Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.

سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبِهِ الإعانَةُ آمِينَ

[مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإبانَةِ لِكُلِّ ما يُوجِبُ الهُدى لِما ثَبَتَ فِيما مَضى، ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَمامِ عِلْمِ مَنزِلِهِ غَيْبًا وشَهادَةً وشُمُولِ قُدْرَتِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذِهِ القِصَّةُ - كَما تَرى - أنْسَبُ الأشْياءِ لِهَذا المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ يُوسُفَ - واللَّهُ أعْلَمُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ في طَرِيقِ الهُدى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالإبْعادِ عَنْ مَوْطِئِ الرَّدى.

لَمّا خَلَّلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ مِمّا خَلَّلَها بِهِ مِنَ القَصَصِ والآياتِ القاطِعَةِ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ [و] بِإذْنِهِ نَزَلَ، وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن شاءَ إيمانَهُ، وأنَّهُ مَهْما شاءَهُ كانَ، وبَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلى مِثْلِ ما عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ وعَلى التَّأْلِيفِ بَيْنَ مَن أرادَ وإيقاعَ الخِلافَ بَيْنَ مَن شاءَ، وأشارَ إلى أنَّهُ حَكَمَ بِالنُّصْرَةِ لِعابِدِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما أرادَ لِأنَّهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، تَلاها بِهَذِهِ السُّورَةِ لِبَيانِ هَذِهِ الأغْراضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَقِيَ فِيها يُوسُفُ عِلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَقِيَ مَن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ ومَن غَيْرِهِمْ ومِنَ الغُرْبَةِ وشَتاتِ الشَّمْلِ، ثُمَّ كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ فِيهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ لِما تَدَرَّعَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى شَدِيدِ البَلاءِ والتَّفْوِيضِ لِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الأمِينِ وتَأْسِيَةً بِمَن مَضى مِن إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ فِيما يَلْقى في حَياتِهِ مَن أقارِبِهِ الكافِرِينَ وبَعْدَ وفاتِهِ مِمَّنْ دَخَلَ مِنهم في الدِّينِ في آلِ بَيْتُهُ كَما وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعْذِيبٍ عَقِبَهُ وعَقِبَ إخْوَتِهِ مِمَّنْ بالَغَ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقَدْ وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفِعْلِ ما هَمَّ الكَفّارُ مِن أقارِبِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ بِهِ كَما حَكاهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَنَجا مِنهم أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ مِنَ الحَصْرِ في شِعَبِ أبِي طالِبٍ ومِنَ الهِجْرَةِ بِأمْرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ ومَلَّكَهُ قِيادَهُمْ، فَكانَ في سَوْقِ قِصَّتِهِ عَقِبَ الإخْبارِ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القِصَصِ تَثْبِيتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن مِلْكِ قِيادِهِمْ ورَدِّ عِنادِهِمْ ومَنِّهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وفي إشارَتِها بِشارَةٌ بِأنَّ المَحْسُودَ يُعانِي ويَعْلى إنْ عَمَلَ ما هو الأحْرى بِهِ والأُولى، ومِن فَوائِدِ ذِكْرِها التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الحَسَدَ داءٌ عَظِيمٌ شَدِيدُ التَّمَكُّنِ في النُّفُوسِ حَتّى أنَّهُ بِعَزْمِ تَمَكُّنِهِ وكَثْرَةِ مَكانِهِ وتَعَدُّدِ كائِنِهِ رُبَّما غَلَبَ أهْلَ الصَّلاحِ إلّا مَن بادَرَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ داعِي الفَلّاحِ، وتَرَكَتْ إعادَتَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القَصَصِ صَوْنًا لِلْأكابِرِ عَنْ ذِكْرِ ما رُبَّما أوْجَبَ اعْتِقادَ نَقْصٍ، أوْ تَوْجِيهَ طَعْنٍ أوْ غَمْصٍ، أوْ هَوْنِ داءِ الحَسَدِ، عِنْدَ ذِي تَهَوُّرٍ ولَدَدٍ، وخَلَّلَها سُبْحانَهُ بِبَلِيغِ الحِكَمِ [وخَتْمِها] بِما أنْتَجَتْ مِن ثُبُوتِ أمْرِ …

2

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur'an that you might understand.

