Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى الضَّرّاءِ، إيمانًا بِاللَّهِ واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ في الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، شُكْرًا لِآلائِهِ، سابِقِها ولاحِقِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِذُنُوبِهِمْ بِتِلْكَ الشِّدَّةِ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ عَلى الصَّبْرِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ في الفَقْرِ والغِنى، والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والمَرَضِ والصِّحَّةِ، واثِقًا بِاللَّهِ، مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، لا يَحْتَجِبُ عَنْهُ بِوُجُودِ نِعْمَةٍ، ولا بِسَعْيِهِ وتَصَرُّفِهِ في الكَسْبِ، ولا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ في الطَّلَبِ ولا بِسائِرِ الأسْبابِ والوَسائِطِ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ اليَأْسُ عِنْدَ فِقْدانِ تِلْكَ الأسْبابِ، والكُفْرانُ والبَطَرُ والأشَرُ عِنْدَ وُجُودِها، فَيَبْعُدُ بِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْساهُ فَيَنْساهُ اللَّهُ، بَلْ يَرى الإعْطاءَ والمَنعَ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنْ أتاهُ رَحْمَةً مِن صِحَّةٍ أوْ نِعْمَةٍ شَكَرَهُ أوَّلًا بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنهُ، وشُهُودِ المُنْعِمِ في صُورَةِ النِّعْمَةِ، وذَلِكَ بِالقَلْبِ، ثُمَّ بِالجَوارِحِ بِاسْتِعْمالِها في مَراضِيهِ وطاعَتِهِ، والقِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى فِيها، ثُمَّ بِاللِّسانِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ مُتَيَقِّنًا بِأنَّهُ القادِرُ عَلى سَلْبِها، مُحافِظًا عَلَيْها بِشُكْرِها، مُسْتَزِيدًا إيّاها، اعْتِمادًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]

قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا وصَلَتْ إلَيْكم أطْرافُ النِّعَمِ، فَلا تُنَفِّرُوا أقْصاها بِقِلَّةِ الشُّكْرِ. ثُمَّ إنْ نَزَعَها مِنهُ. فَلْيَصْبِرْ ولا يَتَأسَّفْ عَلَيْها، عالِمًا بِأنَّهُ هو الَّذِي نَزَعَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى كالوالِدِ المُشْفِقِ في تَرْبِيَتِهِ إيّاهُ، بَلْ أرْأفُ وأرْحَمُ، فَإنَّ الوالِدَ مَحْجُوبٌ عَمّا يَعْلَمُهُ تَعالى، إذْ لا يَرى إلّا عاجِلَ مَصالِحِهِ وظاهِرَها، وهو العالِمُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَيَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُهُ عاجِلًا وآجِلًا، راضِيًا بِفِعْلِهِ، راجِيًا إعادَةَ أحْسَنِ ما نَزَعَ مِنها إلَيْهِ، إذِ القانِطُ مِن رَحْمَتِهِ بَعِيدٌ مِنهُ، لا يَسْتَوْسِعُ رَحْمَتَهُ لِضِيقِ وِعائِهِ، مَحْجُوبٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ، لا يَرى عُمُومَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ ودَوامَهُ. ثُمَّ إذا أعادَها لَمْ يَفْرَحْ بِوُجُودِها، كَما لَمْ يَحْزَنْ بِفِقْدانِها، ولا يَفْخَرُ بِها عَلى النّاسِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَهْلِ، وظُهُورِ النَّفْسِ، وإلّا لَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ ولَهُ، وبِأيِّ سَبَبٍ يَسُوغُ لَهُ فَخْرٌ بِما لَيْسَ لَهُ ومِنهُ؟ بَلْ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ (الإنْسانِ) أيْ هَذا النَّوْعُ يَؤُوسٌ كَفُورٌ، فَرِحٌ فَخُورٌ، في الحالَيْنِ، إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مَعَ اللَّهِ واقِفِينَ مَعَهُ، في حالَةِ الضَّرّاءِ والنَّعْماءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الفَقْرُ والغِنى مَطِيَّتانِ، لا أُبالِي أيُّهُما أمْتَطِي. انْتَهى.

