Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.

والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.

ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:

؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا

وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.

و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:

؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ

أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.

وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ

اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، …

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.

والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.

ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:

؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا

وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.

و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:

؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ

أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.

وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ

اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، …

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.

والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.

ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:

؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا

وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.

و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:

؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ

أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.

وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ

اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، …

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.

وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.

وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.

وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.

وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.

وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.

وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.

وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.

وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.

وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:

؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.

وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.

﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ …

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:

؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.

وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.

﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ …

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:

؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.

وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.

﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ …

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:

؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.

وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.

﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.