ثُمَّ عَلَّلَ المُبِينَ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالإنْزالِ لِأنَّهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ بِخِلافِ ما عَبَّرَ فِيهِ بِالجَعْلِ كَما يَأْتِي في الزُّخْرُفِ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ أيِ الكِتابَ المُفَسَّرَ بِهَذِهِ السُّورَةِ أوْ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ ﴿قُرْآنًا﴾ سُمِّي بَعْضُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ وعَلَّلَ إنْزالَهُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَكُونُوا مِن ذَوِي العَقْلِ أوْ مِن أنْ تَعْقِلُوا ما يُرادُ مِنكُمْ؛ قالَ: أبُو حَيّانِ و”لَعَلَّ“ تَرَجٍّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أفْصَحُ الألْسِنَةِ وأوْسَعُها وأقْوامُها وأعْدَلُها، لِأنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ القَوْلَ - وإنْ خُصَّ بِخِطابِهِ قَوْمٌ - يَكُونُ عامًّا لِمَن سِواهم.

3

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

We relate to you, [O Muhammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur'an although you were, before it, among the unaware.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ [مِن] أنْباءِ الرُّسُلِ ما يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَهُ، قالَ مُثْبِتًا ومُعَلِّلًا بِأنَّهُ الكِتابُ بِعِلَّةٍ أُخْرى مُشاهَدَةٍ هي أخَصُّ مِنَ الأُولى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وعَظَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيِ الِاقْتِصاصِ أوِ المَقْصُوصِ بِأنْ نَتَّبِعَ بَعْضَ الحَدِيثِ كَما نُعَلِّمُهُ بَعْضًا فَنُبَيِّنُهُ أحْسَنَ البَيانِ - لِأنَّهُ مَن قَصِّ الأثَرِ - تَثْبِيتًا لِفُؤادِكَ وتَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِكَ وتَأْيِيدًا عَلى أحْسَنِ تَرْتِيبٍ وأحْكَمِ نِظامٍ وأكْمَلِ أُسْلُوبٍ وأوْفى تَحْرِيرٍ وأبْدَعِ طَرِيقَةٍ مَعَ ما نُفَصِّلُها بِهِ مِن جَواهِرِ الحِكَمِ وبَدائِعِ المَعانِي مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، وهي قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ هي في التَّوْراةِ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ ورَقَةً لا يَضْبُطُها إلّا حُذّاقَ أحْبارِهِمْ، مَن تَأمَّلَ اقْتِصاصُها فِيها أوْ في غَيْرِها مِن تَوارِيخِهِمْ ذاقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ حَتّى لَقَدْ أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِما رَأوْا مِن حُسْنِ اقْتِصاصِها، رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وكانَ قارِئًا لِلتَّوْراةِ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في التَّوْراةِ فَقالَ [لَهُ] الحَبْرُ: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها، فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ [لَهُمْ]: أتَعْلَمُونَ واللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ! فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرِفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَتِهِ لِسُورَةِ يُوسُفَ، فَتَعَجَّبُوا مِنهُ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَّمَنِيها اللَّهُ، فَأسْلَمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ» .

وقَدْ ضَمَّنَها سُبْحانَهُ مِنَ النُّكَتِ والعِبَرِ والحَكَمِ أمْرًا عَظِيمًا، وذَكَرَ فِيها حُسَنَ مُجاوَرَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإخْوَتِهِ وصَبْرُهُ عَلى أذاهم وحِلْمَهُ عَنْهم وإغْضاءَهُ عِنْدَ لِقائِهِمْ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ وكَرَمَهُ في العَفْوِ، والأنْبِياءَ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ والإنْسَ والجِنَّ والأنْعامَ والطَّيْرَ وسِيَرَ المُلُوكِ والمَمالِيكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والجُهّالِ والرِّجالِ والنِّساءِ ومَكْرِهِنَّ والتَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والإعْجازَ والتَّعْبِيرَ والسِّياسَةَ والمُعاشَرَةَ وتَدْبِيرَ المَعاشِ وجَمِيعَ الفَوائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وذَكَرَ الحَبِيبَ والمَحْبُوبَ، ولَمْ يُدْخِلْ فِيها شَيْئًا مِن غَيْرِها دُونَ سائِرِ القِصَصِ، وكانَ عِقابُها إلى خَيْرٍ وسَلامَةٍ واجْتِماعِ شَمْلٍ وعَفْوٍ مِنَ اللَّهِ وتَجاوُزٍ عَنِ الكُلِّ ﴿بِما أوْحَيْنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا ﴿إلَيْكَ﴾

ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ مَجْمَعَ الخَيِّراتِ، عَيَّنَ المُرادَ بِالإشارَةِ واسْمِ العَلَمِ فَقالَ: ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ الَّذِي قالُوا فِيهِ: إنَّهُ مُفْتَرى، فَنَحْنُ نُتابِعُ فِيهِ القِصَصَ بَعْدَ قِصَّةٍ بَعْدَ قِصَّةِ والحِكَمَ حِكْمَةً في أثَرِ حِكْمَةٍ حَتّى لا يَشُكَّ شاكٌّ ولا يَمْتَرِيَ مُمْتَرٍ في أنَّهُ مِن عِنْدِنا وبِإذْنِنا ويَكُونُ أمْرُهُ في البُعْدِ مِنَ اللَّبْسِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ. …

4

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ

[Of these stories mention] when Joseph said to his father, "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

ولَمّا تَمَّ ما أرادَ تَعالى مِن تَعْلِيلِ الوَصْفِ [بِالمُبِينِ] أبْدَلَ مِن قَوْلِهِ ”أحْسَنُ القَصَصِ“ قَوْلَهُ: ﴿إذْ﴾ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ خَبَرَ إذْ، أيْ خَبَرَ يُوسُفَ إذْ ﴿قالَ يُوسُفُ﴾ أيِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لأبِيهِ﴾ وبَيِّنَ أدَبَهُ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ أباهُ عالِي المَنزِلَةِ جِدًّا، وإلى أنَّ الكَلامَ الآتِيَ مِمّا لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَيَنْبَغِي أنْ يَهْتَمَّ بِسَماعِهِ والجَوابِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ تاءُهُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْها عِنْدَ بَعْضِ القُرّاءِ بِالهاءِ، وكَسْرَتُها عِنْدَ مَن كَسَرَ دالَّةٌ عَلى ياءِ الإضافَةِ الَّتِي عَوَّضَ عَنْها تاءُ التَّأْنِيثِ، واجْتِماعُ الكَسْرَةِ مَعَها كاجْتِماعِها مَعَ الياءِ، وفَتْحُها عِنْدَ مَن فَتْحَ عِوَضٌ عَنِ الألِفِ القائِمَةِ مَقامَ ياءِ الإضافَةِ.

ولَمّا كانَ صَغِيرًا، وكانَ المَنامُ عَظِيمًا خَطِيرًا، اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ أيْ في مَنامِي، فَهو مِنَ الرُّؤْيا الَّتِي هي رُؤْيَةٌ في المَنامِ، فَرَّقَ بَيْنَ حالِ النَّوْمِ واليَقَظَةِ في ذَلِكَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أيْ نَجْمًا كَبِيرًا ظاهِرًا جِدًّا مُضِيئًا بَرّاقًا، وفي عَدَمِ تَكْرارِ هَذِهِ القِصَّةِ في القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: كُرِّرَتْ قِصَصُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْكِينًا لِفَصاحَتِها بِتَرادُفِ السِّياقِ، وفي تَكْرِيرِ قِصَصِهِمْ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ لَمْ تُكَرَّرْ لِئَلّا تُفْتَرَ فَصاحَتُها، فَكَأنَّ عَدَمَ تَكْرِيرِها لِأنَّ مَقاصِدَ السُّورِ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ لِلنَّيِّرَيْنِ اسْمانِ يَخُصّانِهِما هُما في غايَةِ الشُّهْرَةِ، قالَ مُعَظِّمًا لَهُما: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الحالِ الَّتِي رَآهم عَلَيْها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ حالٍ؟ وكانَتِ الرُّؤْيا باطِنَ البَصَرِ الَّذِي هو باطِنُ النَّظَرِ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِها لِلْإشارَةِ إلى غَرابَةِ هَذا الأمْرِ، زادَ في الإشارَةِ إلى ذَلِكَ بِإعادَةِ الفِعْلِ، وألْحَقَهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ لِتَكُوَنَ دَلالَتُهُ عَلى كُلٍّ مِن عَجِيبِ أمْرِ الرُّؤْيا ومِن فِعْلِ المَرْتى الَّذِي لا يَعْقِلُ فِعْلَ العُقَلاءِ مِن وجْهَيْنِ فَقِيلَ: ﴿رَأيْتُهم لِي﴾ أيْ خاصَّةً ﴿ساجِدِينَ﴾ ]أجْراهم مَجْرى العُقَلاءِ لِفِعْلِ العُقَلاءِ].

