Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾

﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أيْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ، أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الخَبائِثِ، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ يُولَدُ لَهُ. والِاسْمانِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ، أوْ أنَّها حَكْيًا بَعْدَ أنْ وُلِدا وسُمِّيا بِذَلِكَ. وفي تَوْجِيهِ البِشارَةِ إلَيْها هُنا، مَعَ وُرُودِ البِشارَةِ إلى إبْراهِيمَ في آيَةٍ أُخْرى، كَآيَةِ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] إيذانٌ بِمُشارَكَتِها لِإبْراهِيمَ في ذَلِكَ حِينَ وُرُودِها، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما فِيهِ اكْتِفاءٌ عَنِ الآخَرِ، والمَقامُ أمْسُّ بِذِكْرِهِ وأبْلَغُ. أوْ لِلتَّوَصُّلِ إلى سَوْقِ نَبَئِها في ذَلِكَ، وخَرْقِ العادَةِ فِيهِ، كَما لَوَّحَ بِهِ تُعْجِبُها في قَوْلِهِ تَعالى:

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢] ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾

﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ أيْ يا عَجَبِي. وأصْلُهُ لِلدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ، في جَزَعِ التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعَجُّبِ. وألِفُهُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذَلِكَ أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي). وقِيلَ: هي ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِهاءِ السَّكْتِ.

﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ أيِ امْرَأةٌ مُسِنَّةٌ -والأفْصَحُ تَرْكُ الهاءِ مَعَها- وسُمِعَ مِن بَعْضِ العَرَبِ (عَجُوزَةٌ)- حَكاهُ يُونُسُ- ﴿وهَذا بَعْلِي﴾ أيْ زَوْجِي إبْراهِيمُ ﴿شَيْخًا إنَّ هَذا﴾ أيِ التَّوَلُّدُ مِن هَرِمَيْنِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ غَرِيبٌ، لَمْ تَجْرِ بِهِ العادَةُ.

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ أتَسْتَبْعِدِينَ مِن شَأْنِهِ وقُدْرَتِهِ خَلْقَ الوَلَدِ مِنَ الهَرِمَيْنِ؟

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما أنْكَرَتْ عَلَيْها المَلائِكَةُ تَعَجُّبَها؛ لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ، ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَقَّرَ، ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ النّاشِئاتِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ. وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، في قَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم بِهِ رَبُّ العِزَّةِ، ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَلَيْسَتْ بِمَكانِ عَجَبٍ. والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ، عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: (إيّاكَ والتَّعَجُّبَ) فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ -انْتَهى-.

فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ كَوْنَها دُعائِيَّةً. و(أهْلَ البَيْتِ) نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوِ التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ أهْلَ البَيْتِ مَدْحٌ لَهم؛ إذِ المُرادُ أهْلُ بَيْتِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.

﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أيْ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَحامِدِ، لِما وهَبَهُ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ﴿مَجِيدٌ﴾ أيْ كَرِيمٌ واسِعُ الإحْسانِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعْطِيَ الوَلَدَ بَعْدَ الكِبَرِ. وهو تَذْيِيلٌ بَدِيعٌ لِبَيانِ أنَّ مُقْتَضى حالِها أنْ تَحْمَدَ مُسْتَوْجِبَ الحَمْدِ المُحْسِنَ إلَيْها بِما أحْسَنَ، وتُمَجِّدُهُ؛ إذْ شَرَّفَها بِما شَرَّفَ.

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ خِيفَةُ إرادَةِ المَكْرُوهِ مِنهم بِعِرْفانِهِمْ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ أيْ بَدَلُ الرَّوْعِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ في هَلاكِهِمُ، اسْتِعْطافًا لِدَفْعِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ قالَ: أتُهْلِكُ البارَّ مَعَ الأثِيمِ، أتُهْلِكُها وفِيهِمْ خَمْسُونَ بارًّا؟ حاشا لَكَ!.

فَقِيلَ لَهُ: إنْ وُجِدَ فِيهِمْ خَمْسُونَ بارًّا فَنَصْفَحُ عَنِ الجَمِيعِ لِأجْلِهِمْ!.

