Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 123

61

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ

And to Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

ولَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ عادٍ عَلى ما أرادَ سُبْحانَهُ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن كانُوا عَقِبَهم في الزَّمَنِ ومِثْلَهم في سُكْنى أرْضِ العَرَبِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، والمُناسَبَةُ في الأمْرِ المُعَذَّبِ بِهِ؛ لِأنَّ المُوصِلَ لِلصَّيْحَةِ إلى الأسْماعِ هو الرِّيحُ وفِي خَفاءِ أمْرِهِمْ، مُفَصَّلًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿ثَمُودَ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿صالِحًا﴾ ثُمَّ أخْرَجَ قَوْلَهُ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ فَقالَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا مَن \ يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءٌ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ وحْدَهُ لِأنَّ عِبادَتَكم لَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ أغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ في أصْلِ الدِّينِ، وهو إفْرادُ المُنْعِمِ بِالعِبادَةِ.

ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ، ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ ونِعْمَتَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها بِغَيْرِ واسِطَةٍ وبِخَلْقِكم مِنَ المَنِيِّ [مِنَ الدَّمِ] وهو مِنَ الغِذاءِ وهو مِنَ النَّباتِ وهو مِنَ الأرْضِ كَما أنْشَأ أوْثانَكم مِنها ”و“ رَفَعَ مِقْدارَكم عَلَيْها بِأنِ ”اسْتَعْمَرَكم“ أيْ: أهَّلَكم لِما لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ الأوْثانَ مِن أنْ تَكُونُوا عُمّارًا ﴿فِيها﴾ فَلا تَنْسَوْا حَقَّ إلَهِكم وما فَضَّلَكم بِهِ مِن حَقِّ أنْفُسِكم بِخُضُوعِكم لِما لا يُساوِيكم فَكَيْفَ بِمَن أنْشَأكم وإيّاها؛ والإنْشاءُ: الِابْتِداءُ بِالإيجادِ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ عَظَمَتَهُ، وكانَ الشَّيْطانُ قَدْ شَبَّهَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ كَما هو حالُ المُلُوكِ وألْقى إلَيْهِمْ أنَّ الأوْثانَ وسائِلُ، نَفى ذَلِكَ مُبَيِّنًا طَرِيقَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: فَأقْبِلُوا بِكُلِّ قُلُوبِكم عَلَيْهِ طالِبِينَ أنْ يَسْتُرَ ذُنُوبَكُمْ؛ وذَكَرَ شَرْطَ المَغْفِرَةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى عَظِيمِ المَنزِلَةِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ أيِ ارْجِعُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم ﴿إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وعَطْفِهِ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ إلَيْهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى إمْهالَهُ لِلْعُصاةِ يَظُنُّ الظُّنُونَ ومَن عَصاهُ كانَ عَمَلُهُ عَمَلَ مَن يُنْكِرُ قُرْبَهُ وإجابَتَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ الَّذِي أخْلَصْتُ لَهُ العِبادَةَ لِإحْسانِهِ إلَيَّ وأدْعُوكم إلى الإخْلاصِ لَهُ لِإحْسانِهِ إلَيْكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مِن كُلِّ مَن أقْبَلَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى مُعاناةِ مَشْيٍ ولا حَرَكَةٍ جارِحَةٍ ﴿مُجِيبٌ﴾ لِكُلِّ مَن ناداهُ لا كَمَعْبُوداتِكم في الأمْرَيْنِ مَعًا.