5

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ أبُوهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ عالِمًا بِأنَّ إخْوَتَهُ سَيَحْسُدُونَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّؤْيا إنْ سَمِعُوها ﴿يا بُنَيَّ﴾ فَبَيَّنَ شَفَقَتَهُ عَلَيْهِ، وأكَّدَ النَّهْيَ بِإظْهارِ الإدْغامِ فَقالَ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ أيْ هَذِهِ ﴿عَلى إخْوَتِكَ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ النَّهْيِ قَوْلُهُ: ﴿فَيَكِيدُوا﴾ أيْ: فَيُوقِعُوا ﴿لَكَ كَيْدًا﴾ أيْ: يَخُصُّكَ، فاللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا نَهْيَ عَنِ الغِيبَةِ لِلنَّصِيحَةِ، بَلْ هي مِمّا يُنْدَبُ إلَيْهِ؛ قالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا: تَصَوُّرُ المَعْنى في المَنامِ عَلى تَوَهُّمِ الإبْصارِ، وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ مَغْمُورٌ بِالنَّوْمِ، فَإذا تَصَوَّرَ الإنْسانُ المَعْنى تَوَهَّمَ أنَّهُ يَراهُ؛ وقالَ الإمامُ الرّازِي في اللَّوامِعِ: هي رُكُودُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ عَنِ الإدْراكِ والإحْساسِ، وحَرَكَةِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلى المَدارِكِ، فَإنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ حَواسَّ ظاهِرَةً ومَشاعِرَ باطِنَةً، فَإذا سَكَنَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ اسْتُعْمِلَتِ الحَواسُّ الباطِنَةُ في إدْراكِ الأُمُورِ الغائِبَةِ، فَرُبَّما تُدْرِكُها عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها، فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ، ورُبَّما تَراها في صُورَةٍ مُحاكِيَةٍ مُناسِبَةٍ لَها فَيَحْتاجُ إلى التَّعْبِيرِ، مِثالُ الأوَّلِ رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ، والثّانِي كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ.

وقالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا الصّادِقَةُ لَها تَأْوِيلٌ، والرُّؤْيا الكاذِبَةُ لا تَأْوِيلَ لَها - انْتَهى. وهَذا لِمَن يَنامُ قَلْبُهُ وهم مِن عَدا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ شَفَقَةَ الإخْوَةِ تَمْنَعُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، عَلَّلَهُ تَقْرِيبًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ أيِ المُحْتَرِقَ المُبْعَدَ ﴿لِلإنْسانِ﴾ أيْ عامَّةٍ ولا سِيَّما الأكابِرُ مِنهم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحُ العَداوَةِ ومُوَضِّحُها لِكُلِّ واعٍ فَيُوقِعُ العَداوَةَ بِما يُخَيِّلُهُ مِن فَوْتِ الحُظُوظِ بِتَرْكِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّؤْيا مُشْكَلٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَقُصَّ إلّا عَلى شَفِيقٍ ناصِحٍ.

6

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."

