Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

فَلَمّا عَظُمَ الشِّقاقُ وضاقَ الخِناقُ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُ الرُّسُلُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ ودَلُّوا بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِلْبُعْدِ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ الدّارِ وأجافَ بابَها وأنَّ الصِّياحَ كانَ شَدِيدًا ﴿يا لُوطُ﴾ إنَّكَ لِتَأْوِي إلى رُكْنٍ \ شَدِيدٍ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإحْسانِكَ وكُلِّ ما تَرى مِمّا يَسُوءُكَ ويَسُرُّكَ؛ ثُمَّ لَمّا ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ كانَ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّهُ سَبَبٌ في ألّا يُدانِيَهُ مَعَهُ سُوءٌ فَأوْضَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى الرَّبْطِ بِالفاءِ، أيْ ونَحْنُ مُهْلِكُوهم وقالِبُو مُدُنِهِمْ بِهِمْ ﴿فَأسْرِ﴾ أيْ: سِرْ بِاللَّيْلِ ماضِيًا ﴿بِأهْلِكَ﴾ مُوقِعًا ذَلِكَ السَّيْرَ والإسْراءَ ﴿بِقِطْعٍ﴾ أيْ: بِطائِفَةٍ، أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ عِنْدَ خُرُوجِكَ جانِبٌ ﴿مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ﴾ أيْ: يَنْظُرُ إلى ورائِهِ ولا يَتَخَلَّفُ ﴿مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ: لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا تَدَعْ أحَدًا مِن أهْلِكَ يَلْتَفِتُ ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ”أحَدٌ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ لِأنَّ المَنهِيَّ كالمَنفِيِّ في جَوازِ الوَجْهَيْنِ، والنَّهْيُ لَهُ ﷺ، فالفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَنهِيٌّ، وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مَنفِيٌّ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أخْرَجَها مَعَهُ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالإسْراءِ بِها إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، واسْتِثْناؤُها مِنَ الِالتِفاتِ مَعَهم مُفْهِمٌ أنَّهُ لا حَجْرَ عَلَيْهِ في الإسْراءِ بِها، أوْ أنَّهُ خَلْفَها فَتَبِعَتْهم والتَفَتَتْ، فَيَكُونُ قِراءَةُ النَّصْبِ مِن ”أهْلَكَ“، وقِراءَةُ الرَّفْعِ مِن ”أحَدٌ“ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أمْرُها بِالِالتِفاتِ بَلْ مُخالَفَتُها لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ في عَدَمِ النَّهْيِ، ولِذَلِكَ عَلَّلُوا ما أفْهَمُهُ إهْمالُها مِنَ الإسْراءِ والنَّهْيُ مِن أنَّها تَلْتَفِتُ بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ تَعَلُّقَ الأمَلِ بِنَجاتِها شَدِيدُ رَحْمَةٍ لَها: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنَ ﴿مُصِيبُها﴾ لا مَحالَةَ ﴿ما أصابَهُمْ﴾ سَواءٌ التَفَتَتْ أوْ لا، تَخَلَّفَتْ أوْ لا، ثُمَّ ظَهَرَ لِي مِنَ التَّعْبِيرِ في حَقِّها بِاسْمِ الفاعِلِ وفي حَقِّهِمْ بِالماضِي أنَّهُ حَكَمَ بِإصابَةِ العَذابِ لَهم عِنْدَ هَذا القَوْلِ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ذُنُوبَهم تَمَّتْ، وأمّا هي فَإنَّما يُبْرَمُ الحُكْمُ بِذَلِكَ في حَقِّها عِنْدَ تَمامِ ذُنُوبِها الَّتِي رُتِّبَتْ عَلَيْها الإصابَةُ وذَلِكَ عِنْدَ الِالتِفاتِ].

ولَمّا عَبَّرُوا بِالماضِي تَحْقِيقًا لِلْوُقُوعِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ دُخُولُها مَعَهم في أسْبابِ العَذابِ، كانَ مُنَبِّهًا لِأنْ يُقالَ: كانَ الإيقاعُ بِهِمْ قَدْ دَنا [بِهِمْ] جِدًّا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وأُكِّدَ تَحْقِيقًا لِلْوُقُوعِ تَلْذِيذًا بِهِ ولِأنَّهُ - لِقُرْبِ الوَقْتِ - بِحَيْثُ يُنْكَرُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أيْ: لِابْتِداءِ الأخْذِ ﴿الصُّبْحُ﴾ وكَأنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَأ في جَمِيعِ أهْلِهِ وما يُصْلِحُهُمْ، فَكانَ فِعْلُهُ فِعْلَ مَن يَسْتَبْعِدُ الصُّبْحَ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ أيْ: فَأسْرِعِ الخُرُوجَ بِمَن أُمِرْتَ بِهِمْ؛ والإسْراءُ: سَيْرُ اللَّيْلِ كالسُّرى.