62

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

They said, "O Salih, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

ولَمّا دَعاهم إلى الحَقِّ ونَصَّبَ لَهم عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما هم بِهِ مُعْتَرِفُونَ وذَكَّرَهم نِعَمَهُ مُومِئًا إلى التَّحْذِيرِ مِن نِقَمِهِ، وسَهَّلَ لَهم طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنْ سَلَخُوهُ مِن طَوْرِ البَشَرِيَّةِ لِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: ثَمُودُ ﴿يا صالِحُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ قِلَّةَ أدَبٍ مِنهم وجَفاءً ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ: فِيما بَيْنَنا إذا تَذاكَرْنا أمْرَكَ ﴿مَرْجُوًّا﴾ أيْ: في حَيِّزِ مَن يَصِحُّ أنْ يُرْجى أنْ يَكُونَ فِيهِ خَيْرٌ وسُؤْدُدٌ ورُشْدٌ وصَلاحٌ، واسْتَغْرَقُوا الزَّمانَ فَحَذَفُوا الجارَّ وقالُوا: ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي دَعَوْتَنا إلَيْهِ فَأمّا بَعْدَ هَذا فانْسَلَخْتَ مِن هَذا العِدادِ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا ما أوْجَبَ سُقُوطَهُ عِنْدَهم بِقَوْلِهِمْ مُنْكِرِينَ إنْكارَ مُحْتَرِقٍ ﴿أتَنْهانا﴾ أيْ: مُطْلَقَ نَهْيٍ ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وعَبَّرُوا بِصِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ كَأنَّ آباءَهم مَوْجُودُونَ فَلا تَمْكُنُ مُخالَفَتُهم إجْلالًا لَهُمْ، فَأجَّلُوا مَن يَرَوْنَهُ سَبَبًا قَرِيبًا في وُجُودِهِمْ ولَمْ يَهابُوا مَن أوَجَدَهم وآباءَهم أوَّلًا مِنَ الأرْضِ وثانِيًا مِنَ النُّطَفِ، ثُمَّ خَوَّلَهم فِيما هم فِيهِ، ثُمَّ فَزِعُوا - في أصْلِ الدِّينِ بَعْدَ ذِكْرِ الحامِلِ لَهم عَلى الكُفْرِ المانِعِ لَهم مِن تَرْكِهِ - إلى البُهْتِ بِأنَّ ما يُوجِبُ القَطْعَ لِكُلِّ عاقِلٍ مِن آيَتِهِ الباهِرَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَهم إلّا ما هو دُونَ الظَّنِّ في تَرْكِ إجابَتِهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ شَكَّهم حَقِيقٌ بِأنْ يُنْكَرَ لِأنَّهُ في أمْرٍ واضِحٍ جِدًّا لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ أصْلًا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ [و] زادُوا التَّأْكِيدَ بِالنُّونِ واللّامِ وبِالإشارَةِ بِالظَّرْفِ إلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ ﴿مِمّا﴾ ولَمّا كانَ الدّاعِي واحِدًا وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُلْحِقْ بِالفِعْلِ غَيْرَ نُونٍ واحِدَةٍ هي ضَمِيرُهم بِخِلافِ ما في سُورَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ؛ والرَّجاءُ: تَعَلُّقُ النَّفْسَ لِمَجِيءِ الخَيْرِ عَلى \ جِهَةِ الظَّنِّ، ونَظِيرُهُ الأمَلُ والطَّمَعُ؛ والنَّهْيُ: المَنعُ مِنَ الفِعْلِ بِصِيغَةِ لا تَفْعَلْ.

63

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allah if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

