Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ غَرَضٌ غَيْرُ نُصْحِهِمْ بِقَوْلِهِ [مَوْضِعَ: ”إنِّي ناصِحٌ لَكم بِهَذا الأمْرِ فَلا يَسُوءْكم مُواجَهَتِي لَكم فِيهِ بِما تَكْرَهُونَ]“ ﴿يا قَوْمِ﴾ مُكَرِّرًا لِاسْتِعْطافٍ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ كَما لَمْ أسْألْكم في الماضِي ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الإنْذارِ ﴿أجْرًا﴾ أيْ: فَلَسْتُ مَوْضِعَ تُهْمَةٍ ﴿إنْ﴾ [أيْ ما]؛ ﴿أجْرِيَ﴾ [ثُمَّ وصَفَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الكِفايَةِ فَعَلَيَّ وُجُوبُ شُكْرِهِ فَقالَ]: ﴿إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: ابْتَدَأ خَلْقِي ولَمْ يُشارِكْهُ فِيَّ أحَدٌ؛ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ لا أُوَجِّهُ رَغْبَتِي إلى غَيْرِهِ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ لِكَوْنِهِ فِطْرَةً.

ولَمّا كانَ الخِلافُ الَّذِي لا حَظَّ فِيهِ جِهَةَ الدُّنْيا لا يَحْتاجُ الإنْسانُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مَلْجَأٌ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِهِ إلى غَيْرِ العَقْلِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

ولَمّا دَعاهم مُشِيرًا إلى تَرْهِيبِهِمْ مُسْتَدِلًّا عَلى الصِّدْقِ بِنَفْيِ الغَرَضِ، رَغَّبَهم في إدامَةِ الخَوْفِ مِمّا مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ ومَن هم أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ولَهم قُدْرَةٌ عَلى ما طُلِبَ مِنهم ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا غُفْرانَهُ بِطاعَتِكم لَهُ لِما يَجِبُ لَهُ بِإحْسانِهِ إلَيْكم. وأشارَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَسَمُّوا عالِيَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِأنْ تَطْلُبُوا سَتْرَ اللَّهِ لِذُنُوبِكم ثُمَّ تَرْجِعُوا إلى طاعَتِهِ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ والِاسْتِمْرارِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ الماءَ النّازِلَ مِنها أوِ السَّحابَ بِالماءِ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: هاطِلَةً بِمَطَرٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً مَجْمُوعَةً ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”اسْتَغْفِرُوا“ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الِانْقِيادِ فَتُبالِغُوا في الإعْراضِ - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِأنْفُسِكم - بِبِناءِ أمْرِكم عَلى الظُّنُونِ الفاسِدَةِ عَنْ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

ولَمّا مَحَّضَ لَهُمُ النُّصْحَ عَلى غايَةِ البَيانِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنَّ ﴿قالُوا﴾ أيْ: عادَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهم [ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ] مِنَ المُعْجِزاتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ ﴿يا هُودُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ غِلْظَةً وجَفاءً ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ فَأوْضَحُوا لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهم مُكابِرُونَ لِقَوِيمِ العَقْلِ وصَرِيحِ النَّقْلِ، فَهم مُفْتَرُونَ كَما كانَ العَرَبُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ أتاهم مِنَ الآياتِ عَلى يَدِهِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ ”لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ“ ﴿وما نَحْنُ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ مُجاوِزِينَ لَها أوْ صادِرِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ وتَرْكِهِمْ لِلْعَطْفِ بِالفاءِ - المُؤْذِنَةِ بِأنَّ الأوَّلَ سَبَبُ الثّانِي أيِ الواوِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً، وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ - دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَرَكُوا اتِّباعَهُ عِنادًا، لا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ؛ [وإلى ذَلِكَ يُرْشِدُ أيْضًا تَعْبِيرُهم بِالِاسْمِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الثَّباتِ فَإذا نُفِيَ لَمْ يَنْتِفِ الأصْلُ]؛ والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ في الفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والبَيانُ \: فَصْلُ المَعْنى مِن غَيْرِهِ حَتّى يَظْهَرَ لِلنَّفْسِ مُحَرَّرًا مِمّا سِواهُ، والحامِلُ عَلى تَرْكِ البَيِّنَةِ بَعْدَ ظُهُورِها صَدُّ الشُّبْهَةِ عَنْها أوْ تَقْلِيدُ الرُّؤَساءِ في دَفْعِها واتِّهامُ مُورِدِها أوِ اعْتِقادُ أُصُولٍ فاسِدَةٍ تَدْعُو إلى جَحْدِها أوِ العِنادُ لِلْحَسَدِ ونَحْوِهِ، والجامِعُ لَهُ كُلِّهِ وُجُودُ الشُّبْهَةِ.