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

ولَمّا انْقَضى تَسْكِينُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ لِما مَضى في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّسْبِيبِ والتَّعْقِيبِ، أيْ: فَلَمّا خَرَجَ مِنها لُوطٌ بِأهْلِهِ جاءَنا أمْرُنا، ولَمّا جاءَ أمْرُنا الَّذِي هو عَذابُنا والأمْرُ بِهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عالِيَها﴾ أيْ: عالِيَ مُدُنِهِمْ وهم فِيها ﴿سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى مُدُنِهِمْ بَعْدَ قَلْبِها مِن أجْلِهِمْ وسَيَأْتِي في سُورَةِ الحِجْرِ سِرُّ الإتْيانِ هُنا بِضَمِيرِ ”ها“ دُونَ ضَمِيرِ ”هُمْ“ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ: مُرْسَلَةً مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ ﴿مَنضُودٍ﴾ بِالحِجارَةِ هي فِيهِ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حالَ كَوْنِها ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِلْعَذابِ مِنَ السِّيما [والسُّومَةُ] وهي العَلامَةُ تُجْعَلُ لِلْإبِلِ السّائِمَةِ لِتَتَمَيَّزَ إذا اخْتَلَطَتْ في المَرْعى، وفي الذّارِياتِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ أصْلُها تُرابٌ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ بِواسِطَةِ الماءِ قابِلِيَّةً لِلِاسْتِحْجارِ كَما جَعَلَ فِيهِ قابِلِيَّةَ التَّحَوُّلِ إلى المَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ وغَيْرِها، فَبِاعْتِبارِ أصْلِهِ هو طِينٌ، وبِاعْتِبارِ أوَّلِهِ حَجَرٌ وكِبْرِيتٌ ونارٌ، ولَعَلَّ حَجَرَ الكِبْرِيتِ أثْقَلُ الحِجارَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن قُوَّةِ النّارِ وقُبْحِ الرِّيحِ؛ ثُمَّ فَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى كَثْرَةِ إحْسانِهِ وإلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما أمَرَهُ ﷺ بِالإنْذارِ رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها خَيْرَ الأُمَمِ وسَيَجْعَلُها أكْثَرَ الأُمَمِ، ولا يُهْلِكُها كَما أهْلَكَهُمْ؛ ومادَّةُ سَجَلَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، مِنَ الجَلْسِ لِما ارْتَفَعَ عَنِ الغَوْرِ وهو النَّجْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الغِلَظُ والعُلُوُّ، ومِنَ الغِلَظِ الجَلْسُ لِلْغَلِيظِ مِنَ الأرْضِ والجَمَلِ الوَثِيقِ، ويَلْزَمُ العُلُوَّ التَّصْوِيبُ ومِن جَلَسَ - إذا قَعَدَ؛ والسَّجْلُّ لِلدَّلْوِ العَظِيمَةِ، ويَكُونُ غالِبًا في مُقابَلَتِها أُخْرى، كُلَّما نَزَلَتْ واحِدَةٌ طَلَعَتِ الأُخْرى، فَتَأْتِي المُساجَلَةُ بِمَعْنى المُباراةِ والمُفاخَرَةِ، والسَّجْلُ: الضَّرْعُ العَظِيمُ، والسِّجِلُّ - بِالكَسْرِ وشَدِّ اللّامِ: الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ ما يَكُونُ بِهِ المُفاخَرَةُ والمُغالَبَةُ؛ وسَلَجَ الطَّعامَ: بَلَعَهُ، والسُّلَّجانُ: نَباتٌ رَخْوٌ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أغْصانَهُ [تَأْخُذُ] إلى أسْفَلَ لِرَخاوَتِها، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإمْطارِ، ولَفْظِ ”عَلى“، وسِجِّيلٍ.

ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ لِيَعْظُمَ وقْعُها، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وما هِيَ﴾ عَلى شِدَّةٍ بَعْدَ مَكانِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ مِنَ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في ذَلِكَ الزَّمانِ ولا هَذا ولا زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاحْتِياجُ في وُصُولِها إلى المَرْمى بِها إلى زَمَنٍ طَوِيلٍ.

ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ بَعْدَ ما مَضى في قِصَّةِ بُشْرى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأتى المَلَكانِ إلى سَدُومَ عِشاءً، وكانَ لُوطٌ جالِسًا عَلى بابِ سَدُومَ، فَنَظَرَ إلَيْهِما لُوطٌ فَتَلَقّاهُما، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ …

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

ولَمّا انْقَضى تَسْكِينُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ لِما مَضى في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّسْبِيبِ والتَّعْقِيبِ، أيْ: فَلَمّا خَرَجَ مِنها لُوطٌ بِأهْلِهِ جاءَنا أمْرُنا، ولَمّا جاءَ أمْرُنا الَّذِي هو عَذابُنا والأمْرُ بِهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عالِيَها﴾ أيْ: عالِيَ مُدُنِهِمْ وهم فِيها ﴿سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى مُدُنِهِمْ بَعْدَ قَلْبِها مِن أجْلِهِمْ وسَيَأْتِي في سُورَةِ الحِجْرِ سِرُّ الإتْيانِ هُنا بِضَمِيرِ ”ها“ دُونَ ضَمِيرِ ”هُمْ“ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ: مُرْسَلَةً مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ ﴿مَنضُودٍ﴾ بِالحِجارَةِ هي فِيهِ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حالَ كَوْنِها ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِلْعَذابِ مِنَ السِّيما [والسُّومَةُ] وهي العَلامَةُ تُجْعَلُ لِلْإبِلِ السّائِمَةِ لِتَتَمَيَّزَ إذا اخْتَلَطَتْ في المَرْعى، وفي الذّارِياتِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ أصْلُها تُرابٌ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ بِواسِطَةِ الماءِ قابِلِيَّةً لِلِاسْتِحْجارِ كَما جَعَلَ فِيهِ قابِلِيَّةَ التَّحَوُّلِ إلى المَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ وغَيْرِها، فَبِاعْتِبارِ أصْلِهِ هو طِينٌ، وبِاعْتِبارِ أوَّلِهِ حَجَرٌ وكِبْرِيتٌ ونارٌ، ولَعَلَّ حَجَرَ الكِبْرِيتِ أثْقَلُ الحِجارَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن قُوَّةِ النّارِ وقُبْحِ الرِّيحِ؛ ثُمَّ فَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى كَثْرَةِ إحْسانِهِ وإلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما أمَرَهُ ﷺ بِالإنْذارِ رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها خَيْرَ الأُمَمِ وسَيَجْعَلُها أكْثَرَ الأُمَمِ، ولا يُهْلِكُها كَما أهْلَكَهُمْ؛ ومادَّةُ سَجَلَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، مِنَ الجَلْسِ لِما ارْتَفَعَ عَنِ الغَوْرِ وهو النَّجْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الغِلَظُ والعُلُوُّ، ومِنَ الغِلَظِ الجَلْسُ لِلْغَلِيظِ مِنَ الأرْضِ والجَمَلِ الوَثِيقِ، ويَلْزَمُ العُلُوَّ التَّصْوِيبُ ومِن جَلَسَ - إذا قَعَدَ؛ والسَّجْلُّ لِلدَّلْوِ العَظِيمَةِ، ويَكُونُ غالِبًا في مُقابَلَتِها أُخْرى، كُلَّما نَزَلَتْ واحِدَةٌ طَلَعَتِ الأُخْرى، فَتَأْتِي المُساجَلَةُ بِمَعْنى المُباراةِ والمُفاخَرَةِ، والسَّجْلُ: الضَّرْعُ العَظِيمُ، والسِّجِلُّ - بِالكَسْرِ وشَدِّ اللّامِ: الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ ما يَكُونُ بِهِ المُفاخَرَةُ والمُغالَبَةُ؛ وسَلَجَ الطَّعامَ: بَلَعَهُ، والسُّلَّجانُ: نَباتٌ رَخْوٌ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أغْصانَهُ [تَأْخُذُ] إلى أسْفَلَ لِرَخاوَتِها، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإمْطارِ، ولَفْظِ ”عَلى“، وسِجِّيلٍ.

ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ لِيَعْظُمَ وقْعُها، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وما هِيَ﴾ عَلى شِدَّةٍ بَعْدَ مَكانِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ مِنَ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في ذَلِكَ الزَّمانِ ولا هَذا ولا زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاحْتِياجُ في وُصُولِها إلى المَرْمى بِها إلى زَمَنٍ طَوِيلٍ.

ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ بَعْدَ ما مَضى في قِصَّةِ بُشْرى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأتى المَلَكانِ إلى سَدُومَ عِشاءً، وكانَ لُوطٌ جالِسًا عَلى بابِ سَدُومَ، فَنَظَرَ إلَيْهِما لُوطٌ فَتَلَقّاهُما، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ …

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

ولَمّا انْتَهَتِ القِصَّةُ مُعْلِمَةً لِما قامَ بِهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ اللَّهِ غَيْرَ وانٍ لِرَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ وبِما في إنْزالِ المَلائِكَةِ مِنَ الخَطَرِ، أُتْبِعَتْ أقْرَبَ القِصَصِ الشَّهِيرَةِ إلَيْها في الزَّمَنِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿مَدْيَنَ﴾ وهم قَبِيلَةُ أبِيهِمْ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: ما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما قالَ إخْوانُهُ مِنَ الأنْبِياءِ في البُداءَةِ بِأصْلِ الدِّينِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم مُظْهِرًا غايَةَ الشَّفَقَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا لِأنَّهُ واحِدٌ ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَلَقَدِ اتَّفَقَتْ - كَما تَرى - كَلِمَتُهم واتَّحَدَتْ إلى اللَّهِ وحْدَهُ دَعْوَتُهُمْ، وهَذا وحْدَهُ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ كُلٍّ مِنهم لِما عُلِمَ قَطْعًا مِن تَباعُدِ أعْصارِهِمْ وتَنائِي دِيارِهِمْ وأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَلُمَّ بِالعُلُومِ ولا عَرَفَ أخْبارَ النّاسِ إلّا مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ؛ قالَ الإمامُ شِهابُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّهَرْوَرْدِيُّ في كِتابِهِ ”رَشْفُ النَّصائِحِ الإيمانِيَّةِ وكَشْفُ الفَضائِحِ اليُونانِيَّةِ“ في ذِكْرِ الأنْبِياءِ: اتَّحَدَتْ مَصادِرُهم كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، عَبَّرُوا بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَنْتَهِي إلى بَحْرٍ مُتَّصِلٍ بِالقُلُوبِ مُتَحَدٍّ بِها يَسْتَمِدُّ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ بِعالَمَيِ الشَّهادَةِ والغَيْبِ، واخْتَلَفَ المَوارِدُ مِنَ الشَّرائِعِ بِحَسْبِ ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن مَصْلَحَةِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ وكُلِّ مِلَّةٍ، فَما ضَرَّ اخْتِلافُهم في الفُرُوعِ مَعَ اتِّحادِهِمْ في الأُصُولِ، وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: إنَّ الفَلاسِفَةَ لَمّا لَمْ يَغْتَرِفُوا مِن بِحارِ الأنْبِياءِ وقَفَتْ بِهِمْ أفْراسُ أفْكارِهِمْ في عالَمِ الشَّهادَةِ، فَلَمّا حاوَلُوا الخَوْضَ في الإلَهِيّاتِ انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ جَهْلِهِمْ وافْتَضَحُوا بِاضْطِرابِهِمْ واخْتِلافِهِمْ ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤] انْقَطَعَ بِهِمْ سَيْرُ الفِكْرِ في مُنْتَهى عالَمِ المُلْكِ والشَّهادَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ إسْكَنْدَرُ نَظَرَهم ظُلُماتِ عالَمِ الغُيُوبِ حَتّى يَظْفَرُوا بِعَيْنِ الحَياةِ الَّتِي مَن شَرِبَ مِنها لا يَمُوتُ - انْتَهى.

ولَمّا دَعا إلى العَدْلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، دَعاهم إلى العَدْلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عَبِيدِهِ في أقْبَحِ ما كانُوا قَدِ اتَّخَذُوهُ بَعْدَ الشِّرْكِ دَيْدَنًا فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ لا الكَيْلَ ولا آلَتَهُ ولا الوَزْنَ ولا آلَتَهُ؛ والكَيْلُ: تَعْدِيلُ الشَّيْءِ بِالآلَةِ في القِلَّةِ والكَثْرَةِ؛ والوَزْنُ: تَعْدِيلُهُ في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، فالكَيْلُ لِلْعَدْلِ في الكَمِّيَّةِ والوَزْنُ لِلْعَدْلِ في الكَيْفِيَّةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ -: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ: بِسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ البَخْسِ - مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا بِالإشارَةِ إلى أنَّ الكُفْرَ مُوجِبٌ لِلنِّقْمَةِ كَما أنَّ الشُّكْرَ مُوجِبٌ لِلنِّعْمَةِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ \ قِيلَ: فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ الفَقْرَ بِالنَّقْصِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ بِهِ وبِالشِّرْكِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ بِكم صِغارًا وكِبارًا وبِأمْوالِكم طَيِّبًا وخَبِيثًا، أيْ مُهْلِكٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، …

