Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿وقالَ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا واحِدًا، وكَلامَيْنِ، فالكَلامُ الواحِدُ أنْ يَتَّصِلَ (بِسْمِ اللَّهِ) بِـ (ارْكَبُوا) حالًا مِنَ الواوِ، بِمَعْنى: ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللَّهَ، أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللَّهِ وقْتَ إجْرائِها، ووَقْتَ إرْسائِها، إمّا لِأنَّ المَجْرى والمَرْسى لِلْوَقْتِ، وإمّا لِأنَّهُما مَصْدَرانِ، كالإجْراءِ والإرْسالِ، حُذِفَ مِنهُما الوَقْتُ المُضافُ، كَقَوْلِهِمْ: (خُفُوقُ النَّجْمِ) و(مَقْدِمُ الحاجِّ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَكانا الإجْراءِ والإرْساءِ. وانْتِصابُهُما، بِما في (بِسْمِ اللَّهِ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما فِيهِ مِن إرادَةِ القَوْلِ.

والكَلامانِ: أنْ يَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقْتَضَبَةً، أيْ: بِسْمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، يُرْوى أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَجَرَتْ، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَسَتْ. ويَجُوزُ أنْ يُقْحَمَ الِاسْمُ، كَقَوْلِهِ:

؎ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما

ويُرادُ: بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ بِقُدْرَتِهِ وأمْرِهِ. ومَعْنى قَوْلِنا: (جُمْلَةٌ مُقْتَضَبَةٌ) أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومَرْساها بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقْتَضَبَةٍ، بِأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (الفُلْكِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِسْمِ اللَّهِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] –انْتَهى-.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قَرَأ الإخْوانُ -حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ- (مَجْراها) بِفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّها. واتَّفَقَ السَّبْعَةُ عَلى ضَمِّ مِيمِ (مُرْساها). وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَّقَفِيُّ (مَرْساها) بِفَتْحِ المِيمِ أيْضًا. وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ والسِّينِ وياءٍ بَعْدَهُما، بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، مَجْرُورِي المَحَلِّ، صِفَتَيْنِ لِلَّهِ.

الثّانِي: ما وقَعَ بَعْدَ الرّاءِ مِنَ الألِفاتِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ، الَّتِي لِلتَّأْنِيثِ، أوْ لِلْإلْحاقِ، أمالَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ووافَقَهم حَفْصٌ في إمالَةِ (مَجْراها) هُنا، ولَمْ يُمِلْ غَيْرُهُ.

الثّالِثُ: أخَذَ بَعْضُهم مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ أعْنِي تَقْدِيرَ قائِلِينَ، اسْتِحْبابَ التَّسْمِيَةِ، وذِكْرِهِ تَعالى عِنْدَ ابْتِداءِ الجَرْيِ والإرْساءِ، وهو مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ [الزخرف: ١٣] الآيَةَ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِالحَثِّ عَلى ذَلِكَ، والنَّدْبُ إلَيْهِ أيْضًا.

وقَوْلُهُ …

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾

﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (ارْكَبُوا)، أيْ فارْكَبُوا مُسَمِّينَ وهي تَجْرِي، وهم فِيها. ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَفَتَّحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ، وتَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الأرْضِ تَعاظَمَتِ المِياهُ، وعَلَتْ أكْنافَ الأرْضِ، وارْتَفَعَتْ فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ مِن أمْواجِهِ كالجِبالِ.

﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ في مُتَنَحًّى عَنْ أبِيهِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ أيِ ادْخُلْ في دِينِنا، واصْحَبْنا في السَّفِينَةِ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ في الدِّينِ والِانْعِزالِ، الهالِكِينَ.

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ أيْ فَلا أغْرَقُ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ أيْ لا مانِعَ اليَوْمَ مِن بَلائِهِ، وهو الطُّوفانُ، إلّا الرّاحِمُ وهو اللَّهُ تَعالى. أوْ لا عاصِمَ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، يَعْنِي السَّفِينَةَ. أوْ لا عاصِمَ، بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ. أوْ (إلّا) مُنْقَطِعَةٌ، أيْ لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ فَهو المَعْصُومُ.