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

ولَمّا قالُوا هَذا الكَلامَ البَيِّنَ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَقْضِ ما قالَ لَهم بِنَوْعِ شُبْهَةٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذا الَّذِي قُلْتُهُ لَكم وهو لا أبْيَنَ مِنهُ ولا أعْدَلَ، افْرِضُوا أنَّهُ ما ظَهَرَ لَكم صِحَّتُهُ فَما تَقُولُونَ إنَّهُ حَمَلَنِي عَلَيْهِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُنابِذَتَكم وأنْتُمْ أوْلادُ عَمِّي وأعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ؟ فَقالُوا: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ: أصابَكَ وغَشِيَكَ غِشْيانًا التَصَقَ بِكَ التِصاقَ العُرْوَةِ بِما هي فِيهِ مَعَ التَّعَمُّدِ والقُوَّةِ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ مِن نَحْوِ الجُنُونِ والخَبالِ فَذاكَ الحامِلُ لَكَ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها.

ولَمّا كانَ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ قاضِيًا بِأنَّ الإنْسانَ يَخْشى مِمَّنْ مَسَّهُ بِسُوءٍ وهو يَتَوَهَّمُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرَرِهِ فَلا يُواجِهُهُ بِما يَكْرَهُ، [وكانَ قَوْلُهم مُحَرِّكًا لِلسّامِعِ إلى الِاسْتِعْلامِ عَنْ جَوابِهِ لَهُمْ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿قالَ﴾ نافِيًا لِما قالُوا مُبَيِّنًا أنَّ آلِهَتَهم لا شَيْءَ ضامًّا لَهم مَعَها، وأكَّدَ لِأنَّهم بِحَيْثُ لا يَظُنُّونَ أنَّ أحَدًا [لا] يَقُولُ ما قالَهُ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ لِيَقُومَ عُذْرِي عِنْدَهُ [وعَدَلَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَقُولَ: وأُشْهِدُكم - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَسْوِيَةٌ - إلى صِيغَةِ الأمْرِ تَهاوُنًا بِهِمْ فَقالَ]: ﴿واشْهَدُوا﴾ [أيْ] أنْتُمْ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأيِّكم ويَبِينَ عَجْزُكم ويَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّكم بِحَيْثُ يُتَهاوَنُ بِكم وبِدِينِكم ولا يُبالِي بِكم ولا بِهِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] وبَيَّنَ سُفُولَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] كائِنًا ما كانَ ومَن كانَ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا جَمادًا

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿فَكِيدُونِي﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فُرادى إنْ شِئْتُمْ أوْ مُجْتَمِعِينَ أنْتُمْ وآلِهَتُكم.