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أيْ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أيْ مَخافَةُ أنْ يَقُولُوا، تَعامِيًا عَنْ تِلْكَ البَراهِينِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى صِحَّتُها عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ، وتَمادِيًا في العِنادِ عَلى وجْهِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما اقْتَرَحْنا مِنَ الكَنْزِ والمَلائِكَةِ، زَعْمًا أنَّ الرَّسُولَ مَتْبُوعٌ، لا بُدَّ لَهُ مِنَ الإنْفاقِ عَلى أتْباعِهِ، ولا يَتَأتّى مَعَ عَدَمِ سَلْطَنَتِهِ إلّا بِإلْقاءِ الكَنْزِ عَلَيْهِ، أوْ مَجِيءِ مَلَكٍ مَعَهُ يُصَدِّقُ بِرِسالَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ، غَيْرُ مُبالٍ بِما صَدَرَ مِنهم مِن الِاقْتِراحِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ فَيَحْفَظُ ما يَقُولُونَ ويُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، فَكِلْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وبَلِّغْ وحْيَهُ بِقَلْبٍ مُنْشَرِحٍ، غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ ﷺ بِالإرادَةِ، وأنْكَرُوا قَوْلَهُ بِالِاقْتِراحاتِ الفاسِدَةِ، وقابَلُوهُ بِالعِنادِ والِاسْتِهْزاءِ، ضاقَ صَدْرُهُ، ولَمْ يَنْبَسِطْ لِلْكَلامِ، إذِ الإرادَةُ تَجْذِبُ الكَلامَ، وقَبُولُ المُسْتَمِعِ يَزِيدُ نَشاطَ المُتَكَلِّمِ، ويُوجِبُ بَسْطَهُ فِيهِ، وإذا لَمْ يَجِدِ المُتَكَلِّمُ مَحَلًّا قابِلًا لَمْ يَتَسَهَّلْ لَهُ، وبَقِيَ كَرْبًا عِنْدَهُ، فَشَجَّعَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وهَيَّجَ قُوَّتَهُ ونَشاطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَلا يَخْلُو إنْذارُكَ مِن إحْدى الفائِدَتَيْنِ: إمّا رَفْعُ الحِجابِ أنْ يُنْجَعَ فِيمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، وإمّا إلْزامُ الحُجَّةِ لِمَن لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ، ثُمَّ كِلِ الهِدايَةَ إلَيْهِ.

الثّانِيَةُ: لا يَخْفى أنَّ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهُوَ، وإنِ اقْتَضى التَّوَقُّعَ، إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَوَقُّعِ الشَّيْءِ وُقُوعُهُ، ولا تَرَجَّحَ وُقُوعُهُ؛ لِوُجُودِ ما يَمْنَعُ مِنهُ وتَوَقُّعُ ما لا يَقَعُ مِنهُ، المَقْصُودُ تَحْرِيضُهُ عَلى تَرْكِهِ، وتَهْيِيجُ داعِيَتِهِ.

وقِيلَ: (لَعَلَّ) هُنا لِلتَّبْعِيدِ لا لِلتَّرَجِّي، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّكَ تَفْعَلُ كَذا، لِمَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فالمَعْنى: لا نَتْرُكُ.

وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في الحَدِيثِ: ««لَعَلَّنا أعْجَلْناكَ»» .

وقِيلَ: هي لِتَوَقُّعِ الكُفّارِ، فَكَما تَكُونُ لِتَوَقُّعِ المُتَكَلِّمِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ- تَكُونُ لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ أوْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِمَعْناهُ كَما هُنا. فالمَعْنى: إنَّكَ بَلَغْتَ الجُهْدَ في تَبْلِيغِهِمْ أنَّهم يَتَوَقَّعُونَ مِنكَ تَرْكَ التَّبْلِيغِ لِبَعْضِهِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

الثّالِثَةُ: إنَّما عَدَلَ عَنْ (ضَيِّقٍ) الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى (ضائِقٍ) اسْمِ الفاعِلِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ ضِيقٌ عارِضٌ، غَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا. وكَذا كُلُّ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ إذا قُصِدَ بِها الحُدُوثُ تُحَوَّلُ إلى فاعِلٍ، فَيَقُولُونَ في سَيِّدٍ سائِدٌ، وفي …

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ ما يُوحى إلَيْكَ، وفي (أمْ) وجْهانِ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ (بَلْ والهَمْزَةِ الإنْكارِيَّةِ) أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ. ومُتَّصِلَةٌ والتَّقْدِيرُ: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ، وهو ما في الإعْجازِ، أمْ يَقُولُونَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا﴾ أيْ لِلِاسْتِعانَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا"، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا سِيَّما وقَدْ زاوَلْتُمْ أسالِيبَ النَّظْمِ والنَّثْرِ والخُطَبِ.

