يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ …