Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿وامْرَأتُهُ﴾ أيْ: [جاءَتْهُ الرُّسُلُ بِالبُشْرى أيْ ذَكَرُوها لَهُ] والحالُ أنَّ زَوْجَةَ إبْراهِيمَ الَّتِي هي كامِلَةُ المُرُوءَةِ وهي سارَّةُ ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: عَلى بابِ الخَيْمَةِ [لِأجَلِ] ما لَعَلَّها تَفُوزُ بِهِ مِنَ المُعاوَنَةِ عَلى خِدْمَتِهِمْ، فَسَمِعَتِ البِشارَةَ بِالوَلَدِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِيما مَضى قَوْلُهُ: ﴿بِالبُشْرى﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أيْ: تَعَجَّبَتْ مِن تِلْكَ البُشْرى لِزَوْجِها مَعَ كِبَرِهِ، ورُبَّما ظَنَّتْهُ مَن غَيْرِها لِأنَّها - مَعَ أنَّها كانَتْ عَقِيمًا - عَجُوزٌ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ [إشارَةً إلى أنَّهُ تَعَجُّبٌ عَظِيمٌ] ﴿فَبَشَّرْناها﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعَجُّبِها أنّا أعَدْنا لَها البُشْرى مُشافَهَةً بِلِسانِ المَلائِكَةِ تَشْرِيفًا لَها وتَحْقِيقًا أنَّهُ مِنها ﴿بِإسْحاقَ﴾ تَلِدُهُ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ: يَكُونُ يَعْقُوبُ ابْنًا لِإسْحاقَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى [ما] قُدَّرْتُهُ - مِن أنَّهم بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ قَبْلَ امْرَأتِهِ فَسَمِعَتْ فَعَجِبَتْ - ما يَأْتِي عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ، والحَكَمُ العَدْلُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] - الآيَةَ.

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

ولَمّا شافَهُوها بِذَلِكَ، صَرَّحَتْ بِوَجْهِ العَجَبِ مِن أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ عَجَبَيْنِ في كَوْنِهِ مِنهُ ومِنها بِأنْ ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ وهي كَلِمَةٌ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ فَظِيعٍ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ ويَسْتَعْمِلْنَها إلى اليَوْمِ، لَكِنَّهُنَّ غَيَّرْنَ في لَفْظِها كَما غُيِّرَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ؛ والوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ والألِفُ في آخِرِهِ بَدَلَ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، كَنّى بِها هُنا عَنِ العَجَبِ الشَّدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ومُراجَمَةِ الظُّنُونِ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّ مَعْناها الإيذانُ بِوُرُودِ الأمْرِ الفَظِيعِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: يا لَلدَّواهِي! أيْ تَعالَيْنَ فَإنَّهُ مِن أحْيانِكِ فَحُضُورُ ما حَضَرَ مِن أشْكالِكِ.

ولَمّا كانَ ما بُشِّرَتْ بِهِ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ بِحَسْبِ العادَةِ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا﴾ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿عَجُوزٌ وهَذا﴾ أيْ: مَن هو حاضِرِي ﴿بَعْلِي شَيْخًا﴾ ثُمَّ تَرْجَمَتْ ذَلِكَ بِما هو نَتِيجَتُهُ فَقالَتْ: [مُؤَكِّدَةً لِأنَّهُ - لِما لَهُ مِن خَرْقِ العَوائِدِ - في حَيِّزِ المُنْكَرِ عِنْدَ النّاسِ]: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الأمْرَ المُبَشَّرَ بِهِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَعَجِّبِينَ مِن تَعَجُّبِها ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وهو لا يَنْبَغِي لَكِ لِأنَّكِ مُعْتادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِما لَيْسَ لِغَيْرِكم مِنَ الخَوارِقِ، والعَجَبُ إنَّما يَكُونُ مِمّا خَرَجَ عَنْ أشْكالِهِ وخَفِيَ سَبَبُهُ، وأنْتِ - لِثَباتِ عِلْمِكِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحُضُورُهُ \ لَدَيْكِ مَعَ اصْطِفاءِ اللَّهِ لَكم وتَكَرُّرِ خَرْقِهِ لِلْعَوائِدِ في شُؤُونِكم - لَسْتِ كَغَيْرِكِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا إنْكارَهم لِتَعَجُّبِها بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَرامَةُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ الثّابِتَةُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَيَّنُوا خُصُوصِيَّتَهم بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ [مِدْحَةً لَهم فَقالَ]: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ قَدْ تَمَرَّنْتُمْ عَلى مُشاهَدَةِ العَجائِبِ لِكَثْرَةِ ما تَرَوْنَ مِن آثارِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا تَثْبِيتًا لِأصْلِ الكَلامِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ فَقالَ]: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: بِخُصُوصِ هَذا الإحْسانِ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [أيْ] كَثِيرُ التَّعَرُّفِ إلى مَن يَشاءُ مِن جَلائِلِ التَّعَمُّمِ وعَظِيمِ المَقْدُورِ بِما يُعْرَفُ أنَّهُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ عَلى المَجْدِ، وهو الكَرَمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُودُ،