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْها ﴿وأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ واعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، والإشْراكَ بِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُبايِعُونَ بِالإسْلامِ، مُنْقادُونَ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وتَصْدِيقِ رَسُولِهِ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ؟

لَطائِفُ:

الأُولى: قِيلَ: تُحُدُّوا أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ، فَلَمّا عَجَزُوا تُحُدُّوا بِسُورَةٍ. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، ووَجْهُهُ بِأنَّ ما وقَعَ أوَّلًا هو التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ والِاشْتِمالِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ والأحْكامِ وأخَواتِها، وهي الأنْواعُ التِّسْعَةُ المَنظُومَةُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ:

؎ألا إنَّما القُرْآنُ تِسْعَةُ أحْرُفٍ سَأُنْبِيكَها في بَيْتِ شِعْرٍ بِلا مَلَلْ

؎حَلالٌ، حَرامٌ، مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ ∗∗∗ بَشِيرٌ نَذِيرٌ، قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلْ

فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، أمَرَهم بِالإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ، وإنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ تَوْصِيفُها بِـ (مُفْتَرَياتٍ).

وقِيلَ: إنَّ التَّحَدِّيَ بِسُورَةٍ وقَعَ بَعْدَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى التَّوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ، وهي السُّورَةُ الفَذَّةُ. والتَّحَدِّي بِعَشْرٍ وقَعَ بَعْدَ تَعَنُّتِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، واقْتِراحِهِمْ آياتٍ غَيْرَ القُرْآنِ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّهُ مُفْتَرًى، فَمَقامُهُ يُناسِبُهُ التَّكْثِيرُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُفْتَرًى عِنْدَهُمْ، فَلا يَعْسُرُ الإتْيانُ بِكَثِيرٍ مِثْلِهِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

الثّانِيَةُ: ضَمِيرُ (لَكُمْ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وجَمْعٌ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎وإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمْ

أوْ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعُهُ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم ألّا يَنْفَكُّوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ. وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ، والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ إلَخْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِـ (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم سائِرُ مَن تَجْأرُونَ إلَيْهِمْ في مُهِمّاتِكم إلى المُعاوَنَةِ؛ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مَنزَلٌ مِن خالِقِ القُوى والقُدَرِ -كَذا في أبِي السُّعُودِ-.

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى وعِيدَ مَن آثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ -وهُمُ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ فِيها مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ.

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ وحَبِطَ في الآخِرَةِ ما صَنَعُوهُ، أيْ لَمْ يَكُنْ لَهم ثَوابٌ عَلَيْهِ. وجَوَّزَ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِـ " صَنَعُوا" والضَّمِيرُ لِلدُّنْيا. كَما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ كانَ عَمَلُهم في نَفْسِهِ باطِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]

لَطِيفَةٌ:

فِي إعْرابِ (باطِلٌ) وجْهانِ:

الأوَّلُ: كَوْنُهُ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و(ما كانُوا) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، و(ما) مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، والكَلامُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.

والثّانِي: كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى الأخْبارِ قَبْلَهُ، أيْ: أُولَئِكَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فاعِلٌ بِـ " باطِلٌ" ورُجِّحَ هَذا بِقِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (وبَطَلَ) ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى (حَبِطَ).