قالَ النّاصِرُ: الِاحْتِمالاتُ المُمْكِنَةُ أرْبَعَةٌ: لا عاصِمَ إلّا راحِمٌ، ولا مَعْصُومَ إلّا مَرْحُومٌ، ولا عاصِمَ إلّا مَرْحُومٌ، ولا مَعْصُومَ إلّا راحِمٌ. فالأوَّلانِ اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ، والآخَرانِ مِن غَيْرِ الجِنْسِ. أيْ: فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا. أيْ لَكِنَّ المَرْحُومَ يُعْصَمُ، عَلى الأوَّلِ. ولَكِنَّ الرّاحِمَ يَعْصِمُ مَن أرادَ، عَلى الثّانِي.

وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ خامِسًا وهُوَ: لا عاصِمَ إلّا مَرْحُومٌ، عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، بِتَأْوِيلِ حَذْفِ المُضافِ، تَقْدِيرُهُ: لا مَكانَ عاصِمٌ إلّا مَكانٌ مَرْحُومٌ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ التَّعْرِيضُ بِعَدَمِ عِصْمَةِ الجَبَلِ، وبِالمُثْبَتِ التَّعْرِيضُ بِعِصْمَةِ السَّفِينَةِ، والكُلُّ جائِزٌ، وبَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ -انْتَهى-.

﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ: صارَ حائِلًا بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ، لِارْتِفاعِهِ فَوْقَهُ ﴿فَكانَ﴾ أيِ ابْنُهُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ الجَبَلِ ﴿مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ أيِ الهالِكِينَ بِالغَرَقِ.

وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى هَلاكِ سائِرِ الكَفَرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُقَرَّرَ الوُقُوعِ، غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ. وفي إيرادِ (كانَ) دُونَ (صارَ) مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهم -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ- وقَوْلُهُ تَعالى:

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَمّا غَرِقَ أهْلُ الأرْضِ، ولَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ دَيّارٌ، أمَرَ تَعالى الأرْضَ أنْ تَبْلَعَ ماءَها الَّذِي نَبَعَ مِنها، واجْتَمَعَ عَلَيْها، وأمَرَ السَّماءَ أنْ تُقْلِعَ عَنِ المَطَرِ، فَنَضَبَ الماءُ، وقُضِيَ أمْرُ اللَّهِ بِإنْجاءِ مَن نَجا، وإهْلاكِ مَن هَلَكَ.

ولَمّا أخَذَتِ المِياهُ تَتَناقَصُ وتَتَراجَعُ إلى الأرْضِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وظَهَرَتْ رُؤُوسُ الجِبالُ، اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، وهو جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ قُرْبَ المُوصِلِ.

و﴿بُعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ، أيْ وبَعُدُوا بُعْدًا. يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا، إذا أرادُوا البُعْدَ البَعِيدَ مِن حَيْثُ الهَلاكُ والمَوْتُ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ كَـ (جَدْعا) و(تَعْسًا). و(اللّامُ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (قِيلَ) أيْ قِيلَ لِأجَلِهِمْ هَذا القَوْلُ.

والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْهَلاكِ، ولِتَذَكُّرِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ بَلَغَتْ مِن أسْرارِ الإعْجازِ غايَتَها، وحَوَتْ مِن بَدائِعِ الفَرائِدِ نِهايَتَها. وقَدِ اهْتَمَّ عُلَماءُ البَيانِ لِإيضاحِ نُخَبٍ مِن لَطائِفِها، ومِن أوْسَعِهِمْ مَجالًا في مِضْمارِ مَعارِفِها، الإمامُ السَّكاكِيُّ، فَقَدْ أطالَ وأطابَ في كِتابِهِ (المِفْتاحِ) وتَلَطَّفَ في التِّبْيانِ بِألْطَفَ مِن نَسِيمِ الصَّباحِ، ونَحْنُ نُورِدُهُ بِتَمامِهِ، لِنُعَطِّرَ الألْبابَ بِعَرْفِ مُبْتَدَئِهِ ومِسْكِ خِتامِهِ.

قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في بَحْثِ (البَلاغَةِ والفَصاحَةِ)، وتَعْرِيفُهُ الأوْلى بِأنَّها بُلُوغُ المُتَكَلِّمِ في تَأْدِيَةِ المَعانِي حَدًّا لَهُ اخْتِصاصٌ بِتَوْفِيَةِ خَواصِّ التَّراكِيبِ حَقَّها، وإيرادِ أنْواعِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ والكِنايَةِ عَلى وجْهِها، ثُمَّ تَقْسِيمُهُ الفَصاحَةَ إلى ما يَرْجِعُ إلى المَعْنى، وهو خُلُوصُ الكَلامِ عَنِ التَّعْقِيدِ. وإلى اللَّفْظِ، وهو كَوْنُهُ عَرَبِيًّا أصْلِيًّا، جارِيًا عَلى قَوانِينِ اللُّغَةِ، أدْوَرُ عَلى ألْسِنَةِ الفُصَحاءِ، أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ما صُورَتُهُ:

وإذْ قَدْ وقَفْتَ عَلى البَلاغَةِ، وعَثَرْتَ عَلى الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ واللَّفْظِيَّةِ، فَأنا أذْكُرُ عَلى سَبِيلِ الأُنْمُوذَجِ، آيَةً أكْشِفُ لَكَ فِيها، عَنْ وُجُوهِ البَلاغَةِ والفَصاحَتَيْنِ، ما عَسى يَسْتُرُها عَنْكَ، ثُمَّ إنْ ساعَدَكَ الذَّوْقُ، أدْرَكْتَ مِنها ما قَدْ أدْرَكَ مَن تُحُدُّوا بِها، وهي قَوْلُهُ، عَلَتْ كَلِمَتُهُ: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ إلى ﴿الظّالِمِينَ﴾

والنَّظَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ: مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ، ومِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي، وهُما مَرْجِعا البَلاغَةِ، ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ، ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ.

أمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ، وهو النَّظَرُ فِيما فِيها مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وما يَتَّصِلُ بِها، فَنَقُولُ: إنَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى: أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥] ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إعْلامٌ بِأنَّ نُوحًا حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الأُبُوَّةِ، وتَعَطُّفِ الرَّحِمِ والقَرابَةِ، عَلى طَلَبِ نَجاتِهِ؛ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، واهْتِمامِهِ بِأمْرِهِ. وقَدْ راعى مَعَ ذَلِكَ أدَبَ الحَضْرَةِ، وحُسْنَ السُّؤالِ فَقالَ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تُخْلِفُ وعْدَكَ بِإنْجاءِ أهْلِي، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِفَهْمِهِ مِنَ الأهْلِ ذَوِي القَرابَةِ الصُّورِيَّةِ، والرَّحِمِ النِّسْبِيَّةِ، وغَفَلَ لِفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى ابْنِهِ عَنِ اسْتِثْنائِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّ ابْنَهُ هو الَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، فاسْتَعْطَفَ رَبَّهُ بِالِاسْتِرْحامِ، وعَرَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ إلى أنَّ العالِمَ العادِلَ والحَكِيمَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ.

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦] ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيِ المَوْعُودُ إنْجاؤُهُمْ، بَلْ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لِكُفْرِهِمْ، أوْ لَيْسَ مِنهم أصْلًا، لِأنَّ مَدارَ الأهْلِيَّةِ هو القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ، ولا عَلاقَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ.

قالَ القاشانِيُّ: أيْ أنَّ أهْلَكَ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ، واللُّحْمَةُ المَعْنَوِيَّةُ، والِاتِّصالُ الحَقِيقِيُّ لا الصُّورِيُّ. كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألا وإنَّ ولِيَّ مُحَمَّدٍ مَن أطاعَ اللَّهَ وإنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ. ألا وإنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَن عَصى اللَّهَ، وإنْ قَرُبَتْ لُحْمَتُهُ.

﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ بَيَّنَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أهْلَهُ هُمُ الصُّلَحاءُ، أهْلُ دِينِهِ وشَرِيعَتِهِ، وإنَّهُ لِتَمادِيهِ في الفَسادِ والغَيِّ، كَأنَّ نَفْسَهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وتَلْوِيحًا بِأنَّ سَبَبَ النَّجاةِ لَيْسَ إلّا الصَّلاحَ، لا قَرابَتُهُ مِنكَ بِحَسَبِ الصُّورَةِ، فَمَن لا صَلاحَ لَهُ، لا نَجاةَ لَهُ، وهَذا سِرُّ إيثارِ ﴿غَيْرُ صالِحٍ﴾ عَلى (عَمَلٌ فاسِدٌ).

