Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١] ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إنَّما خاطَبَ كُلُّ رَسُولٍ بِهِ قَوْمَهُ، إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ، وتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ، فَإنَّها لا تُنْجَعُ ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ، إذْ تَرُدُّونَ نَصِيحَةَ مَن لا يَسْألُكم أجْرًا، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ، أوْ تَتَدَبَّرُونَ الصَّوابَ مِنَ الخَطَأِ.

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢] ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ الهَوى بِالشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، بِالتَّوَجُّهِ إلى التَّوْحِيدِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ، أيِ الأمْطارِ، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ (السَّماءِ). ولَمْ يُؤَنَّثْ مَعَ أنَّهُ مِن مُؤَنَّثٍ، إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ أوِ المَطَرُ، فَذَكَرَ عَلى المَعْنى، أوْ (مِفْعالٌ) لِلْمُبالَغَةِ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَصَبُورٍ، أوِ الهاءُ حُذِفَتْ مِن (مِفْعالٍ) عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ -أفادَهُ السَّمِينُ-: ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ" أيْ مَضْمُومَةً إلَيْها أوْ مَعَها. أيْ شِدَّةً إلى شِدَّتِكم بِالقُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، أوْ بِالمالِ أوِ البَنِينَ. وإنَّما اسْتَمالَهم إلى الإيمانِ ورَغَّبَهم فِيهِ، بِكَثْرَةِ المَطَرِ، وزِيادَةِ القُوَّةِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وبَساتِينَ، حُرّاصًا عَلى التَّقَوِّي بِما ذَكَرَ، لِثَراءِ مالِهِمْ، وتَرْهِيبِ أعْدائِهِمْ، وقَدْ كانُوا مَثَلًا في القُوَّةِ، كَما قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم وآثامِكم.

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٣] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وذَلِكَ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ، وعَمى بَصِيرَتِهِمْ عَنْ إدْراكِ البُرْهانِ؛ لِمَكانِ الغِشاواتِ الطَّبِيعِيَّةِ، وإذا لَمْ يُدْرِكُوهُ أنْكَرُوهُ بِالضَّرُورَةِ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تارِكِي) أيْ تَرْكًا صادِرًا عَنْ قَوْلِكَ، أوْ (عَنْ) لِلتَّعْلِيلِ، كَهي في قَوْلِهِ: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤] أيْ لِأجْلِها، فَتَتَعَلَّقُ (بِتارِكِي) والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ عِلَّةً فاعِلِيَّةً، ولا يُفِيدُهُ (الباءُ واللّامُ). وهَذا كَقَوْلِهِمْ في الأعْرافِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [الأعراف: ٧٠]

﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُصَدِّقِينَ. إقْناطٌ لَهُ مِنَ الإجابَةِ.

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤] ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [ ٥٥] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ مَسَّكَ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ بِجُنُونٍ، لِسَبِّكَ إيّاها، وصَدِّكَ عَنْها، وعَداوَتِكَ لَها، مُكافَأةً لَكَ مِنها عَلى سُوءِ فِعْلِكَ بِسُوءِ الجَزاءِ، ومِن ثَمَّ تَتَكَلَّمُ بِما تَتَكَلَّمُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَلَّتْ أجْوِبَتُهُمُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّهم كانُوا جُفاةً، غِلاظَ الأكْبادِ، لا يُبالُونَ بِالبَهْتِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى النُّصْحِ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم لِلرُّشْدِ، وهَذا الأخِيرُ دالٌّ عَلى جَهْلٍ مُفْرِطٍ، وبَلَهٍ مُتَناهٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيْ عَلَيَّ ﴿واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يُواجِهَ، بِهَذا الكَلامِ، رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةً عِطاشًا إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَبِّهِ، وأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهُمْ، فَلا تَنْشُبُ فِيهِ مَخالِبُهُمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] أكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ ووَثَّقَها بِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأُمُورَ بِشَهادَةِ اللَّهِ، وشَهادَةِ العِبادِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى أنِّي لا أفْعَلُ كَذا، ويَقُولُ لِقَوْمِهِ: كُونُوا شُهَداءَ عَلى أنِّي لا أفْعَلُهُ. ولَمّا جاهَرَ بِالبَراءَةِ مِمّا يَعْبُدُونَ، أمَرَهم بِالِاحْتِشادِ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، دُونَ إمْهالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] أيْ أنْتُمْ وآلِهَتُكم ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] يَعْنِي إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ، مِن كَوْنِ آلِهَتِكم لَها تَأْثِيرٌ في ضُرٍّ، فَكُونُوا مَعَها فِيهِ، وباشِرُوهُ أُعَجِّلُ ما تَفْعَلُونَ دُونَ إمْهالٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ في قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا، وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، وهَذا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَجُلًا مُفْرَدًا بَيْنَ الجَمِّ الغَفِيرِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ، مِن عُتاةِ عادٍ، الغِلاظِ الشِّدادِ. وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهُمْ، وحَقَّرَهم وآلِهَتَهُمْ، وهَيَّجَهم عَلى مُباشَرَةِ مَبادِئِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وحَثَّهم عَلى التَّصَدِّي لِأسْبابِ المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كُلِّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، كَيْفَ لا وقَدِ التَجَأ إلى رُكْنٍ مَنِيعٍ رَفِيعٍ، حَيْثُ قالَ:

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤] ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [ ٥٥] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ مَسَّكَ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أيْ بِجُنُونٍ، لِسَبِّكَ إيّاها، وصَدِّكَ عَنْها، وعَداوَتِكَ لَها، مُكافَأةً لَكَ مِنها عَلى سُوءِ فِعْلِكَ بِسُوءِ الجَزاءِ، ومِن ثَمَّ تَتَكَلَّمُ بِما تَتَكَلَّمُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَلَّتْ أجْوِبَتُهُمُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّهم كانُوا جُفاةً، غِلاظَ الأكْبادِ، لا يُبالُونَ بِالبَهْتِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى النُّصْحِ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم لِلرُّشْدِ، وهَذا الأخِيرُ دالٌّ عَلى جَهْلٍ مُفْرِطٍ، وبَلَهٍ مُتَناهٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيْ عَلَيَّ ﴿واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يُواجِهَ، بِهَذا الكَلامِ، رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةً عِطاشًا إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَبِّهِ، وأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهُمْ، فَلا تَنْشُبُ فِيهِ مَخالِبُهُمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] أكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ ووَثَّقَها بِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأُمُورَ بِشَهادَةِ اللَّهِ، وشَهادَةِ العِبادِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى أنِّي لا أفْعَلُ كَذا، ويَقُولُ لِقَوْمِهِ: كُونُوا شُهَداءَ عَلى أنِّي لا أفْعَلُهُ. ولَمّا جاهَرَ بِالبَراءَةِ مِمّا يَعْبُدُونَ، أمَرَهم بِالِاحْتِشادِ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، دُونَ إمْهالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] أيْ أنْتُمْ وآلِهَتُكم ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] يَعْنِي إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ، مِن كَوْنِ آلِهَتِكم لَها تَأْثِيرٌ في ضُرٍّ، فَكُونُوا مَعَها فِيهِ، وباشِرُوهُ أُعَجِّلُ ما تَفْعَلُونَ دُونَ إمْهالٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ في قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا، وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، وهَذا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَجُلًا مُفْرَدًا بَيْنَ الجَمِّ الغَفِيرِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ، مِن عُتاةِ عادٍ، الغِلاظِ الشِّدادِ. وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهُمْ، وحَقَّرَهم وآلِهَتَهُمْ، وهَيَّجَهم عَلى مُباشَرَةِ مَبادِئِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وحَثَّهم عَلى التَّصَدِّي لِأسْبابِ المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كُلِّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، كَيْفَ لا وقَدِ التَجَأ إلى رُكْنٍ مَنِيعٍ رَفِيعٍ، حَيْثُ قالَ:

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٦] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيْ فَلا تَصِلُونَ إلَيَّ بِسُوءٍ لِتَوَكُّلِي عَلى اللَّهِ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ مالِكٌ لَها، قادِرٌ عَلَيْها، يَصْرِفُها كَيْفَ شاءَ.

قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وكَوْنَهُ حِصْنًا حَصِينًا، أوَّلًا بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ، ومَن يُرَبِّ يُدَبِّرُ أمْرَ المَرْبُوبِ ويَحْفَظُهُ، فَلا حاجَةَ لَهُ إلى كِلاءَةِ غَيْرِهِ وحِفْظِهِ، ثُمَّ بِأنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَمْلَكَتِهِ وقُدْرَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ والقُوَّةِ والتَّأْثِيرِ في غَيْرِهِ، لا حِراكَ بِهِ بِنَفْسِهِ، كالمَيِّتِ، فَلا حاجَةَ إلى الِاحْتِرازِ مِنهُ -انْتَهى-.

والنّاصِيَةُ: مَنبَتُ الشَّعْرِ مِن مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وتُطْلَقُ عَلى الشَّعَرِ النّابِتِ فِيها أيْضًا، تَسْمِيَةً لِلْحالِ بِاسْمِ المَحَلِّ. يُقالُ: نَصَوْتُ الرَّجُلَ: أخَذْتُ بِناصِيَتِهِ.