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

ولَمّا كانَ عَدَمُ النَّقْصِ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ التَّقْرِيبُ، أتْبَعَهُ بِما يَنْفِي هَذا الِاحْتِمالَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ [لا] يَكْفِي الكَفُّ عَنْ تَعَمُّدِ التَّطْفِيفِ، بَلْ يَلْزَمُ السَّعْيُ في الإيفاءِ ولَوْ بِزِيادَةٍ لا يَتَأتّى بِدُونِها، ولِأنَّ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ أوْكَدُ، فَقالَ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ مِنهم يَسُوءُهُ ما يَسُوءُهم وبِأنَّهم لِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ تَعاطِي سَفْسافِ الأخْلاقِ ورَذائِلِها: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيْ: أيُّها الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ في القِيامِ فِيما يَنُوبُهم ﴿أوْفُوا﴾ أيْ: أتِمُّوا إتْمامًا حَسَنًا ﴿المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [أيْ]، المَكِيلَ والمَوْزُونَ وآلَتَهُما؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ السَّوِيِّ، فَصارَ الوَفاءُ مَأْمُورًا بِهِ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِرارًا تَأْكِيدًا لَهُ وحِرْصًا عَلَيْهِ وإظْهارًا لِعُمُومِ نَفْعِهِ وشُمُولِ بَرَكَتِهِ، فَزالَ بِالمَجْمُوعِ تَوَهُّمُ المَجازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقَدْ مَضى في الأنْعامِ ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] أنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى ما قارَبَهُ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ أيْضًا بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ بِذَلِكَ وغَيْرِهِ في جَمِيعِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ أيْ: تَنْقُصُوا [عَلى وجْهِ الجَحْدِ والإهانَةِ] ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أفْعالَهم ثَمَرَةُ الهُجُومِ عَنْ غَيْرِ فِكْرٍ لِأنَّها لَيْسَتْ ناشِئَةً عَنْ شَرْعٍ فَأوَّلُها سَفَهٌ وآخِرُها فَسادٌ فَقالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: تَتَصَرَّفُوا وتَضْطَرِبُوا فِيها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا تَأمُّلٍ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ أيْ: فاعِلِينَ ما يَكُونُ فَسادًا في المَعْنى كَما كانَ فَسادًا في الصُّورَةِ، فَهو دُعاءٌ إلى تَقْدِيمِ التَّأمُّلِ والتَّرَوِّي عَلى كُلِّ فِعْلٍ [وذَلِكَ] لِأنَّ مادَّةَ ”عَثى“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ دائِرَةٌ عَلى الطَّلَبِ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، مِنَ العَيْثِ - لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، فَإنَّها لِسُهُولَتِها يُغْتَرُّ بِها فَيَسْلُكُها الغَبِيُّ بِلا دَلِيلٍ فَيَأْتِي الخَفاءَ والجَهْلَ، ومِنهُ التَّعْيِيثُ - لِطَلَبِ الأعْمى الشَّيْءَ؛ والأعْثى: الأحْمَقُ الثَّقِيلُ، واللَّوْنُ إلى السَّوادِ، والكَثِيرُ الشَّعْرِ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ اتِّباعَ الهَوى فَيَأْتِي الإفْسادُ والمُسارَعَةُ فِيهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى العُثِيِّ؛ قالَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ: عَثى وعاثَ: أفْسَدَ، وفي مُخْتَصِرِ العَيْنِ لِلزُّبَيْدِيِّ: عَثى في الأرْضِ بِمَعْنى عاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، وهو الإسْراعُ في الفَسادِ، فالمَعْنى عَلى ما قالَ الجُمْهُورُ: ولا تَفْعَلُوا الفَسادَ عَمْدًا وهو واضِحٌ، وعَلى ما قَدَّرْتُهُ مِن أصْلِ المَعْنى الَّذِي هو لِلْمَدارِ أوْضَحُ، وعَلى ما قالَ الزُّبَيْدِيُّ: ولا تُسْرِعُوا فِيهِ، فَلا يُظَنُّ أنَّهُ يَكُونُ الإسْراعُ حِينَئِذٍ قَيْدًا حَتّى يَنْصَبَّ النَّهْيُ إلَيْهِ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ الإقْدامُ بِلا تَأمُّلٍ إلّا كَذَلِكَ لِمُلاءَمَتِهِ لِلشَّهْوَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ والوَفاءُ: تَمامُ الحَقِّ؛ والبَخْسُ: النَّقْصُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الظُّلْمِ لِأنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

ولَمّا كانَ نَظَرُهم بَعْدَ الشِّرْكِ مَقْصُورًا عَلى الأمْوالِ، وكانَ نَهْيُهُ عَمّا نَهى عَنْهُ مُوجِبًا لِمَحْقِها في زَعْمِهِمْ، كانُوا كَأنَّهم قالُوا: إنّا إذا اتَّبَعْناكَ فِيما قُلْتَ فَنِيَتْ أمْوالُنا أوْ قَلَّتْ فَتَضَعْضَعَتْ أحْوالُنا، فَلا يَبْقى لَنا شَيْءٌ؟ فَقالَ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَضْلُ المَلِكِ الأعْلى المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وبَرَكَتُهُ في أمْوالِكم وجَمِيعِ أحْوالِكم وإبْقاؤُهُ عَلَيْكم نَظَرَهُ إلَيْكُمُ المُوجِبَ لِعَفْوِهِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ اتِّباعِ أمْرِهِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَظُنُّونَهُ زِيادَةً بِالنَّقْصِ والظُّلْمِ، وذَلِكَ أنَّ بَقِيَّةَ الشَّيْءِ ما فَضَلَ مِنهُ، وتَكُونُ أيْضًا بِمَعْنى البُقْيا، مِن أبْقى عَلَيْهِ يُبْقِي إبْقاءً، واسْتَبْقَيْتُ فُلانًا - إذا عَفَوْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، كَأنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ أوْجَبَ فَناءَ وُدِّهِ أوْ فَناهَ عِنْدَكَ، فَإذا اسْتَبْقَيْتَهُ فَقَدْ تَرَكْتَ ما كانَ وجَبَ، ويَقُولُونَ: أراكَ تُبْقِي هَذا بِبَصَرِكَ - إذا كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ - قالَهُ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ بَيانُ ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ.