ولَمّا أبْرَزُوا لَهُ أمْرَهم في قالَبِ الشَّكِّ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، قابَلَهم بِمِثْلِهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ [إنْصافًا لَهم لِئَلّا يُلائِمَ الخِطابُ حالَ المُخاطَبِينَ]، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: صالِحٌ نادِبًا لَهم إلى النَّظَرِ في أمْرِهِ بِرِفْقٍ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الشَّكِّ لِأنَّ خِطابَهُ لِلْجاحِدِينَ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ، لا شَكَّ عِنْدِي فِيها ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: أوامِرَ هي سَبَبُ الرَّحْمَةِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ التَّهْوِيلَ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ: إنَّ وُقُوعَكم في الشَّكِّ [عَلى زَعْمِكُمْ] حَمَلَكم عَلى هَيْئَةِ الإباءِ في التَّلَبُّسِ بِأعْمالِهِمْ مَعَ زَوالِهِمْ واضْمِحْلالِهِمْ لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ وعَصَيْتُمُوهم لَمْ تُبالُوا بِهِمْ، وأمّا أنا فالَّذِي أمَرَنِي بِعِبادَتِهِ حَيٌّ قادِرٌ عَلى جَزاءِ مَن يُطِيعُهُ أوْ يَعْصِيهِ، وأقَلُّ ما يَحْمِلُ عَلى طاعَتِهِ الشَّكُّ في عُقُوبَتِهِ، وهو كافٍ لِلْعاقِلِ في تَرْكِ الخَطَرِ ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَهْيِكم لِي عَنِ الدُّعاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّكم ما ﴿تَزِيدُونَنِي﴾ بِذَلِكَ شَيْئًا في عَمَلِي بِما تَرْمُونَهُ مِنِّي مِن عَطْفِي عَنْهُ بِاتِّباعِكم في عَمَلِكم أوِ الكَفِّ عَنْكم لِأصِيرَ في عِدادِ مَن يُرْجى عِنْدَكم مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ: إيقاعِي في الخَسارَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا تَطْمَعُوا في تَرْكِي لِشَيْءٍ مِن مُخالَفَتِكم ما دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والآيَةُ كَما تَرى ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]

64

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ

And O my people, this is the she-camel of Allah - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allah 's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

ولَمّا أخْبَرَهم أنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ خُسْرانٌ، ذَكَّرَهم أمْرَ النّاقَةِ الَّتِي أخْرَجَها سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الأرْضِ شاهِدًا عَلى كَوْنِهِمْ مُساوِينَ لِلْأوْثانِ في كَوْنِهِمْ مِنها مُفَضَّلِينَ عَلَيْها بِالحَياةِ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَدِيدِ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ﴾ إشارَةً إلى حاضِرٍ، وذَلِكم بَعْدَ أنْ أخْرَجَها لَهم سُبْحانَهُ عِنْدَما دَعاهُ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وبَيَّنَ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى، ثُمَّ بَنى حالًا مِن ﴿آيَةً﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْها لِئَلّا يَكُونَ صِفَةً لَها فَقالَ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً لِنَظَرِكم إيّاها عِنْدَما خَرَجَتْ ولِكُلِّ مَن سَمِعَ بِها بَعْدَكُمْ، ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، أُشِيرَ إلَيْها حالَ كَوْنِها ﴿آيَةً﴾ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى أخْرَجَها لَكم مِن صَخْرَةٍ، وهي عُشَراءُ عَلى حَسَبِ ما اقْتَرَحْتُمْ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ وبِكَوْنِها تَنْفَرِدُ بِشُرْبِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُونَ كُلُّكم بِشُرْبِ يَوْمٍ وتَنْفَرِدُ بِرَعْيِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُ جَمِيعُ الحَيَواناتِ مِن دَوابِّكم ووُحُوشُ بِلادِكم بِرَعْيِ يَوْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أنْتُمْ لَهُ مُبْصِرُونَ وبِهِ عارِفُونَ ﴿فَذَرُوها﴾ أيِ اتْرُكُوها عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ تَرْكُكم لَها ﴿تَأْكُلْ﴾ [أيْ مِمّا أرادَتْ] ﴿فِي أرْضِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ الَّتِي خَلَقَها مِنها ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ والأكْلُ: مَضْغٌ يَقَعُ عِنْدَ بَلْعٍ؛ والمَسُّ مُطْلَقُ الإصابَةِ ويَكُونُ بَيْنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، واللَّمْسُ أخَصُّ مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الإدْراكِ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَكم ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: مِن زَمَنِ إصابَتِكم لَها بِالسُّوءِ.

65

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied."

