةِ الكُفْرِ، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ أطْعَمَهم أكْلَةً فَنَقَضُوا بِها عُهُودَهم ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ: فَسَبَّبَ لَهم ذَلِكَ وأدّاهم إلى أنْ صَدُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: مَن يُرِيدُ السَّيْرَ عَلَيْهِ ومَنَعُوا مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ أنْفُسَهم ومَن قَدَرُوا عَلى مَنعِهِ.

ولَمّا دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن فَسادِ قُلُوبِهِمْ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ ما اسْتَحَقُّوهُ مِن عَظِيمِ الذَّمِّ بِقَوْلِهِ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿إنَّهم ساءَ ما﴾ وبَيَّنَ عَراقَتَهم في القَبائِحِ وأنَّها في جِبِلَّتِهِمْ بِذِكْرِ الكَوْنِ فَقالَ: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ في كُلِّ وقْتٍ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُشِيرُ بِهَذا إلى ما فَعَلَتْ عَضَلٌ والقارَةُ بِعاصِمِ بْنِ ثابِتٍ وخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والبُخارِيُّ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كُلٌّ يَزِيدُ عَلى صاحِبِهِ وقَدْ جَمَعْتُ بَيْنَ حَدِيثِيهِما «أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِن عَضَلٍ والقارَةِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فِينا إسْلامًا فابْعَثْ مَعَنا نَفَرًا مِن أصْحابِكَ يُفَقِّهُونَنا في الدِّينِ ويُقْرِئُونَنا القُرْآنَ ويُعْلِّمُونَنا شَرائِعَ الإسْلامِ فَبَعَثَ مَعَهم نَفَرًا سِتَّةً - وقالَ البُخارِيُّ: عَشَرَةً - وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ فَخَرَجَ مَعَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِالرَّجِيعِ -ماءٌ لِهُذَيْلٍ- غَدَرُوا بِهِمْ فاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمّا أتَوْهم أخَذُوا أسْيافَهم لِيُقاتِلُوهُمْ، فَقالُوا: إنّا واللَّهِ لا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، ولَكِنّا نُرِيدُ أنْ نُصِيبَ بِكم شَيْئًا مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَكِنَّ عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ أنْ لا نَقْتُلَ مِنكم أحَدًا، فَأمّا عاصِمٌ فَلَمْ يَقْبَلْ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ هو وناسٌ مِن أصْحابِهِ، ونَزَلَ مِنهم ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلى العَهْدِ والمِيثاقِ، فَلَمّا اسْتَمْكَنُوا مِنهم أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهم بِها، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: هَذا أوَّلُ الغَدْرِ، واللَّهِ لا أصْحَبُكُمْ، إنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوَةً - يُرِيدُ القَتْلى، فَجَرَّرُوهُ وعالَجُوهُ فَأبى أنْ يَصْحَبَهم فَقَتَلُوهُ؛ فانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتّى باعُوهُما بِمَكَّةَ فَقَتَلُوهُما».

وقِصَّةُ «العُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ ثُمَّ خَرَجُوا إلى لَقاحِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا اللَّقاحَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في آثارِهِمْ فَقَتَلَهُمْ؛» وفي تارِيخِ ابْنِ الفُراتِ عَنِ القُتَبِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْسَجَةَ البَجَلِيَّ إلى بَنِي حارِثَةَ …

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِعَراقَتِهِمْ في الفِسْقِ دَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ خِيانَتَهم لَيْسَتْ خاصَّةً بِالمُخاطَبِينَ، بَلْ عامَّةٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ، فَمَدارُ خِيانَتِهِمْ عَلى الوَصْفِ، فَقالَ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا﴾ أيْ: قَرابَةً وأصْلًا جَيِّدًا ثابِتًا ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا أكِيدًا ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً لِتَناهِي عُدْوانِهِمْ ﴿المُعْتَدُونَ﴾ أيْ: عادَتُهُمُ المُبالَغَةُ في حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أنْ يَعْدُوا الحُدُودَ لِعَدَمِ ما يَرُدُّهم عَنْ ذَلِكَ مِن وازِعٍ إلَهِيٍّ ورادِعٍ شَرْعِيٍّ كَما فَعَلَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بِأهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ مَعَ أنَّهم في جِوارِ عَمِّهِ وكانَ مِن خَبَرِهِمْ «أنَّ عَمَّهُ أبا بَراءٍ عامِرَ بْنَ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلاعِبَ الأسِنَّةِ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ رِجالًا مِن أصْحابِكَ إلى أهْلِ نَجْدٍ رَجَوْتُ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أخْشى عَلَيْهِمْ أهْلَ نَجْدٍ، قالَ أبُو بَراءٍ: أنا لَهم جارٌ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أخا بَنِي ساعِدَةَ المُعَنَّقَ لِيَمُوتَ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ، فَما نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ بَعَثُوا حَرامَ بْنَ مِلْحانَ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَلَمْ يَنْظُرْ في كِتابِهِ وعَدا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عامِرٍ فَأبَوْا وقالُوا: لَنْ نُخْفِرَ أبا بَراءٍ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبائِلَ مِن بَنِي سُلَيْمٍ: عُصَيَّةَ ورِعْلًا وذَكْوانَ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنهم إلّا ثَلاثَةُ نَفَرٍ؛ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ أحَدُهُمْ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ودَعا عَلى قَتَلَتِهِمْ شَهْرًا؛» قالَ البَغَوِيُّ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ أهْلَ الطّائِفِ أمَدُّوهم - يَعْنِي قُرَيْشًا - بِالأمْوالِ لِيُقَوُّوهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَذا الَّذِي أحْكَمَهُ تَعالى مِن نَبْذِ العَهْدِ نَظَرٌ لِلدِّينِ؛ لِأنَّهُ نَظَرَ لِجَمِيعِ أهْلِهِ الَّذِينَ لا يُوجَدُ إلّا بِهِمْ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.