ولَمّا كانَتْ خَيْرِيَّةُ ما يُبْقِيهِ العَدْلُ مِنَ الظُّهُورِ بِمَحَلٍّ لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَرَكَها وبَيَّنَ شَرْطَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّ خَيْرِيَّتَها لِغَيْرِ المُؤْمِنِ مَبْنِيَّةٌ عَلى غَيْرِ أساسٍ، فَهي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ إلّا في الدُّنْيا، فَهي عَدَمٌ لِسُرْعَةِ الزَّوالِ والنُّزُوحِ عَنْها والِارْتِحالِ، ودَلَّتِ الواوُ العاطِفَةُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ المَعْنى: فَآمِنُوا فاعِلِينَ ما أمَرْتُكم بِهِ لِتَظْفَرُوا بِالخَيْرِ فَإنَّما أنا نَذِيرٌ ﴿وما أنا﴾ وقَدَّمَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن قَصْدِهِ لِلِاسْتِعْلاءِ نافِيًا لَهُ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِحَفِيظٍ﴾ أعْلَمُ جَمِيعَ أعْمالِكم [وأحْوالِكُمْ] وأقْدِرُ عَلى كَفِّكم عَمّا يَكُونُ مِنها فَسادًا؛ وأصْلُ البَقِيَّةِ تَرْكُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ قَدْ مَضى.

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما دَعاهم إلَيْهِ تَرْكَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِنَ السَّفَهِ في حَقِّ الخالِقِ بِالشِّرْكِ والخَلائِقِ بِالخِيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ عِنْدَهم قَطِيعَةً وسَفَهًا، كانَ ذَلِكَ مِحَكًّا لِلْعُقُولِ ومَحَزًّا لِلْآراءِ يُعْرَفُ بِهِ نافِذُها مِن جامِدِها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ سَمَّوْهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً وأنْكَرُوا عَلَيْهِ مُسْتَهْزِئِينَ بِصَلاتِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ أيْ: تَفْعَلُ مَعَكَ فِعْلَ [مَن] كانَ يَأْمُرُ دائِمًا بِتَكْلِيفِنا ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ المُواظَبَةِ ﴿آباؤُنا أوْ﴾ نَتْرُكَ ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿فِي أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مِن قَطْعِ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ وإفْسادِ المُعامَلَةِ والمُقامَرَةِ ونَحْوِها مِمّا يَكُونُ إفْسادًا لِلْمالِ، يَعْنُونَ أنَّ ما تَأْمُرُنا بِهِ لا يَمْشِي عَلى مِنهاجِ العَقْلِ، فَما يَأْمُرُكَ بِهِ إلّا ما نَراكَ تَفْعَلُهُ مِن هَذا الشَّيْءِ الَّذِي تُسَمِّيهِ صَلاةً، أيْ أنَّهُ مِن وادِي: فِعْلُكَ لِلصَّلاةِ؛ ومادَّةُ صَلا - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها - تَدُورُ عَلى الوَصْلَةِ، فالصَّلاةُ لِصِلَةِ العَبْدِ بِرَبِّهِ، وكَذا الدُّعاءُ والِاسْتِغْفارُ، وصَلَواتُ اليَهُودِ: كَنائِسُهُمُ اللّاتِي تَجْمَعُهُمْ، والصَّلا: وسَطُ الظَّهْرِ ومَجْمَعُهُ وما حَوْلَ الذَّنَبِ أيْضًا، والمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ: التّابِعُ لِلسّابِقِ، وصالَ الفَحْلُ - إذا حَمَلَ عَلى العانَةِ، ولَصَوْتُ الرَّجُلَ ولَصَيْتُهُ: عِبْتَهُ، كَأنَّكَ ألْصَقْتَ بِهِ العَيْبَ، والواصِلَةُ واضِحَةٌ في ذَلِكَ، وكَأنَّها الحَقِيقَةُ الَّتِي تَفَرَّعَتْ مِنها جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] فِي سُورَةِ الرَّعْدِ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَمَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ: أمّا تُعانِيهِ مِنَ الصَّلَواتِ: الحَقِيقِيَّةِ ذاتِ الأرْكانِ، والمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وجَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ الحامِلَةِ عَلى أنْواعِ الوَصْلِ النّاهِيَةِ عَنْ كُلِّ قَطِيعَةٍ تَأْمُرُكَ بِمُجاهَرَتِنا لِآبائِنا بِالقَطِيعَةِ مَعَ تَقْدِيرِ حُضُورِهِمْ ومُشاهَدَتِهِمْ لِما نَفْعَلُ مِمّا يُخالِفُ أغْراضَهم وبِتَرْكِ التَّنْمِيَةِ لِأمْوالِنا بِالنَّقْصِ وهو مَعَ مُخالَفَةِ أفْعالِ الآباءِ تَبْذِيرٌ؛ فَهو سَفَهٌ - فَدارَتْ شُبْهَتُهم في الأمْرَيْنِ عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الغَلَطِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِأفْعالِهِمْ \ وجْهٌ مِنَ الصَّوابِ خَفِيَ عَنْهُمْ، وزادَتْ في الأمْوالِ بِظَنِّ التَّبْذِيرِ - فَقَدْ صِرْتَ بِدُعائِنا إلى كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ حِينَئِذٍ داعِيًا إلى ضِدِّ ما أنْتَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ ﴿إنَّكَ﴾ إذًا ﴿لأنْتَ﴾ وحْدَكَ ﴿الحَلِيمُ﴾ في رِضاكَ بِما يَغْضَبُ مِنهُ ذَوُو الأرْحامِ ﴿الرَّشِيدُ﴾ في تَضْيِيعِ الأمْوالِ، يُرِيدُونَ بِهَذا كَما زَعَمُوا - سَلْخَهُ مِن كُلِّ ما هو مُتَّصِفٌ بِهِ دُونَهم مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الفائِقَتَيْنِ بِما خَيَّلَ إلَيْهِمْ سَفَهُهم أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ قاطِعٌ، وعَنَوْا بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلى السَّفَهِ والغَيِّ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ.