ولَمّا كانَتِ المُعاجَلَةُ في الحَرْبِ أهْوَلَ، وكانَ شَأْنُها أصْعَبَ وأخْطَرَ، بَيَّنَ عِظَمَها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ والكَيْدُ: طَلَبُ الغَيْظِ بِالسِّرِّ في مَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الواضِحَةِ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّ آلِهَتَنا لا شَيْءَ، فَما حَمَلَكَ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى مُخالَفَتِنا نَحْنُ وأنْتَ كَثْرَتُنا وقُوَّتُنا وأنْتَ لا تَزِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ واحِدًا مِنّا؟ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: جَسَرْتُ عَلى ذَلِكَ لِأنِّي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ مُعْتَمِدًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المَلِكِ المَرْهُوبِ عِقابُهُ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وبَيَّنَ إحاطَةَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنا ودَبَّرَ أُمُورَنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنا فَعَلِمَ ما يَعْمَلُ كُلٌّ مِنّا في حَقِّ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا هو آخِذٌ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِناصِيَتِها﴾ أيْ: قادِرٌ عَلَيْها، وقَدْ صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ، لِأنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ مُرادِهِ لا مَعَ مُرادِهِمْ بَلْ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْ كَراهَةٍ لِبَعْضِ ما هو فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ مُرادِهِ وإنَّما هو بِمُرادٍ قاهِرٍ قَهَرَهُ عَلى ذَلِكَ وهو المَلِكُ الأعْلى سُبْحانَهُ؛ والنّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ومَن أخَذَ بِناصِيَتِهِ فَقَدِ انْقادَ لِأخْذِهِ لا يَسْتَطِيعُ مَيْلًا ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما أقامَنِي فِيهِ ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ لا لَبْسَ فِيهِ أصْلًا ولا خَلَلَ ولا اضْطِرابَ ولا اعْوِجاجَ بِوَجْهٍ، فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ مَن في الكَوْنِ يَتَألَّهُهُ ويَدْعُوهُ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ وإنِ اتَّخَذَ بَعْضُهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ، وأمّا ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ فَلا يُعَظِّمُهُ إلّا عابِدُهُ، وأمّا غَيْرُ عابِدِهِ فَإنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا؛ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [غَلَبَةً] يَعْلَمُها كُلُّ مَوْجُودٍ مِن غَيْرِ خَفاءٍ أصْلًا، فَهو مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ بِخِلافِ مَعْبُوداتِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ يَلْزَمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الظُّهُورُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاخْتِلافِ لِانْتِفاءِ اللَّبْسِ، فَمَن كانَ عَلَيْهِ كانَ عَلِيَّ القَدْرِ شَهِيرَ الأمْرِ، بَصِيرًا بِما يُرِيدُ، مَعَ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ، مَرْهُوبَ العاقِبَةِ، مَقْصُودًا بِالِاتِّباعِ والمَحَبَّةِ، مَن لَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ ضَلَّ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ أُخِذَ لِكَثْرَةِ أعْوانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ، فَظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ عَلى عِصْمَةِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وعَجْزُ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، لِأنَّ نَواصِيَ الكُلِّ بِيَدِهِ وهو رَبُّها ورَبُّهم ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدِ انْطَبَقَ خِتامُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] رَدًّا لَهُ لِأنَّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْيَنَ مِن أمْرِهِ، وعَلى جَوابِهِ في تَوَكُّلِهِ وما في حَيِّزِهِ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ، وأصْلُها الِاتِّصالُ مِن قَوْلِهِمْ: مَفازَةٌ تَناصِي مَفازَةً - إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِها.

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

﴿فَكِيدُونِي﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فُرادى إنْ شِئْتُمْ أوْ مُجْتَمِعِينَ أنْتُمْ وآلِهَتُكم.

ولَمّا كانَتِ المُعاجَلَةُ في الحَرْبِ أهْوَلَ، وكانَ شَأْنُها أصْعَبَ وأخْطَرَ، بَيَّنَ عِظَمَها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ والكَيْدُ: طَلَبُ الغَيْظِ بِالسِّرِّ في مَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الواضِحَةِ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّ آلِهَتَنا لا شَيْءَ، فَما حَمَلَكَ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى مُخالَفَتِنا نَحْنُ وأنْتَ كَثْرَتُنا وقُوَّتُنا وأنْتَ لا تَزِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ واحِدًا مِنّا؟ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: جَسَرْتُ عَلى ذَلِكَ لِأنِّي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ مُعْتَمِدًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المَلِكِ المَرْهُوبِ عِقابُهُ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وبَيَّنَ إحاطَةَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنا ودَبَّرَ أُمُورَنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنا فَعَلِمَ ما يَعْمَلُ كُلٌّ مِنّا في حَقِّ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا هو آخِذٌ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِناصِيَتِها﴾ أيْ: قادِرٌ عَلَيْها، وقَدْ صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ، لِأنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ مُرادِهِ لا مَعَ مُرادِهِمْ بَلْ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْ كَراهَةٍ لِبَعْضِ ما هو فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ مُرادِهِ وإنَّما هو بِمُرادٍ قاهِرٍ قَهَرَهُ عَلى ذَلِكَ وهو المَلِكُ الأعْلى سُبْحانَهُ؛ والنّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ومَن أخَذَ بِناصِيَتِهِ فَقَدِ انْقادَ لِأخْذِهِ لا يَسْتَطِيعُ مَيْلًا ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما أقامَنِي فِيهِ ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ لا لَبْسَ فِيهِ أصْلًا ولا خَلَلَ ولا اضْطِرابَ ولا اعْوِجاجَ بِوَجْهٍ، فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ مَن في الكَوْنِ يَتَألَّهُهُ ويَدْعُوهُ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ وإنِ اتَّخَذَ بَعْضُهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ، وأمّا ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ فَلا يُعَظِّمُهُ إلّا عابِدُهُ، وأمّا غَيْرُ عابِدِهِ فَإنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا؛ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [غَلَبَةً] يَعْلَمُها كُلُّ مَوْجُودٍ مِن غَيْرِ خَفاءٍ أصْلًا، فَهو مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ بِخِلافِ مَعْبُوداتِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ يَلْزَمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الظُّهُورُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاخْتِلافِ لِانْتِفاءِ اللَّبْسِ، فَمَن كانَ عَلَيْهِ كانَ عَلِيَّ القَدْرِ شَهِيرَ الأمْرِ، بَصِيرًا بِما يُرِيدُ، مَعَ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ، مَرْهُوبَ العاقِبَةِ، مَقْصُودًا بِالِاتِّباعِ والمَحَبَّةِ، مَن لَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ ضَلَّ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ أُخِذَ لِكَثْرَةِ أعْوانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ، فَظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ عَلى عِصْمَةِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وعَجْزُ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، لِأنَّ نَواصِيَ الكُلِّ بِيَدِهِ وهو رَبُّها ورَبُّهم ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدِ انْطَبَقَ خِتامُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] رَدًّا لَهُ لِأنَّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْيَنَ مِن أمْرِهِ، وعَلى جَوابِهِ في تَوَكُّلِهِ وما في حَيِّزِهِ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ، وأصْلُها الِاتِّصالُ مِن قَوْلِهِمْ: مَفازَةٌ تَناصِي مَفازَةً - إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِها.