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

ولَمّا شافَهُوها بِذَلِكَ، صَرَّحَتْ بِوَجْهِ العَجَبِ مِن أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ عَجَبَيْنِ في كَوْنِهِ مِنهُ ومِنها بِأنْ ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ وهي كَلِمَةٌ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ فَظِيعٍ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ ويَسْتَعْمِلْنَها إلى اليَوْمِ، لَكِنَّهُنَّ غَيَّرْنَ في لَفْظِها كَما غُيِّرَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ؛ والوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ والألِفُ في آخِرِهِ بَدَلَ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، كَنّى بِها هُنا عَنِ العَجَبِ الشَّدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ومُراجَمَةِ الظُّنُونِ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّ مَعْناها الإيذانُ بِوُرُودِ الأمْرِ الفَظِيعِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: يا لَلدَّواهِي! أيْ تَعالَيْنَ فَإنَّهُ مِن أحْيانِكِ فَحُضُورُ ما حَضَرَ مِن أشْكالِكِ.

ولَمّا كانَ ما بُشِّرَتْ بِهِ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ بِحَسْبِ العادَةِ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا﴾ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿عَجُوزٌ وهَذا﴾ أيْ: مَن هو حاضِرِي ﴿بَعْلِي شَيْخًا﴾ ثُمَّ تَرْجَمَتْ ذَلِكَ بِما هو نَتِيجَتُهُ فَقالَتْ: [مُؤَكِّدَةً لِأنَّهُ - لِما لَهُ مِن خَرْقِ العَوائِدِ - في حَيِّزِ المُنْكَرِ عِنْدَ النّاسِ]: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الأمْرَ المُبَشَّرَ بِهِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَعَجِّبِينَ مِن تَعَجُّبِها ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وهو لا يَنْبَغِي لَكِ لِأنَّكِ مُعْتادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِما لَيْسَ لِغَيْرِكم مِنَ الخَوارِقِ، والعَجَبُ إنَّما يَكُونُ مِمّا خَرَجَ عَنْ أشْكالِهِ وخَفِيَ سَبَبُهُ، وأنْتِ - لِثَباتِ عِلْمِكِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحُضُورُهُ \ لَدَيْكِ مَعَ اصْطِفاءِ اللَّهِ لَكم وتَكَرُّرِ خَرْقِهِ لِلْعَوائِدِ في شُؤُونِكم - لَسْتِ كَغَيْرِكِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا إنْكارَهم لِتَعَجُّبِها بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَرامَةُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ الثّابِتَةُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَيَّنُوا خُصُوصِيَّتَهم بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ [مِدْحَةً لَهم فَقالَ]: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ قَدْ تَمَرَّنْتُمْ عَلى مُشاهَدَةِ العَجائِبِ لِكَثْرَةِ ما تَرَوْنَ مِن آثارِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا تَثْبِيتًا لِأصْلِ الكَلامِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ فَقالَ]: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: بِخُصُوصِ هَذا الإحْسانِ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [أيْ] كَثِيرُ التَّعَرُّفِ إلى مَن يَشاءُ مِن جَلائِلِ التَّعَمُّمِ وعَظِيمِ المَقْدُورِ بِما يُعْرَفُ أنَّهُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ عَلى المَجْدِ، وهو الكَرَمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُودُ،