ثُمَّ أشارَ إلى قُرْبِ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِهِ فِيها بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ومُعَقِّبًا: ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيِ النّاقَةَ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: [عِنْدَ] بُلُوغِهِ الخَبَرَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: [أنْتُمْ] تَعِيشُونَ ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ: دارِكم هَذِهِ، وهي بَلْدَةُ الحِجْرِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ زِيادَةٍ عَلَيْها، فانْظُرُوا ماذا يُغْنِي عَنْكم تَلَذُّذُكم وتَرَفُّهُكم وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ في هَذا الوَعِيدِ مَثْنَوِيَّةٌ، قالَ مُجِيبًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الوَعْدُ العالِي الرُّتْبَةِ في الصِّدْقِ والغَضَبِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ: فِيهِ؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ بِالمُدْرَكاتِ الحِسانِ مِنَ المَناظِرِ والأصْواتِ وغَيْرِها مِمّا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، وسُمِّيَتِ البِلادُ دارًا لِأنَّها جامِعَةٌ لِأهْلِها - كَما تَجْمَعُ الدّارُ - ويُدارُ فِيها،

66

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ

So when Our command came, We saved Salih and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day. Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

وأشارَ إلى تَعَقُّبِ العَذابِ لِلْأيّامِ وتَسَبُّبِهِ عَنِ الوَعِيدِ المُعَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ بِخِلافِ ما في قِصَّةِ هُودٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أيْ مَعَ مُضِيِّ الأيّامِ كانَ أوَّلَ ما فَعَلْنا أنْ ﴿نَجَّيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ أوْلِياءَنا ﴿صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن كَيْدِ قَوْمِهِمْ، [وبَيَّنَ أنَّ إحْسانَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا فَضْلًا مِنهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُونَ غَدًا يَوْمَ مُؤْنِسٍ - يَعْنِي الخَمِيسَ - ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ عُرُوبَةَ - يَعْنِي الجُمْعَةَ - ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِبارٍ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلَ - أيِ الأحَدَ - فَقالَ التِّسْعَةُ رَهْطٍ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، فَإنْ كانَ صادِقًا عَجَّلْناهُ قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا قَدْ [كُنّا] ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ، فَأتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ في أهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا أبَطُؤُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهُمْ! ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهم ولَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهُمْ: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ أبَدًا فَقَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ يَكُونُ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ وراءَ ما تُرِيدُونَ، فانْصَرَفُوا فَلَمّا أصْبَحَتْ وُجُوهُهم مُصْفَرَّةً عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهُمْ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَجاءَ إلى بَطْنٍ مِنهم يُقالُ لَهُ (بَنُو غُنْمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ [رَجُلٍ] فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ، فَعَدَوْا عَلى أصْحابِ صالِحٍ يُعَذِّبُونَهم لِيَدُلُّوهم عَلَيْهِ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّهم يُعَذِّبُونَنا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ، أفَنَدُلُّهُمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَدَلُّوهم عَلَيْهِ فَأتَوْهُ فَقالَ الغَنَمِيُّ: نَعَمْ عِنْدِي ولا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَتَرَكُوهُ وشَغَلَهم عَنْهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ [كَذا] ذَكَرَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ووَهْبٍ وغَيْرِهِما مُطَوَّلًا.