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

ولَمّا اسْتَوْفى تَشْيِيدَهُ أمَرَهُ وهَدْمَ قَوْلِهِمْ، أخَذَ يُحَذِّرُهم فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ العُدُولَ عَمّا جاءَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا بِمُعالَجَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَوْ أدْنى تَوْلِيَةٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، فَعَلَيْكُمُ اللَّوْمُ دُونِي، لِأنِّي فَعَلْتُ ما عَلَيَّ ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنِّي قَدْ ﴿أبْلَغْتُكم ما﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ ﴿أُرْسِلْتُ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ إرْسالِي مِن عِنْدِ مَن لا مُرْسِلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿بِهِ إلَيْكُمْ﴾ كامِلًا لَمْ أدَعْ مِنهُ شَيْئًا رَجاءً لِإقْبالِكم ولا خَوْفًا مِن إعْراضِكُمْ، فَأبَيْتُمْ إلّا التَّكْذِيبَ لِي والِاسْتِكْبارَ عَمّا جِئْتُ بِهِ، فالَّذِي أرْسَلَنِي يَنْتَقِمُ مِنكم فَيُهْلِكَكم ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ أيْ: يُوجِدُ المُحْسِنُ إلَيَّ بِإقامَتِي فِيما يُرْضِيهِ ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكُمْ، فَتَكُونُونَ أعْداءَهُ، ويَكُونُ المُسْتَخْلَفُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِأنْ يَكُونُوا أوْلِياءَ [مَعَ كَوْنِهِمْ ذَوِي بَأْسٍ وقُوَّةٍ] فَيَخْتَصُّ الضَّرَرُ بِكم ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾ أيِ اللَّهَ بِإعْراضِكم ﴿شَيْئًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ وعِيدَهُ لَهم بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ العاصِيَ فاعِلٌ بِعِصْيانِهِ فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ غافِلٌ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ المُدَبِّرَ لِمَصالِحِي.

ولَمّا كانَ الأهَمُّ في هَذا السِّياقِ بَيانَ اسْتِعْلائِهِ وقُدْرَتِهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ جَلِيلٍ أوْ حَقِيرٍ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [و] بالِغُ الحِفْظِ لَهُ، فَيَعْلَمُ ما يَعْمَلُ مَحْفُوظُهُ فَيُجازِيَهِ بِما يَسْتَحِقُّ مِن نِعَمِهِ ونِقَمِهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِخْلافِ غَيْرِهِمْ وتَنَزُّهِهِ عَنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ، لِأنَّ الحِفْظَ: الحِراسَةُ، ويَلْزَمُها العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَمِنَ القُدْرَةِ حافِظُ العَيْنِ، أيْ لا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ، والحَفِيظَةُ - لِلْحَمِيَّةِ والغَضَبِ، ومِنهُما مَعًا المُحافَظَةُ - لِلْمُواظَبَةِ عَلى الشَّيْءِ؛ والتَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ: الذَّهابُ إلى غَيْرِ جِهَتِهِ إعْراضًا عَنْهُ؛ والإبْلاغُ: إلْحاقُ الشَّيْءِ نِهايَتَهُ؛ والِاسْتِخْلافُ: جَعْلُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ يَقُومُ مَقامَهُ؛ والضُّرُّ: إيجابُ الألَمِ بِفِعْلِهِ أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ.