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

ولَمّا اتَّهَمُوهُ بِالقَطِيعَةِ والسَّفَهِ شَرَعَ في إبْطالِ ما قالُوا ونَفْيِ التُّهْمَةِ فِيهِنَّ وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما أجابَهم بِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِما بَيْنَهم مِن عَواطِفِ القَرابَةِ مُنَبِّهًا لَهم عَلى حُسْنِ النَّظَرِ فِيما ساقَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ لِيَكُونَ أدْعى إلى الوِفاقِ والإنْصافِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِما هو إحْسانٌ إلَيْكُمْ، وعَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ قَوْلَهُ: ”و“ قَدْ ”رَزَقَنِي“ وعَظَّمَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ جَلِيلًا ومالًا جَمًّا حَلالًا لَمْ أظْلِمْ فِيهِ أحَدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ: هَلْ يَسَعُ عاقِلًا أنْ يَنْسِبَنِي إلى السَّفَهِ بِتَبْذِيرِ المالِ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، أوْ يَسَعُنِي أنْ أحْلُمَ عَمَّنْ عَبَدَ غَيْرَهُ وأتْرُكَ دُعاءَكم إلى اللَّهِ، فَقَدْ بانَ بِهَذا أنِّي ما أمَرْتُكم بِما يَسُوءُكم مِن تَرْكِ ما ألِفْتُمْ وتَعَرَّضْتُ لِغَضَبِكم كُلِّكُمْ، وتَرَكْتُ مِثْلَ أفْعالِكم إلّا خَوْفًا مِن غَضَبِهِ ورَجاءً لِرِضاهُ، فَظَهَرَ أنْ لا تُهْمَةَ في شَيْءٍ مِن أمْرِي ولا خَطَأ، ما فَعَلْتُ قَطُّ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فِيما مَضى ﴿وما أُرِيدُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ أيْ: [بِأنْ] أذْهَبَ وحْدِي ﴿إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ في المُسْتَقْبَلِ، وما نَقَصَ مالٌ بِتَرْكِ مِثْلِ أفْعالِكُمْ، فَهو إرْشادٌ إلى النَّظَرِ في بابِ:

؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ

؎فابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَيْتَ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ

[وقَدْ نَبَّهَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ أحَدَ حُقُوقٍ ثَلاثَةٍ؛ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ العِبادِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ في الكُلِّ] فَثَبَتَ بِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ مَعَ سَدادِ الأفْعالِ وحُسْنِ المَقاصِدِ - حِلْمُهُ ﷺ ورُشْدُهُ، فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما تَضَمَّنَ مَعْناهُ مُصَرَّحًا بِهِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أُرِيدُ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ وأقَرَّ بِالعَجْزِ فَقالَ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أيْ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلصَّلاحِ وهو كَما أرَدْتُ فَإنَّ مالِي - مَعَ اجْتِنابِي ما أنْتُمْ عَلَيْهِ - صالِحٌ، لَيْسَ بِدُونِ مالِ أحَدٍ مِنكُمْ، فَعُلِمَ، مُشاهَدَةً أنْ لا تَبْذِيرَ في العَدْلِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فَهو - مَعَ انْتِفاءِ التُّهْمَةِ عَنِّي فِيهِ - دُعاءٌ إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ الَّذِي لا خَيْرَ إلّا مِنهُ ولا مَحِيصَ عَنِ الرُّجُوعِ إلّا إلَيْهِ؛ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأسْنَدَ الأمْرَ إلى مَن هو لَهُ فَقالَ: ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ أيْ: فِيما اسْتَطَعْتُ مِن فِعْلِ الإصْلاحِ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ الأهْلُ لِأنَّ يُرْجى فَقالَ مُشِيرًا إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ولَمّا طَلَبَ التَّوْفِيقَ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ مِنَ اللَّهِ والِاسْتِعانَةَ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وحَسَمَ أطْماعَ الكُفّارِ عَنْهُ وأظْهَرَ الفَراغَ عَنْهم وعَدَمَ المُبالاةِ بِهِمْ، …