وفِي (العِنايَةِ): وقَوْلُهُمْ: ناصِيَتُهُ بِيَدِهِ، أيْ مُنْقادٌ لَهُ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والتَّسَلُّطِ، مَجازًا أوْ كِنايَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ، مِن عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى إضْرارِهِ، أيْ هو عَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيَّ، إذْ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ بِهِ، ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.

قالَ في (العِنايَةِ): هو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى أُمُورِ العِبادِ، مُجازٍ لَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، كافٍ لِمَنِ اعْتَصَمَ، كَمَن وقَفَ عَلى الجادَّةِ فَحَفِظَها، ودَفَعَ ضَرَرَ السّابِلَةِ بِها.

وهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] والِاقْتِصارُ عَلى إضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ، إمّا بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ، لِظُهُورِ المُرادِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللُّطْفَ والإعانَةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِ دُونَهم.

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٧] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا، بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكم ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم. أيْ: فَيُهْلِكُهُمْ، ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلِفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أيْ بِتَوَلِّيكُمْ؛ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ تَضُرُّونَ أنْفُسَكم. أوْ بِذَهابِكم وهَلاكِكم لا يَنْقُصُ مَن مُلْكِهِ شَيْءٌ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمْ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، أوْ حافِظٌ حاكِمٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ.

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٨] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوْ أمْرُنا بِالعَذابِ، وهو الرِّيحُ العَقِيمُ: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وقَدْ بَيَّنَ في غَيْرِ آيَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]

فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ؟ فالجَوابُ: لا تَكْرِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّ نَجاتَهم بِرَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، والثّانِي بَيانُ ما نَجَوْا مِنهُ، وأنَّهُ أمْرٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ لا سَهْلٌ، فَهو لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى الإيمانِ. أوِ الأوَّلُ إنْجاءٌ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والثّانِي مِن عَذابِ الآخِرَةِ، تَعْرِيضًا بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ، فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ. ويُرَجَّحُ الأوَّلُ بِمُلاءَمَتِهِ لِمُقْتَضى المَقامِ.

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٩] ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾

﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ تَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ، بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ. وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ، أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ لَعَدَمِهِمْ. وإذا كانَتِ الإشارَةُ لِمَصارِعِهِمْ، فَهي لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، وتَعَدّى الجُحُودُ بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ المُرادُ. أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ، كَما أنَّ (كَفَرَ) جَرى مَجْرى (جَحَدَ). فَتَعَدّى بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠] وقِيلَ (كَفَرَ) كَـ (شَكَرَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ. وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ: أنَّ (جَحَدَ) كَذَلِكَ.

والمَعْنى: كَفَرُوا بِاللَّهِ، وأنْكَرُوا آياتِهِ الَّتِي في الأنْفُسِ والآفاقِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وجَمْعُ (الرُّسُلِ)، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ غَيْرُ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ، وإظْهارًا لِكَمالِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بِبَيانِ أنَّ عِصْيانَهم لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عِصْيانٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ؛ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] -كَذا في (العِنايَةِ) وأبِي السُّعُودِ-.

﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ أطاعُوا في الشِّرْكِ ﴿أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لا يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلٍ، ولا يَقْبَلُهُ مِن غَيْرِهِ. يُرِيدُ رُؤَساءَهم وكُبَراءَهُمْ، ودُعاتَهم إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٠] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾

﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَتْ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ، أيْ لازِمَةً.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ، فَكَأنَّها لا تُفارِقُهُمْ، وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَيْثُما دارُوا. ولِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ اتِّباعِهِمْ رُؤَساءَهم. يَعْنِي: أنَّهم لَمّا اتَّبَعُوهم أُتْبِعُوا ذَلِكَ جَزاءً وِفاقًا.

﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ -وتَقَدَّمَ تَعْدِيَةُ (كَفَرَ)-: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ أوْ بِاللَّعْنَةِ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالسُّخْطِ عَلَيْهِمْ والمَقْتِ، ما لا يَخْفى فَظاعَتُهُ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإعادَةُ (عادٍ) لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ حالِهِمْ، والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِنَبَئِهِمْ. و(قَوْمُ هُودٍ) عَطْفُ بَيانٍ لِـ (عادٍ) فائِدَتُهُ النِّسْبَةُ بِذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي إنَّما اسْتَحَقُّوا الهَلاكَ بِسَبَبِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عادٌ قَوْمُ هُودٍ الَّذِي كَذَّبُوهُ. وتُناسِبُ الآيَ بِذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ قَبْلَها: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] وقَبْلَ ذَلِكَ (حَفِيظٌ) و(غَلِيظٌ)، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو عَلى وزْنِ (فَعِيلٍ) المُناسِبِ لِـ (فَعُولٍ) في القَوافِي -واللَّهُ أعْلَمُ-.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.