فَقالَ: أوْ أرْبَعُونَ؟

فَقِيلَ: أوْ أرْبَعُونَ!.

وهَكَذا إلى أنْ قالَ: أوْ عَشَرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ. لا نُهْلِكُها مِن أجْلِ العَشَرَةِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيها عَشَرَةُ أبْرارٍ، بَلْ جَمِيعُهم مُنْهَمِكٌ في الفاحِشَةِ. فَقالَ: إنَّ فِيها لُوطًا! فَقِيلَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنْجِيَنَّهُ.

و(يُجادِلُنا) جَوابُ (لَمّا) جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ. أوْ أنَّ (لَمّا) كَـ (لَوْ) تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، كَما أنَّ (إنْ) تَقْلِبُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، أوِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾

﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأسُّفِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ راجِعٌ إلى اللَّهِ في كُلِّ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. والمَقْصُودُ بِتَعْدادِ صِفاتِهِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ؛ بَيانُ الحامِلِ عَلى المُجادَلَةِ، وهو رِقَّةُ القَلْبِ وفَرْطُ التَّرَحُّمِ.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾

﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ قِيلَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيِ الجِدالُ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ حُكْمُهُ بِهَلاكِهِمْ ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ بِجِدالٍ، ولا بِدُعاءٍ، ولا بِغَيْرِهِما.

فَوائِدُ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِهَذِهِ الآياتِ ثَمَراتٌ: وهي أنَّ حُصُولَ الوَلَدِ المُخَصَّصِ بِالفَضْلِ نِعْمَةٌ، وهَلاكَ العاصِي نِعْمَةٌ، لِأنَّ البُشْرى قَدْ فُسِّرَتْ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، كَما في آخِرِ الآيَةِ، وهِيَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١] إلَخْ وفُسِّرَتْ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

ومِنها: اسْتِحْبابُ نُزُولِ المُبَشِّرِ عَلى المُبَشَّرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ.

ومِنها: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُبَشَّرِ تَلَقِّي ذَلِكَ بِالطّاعَةِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما بُشِّرَ بِهِ.

وحَكى الأصَمُّ أنَّهم جاؤُوهُ في أرْضٍ يَعْمَلُ فِيها، فَلَمّا فَرَغَ غَرَزَ مِسْحاتَهُ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ.

ومِنها: أنَّ السَّلامَ مَشْرُوعٌ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الرَّدُّ أفْضَلَ؛ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] بِالرَّفْعِ، كَما تَقَدَّمَ سِرُّهُ -انْتَهى-.

ومِنها: مَشْرُوعِيَّةُ الضِّيافَةُ، والمُبادَرَةُ إلَيْها، واسْتِحْبابُ مُبادَرَةِ الضَّيْفِ بِالأكْلِ مِنها.

ومِنها: اسْتِحْبابُ خِدْمَةِ الضَّيْفِ، ولَوْ لِلْمَرْأةِ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] أيْ في خِدْمَةِ أضْيافِ إبْراهِيمَ. قالَ في (الوَجِيزِ): وكُنَّ لا يَحْتَجِبْنَ، كَعادَةِ العَرَبِ ونازِلَةِ البَوادِي، أوْ كانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.

ومِنها: جَوازُ مُراجَعَةِ المَرْأةِ الأجانِبَ في القَوْلِ، وأنَّ صَوْتَها لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. كَذا في (الإكْلِيلِ).

ومِنها: أنَّ امْرَأةَ الرَّجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، فَيَكُونُ أزْواجُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ويَأْتِي ذَلِكَ أيْضًا في آيَةِ ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]

وقَوْلُهُ تَعالى:

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ أيْ بَعْدَ مُنْصَرَفِها مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مُقِيمًا في (بَلُّوطِ مَمْرا) الَّتِي بِـ (حَبْرُونَ)، المَدِينَةُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِـ (الخَلِيلِ): ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ ساءَهُ مَجِيئُهم لِأنَّهم أتَوْهُ عَلى صُورَةِ مُرْدٍ، حِسانِ الوُجُوهِ، فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ، لِظَنِّهِ أنَّهم بَشَرٌ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ يُقالُ: ضاقَ بِالأمْرِ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ، وضاقَ بِهِ ذَرْعًا، أيْ ضَعُفَتْ طاقَتُهُ، لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ فِيهِ مَخْلَصًا.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ، فَكَأنَّكَ تُرِيدُ: مَدَدْتَ يَدَكَ إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ. وقِيلَ: وجْهُ التَّمْثِيلِ: أنَّ القَصِيرَ الذِّراعِ لا يَنالُ ما يَنالُهُ الطَّوِيلُ الذِّراعِ، ولا يُطِيقُ طاقَتَهُ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلَّذِي سَقَطَتْ قُوَّتُهُ، دُونَ بُلُوغِ الأمْرِ والِاقْتِدارِ عَلَيْهِ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، والأصْلُ فِيهِ، أنَّ البَعِيرَ يَذْرَعُ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا، عَلى قَدْرِ سِعَةِ خَطْوِهِ، فَإذا حَمَلَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن طَوْقِهِ طاقَ بِهِ ذَرْعًا عَنْ ذَلِكَ وضَعُفَ، ومَدَّ عُنُقَهُ، فَجَعَلَ ضِيقَ الذَّرْعِ عِبارَةً عَنْ ضِيقِ الوُسْعِ والطّاقَةِ.

و(ذَرْعًا) تَمْيِيزٌ، لِأنَّهُ خَرَجَ مُفَسِّرًا مُحَوِّلًا. والأصْلُ: ضاقَ ذَرْعِي بِهِ، وشاهِدُ الذِّراعِ قَوْلُهُ:

؎وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها ذِراعًا ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهْوَ خاشِعُ

﴿وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ. وكَيْفَ لا يَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وقَدْ ألَمَّ المَحْذُورَ، كَما قالَ تَعالى:

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ كَأنَّما يَدْفَعُونَ دَفْعًا. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشُ ويُكْثِرُونَها، فَمُرِّنُوا عَلَيْها، وقَلَّ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَلِذَلِكَ جاءُوا مُسْرِعِينَ مُجاهِرِينَ، لا يَكُفُّهم حَياءٌ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها. وقِيلَ: إنَّها بَيانٌ لِوَجْهِ ضِيقِ صَدْرِهِ، أيْ: لِما عَرَفَ لُوطٌ عادَتَهم في عَمَلِ الفَواحِشِ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ أيْ لُوطٌ ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِبَناتِهِ، وذَلِكَ غايَةُ الكَرَمِ، أيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. أوْ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَواضُعِهِ لَهُمْ، وإظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ، مِمّا أوْرَدُوا عَلَيْهِ، طَمَعًا في أنْ يَسْتَحْيُوا مِنهُ، ويَرِقُّوا لَهُ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ، فَيَتْرُكُوا ضُيُوفَهُ -هَذا مُلَخَّصُ ما في (الكَشّافِ)- ومَن تابَعَهُ- وظاهِرٌ أنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ واثِقًا بِأنَّ قَوْمَهُ لا يُؤْثِرُونَهُنَّ بِوَجْهٍ ما، مَهْما أطْرى وأطْنَبَ وشَوَّقَ ورَغَّبَ، فَكانَ إظْهارُهُ وِقايَةَ ضِيفانِهِ، وفِداءَهم بِهِنَّ، مَعَ وُثُوقِهِ المَذْكُورِ وجَزْمِهِ- مُبالَغَةً في الِاعْتِناءِ بِحِمايَتِهِمْ، وقِيامًا بِالواجِبِ في مِثْلِ هَذا الخَطْبِ الفادِحِ الفاضِحِ، الَّذِي يَدُومُ عارُهُ وشَنارُهُ، مِنَ الدِّفاعِ عَنْهم بِأقْصى ما يُمْكِنُ لِكَيْلا يُنْسَبَ إلى قُصُورٍ، ولِيَعْلَمَ أنْ لا غايَةَ وراءَ هَذا لِمَن لا رُكْنَ لَهُ مِن عَشِيرَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ، فَذَلِكَ غايَةُ الغاياتِ في حِيطَتِهِمْ ووِقايَتِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ مِنَ التَّشْوِيقِ، عَلى مَرْأًى مِن ضِيفانِهِ ومَسْمَعٍ، ما فِيهِ مِن زِيادَةِ الكَرَمِ والإكْرامِ، ورِعايَةِ الذِّمامِ. وبِالجُمْلَةِ فَهو تَرْغِيبٌ بِمُحالِ الوُقُوعِ باطِنًا، وإعْذارٌ لِنُزَلائِهِ ظاهِرًا -واللَّهُ أعْلَمُ- وفي هَذا إرْشادٌ إلى التَّطَهُّرِ بِالطُّرُقِ المَسْنُونَةِ، وهي النِّكاحُ. وإشارَةٌ إلى تَناهِي وقاحَةِ أُولَئِكَ بِما اسْتَأْهَلُوا بِهِ أخْذَهُمُ الآتِي.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ أنْ تَعْصُوهُ بِما هو أشَدُّ مِنَ الزِّنى خُبْثًا.

﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ أيْ ولا تُهِينُونِي وتَفْضَحُونِي في شَأْنِهِمْ، فَإنَّهُ إذا خَزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ؛ فَقَدْ خَزِيَ الرَّجُلُ، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ، وأصالَةِ المُرُوءَةِ. و﴿تُخْزُونِ﴾ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الأصْلِ.

﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أيْ فَيَرْعَوِي عَنِ القَبِيحِ، ويَهْتَدِي إلى الصَّوابِ.

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾

﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ؛ إذْ لا نُرِيدُهُنَّ، وفي تَصْدِيرِ كَلامِهِمْ بِاللّامِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ ما بَعْدَها جَوابُ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ كانَ واثِقًا وجازِمًا بِعَدَمِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِنَّ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ اسْتِشْهادًا بِعِلْمِهِ.

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾

﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ بِدَفْعِكم قُوَّةً، بِالبَدَنِ أوِ الوَلَدِ ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ عَشِيرَةٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّهُ كانَ غَرِيبًا عَنْ قَوْمِهِ، شَبَّهَها بِرُكْنِ الجَبَلِ في الشِّدَّةِ والمَنَعَةِ. أيْ: لَفَعَلْتُ بِكم ما فَعَلْتُ، وصَنَعْتُ ما صَنَعْتُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في (المِلَلِ):

ظَنَّ بَعْضُ الفِرَقِ أنَّ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ»» إنْكارٌ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا تَخالُفَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، بَلْ كِلاهُما حَقٌّ، لِأنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أرادَ مَنَعَةً عاجِلَةً يَمْنَعُ بِها قَوْمَهُ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الفَواحِشِ، مِن قَرابَةٍ أوْ عَشِيرَةٍ أوْ أتْباعِ مُؤْمِنِينَ. وما جَهِلَ قَطُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَأْوِي مِن رَبِّهِ تَعالى إلى أمْنَعِ قُوَّةٍ، وأشَدِّ رُكْنٍ. ولا جُناحَ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَلَبِ قُوَّةٍ مِنَ النّاسِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] فَهَذا الَّذِي طَلَبَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ مَنعَهُ حَتّى يُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّهِ تَعالى. فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلى لُوطٍ أمْرًا هو فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. تاللَّهِ! ما أنْكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، يَعْنِي مِن نَصْرِ اللَّهِ لَهُ بِالمَلائِكَةِ. ولَمْ يَكُنْ لُوطٌ عَلِمَ بِذَلِكَ. ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ لُوطًا كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ اللَّهِ رُكْنٌ شَدِيدٌ؛ فَقَدْ كَفَرَ، إذْ نُسِبَ إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا الكُفْرُ. وهَذا أيْضًا ظَنٌّ سَخِيفٌ؛ إذْ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَظُنَّ بِرَبٍّ أراهُ المُعْجِزاتِ، وهو دائِبًا يَدْعُو إلَيْهِ، هَذا الظَّنَّ. انْتَهى.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.