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم عُذْرَهُ بِما انْتَفَتْ بِهِ تُهْمَتُهُ، \ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَقَّ وضَحَ لَهم وُضُوحًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا المُعانَدَةُ، فَحَذَّرَهم عَواقِبَها وذَكَّرَهم أمْرَ مَنِ ارْتَكَبَها فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ وأعَزَّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: يَحْمِلَنَّكم ﴿شِقاقِي﴾ [أيْ] شِقاقُكم لِي عَلى ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿مِثْلُ ما﴾ [أيِ العَذابِ الَّذِي] ﴿أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ بَعْدَ طُولِ أعْمارِهِمْ وتَنائِي أقْطارِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ عَلى شِدَّةِ أبْدانِهِمْ وتَمادِي أمانِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مَعَ نَحْتِهِمُ البُيُوتَ مِنَ الصُّخُورِ وتَشْيِيدِهِمْ عَوالِيَ القُصُورِ.

ولَمّا كانَ لِلْمُقارَبَةِ أثَرُ المُشاكَلَةِ والمُناسَبَةِ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَعْظِيمًا لِلتَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ﴾ [أيْ] عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ وقُوَّةِ أخْذِهِمْ ووَبالِهِمْ ﴿مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [أيْ] لا في الزَّمانِ ولا في المَكانِ فَأنْتُمْ أجْدَرُ النّاسِ بِذِكْرِ حالِهِمْ لِلِاتِّعاظِ بِها، وإنَّما فَسَّرُتُ جَرَمَ بِحَمَلَ؛ لِأنَّ ابْنَ القَطّاعِ نَقَلَ أنَّهُ يُقالُ: جَرَمْتُ الرَّجُلَ: حَمَلْتَهُ عَلى الشَّيْءِ، وقَدْ عَزا الرُّمّانِيُّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ لِلْحَسَنِ وقَتادَةَ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِنَ القَطْعِ، أيْ: لا يَقْطَعَنَّكم شِقاقِي عَنِ اتِّباعِ ما أدْعُوكم إلَيْهِ خَوْفَ أنْ يُصِيبَكُمْ، وقَدْ جَوَّزَهُ الرُّمّانِيُّ.

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

ولَمّا رَهَّبَهُمْ، أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ في سِياقٍ مُؤْذِنٍ بِأنَّهم إنْ لَمْ يُبادِرُوا إلى المَتابِ بادَرَهُمُ العَذابُ، بِقَوْلِهِ عاطِفًا لِهَذا الأمْرِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا سَتْرَ المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ونَبَّهَ عَلى مِقْدارِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَغَّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُخْتَصَّ لِي بِما تَرَوْنَ مِنَ الإحْسانِ دِينًا ودُنْيا ﴿رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِأنْ يَحْفَظَهُ عَلى ما يَرْضاهُ، بَلِيغُ التَّحَبُّبِ إلَيْهِ، ولَمْ يَبْدَأْهُ بِالِاسْتِعْطافِ عَلى عادَتِهِ بِقَوْلِهِ: يا قَوْمِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِي وقْتٌ آمَنُ فِيهِ وُقُوعَ العَذابِ حَتّى أشْتَغِلَ فِيهِ بِالِاسْتِعْطافِ، فَرُبَّما كانَ الأمْرُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ فاطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ بِأنْ تَجْعَلُوها غَرَضَكم ثُمَّ تَوَصَّلُوا إلَيْها بِالتَّوْبَةِ؛ فَ «ثُمَّ» عَلى بابِها في التَّرْتِيبِ، وأمّا التَّراخِي فَبِاعْتِبارِ عِظَمِ مِقْدارِ التَّوْبَةِ وعُلُوِّ رُتْبَتِها لِأنَّ الغُفْرانَ لا يَحْصُلُ بِالطَّلَبِ إلّا إنِ اقْتَرَنَ بِها، هَذا الشَّأْنُ في كُلِّ كَبِيرَةٍ مِن أنَّها لا تُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ المَفْعُولَةَ بَعْدَها يَكُونُ مِثْلُها كَبِيرَةً في جِنْسِ الطّاعاتِ [كَما أنَّ تِلْكَ كَبِيرَةٌ في جِنْسِ المَعاصِي فَلا تَقْوى الطّاعَةُ عَلى مَحْوِها، وتَكَرُّرُ] الطّاعاتِ يُقابِلُهُ تَكَرُّرُ المَعاصِي بِالإصْرارِ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ المَعْصِيَةِ في كُلِّ حالٍ،

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.