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَرْجِعُوا ولَمْ يَرْعَوُوا لِبَيِّنَةٍ ولا رَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ فَأنْزَلَنا بِهِمْ أمْرَنا ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ في الإيمانِ والنَّجاةِ مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ وإعْجابِهِمْ بِقُواهُمْ، ويُقالُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ [بِحَيْثُ] لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَتِهِ، فَإنَّ طاعَتَهُ نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ تَحْقِيقًا لِتَوَكُّلِ عَبْدِنا؛ ولَمّا بَيَّنَ إنْجاءَهم مِن قَوْمِهِمْ بَيَّنَ إنْجاءَهم مِمّا أهْلَكَهم بِهِ فَقالَ [مُكَرِّرًا ذِكْرَ التَّنْجِيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ عَذابَهم كانَ في غايَةِ الفَظاعَةِ]: ﴿ونَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وبَيَّنَ فَظاعَةَ ما أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: أهْلَكْنا بِهِ مُخالِفِيهِمْ وهو الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، وهَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] كَأنَّهم كانُوا إذا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَصَدُوا نَبِيَّهم ومَن آمَنَ بِهِ لِيُهْلِكُوهم قَبْلَهم كَما صَرَّحَ بِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ؛ والنَّجاةُ: السَّلامَةُ مِنَ الهَلاكِ؛ وحَقِيقَةُ الغِلْظَةِ عِظَمُ الجُثَّةِ، فاسْتُعِيرَ لِلْعَذابِ لِثِقَلِهِ عَلى النَّفْسِ وطُولِ مُكْثِهِ.

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

ولَمّا تَمَّتْ قِصَّتُهم عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ والأُسْلُوبِ \ المُطْرِبِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أيْ: قِصَّةُ القَوْمِ البُعَداءِ البُغَضاءِ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أنْتَ ولا قَوْمُكَ ولا أهْلُ الكِتابِ، وإنَّما نُفِيَتْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ما لَهُ أصْلٌ عَنْ أنْبِيائِهِمْ، وهَذِهِ وقِصَّةُ ثَمُودٍ لَيْسَتا في التَّوْراةِ ولا شَيْءَ مِن أسْفارِ أنْبِيائِهِمْ، وسَألْتُ بَعْضَ عُلَمائِهِمْ فَلَمْ أجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا مِن عِلْمِها ولا حَرْفًا واحِدًا ولا سَمِعَ بِعادٍ ولا هُودٍ، وتَلْخِيصُ قِصَّتِهِمْ أنَّهم ﴿جَحَدُوا﴾ أيْ: كَذَّبُوا عِنادًا واسْتِهانَةً ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ فَإنَّ مَن عَصى واحِدًا مِنهم فَقَدْ عَصى الكُلَّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ التَّساوِي في مُطْلَقِ المُعْجِزَةِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ أيْ: قاهِرٍ بَلِيغِ القَهْرِ يَجْبُرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ في أصْلِ الدِّينِ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّ الضَّمائِرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ [فَيُمْكِنُ كُلَّ أحَدٍ مُخالَفَةُ الجَبّارِ فِيهِ] ﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ: طاغٍ باغٍ لا يَقْبَلُ الحَقَّ بِوَجْهٍ، فَأُهْلِكُوا ولَمْ يَمْنَعْهم تَجَبُّرُهم ولا أغْنى عَنْهم عِنادُهم وتَكَبُّرُهُمْ