ولَمّا ذَكَرَ نَجاتَهم مِن كُلِّ هَلَكَةٍ، ذَكَرَ نَجاتَهم مِن خُصُوصِ ما عُذِّبَ بِهِ قَوْمُهم فَقالَ: ﴿ومِن﴾ أيْ: ونَجَّيْناهم مِن ﴿خِزْيِ﴾ أيْ: ذُلِّ وفَضِيحَةِ ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمِ إذْ جاءَ أمْرُنا بِإهْلاكِهِمْ بِالصَّيْحَةِ وحَلَّ بِهِمْ دُونَهم فَرْقًا [بَيْنَ] أوْلِيائِنا [و] أعْدائِنا، [وحَذْفُ ”نَجَّيْنا“ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَذابَهم دُونَ عَذابِ عادٍ]؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِهِ إهْلاكًا وإنْجاءً بِاخْتِصاصِهِ بِصِفاتِ القَهْرِ والغَلَبَةِ والِانْتِقامِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ كَما أحْسَنَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القَوِيُّ﴾ فَهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى مَنعِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ، مِن عَزَّ الشَّيْءُ أيِ امْتَنَعَ، ومِنهُ العِزازُ - لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ المُمْتَنِعَةِ بِذَلِكَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحى مِن مِثْلِهِ.

67

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

ثُمَّ بَيَّنَ إيقاعَهُ بِأعْدائِهِ بَعْدَ إنْجائِهِ لِأوْلِيائِهِ فَقالَ مُعَظِّمًا لِلْأخْذِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وأشارَ إلى عَظَمَةِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ بِإسْقاطِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وسَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ، وتَقَدَّمَ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالدِّيارِ مَعَ الصَّيْحَةِ والدّارِ مَعَ الرَّجْفَةِ في الأعْرافِ، وخُصَّتْ هُودٌ بِما ذُكِرَ فِيها لِأنَّ مَقْصُودَها أعْظَمُ نَظَرٍ إلى التَّفْصِيلِ، وكُلٌّ مِنَ الدِّيارِ والصَّيْحَةِ أقْرَبُ إلى ذَلِكَ.

68

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamud denied their Lord; then, away with Thamud.

ولَمّا كانَ الجُثُومُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: يُقِيمُوا أغْنِياءَ لاهِينَ بِالغَناءِ ﴿فِيها﴾ ثُمَّ نَبَّهَ - عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ لِمَن لَعَلَّهُ يَغْفُلُ فَيَسْألُ - بِقَوْلِهِ مُفْتَتِحًا بِالأداةِ الَّتِي لا تُقالُ إلّا عِنْدَ الأُمُورِ الهائِلَةِ: ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ قِراءَةُ الصَّرْفِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ [لِطَيْشِهِمْ في المَعْصِيَةِ] ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّغْطِيَةَ والسَّتْرَ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْسالِ وهو الظّاهِرُ وبِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَلا يَخْفى عَلى أحَدٍ أصْلًا، [فَإيصالُ الفِعْلِ دُونَ قَصْرِهِ كَما في أكْثَرِ أضْرابِهِ بَيانٌ لِغِلْظَةِ كُفْرِهِمْ]؛ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لَهُ وإعْلامًا بِتَأْبِيدِ هَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ تَرَكَ صَرْفَهم في قِراءَةِ غَيْرِ الكِسائِيِّ إيذانًا بِدَوامِ لُبْثِهِمْ في الطَّرْدِ والبُعْدِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ \ عَظِيمٌ مِن فَمِ حَيٍّ، والجُثُومُ لِدَوامِ مَكانٍ واحِدٍ أوِ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، وقِيلَ: القُعُودُ عَلى الرُّكَبِ؛ وقالَ: ﴿أصْبَحُوا﴾ [المائدة: ١٠٢] زِيادَةً في التَّخْوِيفِ والتَّأْسِيفِ بِما وقَعَ لَهم مِنَ التَّحْسِيرِ لَوْ أدْرَكَهُ أحَدٌ مِنهم لَأنَّ الإنْسانَ يَفْرَحُ إذا أصْبَحَ بِقِيامِهِ مِن نَوْمِهِ مُسْتَرِيحًا قادِرًا عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الحَرَكاتِ لِلِاسْتِمْتاعِ بِما يَشْتَهِي مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فَأصْبَحَ هَؤُلاءِ - بَعْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ - خُفُوتًا أجْمَعِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا ونِساءً صِغارًا وكِبارًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا [أصْلًا، ولا أصْدَرُوا فَصْلًا ولا وصْلًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا] لِلْعُيُونِ قُرَّةً، ولَمْ يُعَدُّوا في الأحْياءِ مَرَّةً، كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا؛ أيْ: يُقِيمُوا لِانْقِطاعِ آثارِهِمْ إلّا ما بَقِيَ مِن أجْسادِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الخِزْيِ؛ والمَغانِي: المَنازِلُ، وأصْلُ الغَناءِ الِاكْتِفاءُ؛ ومَعْنى ”ألا“ التَّنْبِيهُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ”لا“ فالألِفُ تَقْتَضِي مَعْنًى، و”لا“ تَنْفِي مَعْنًى، فاقْتَضى الكَلامُ بِهِما مَعْنى التَّنْبِيهِ مَعَ نَفْيِ الغَفْلَةِ - انْتَهى.