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى صِفَةِ المُؤْمِنِينَ، في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ بُرْهانٍ نَيِّرٍ، عَظِيمِ الشَّأْنِ، يَدُلُّ عَلى حَقِّيَّةِ ما ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، وهو القُرْآنُ ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ يَتْبَعُهُ ﴿شاهِدٌ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ نَفْسِهِ، يَشْهَدُ لَهُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو إعْجازُهُ. وفُسِّرَتِ " البَيِّنَةُ" أيْضًا بِالإسْلامِ، سَمّاهُ بَيِّنَةً لِغايَةِ ظُهُورِهِ، إذْ هو دِينُ الفِطْرَةِ، قَبْلَ تَدْنِيسِها بِرِجْسِ الوَثَنِيَّةِ و(الشّاهِدُ) بِالقُرْآنِ، فالضَّمِيرُ لِلرَّبِّ تَعالى. ﴿ومِن قَبْلِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ وهو التَّوْراةُ. أيْ: ويَتْلُو تِلْكَ البَيِّنَةَ مِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى، مُقَرِّرًا لِذَلِكَ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمامًا﴾ أيْ: مُقْتَدًى بِهِ في الدِّينِ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى المَنزَلِ إلَيْهِمْ، تَهْدِيهِمْ وتُعَلِّمُهُمُ الشَّرائِعَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ فَلَهُمُ الجَنَّةُ، ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، ومَنَ ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ شَكٍّ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ المَوْعِدِ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِهِ، إمّا لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ واخْتِلالِ أفْكارِهِمْ، وإمّا لِعِنادِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ.

لَطائِفُ:

الأُولى: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، لِإغْناءِ الحالِ عَنْ ذِكْرِهِ، وهَذا سِرُّ حَذْفِ مُعادِلِ الهَمْزَةِ كَثِيرًا. وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ ذُكِرْتَ أعْمالُهُمْ، وبُيِّنَ مَصِيرُهم ومَآلُهم -كَذا قالَ أبُو السُّعُودِ-.

وفِي (شَرْحِ الكَشّافِ) أنَّ التَّقْدِيرَ: أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ الفاءِ، أيْ: يَعْقُبُونَهم أوْ يُقَرِّبُونَهم. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، فَيُفِيدُ أنَّهُ لا تَقارُبَ بَيْنَهُمْ، فَضْلًا عَنِ التَّماثُلِ، فَلِذَلِكَ صارَ أبْلَغَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]

الثّانِيَةُ: قُرِئَ ((كِتابَ مُوسى)) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (يَتْلُوهُ) أيْ يَتْلُو القُرْآنَ شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، يَعْنِي مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامِ، وشَهادَتُهم عَلى أنَّهُ حَقٌّ لا مُفْتَرًى؛ لِما يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، و(يَتْلُو) مِنَ التِّلاوَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠] -واللَّهُ أعْلَمُ-.

الثّالِثَةُ: (الأحْزابُ) جَمْعُ حِزْبٍ، والحِزْبُ جَماعَةُ النّاسِ. ويُطْلَقُ (الأحْزابُ) عَلى مَن تَألَّبُوا عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ قَبْلَهُ، وهو إطْلاقٌ شَرْعِيٌّ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الأكْثَرُ الآيَةَ؛ لِكَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، إلّا أنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُهُ، وكُلَّ مَن …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَقَوْلِهِ لِلْمَلائِكَةِ (بَناتٌ لِلَّهِ)، ولِلْأصْنامِ (شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ) ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ يُساقُونَ إلَيْهِ سَوْقَ العَبِيدِ المُفْتَرِينَ عَلى مُلُوكِهِمْ، ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والجَوارِحِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ مِمّا يَحِيقُ بِهِمْ حِينَئِذٍ، لِظُلْمِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ. قِيلَ: ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ بِمُفْتَرًى، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ حالَ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ كَيْفَ يَرْتَكِبُهُ؟! كَما مَرَّ في يُونُسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ [طه: ٦٩]

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنْ دِينِهِ القَوِيمِ، كُلَّ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ. ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَها مِعْوَجَّةً بِالكُفْرِ، أوْ يَصِفُونَها لَهم بِالِاعْوِجاجِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يُعْجِزُونَهُ تَعالى أنْ يُعاقِبَهم في الدُّنْيا ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ يَمْنَعُونَهم مِن عِقابِهِ، ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ، وبُغْضِهِمْ لَهُ، ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وإعْراضِهِمْ غايَةَ الإعْراضِ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] الآيَةَ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.