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ واطْمَأنُّوا، أخَذَ في قَصِّ ما كانَ بَعْدَهُ، فَقالَ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الإنْكارِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَزَعِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ﴾ بِانْكِشافِ الأمْرِ ﴿عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ الشَّدِيدُ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ فامْتَلَأ سُرُورًا ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ مَعَنا بِمُجادِلَةِ رُسُلِنا فِعْلَ المُجادِلِ الَّذِي يَكْثُرُ كَلامُهُ إرادَةً لِفَتْلِ مُخاطِبِهِ عَمّا يَقُولُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: يَسْألُنا في نَجاتِهِمْ سُؤالًا يَحْرِصُ فِيهِ حِرْصَ المُجادِلِ في صَرْفِ الشَّيْءِ، مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، ووَضَعَ المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي إشارَةً إلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ، أيْ: جادَلَنا فِيهِمْ جِدالًا كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ مُجادَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحُلْمِ، وهو إمْهالُ صاحِبِ الذَّنْبِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ﴿أوّاهٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ لِلتَّأوُّهِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ بِالسَّبْقِ في ارْتِقاءِ دَرَجِ القُرْبِ، فَهو - لِما عِنْدَهُ هَذِهِ المَحاسِنُ - لا يَزالُ يَتَوَقَّعُ الإقْلاعَ مِنَ العُصاةِ.

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ واطْمَأنُّوا، أخَذَ في قَصِّ ما كانَ بَعْدَهُ، فَقالَ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الإنْكارِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَزَعِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ﴾ بِانْكِشافِ الأمْرِ ﴿عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ الشَّدِيدُ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ فامْتَلَأ سُرُورًا ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ مَعَنا بِمُجادِلَةِ رُسُلِنا فِعْلَ المُجادِلِ الَّذِي يَكْثُرُ كَلامُهُ إرادَةً لِفَتْلِ مُخاطِبِهِ عَمّا يَقُولُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: يَسْألُنا في نَجاتِهِمْ سُؤالًا يَحْرِصُ فِيهِ حِرْصَ المُجادِلِ في صَرْفِ الشَّيْءِ، مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، ووَضَعَ المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي إشارَةً إلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ، أيْ: جادَلَنا فِيهِمْ جِدالًا كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ مُجادَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحُلْمِ، وهو إمْهالُ صاحِبِ الذَّنْبِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ﴿أوّاهٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ لِلتَّأوُّهِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ بِالسَّبْقِ في ارْتِقاءِ دَرَجِ القُرْبِ، فَهو - لِما عِنْدَهُ هَذِهِ المَحاسِنُ - لا يَزالُ يَتَوَقَّعُ الإقْلاعَ مِنَ العُصاةِ.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

ولَمّا كانَ أكْثَرُ المُجادَلَةِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ لِما لَهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الأمْرَ قَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً أنَّ الرُّسُلَ قالَتْ لَهُ بَعْدَ طُولِ المُجادَلَةِ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي هي أُمُّ البابِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها عَظِيمُ الشَّأْنِ عالِي المَنزِلَةِ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ﴾ أيْ: بِكُلِّيَّتِكَ ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ السُّؤالِ في نَجاتِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّهُ بِمُجادَلَتِهِ في حَيِّزِ مَن يُنْكِرُ بَتَّ الأمْرِ: ﴿إنَّهُ قَدْ﴾ افْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّهُ مَوْضِعُهُ ﴿جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَكَ بِإحْسانِهِ الجَمِّ، فَلَوْلا أنَّهُ حَتَمَ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ لَأمْهَلَهم لِأجْلِكَ، ولِذا عَطَفَ عَلى العِلَّةِ قَوْلَهُ مُؤَكَّدًا إعْلامًا بِأنَّهُ أمْرٌ قَدِ انْبَرَمَ ومَضى: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ﴾ أيْ: إتْيانًا ثابِتًا ﴿عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مِن أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ؛ الإعْراضُ: الِانْصِرافُ، وحَقِيقَتُهُ الذَّهابُ عَنِ الشَّيْءِ في جِهَةِ العَرْضِ؛ والرَّدُّ: إذْهابُ الشَّيْءِ إلى ما جاءَ مِنهُ كالرَّجْعِ؛ والدَّفْعُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلى جِهَةِ القُدّامِ؛ فَلَّما عَلِمَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، قَدَّمَهُ عَلى مُرادِهِ ولَمْ يَنْطِقْ بَعْدَهُ بِبِنْتِ شَفَةٍ.

ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ: واسْتَعْلَنَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ في مَرْجٍ - وفي نُسْخَةٍ: بَيْنَ بَلُّوطِ مُمْرى الأُمُورانِيِّ - وكانَ جالِسًا عَلى بابِ خَيْمَتِهِ إذِ اشْتَدَّ النَّهارُ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ فَإذا هو بِثَلاثَةِ رِجالٍ وُقُوفٍ عَلى رَأْسِهِ، فَلَمّا رَآهم أحْضَرَ إلَيْهِمْ مِن بابِ الخَيْمَةِ وسَجَدَ عَلى الأرْضِ وقالَ: يا رَبِّ - وفي نُسْخَةٍ: يا ولِيَّ اللَّهِ - إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ مَوَدَّةٌ فَلا تَبْعُدْ عَنْ عَبْدِكَ حَتّى آتِيَ بِما أغْسِلُ بِهِ أرْجُلَكُمْ، واتَّكَئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وأصِيبُوا شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ تُقِرُّونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ حِينَئِذٍ تَجُوزُونَ لِأنَّكم مَرَرْتُمْ بِعَبْدِكم بَغْتَةً فَقالُوا لَهُ: اصْنَعْ كَما قُلْتُ، فاسْتَعْجَلَ إبْراهِيمُ فَأحْضَرَ إلى الخَيْمَةِ إلى سارَّةَ وقالَ: عَجِّلِي بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن دَرْمَكٍ - وفي نُسْخَةٍ: دَقِيقٍ سَمِيدٍ - فاعْجِنِيهِ واخْبِزِي مِنهُ مَلِيلًا، وسَعى إلى قَطِيعِ البَقَرِ فَأخَذَ عِجْلًا سَمِينًا شابًّا فَدَفَعَهُ إلى الغُلامِ وأمَرَ بِتَعْجِيلِ صَنْعَتِهِ وأخَذَ سَمْنًا ولَبَنًا والعِجْلَ الَّذِي \ صُنِعَ لَهُ أيْضًا فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وكانَ هو واقِفًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ؟ فَقالَ: في الخَيْمَةِ، فَقالَ لَهُ: إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في مِثْلِ هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي في الحَياةِ ولَها مِنكَ ابْنٌ، فَسَمِعَتْ سارَّةُ وهي عَلى بابِ الخَيْمَةِ مُسْتَتِرَةً وكانَ هو خَلْفَها، وكانَ إبْراهِيمُ وسارَّةُ قَدْ شاخا وقَدِمَ سِنُّهُما وانْقَطَعَ عَنْ سارَّةَ سَبِيلُ النِّساءِ، فَضَحِكَتْ سارَّةُ في قَلْبِها وقالَتْ: أمِن بَعْدِ ما بَلِيتُ أرْجِعُ شابَّةً وسَيِّدِي قَدْ شاخَ؟ فَقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: لِمَ ضَحِكَتْ سارَّةُ وقالَتْ: أنّى لِي بِالوَلَدِ وقَدْ شِخْتُ؟ أيَعْسَرُ هَذا عَلى اللَّهِ؟ إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في [مِثْلِ] هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي حَيَّةٌ ولَها ابْنٌ، فَجَحَدَتْ سارَّةُ وقالَتْ: كَلّا ما ضَحِكْتُ، لِأنَّها فَزِعَتْ، فَقالَ: كَلّا! ولَكِنَّكِ قَدْ ضَحِكْتِ، …