ولَمّا عَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما سَيَصِيرُ إلَيْهِ ولَدُهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ قَدِ اجْتَباكَ رَبُّكَ لِلِاطِّلاعِ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ، ومَثَّلَ ما اجْتَباكَ لَها ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ أيْ يَخْتارُكَ ويَجْمَعُ لَكَ مَعالِي الأُمُورِ ﴿رَبُّكَ﴾ المُرَبِّي لَكَ بِالإحْسانِ لِلْمُلْكِ والنُّبُوَّةِ ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن﴾ أيْ بَعْضٍ ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [مِنَ] الرُّؤْيا وغَيْرِها مَن كُتِبِ اللَّهِ وسُنَنِ الأنْبِياءِ وغَوامِضِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ المَخْلُوقاتُ الرُّوحانِيَّةُ والجُسْمانِيَّةُ، لِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ لا يَقُومانِ إلّا بِالعِلْمِ والتَّأْوِيلِ المُنْتَهِي الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَعْنى، وذَلِكَ فِقْهُ الحَدِيثِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ لِأنَّهُ إظْهارُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِمّا عَلَيْهِ مُعْتَمَدُ فائِدَتِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الرُّؤْيا ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ بِالعَدْلِ ولُزُومِ المَنهَجِ السَّوِيِّ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أيْ جَمِيعِ إخْوَتِكَ ومَن أرادَ اللَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ، فَيَجْعَلُ نِعْمَتَهم في الدُّنْيا مَوْصُولَةً بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم في هَذِهِ الرُّؤْيا بِالنُّجُومِ المُهْتَدِي بِها، ولا يُسْتَعْمَلُ الآلُ إلّا فِيمَن لَهُ خَطَرٌ وشَرَفٌ، وإضافَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى إعْلامِ النّاطِقِينَ، قالَ الرّاغِبُ: وأمّا آلُ الصَّلِيبِ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَشاذٌّ، ويُسْتَعْمَلُ فِيمَن لا خَطَرَ لَهُ الأهْلُ ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ﴾

ولَمّا كانَ وُجُودُهُما لَمْ يَسْتَغْرِقِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: [مِن] قَبْلَ هَذا الزَّمانِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الأبَوَيْنِ بِجَدِّهِ وجِدِّ أبِيهِ فَقالَ: ﴿إبْراهِيمَ﴾ أيْ: بِالخَلَّةِ وغَيْرِها مِنَ الكَرامَةِ ”و“ ولَدُهُ ”إسْحاق“ بِالنُّبُوَّةِ وجَعَلَ الأنْبِياءَ والمُلُوكَ مِن ولَدِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ: الحُكْمُ بِدَوامِها عَلى خُلُوصِها مِن شائِبٍ فِيها بِنَقْصِها.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ لِيُقامَ مِنها ما يَصْلُحُ، والحِكْمَةُ الَّتِي بِها يَحْكُمُ ذَلِكَ السَّبَبَ عَنْ أنْ يُقاوِمْهُ سَبَبٌ غَيْرُهُ، وكانَ السِّياقُ بِالعِلْمِ أوْلى لِما ذَكَرَ مِن عِلْمِ التَّأْوِيلِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ آخِرَ تِلْكَ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] الآيَةُ وما شاكَلَ ذَلِكَ أوَّلَ هَذِهِ، قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحِكْمَةِ، وهي وضْعُ الأشْياءِ في أتْقَنَ مَواضِعِها.

7

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask,

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، تَوَقَّعَ السّامِعُ لَهُ ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إخْوَتِهِ هَلْ يَكْتُمُهُمُ الرُّؤْيا أوْ يُعْلِمُهم بِها؟ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ما يَكُونُ؟ فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ - مُفْتَتَحًا لَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ والتَّحْقِيقِ بَعْدَ لامِ القَسَمِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وإعْلامًا بِأنَّهُ عَلى أتْقَنِ وجْهٍ -: ﴿لَقَدْ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو في أحْكَمِ مَواضِعِهِ ﴿فِي يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الرُّؤْيا وما كانَ مِن تَأْوِيلِها وأسْبابِ ذَلِكَ ﴿آياتٌ﴾ أيْ عَلاماتٌ عَظِيمَةٌ دالاتٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ [أيِ] الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنْها مِن قُرَيْشٍ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وآياتُ عَظَمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ في تَصْدِيقِ رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجاتِهِ مِمَّنْ كادَهُ وعَصْمَتِهِ وإعْلاءِ أمْرِهِ، والمُرادُ بِإخْوَتِهِ هُنا العِشْرَةُ الَّذِينَ هم مِن أبِيهِ وهُمْ: رُوبِيلُ وشَمْعانُ - بِمُعْجَمَةِ أوَّلُهُ، ولاوِي، ويَهُوذا، وزِيلُونُ - بِزايٍ ومُوَحَّدَةٌ، وإيساخارُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وتَحْتانِيَّةٍ وسِينٍ مُهْمَلَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ، ودانُ - بِمُهْمَلَةٍ، وجادٌ بِجِيمٍ.