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

﴿وأُتْبِعُوا﴾ جَمِيعًا بَعْدَ إهْلاكِهِمْ بِأيْسَرِ وجْهٍ لِعَظِيمِ قُدْرَةِ المُتَّبِعِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ حَقَّرَها في هَذِهِ العِبارَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ مَعَ التَّصْغِيرِ، وبِما دَلَّ عَلى الدُّنُوِّ وبِأنَّ مَنِ اغْتَرَّ بِها فَهو مِمَّنْ وقَفَ مَعَ الشّاهِدِ لِما لَهُ مِنَ الجُمُودِ ﴿لَعْنَةً﴾ أيْ: طَرْدًا وبُعْدًا وإهْلاكًا ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ بَلْ أشَدُّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَما لِمُصِيبَتِهِمْ مِن تَلافٍ؟ فَقِيلَ: لا، ”ألّا“ مُفْتَتِحًا لِلْإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ الأداةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ إلّا بَيْنَ يَدَيْ كَلامٍ يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ ويَجِلُّ خَطْبُهُ، والتَّأْكِيدُ في الإخْبارِ بِكُفْرِهِمْ تَحْقِيقٌ لِحالِهِمْ، وفِيهِ مِن أدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ الرَّدُّ عَلى طائِفَةٍ قَدْ حَدَثَتْ بِالقُرْبِ مِن زَمانِنا يُصَوِّبُونَ جَمِيعَ المِلَلِ وخَصُّوا عادًا هَذِهِ لِكَوْنِها أغْناهم بِأنْ قالُوا: إنَّهم مِنَ المُقَرَّبِينَ إلى اللَّهِ وإنَّهم بِعَيْنِ الرِّضى مِنهُ، فاللَّهُ المَسْؤُولُ في الإدالَةِ عَلَيْهِمْ وشِفاءِ الصُّدُورِ مِنهُمْ، وهم أتْباعُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الكافِرِ العَنِيدِ أهْلِ الِاتِّحادِ، المُجاهِرُونَ بِعَظِيمِ الإلْحادِ، المُسْتَخِفُّونَ بِرَبِّ العِبادِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ بَيانًا لا خَفاءَ مَعَهُ: ﴿إنَّ عادًا كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَقْصُرِ الفِعْلَ، بَلْ عَدّاهُ إعْظامًا لِطُغْيانِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيْ: غَطَّوْا [جَمِيعَ أنْوارِ] الظّاهِرِ الَّذِي لا يَصِحُّ أصْلًا خَفاؤُهُ لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى مَخْلُوقٍ إلّا مِنهُ، [فَكانَ كُفْرُهم أغْلَظَ الكُفْرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْثَنِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ إبْلاغِهِمْ جَمِيعَ ما أُمِرَ بِهِ ولا تَرَكَ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وفِيهِمْ قُدْوَةٌ]، ومَن كَفَرَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ بَعُدَ بُعْدًا لا قُرْبَ مَعَهُ.

ولَمّا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا والخَطْبُ جَلِيلًا، كَرَّرَ الأداةَ الَّتِي تُقالُ عِنْدَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ فَقالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ [هُوَ] مِن بَعِدَ - بِكَسْرِ العَيْنِ إذا كانَ بُعْدُهُ بِالهَلاكِ، وبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ تَحْقِيقًا لَهم لِأنَّهم عادانِ: الأُولى والآخِرَةُ، وإيماءً إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْإبْعادِ بِما جَرى لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم مِنَ الإنْكارِ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهَلاكِ كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهم كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْهَلاكِ؛ والجَحْدُ: الخَبَرُ عَمّا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُها، وهو ضِدُّ الِاعْتِرافِ كَما أنَّ النَّفْيَ ضِدُّ الإثْباتِ، فَهو خَبَرٌ بِمُجَرَّدِ العَدَمِ فَهو أعَمُّ؛ والعِصْيانُ خِلافُ ما أُمِرَ بِهِ الدّاعِي عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؛ واللَّعْنَةُ: الدُّعاءُ بِالإبْعادِ، وأصْلُها الإبْعادُ مِنَ الخَيْرِ؛ والإتْباعُ: جَعْلُ الثّانِي عَلى أثَرِ الأوَّلِ، والإبْلاغُ أخَصُّ مِنهُ، والمُرادُ هُنا بُلُوغُها لَهُمْ؛ لِأنَّ الَّذِي قَضى بِذَلِكَ قادِرٌ وقَدْ ألْحَقَ بِهِمْ عَذابَ الدُّنْيا المُبْعِدَ لَهم مِن مَظانِّ الرَّحْمَةِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.