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

ولَمّا انْقَضى أمْرُ إنْبائِهِمْ بِبِشارَةِ الأوْلِياءِ وهَلاكِ الأعْداءِ، وعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِلْأُمُورِ الهائِلَةِ والأحْوالِ المُعْجِبَةِ، أخَذَ يَقُصُّ أمْرَهم مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا مَعَ إبْراهِيمَ انْفِصالَهم عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ، ثُمَّ فارَقُوهُ نَحْوَ لُوطٍ، [ولَمْ يَذْكُرِ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ لِأنَّ سِياقَهُ ومَقْصُودَ السُّورَةِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَما نُشِيرُ إلَيْهِ في العَنْكَبُوتِ]: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ عَلى ما قارَنَهم مِن عَظَمَتِنا ﴿لُوطًا﴾ بَعْدَ انْفِصالِهِمْ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيْنَ البَلَدَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، اسْتَضافُوهُ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن قَبُولِهِمْ عَلى ما أوْصى اللَّهُ بِالضَّيْفِ مُطابِقًا لِعَوائِدِ [أهْلِ] المَكارِمِ، فَقَبِلَهم وأزْمَعَ المُقاتَلَةَ عَنْهم لِما رَأى مِن حُسْنِ أشْكالِهِمْ ورَوْنَقِ جَمالِهِمْ مَعَ ما يَعْلَمُ مِن قُبْحِ أفْعالِ قَوْمِهِ وخُبْثِ سَرائِرِهِمْ، ولَمّا جاؤُوهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: حَصَلَتْ لَهُ المَساءَةُ بِسَبَبِ \ مَجِيئِهِمْ إلى قَرْيَتِهِ لِما يُعْلَمُ مِن لُؤْمِ أهْلِها، والتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ أحْضَرُ وأوْقَعُ في النَّفْسِ وأرْشَقُ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: ذَرْعُهُ أيِ اتِّساعُهُ في كُلِّ [وقْتِ] قُوَّةٍ أُوتِيَها، وهو مَثَلٌ يُقالُ لِمَن لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ مُخَلِّصًا، ومادَّةُ ذَرَعَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّهُ لا يُذْرَعُ إلّا الكَثِيرُ، وذَرَعَ الرَّمْلُ: اتَّسَعَ، ومَوْتٌ ذَرِيعٌ: فاشٍ، والمُذَرَّعُ: الَّذِي أُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ وأبَوْهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَهو أكْثَرُ انْتِشارًا مِمَّنِ انْحَصَرَ في أحَدِهِما؛ والذَّرِيعَةُ: ما يَخْتَلِي بِهِ الصَّيْدُ، فَهو يُوَسِّعُ لَهُ مِنَ الأمَلِ ما يَحْمِلُهُ عَلى الإقْدامِ، وحَلْقَةٌ يُتَعَلَّمُ عَلَيْها الرَّمْيُ، لِأنَّها تَسَعُ السَّهْمَ، أوْ لِأنَّ مُصِيبَها واسِعُ الأمْرِ في صِناعَةِ الرَّمْيِ، والوَسِيلَةُ لِأنَّها تُوَصِّلُ المُتَوَسِّلَ؛ والذُّعْرُ: الخَوْفُ، لِاتِّساعِ الفِكْرِ فِيهِ وتَجْوِيزِ أدْنى احْتِمالٍ؛ والعُذْرُ: إيساعُ الحِيلَةِ في وجْهٍ يُزِيلُ ما ظَهَرَ مِنَ التَّقْصِيرِ، مِنَ العَذَوَّرِ - لِلْحِمارِ الواسِعِ الجَوْفِ، وهو أيْضًا المَلِكُ لِسِعَتِهِ، والعِذارُ: أوْسَعُ ما في الوَجْهِ، وأعْذَرْتُ الغُلامَ: خَتَنْتَهُ، أيْ أوْسَعْتَ أُكْرَتَهُ، والإعْذارُ - لِطَعامِ الخِتانِ ونَحْوِهِ مِنهُ، وعُذْرَةُ الجارِيَةِ مُوجِبَةٌ لِعُذْرِها في النَّفْرَةِ لِلْخَوْفِ عَلى نَفْسِها، والعُذْرَةُ: وجَعٌ في الحَلْقِ، وهو سُقُوطُهُ حَتّى يَغْمِزَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِعُذْرَةِ البِكْرِ في سَدِّهِ الحَلْقَ بِما يُوجِبُ الغَمْزَ، وكَذا العُذْرَةُ - لِلنّاصِيَةِ لِبَذْلِ الجُهْدِ في المُدافَعَةِ عَنْها، والعَذْراءُ: نَجْمٌ إذا طَلَعَ اشْتَدَّ الحُرُّ فاتَّسَعَ بِساطُ الأرْضِ، والعَذِرَةُ - بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ: فِناءُ الدّارِ، وبِهِ سُمِّيَ الحَدَثُ، والعَذْراءُ: شَيْءٌ مِن حَدِيدٍ يُعَذَّبُ بِهِ الإنْسانُ، كَأنَّهُ سُمِّيَ لِأنَّهُ يُوَسِّعُ الخَوْفَ بِما يُجَنِّبُ ما يُوجِبُ الِاعْتِذارَ، فَلا تَزالُ تِلْكَ الحَدِيدَةُ بِكْرًا لا يُوجَدُ مَن يُعَذَّبُ بِها، وأمّا عَذَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - إذا قَصَّرَ فَهو لِلسَّلْبِ، أيْ فَعَلَ ما لا يُوجَدُ لَهُ عُذْرٌ، وكَذا تَعَذَّرَ الأمْرُ أيْ صَعُبَ، يَعْنِي أنَّهُ تَجَنَّبَ العُذْرَ فَلَمْ يَبْقَ لِسُهُولَتِهِ وجْهٌ، …

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ …

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ …

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.