بَيْنَها وبَيْنَ الكافِ، وآشِيرُ - بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتانِيَّةٍ ومُهْمَلَةٍ. ونَفْتالِي - بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وفاءٍ ساكِنَةٍ ومُثَنّاةٍ فَوْقانِيَّةٍ ولامٍ بَعْدَها ياءٌ. وشَقِيقُهُ بِنْيامِينُ - بِضَمِّ المُوَحِّدَةِ، هَكَذا ذَكَرَهم في التَّوْراةِ، وحَرَّرْتُ التَّلَفُّظَ بِهِمْ مِنَ العُلَماءِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بِزِيادَةٍ. والآيَةُ: الدَّلالَةُ عَلى ما كانَ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ومِثْلُها العَلامَةُ والعِبْرَةُ، [و] الحُجَّةُ أخَصُّ مِنها، لِأنَّها مُعْتَمَدُ البَيِّنَةِ الَّتِي تُوجِبُ الثِّقَةَ بِصِحَّةِ المَعْنى الَّذِي فِيهِ أُعْجُوبَةٌ.

8

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

When they said, "Joseph and his brother are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، ابْتَدَأ [بِذِكْرِ] الآياتِ الواقِعَةِ في ظَرْفِ هَذا الكَوْنِ فَقالَ: ﴿إذْ قالُوا﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ حِينَ قالَ الإخْوَةُ بَعْدَ أنْ قَصَّ الرُّؤْيا عَلَيْهِمْ وسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ - كَما ظَنَّ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُقْسِمِينَ دَلالَةً عَلى غايَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الكَلامِ، وأنَّهُ مِمّا حَرَّكَهم غايَةَ التَّحْرِيكِ، أوْ هي لامُ الِابْتِداءِ المُؤَكِّدَةُ المُحَقِّقَةُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ أيْ شَقِيقِهِ بِنْيامِينَ ﴿أحَبُّ﴾ وحَدَّدا لِأنَّ أفْعَلُ ما يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وما فَوْقَهُ مُذَكَّرًا كانَ أوْ مُؤَنَّثًا إذا لَمْ يُعَرِّفْ أوْ يُضِفْ ﴿إلى أبِينا مِنّا﴾ أيْ يُحِبُّهُما أكْثَرَ مِمّا يُحِبُّنا؛ والحُبُّ: مَيْلٌ يَدْعُو إلى إرادَةِ [الخَيْرِ] والنَّفْعُ لِلْمَحْبُوبِ بِخِلافِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّها مَيْلُ النَّفْسِ ومُنازَعَتُها إلى ما فِيهِ لَذَّتُها ”و“ الحالُ أنا ”نَحْنُ عُصْبَة“ أيْ: أشِدّاءُ في أنْفُسِنا ويَشُدُّ بَعْضُنا بَعْضًا، وأمّا هُما فَصَغِيرانِ لا كِفايَةَ عِنْدَهُما؛ والعُصْبَةُ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ - عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونا أحَبَّ إلَيْهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَ أبِيهِما في الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ داعٍ إلى تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ﴾ أيْ: ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ في ذَلِكَ ﴿مُبِينٍ﴾ حَيْثُ فَضَّلَهُما عَلَيْنا، والقُرْبُ المُقْتَضِي لِلْحُبِّ في كُلِّنا واحِدٌ، لِأنّا في البُنُوَّةِ سَواءٌ، ولَنا مَزِيَّةٌ تَقْتَضِي تَفْضِيلَنا، وهي أنّا عُصْبَةٌ، لَنا مِنَ النَّفْعِ لَهُ والذَّبِّ عَنْهُ والكِفايَةِ ما لَيْسَ لَهُما؛ قالَ الإمامُ أبُو حَيّانِ: وأحَبُّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ ”إلى“ لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“ وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهَ بِـ ”فِي“، تَقُولُ زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرُو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبَّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرُو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتُ: زَيْدٌ أحَبُّ في عَمْرُو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرُو هو المَحْبُوبُ، ومِن خالِدٍ - في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي المَثّالِ الثّانِي فاعِلٌ، قالَ: والضَّلالُ هُنا هو الهُدى - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - انْتَهى.