وكانَ حَقِيقَتَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”لا“ دَخَلَتْ عَلى ما بَعْدَها فَنَفَتْهُ، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ فَنَفَتْها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَرَجَعَ المَعْنى كَما كانَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ [التَّنْبِيهِ و] التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَعْنى بَعْدَ نَفْيِهِ آكَدُ مِن إثْباتِهِ عُرْيًا عَنِ النَّفْيِ ولا سِيَّما إذا كانَ المُفِيدُ لِذَلِكَ الإنْكارَ، وهَذا المَعْنى مُطَّرِدٌ في [ألا] العَرْضِيَّةِ وهَلا التَّخْصِيصِيَّةِ ونَحْوِهِما، ويَمْشِي في كُلِّ صِلَةٍ بِأنْ تَرُدَّها إلى أصْلِ مَدْلُولِها في اللُّغَةِ ثُمَّ تَتَصَرَّفُ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ - واللَّهُ الهادِي.

ولَما جازَ الصَّرْفُ في ثَمُودَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ أبِي القَبِيلَةِ وعَدَمُهُ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى القَبِيلَةِ اخْتِيرَ الصَّرْفُ في النَّصْبِ فَقَطْ لِخِفَّتِهِ.

69

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ

And certainly did Our messengers come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

ولَمّا انْقَضَتِ القِصَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّائِعِ، أتْبَعَها قِصَّةَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَتْ أشْهَرَ الوَقائِعِ بَعْدَها وهي أفْظَعُ مِنها وأرْوَعُ، وقَدَّمَ عَلَيْها ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَكَرَ بُشْراهُ لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّنْبِيهِ لِمَن تَعَنَّتَ بِطَلَبِ إنْزالِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَزِيزًا عَلَيْهِ. وقَدْ أكْثَرَ مِن فِعْلِهِ ولَكِنَّ نُزُولَهم مُرْهِبٌ، وأمْرَهم عِنْدَ المُكاشَفَةِ مُرْعِبٌ، وأمّا مَعَ السَّتْرِ فَلا يَقْطَعُ تَعَنُّتَهُمْ، هَذا مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُناسَبَةِ أمْرِ هَذا الوَلَدِ لِأمْرِ النّاقَةِ في تَكْوِينِ كُلٍّ مِنهُما بِخارِقٍ لِلْعادَةِ إشارَةً إلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ أمْرُ السُّورَةِ في إحْكامِ الكِتابِ وتَفْصِيلِهِ وتَناسُبِ جِدالَيْ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما شَفَقَةٌ عَلى الكافِرِينَ ورَجاءٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ العَذابِ بِحُسْنِ المَثابِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ ”لَقَدْ“ في صَدْرِها عَطْفًا عَلى ما في قِصَّةِ نُوحٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ الأغْراضِ، لِأنَّ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ فَجاءَتْ لِتُؤْذِنَ بِأنَّ السّامِعَ في حالِ تَوَقُّعٍ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا انْقَضَتْ قِصَّةُ الخَبَرِ عَمّا بَعْدَها فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: ودَخَلَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ كَما يُؤَكِّدُ القَسَمُ ﴿جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَمَتُهم مِن عَظَمَتِنا، قِيلَ: كانُوا جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿إبْراهِيمَ﴾ هو خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِالبُشْرى﴾ أيِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ البَشائِرِ وهي إكْرامُهُ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا لَهُ مِن زَوْجَتِهِ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، [جاءُوهُ] في الصِّفَةِ الَّتِي يُحِبُّها وهي صِفَةُ الأضْيافِ، فَلَمْ يَعْرِفْهم مَعَ أنَّهُ الخَلِيلُ بَلْ أنْكَرَهم كَما قالَ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] فَيُحْمَلُ إنْكارُهُ أوَّلًا عَلى الِاسْتِغْرابِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِمْ زِيَّ أهْلِ تِلْكَ البِلادِ ولا أثَرَ السَّفَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا عَظِيمًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ دائِمٌ عَلَيْكم لا زَوالَ لَهُ أبَدًا، فَلِلرَّفْعِ مَزِيَّةٌ عَلى النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ ثابِتٍ، والنَّصْبُ تَجْدِيدُ ما لَمْ يَكُنْ، فَصارَ مُنْدَرِجًا \ في ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] ثُمَّ أكْرَمَ نُزُلَهم وذَهَبَ يَفْعَلُ ما طَبَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَجايا الكَرَمِ وأفْعالِ الكِرامِ في أدَبِ الضِّيافَةِ مِنَ التَّعْجِيلِ مَعَ الإتْقانِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ: [فَتَسَبَّبَ عَنْ مَجِيئِهِمْ وتَعَقَّبَهُ أنَّهُ] ما تَأخَّرَ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ: مَشْوِيٍّ عَلى حِجارَةٍ مُحْماةٍ في أُخْدُودٍ [وفَوْقَهُ حِجارَةٌ مُحْماةٌ لِيَشْتَدَّ نُضْجُهُ، فَكانَ بَعْدَ الشَّيِّ] يَقْطُرُ دَسَمُهُ لِأنَّهُ سَمِينٌ، كُلُّ ذَلِكَ وهو لا يَعْرِفُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ هو قاطِعٌ بِأنَّهم مِمَّنْ يَأْكُلُ، وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] الآيَةَ. أيْ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ المَعانِيَ في القُلُوبِ وناطَ بِها السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ، وقَدْ تَخْفى تِلْكَ المَعانِي كَما خَفِيَ عَلى أكْمَلِ …

70

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension. They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

ولَمّا وضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لَمْ يَلُمُّوا بِهِ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلِ [عَقِبَ الوَضْعِ سَواءٌ] ﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ: [إلى] العِجْلِ الَّذِي وضَعَهُ لِيَأْكُلُوهُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيِ اشْتَدَّتْ نَكارَتُهُ لَهم وانْفَعَلَ لِذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ نَكِرَ أبْلَغُ مِن أنْكَرَ ﴿وأوْجَسَ﴾ أيْ: أضْمَرَ مَخْفِيًّا في قَلْبِهِ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ [أيْ عَظِيمَةً] لِما رَأى مِن أحْوالِهِمْ وشاهَدَ مِن جَلالِهِمْ، [وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ]، والدَّلِيلُ - عَلى أنَّ خَوْفَهُ كانَ لِعِلْمِهِ بِالتَّوَسُّمِ أنَّهم مَلائِكَةٌ نَزَلُوا لِأمْرٍ يَكْرَهُهُ مِن تَعْذِيبِ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ أوْ نَحْوَ هَذا - أنَّهم ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أيْ: مِمَّنْ لا يُرَدُّ أمْرُهُ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَإنَّهم نَفَوُا الخَوْفَ عَنْهُ بِالإعْلامِ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ، لا بِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً، قالُوا ذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.