وقَدْ قَرَأ يَعْقُوبُ والكِسائِيُّ (عَمِلَ) بِلَفْظِ الماضِي، والباقُونَ بِلَفْظِ المَصْدَرِ، بِجَعْلِهِ نَفْسَ العَمَلِ، مُبالَغَةً، كَما بَيَّنّا.

﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ لا تَلْتَمِسُ مِنِّي مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ؟ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ. قالُوا: والنَّهْيُ إنَّما هو عَنْ سُؤالِ ما لا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ أصْلًا، إمّا لِأنَّهُ لا يُهِمُّ، أوْ لِأنَّهُ قامَتِ القَرائِنُ عَلى حالِهِ، كَما هُنا، لا عَنِ السُّؤالِ لِلِاسْتِرْشادِ.

﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ أنْهاكَ أنْ تَكُونَ مِنهم بِسُؤالِكَ إيّايَ ما لَمْ تَعْلَمْ. وقَدْ تَنَبَّهَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، عِنْدَ ذَلِكَ التَّأْدِيبِ الإلَهِيِّ، والعِتابِ الرَّبّانِيِّ، وتَعَوَّذَ بِقَوْلِهِ:

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ ما فَرَطَ مِنِّي ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ بِالوُقُوفِ عَلى ما تُحِبُّ وتَرْضى ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، بِالِاحْتِجابِ عَنْ عِلْمِكَ وحِكْمَتِكَ.

تَنْبِيهٌ:

ظاهِرُ التَّنْزِيلِ أنَّ ابْنَهُ المَذْكُورَ لِصُلْبِهِ، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ومُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الباقِرِ أنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ، رَبِيبَهُ. وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِقِراءَةِ عَلِيٍّ: (ونادى نُوحٌ ابْنَها) -واللَّهُ أعْلَمُ-.

ثُمَّ أنْبَأ تَعالى عَمّا قِيلَ لِنُوحٍ، بَعْدَ أنْ أرْسَتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، بِقَوْلِهِ:

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨] ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيِ انْزِلْ مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ أيْ: سَلامَةٍ ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ في السَّفِينَةِ عَلى دِينِكَ وطَرِيقَتِكَ إلى آخِرِ الزَّمانِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ ومِنهم أُمَمٌ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ في الحَياةِ الدُّنْيا لِاحْتِجابِهِمْ بِها ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما.

لَطِيفَةٌ:

ذَهَبَ العُلَماءُ، في الطُّوفانِ، مَذاهِبَ شَتّى. فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَمَّ الأرْضَ بِأسْرِها، ومِن ذاهِبٍ إلى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّ إلّا الأرْضَ المَأْهُولَةَ وقْتَئِذٍ بِالبَشَرِ، ومِن جانِحٍ إلى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّها كُلَّها ولَمْ يَهْلَكِ البَشَرُ كُلُّهم. ولِكُلِّ فَرِيقٍ حُجَجٌ يُدَعِّمُ بِها مَذْهَبَهُ:

قالَ تَقِيُّ الدِّينِ المَقْرِيزِيُّ في (الخُطَطِ): إنَّ جَمِيعَ أهْلِ الشَّرائِعِ، أتْباعِ الأنْبِياءِ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ نُوحًا هو الأبُ الثّانِي لِلْبَشَرِ، وأنَّ العَقِبَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْحَصَرَ فِيهِ، ومِنهُ ذَرَأ اللَّهُ جَمِيعَ أوْلادِ آدَمَ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ إلّا وهو مِن أوْلادِ نُوحٍ، وخالَفَتِ القِبْطُ والمَجُوسُ وأهْلُ الهِنْدِ والصِّينِ ذَلِكَ، فَأنْكَرُوا الطُّوفانَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الطُّوفانَ إنَّما حَدَثَ في إقْلِيمِ بابِلَ وما وراءَهُ مِنَ البِلادِ الغَرْبِيَّةِ فَقَطْ، وأنَّ أوْلادَ (كَيُومِرْتَ) الَّذِي هو عِنْدَهُمُ (الإنْسانُ الأوَّلُ) كانُوا بِالبِلادِ الشَّرْقِيَّةِ مِن بابِلَ، فَلَمْ يَصِلِ الطُّوفانُ إلَيْهِمْ، ولا إلى الهِنْدِ والصِّينِ، والحَقُّ ما عَلَيْهِ أهْلُ الشَّرائِعِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أنْجاهُ اللَّهُ ومَن مَعَهُ بِالسَّفِينَةِ، نَزَلَ بِهِمْ، وهم ثَمانُونَ رَجُلًا سِوى أوْلادِهِ، فَماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يُعَقِّبُوا، وصارَ العَقِبُ مِن نُوحٍ في أوْلادِهِ الثَّلاثَةِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] اهـ.

ونَحْوَهُ في الكامِلِ لِابْنِ الأثِيرِ.

وقالَ ابْنُ خَلْدُونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الطُّوفانَ الَّذِي كانَ في زَمَنِ نُوحٍ وبِدَعْوَتِهِ، ذَهَبَ بِعُمْرانِ الأرْضِ أجْمَعَ، بِما كانَ مِن خَرابِ المَعْمُورِ، وهَلَكَ الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ، ولَمْ يَعْقُبُوا، فَصارَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مِن نَسْلِهِ، وعادَ أبًا ثانِيًا لِلْخَلِيقَةِ -انْتَهى.

قالَ بَعْضُهم (فِي تَقْرِيرِ عُمُومِ الطُّوفانَ، مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ) إنَّ مِياهَ الطُّوفانِ قَدْ تَرَكَتْ آثارًا عَجِيبَةً في طَبَقاتِ الأرْضِ الظّاهِرَةِ، فَيُشاهَدُ في أماكِنِ رَواسِبَ بَحْرِيَّةٍ مُمْتَزِجَةٍ بِالأصْدافِ، حَتّى في قِمَمِ الجِبالِ، ويَرى في السُّهُولِ والمَفاوِزِ بَقايا حَيَوانِيَّةً ونَباتِيَّةً مُخْتَلِطَةً بِمَوادَّ بَحْرِيَّةٍ، بَعْضُها ظاهِرٌ عَلى سَطْحِها، وبَعْضُها مَدْفُونٌ عَلى مَقْرُبَةٍ مِنهُ، واكْتُشِفَ في الكُهُوفِ عِظامٌ حَيَوانِيَّةٌ مُتَخالِفَةُ الطِّباعِ، بَعِيدَةُ الِائْتِلافِ، مَعَها بَقايا آلاتٍ صِناعِيَّةٍ، وآثارٌ بَشَرِيَّةٌ، مِمّا يُثْبِتُ أنَّ طُوفانًا قادَها إلى ذاكَ المَكانِ، وجَمَعَها قَسْرًا فَأبادَها، فَتَغَلْغَلَتْ بَيْنَ طَبَقاتِ الطِّينِ فَتَحَجَّرَتْ، وظَلَّتْ شَهادَةً عَلى ما كانَ، بِأمْرِ الخالِقِ تَعالى -انْتَهى-.

وقَدْ سُئِلَ …

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٩] ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيِ الإيحاءِ إلَيْكَ، والإخْبارِ بِها. وفي ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْها؛ إذْ لَمْ يُخالِطُ غَيْرَهُمْ، وأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَمْ يَسْمَعُوها، فَكَيْفَ بِواحِدٍ مِنهُمْ؟ ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأذى قَوْمِكَ، كَما صَبَرَ نُوحٌ، وتَوَقَّعَ في العاقِبَةِ لَكَ، ولِمَن كَذَّبَكَ، نَحْوُ ما قُيِّضَ لِنُوحٍ ولِقَوْمِهِ -كَذا في (الكَشّافِ)- ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، وفي الآخِرَةِ بِالنَّعِيمِ الأبَدِيِّ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي.

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (نُوحًا). أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ و(أخاهُمْ) بِمَعْنى (واحِدًا) مِنهم كَما يَقُولُونَ: (يا أخا العَرَبِ) ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحْدَهُ، ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ شُرَكاءَ، وجَعْلِها شُفَعاءَ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.