9

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَ عِنْدَهم أنَّ الشّاغِلَ الأعْظَمَ لِأبِيهِمْ عَنْهم إنَّما هو حُبُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحُبُّ أخِيهِ إنَّما هو تابِعٌ، كانَ كَأنَّهم تَراجَعُوا فِيما بَيْنَهم فَقالُوا: قَدْ تَقَرَّرَ هَذا، فَما أنْتُمْ صانِعُونَ؟ فَقالُوا أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِنهُمْ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أصْلُ القَتْلِ: إماتَةُ الحَرَكَةِ بِالسُّكُونِ ﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ أوْصَلُوا الفِعْلَ بِدُونِ حَرْفٍ ونَكَّرُوها دَلالَةً عَلى أنَّها مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بِحَيْثُ يَهْلَكُ فِيها، وعَنى قائِلُهم بِذَلِكَ: إنْ تَوَرَّعْتُمْ عَنْ مُباشَرَةِ قَتْلِهِ بِأيْدِيكم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ أيْ خاصًّا بِكم ﴿وجْهُ أبِيكُمْ﴾ أيْ قَصْدُهُ لَكم وتَوَجُّهُهُ إلَيْكم وقَصْدُكم ونِيَّتُكم. ولَمّا كانَ أهْلُ الدِّينِ لا يُهْمِلُونَ إصْلاحَ دِينِهِمْ لِأنَّهُ مَحَطُّ أمْرِهِمْ، قالُوا: ﴿وتَكُونُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ التَّمَكُّنِ، ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ. فَهو مانِعٌ مِنَ اسْتِغْراقِهِمْ لِلزَّمانِ الآتِي، أدْخَلُوا الجارَّ فَقالُوا: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ ذَوِي نَشاطٍ وقُوَّةٍ عَلى مُحاوَلَةِ الأُمُورِ ﴿صالِحِينَ﴾ أيْ: عَرِيقَيْنِ في وصْفِ الصَّلاحِ مُسْتَقِيمِينَ عَلى طَرِيقَةٍ تَدْعُو إلى الحِكْمَةِ بِوُقُوعِ الأُلْفَةِ بَيْنَكم واسْتِجْلابِ مَحَبَّةِ الوالِدِ بِالمُبالَغَةِ في بَرِّهِ وبِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبٍ واحِدٍ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوالِ المُوجِبِ لِداءِ الحَسَدِ المَلْزُومِ لِذُنُوبٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ البَغْضاءِ والمُقاطَعَةِ والشَّحْناءِ، فَعَزَمُوا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الذَّنْبِ

10

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لِمَن أعْجَبِ العَجَبِ مِن مُطْلَقِ الأقارِبِ فَضْلًا عَنِ الإخْوَةِ، فَماذا قالُوا عِنْدَ سَماعِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَهو يُنْجِي مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ، لَمْ يَتَعَلَّقِ القَصْدُ بِبَيانِ الَّذِي كانَتْ عَلى يَدِهِ النَّجاةُ، فَقالَ مُبْهِمًا إشْعارًا بِأنَّهُ يَجِبُ قَوْلُ النُّصْحِ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ، وأنَّ الإنْسانَ لا يُحَقِّرُ نَفْسَهُ في بَذْلِ النُّصْحِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ: ﴿قائِلٌ﴾ ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْضُ التَّعْيِينِ فَقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ لا بِأيْدِيكم ولا بِالإلْقاءِ في المَهالِكِ، فَإنَّ القَتْلَ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ناحِيَتِهِمْ تِلْكَ غَيْرُ جُبٍّ واحِدٍ فَعَرَفَهُ فَقالَ: ﴿وألْقُوهُ﴾ وكَأنَّهُ كانَ فِيهِ ماءٌ ومَكانٌ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِ ولا ماءَ بِهِ، فَأرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ: غَوْرُهُ الغائِبُ عَنِ الأعْيُنِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في المَقْصُودِ، وإنَّكم إنْ تَفْعَلُوا ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو المُبالِغُ في السَّيْرِ، هَذا ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ ولا بُدَّ ﴿فاعِلِينَ﴾ ما أرَدْتُمْ مِن تَغْيِيبِهِ عَنْ أبِيهِ لِيَخْلُوَ لَكم وجْهُهُ؛ والجُبُّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تَطْوِ، لِأنَّهُ قَطَعَ عَنْها تُرابَها حَتّى بَلَغَ الماءُ، وعَنْ أبِي عَمْرُو: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.